islamaumaroc

سقوط الحصون

  دعوة الحق

181 العدد

"لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدور". صدق الله العظيم (سورة الحشر –الآية 14)
هذا واحد من أسس القتال عند الإسرائليين كما يصوره القرآن الكريم في بلاغة وإيجاز. أنهم لا يقاتلون إلا مستعينين بالحصون المنيعة، ولا يقاتلون إلا من وراء الأسوار الحاكمة. لماذا ؟ لأنهم لا طاقة لهم بمواجهة أعدائهم، حيت تعني المواجهة المجردة بين الخصمين أن الشجاعة والعوامل الشخصية عند كل مقاتل هي صاحبة القول الفصل في تحديد المنتصر والمغلوب.
إذا ترك الأمر لعوامل الشجاعة والصبر والجلد والبطولة والفداء، فالإسرائيلي هو الخاسر لا محالة ولهذا نراهم في قتالهم دائما يعمدون إلى موازنة انعدام تلك المتطلبات عندهم بإيجاد عوامل أخرى. أنهم يلجأون إلى الحصون المنيعة والأسوار العالية ففيها يجدون من الحماية والمتعة ما عز عليهم أن يجدوه في نفوسهم المنهزمة.
إنه أسلوب قديم قدم وجودهم ذاته. لقد تحدث عنه القرآن الكريم منذ أربعة عشر قرنا من الزمان. وفي عصرنا الحديث، كان خط بارليف وخط ألون هما النموذج المعاصر لهذا الأسلوب الإسرائيلي.
كان الخط الأول يحمل اسم القائد الذي تولى إنشاءه، وهو الجنرال بارليف، رئيس هيئة الأركان العامة الإسرائيلية، وقد قدرت تكاليف بنائه على طول قناة السويس بمئات الملايين من الدولارات، ووصفته بعض الدوائر العسكرية الغربية بأنه خط لا يقهر، ووصفته دوائر أخرى –في الغرب أيضا- بأنه الخط الذي لا يمكن قهره بقنبلة ذرية. وأشاد قادة إسرائيل بمناعته وقالوا أنه لا يمكن اختراقه بأي شكل من الأشكال.
وقد كانت فكرة بارليف في إنشاء هذا الخط تقوم أساسا على حجة سياسية مفادها : أنه لا يجب أن يحصل المصريون على موطئ قدم واحد في سيناء، ويجب الحيلولة بأي ثمن دون وصول المصريين إلى الضفة الشرقية لقناة السويس.
وبدأ إنشاء الخط في العام 1967 عقب هزيمة يونيو. وفي مبدأ الأمر لم يكن يزيد على بضع حفر مغطاة بقضبان حديدية مقوسة تركها الجيش المصري في المنطقة أثناء انسحابه. وكانت هذه الأقواس الحديدية مغطاة بأكياس الرمل وكتل الحجارة. وبدأت هذه الحفر تتضخم تدريجيا حتى تحولت إلى مواقع محصنة بحواجز رملية، ومسقوفة بقضبان انتزعت من السكة الحديدية المصرية في سيناء، وبأطنان من الرمال والحجارة.
وقد استخدمت في بناء الخط عشرات من الجرارات والجرافات والمعدات الثقيلة الأخرى، وجلبت من شمال إسرائيل بواسطة آلاف من العربات النقل كتل من الأحجار، وضعت في شباك من الحديد لاستخدامها في بناء طبقات ممتالية فوق الغرف. وقد عرفت هذه الطبقات باسم "طبقات التفجير"، وكان الهدف من طبقات التفجير هذه والتي بلغ سمكها بضعة أمتار الحيلولة دون نفاذ قذائف المدفعية الثقيلة إلى إداخل. واستخدم الإسرائيليون المدفعية الثقيلة التي غنموها في حرب يونيو 1967 لاختبار قدرة الصمود في طبقات التفجير.
ومع مرور الشهور كان قد تم تطوير هذا الخط بعد أن أنفقت عليه مبالغ هائلة. وشقت الطرق الجديدة المؤدية إلى التحصينات، وزيد من ارتفاع الساتر الرملي على طول القناة، وحفرت فيه مراكز للدبابات.
وقد أقيم خط بارليف في تصميم مستطيل يغطي منطقة المواجهة، في تحصينات متكاملة بنيت كمجموعات على صورة قبضات محكمة. ليكون في إمكان كل منها تغطية الأخرى ومساندتها. وقد أحيطت النقاط القوية من كل اتجاه بحواجز قوية من الأسلاك الشائكة والألغام وبمختلف وسائل الإنذار.
كما درب الجنود في النقاط الدفاعية على العمل كمراقبين أرضيين مساعدين للطيران لتسهيل التعاون بين النقط القوية والدعم الجوي المباشر لها.
كان المقاتلون في التحصينات مزودين بقوة كبيرة من النيران، يمكن تشغيلها وإدارتها بواسطة عدد قليل من الرجال، وكان هناك اكتفاء ذاتي للجنود من الناحية القتالية يمكنهم من الصمود في وجه قوات متفوقة لمدة أسبوع كلما، مما يسمح تماما للقوات الاحتياطية بالوصول والتعزيز والسيطرة على الموقف.
وكانت أماكن الإقامة للجنود داخل المواقع محصنة. وكانوا ينامون على أسرة من طابقين كما هو الحال في قمرات السفن. وكانت عندهم كل احتياجاتهم من المطابخ وخزانات المياه المثلجة ووسائل الاتصال الهاتفي المباشر بأهاليهم وذويهم في قلب إسرائيل.
كانوا يعيشون في ظروف ترف لا تختلف كثيرا عما ألفوه في حياتهم المدنية، فكانت هناك في كل حصن آلة عرض سينمائية، وفي كثير منها كانت هناك نواد مجهزة بأدوات رياضية لممارسة بعض ألعاب القوى وكرة الطاولة وكرة السلة والكرة الطائرة. وكان الفنانون والمحاضرون يورون التحصينات كل أسبوع ليلتقوا بالجنود وينقلوا الحضارة والثقافة إليهم.

الجبهة السورية :
تتكون منطقة الجولان من أرض بركانية كثيرة الهضاب والأودية، ومعظم أرضها مغطاة بأحجار بركانية مستديرة ذات أحجام مختلفة، تعوق كثيرا من تقدم الدبابات والآليات فوقها، لا سيما وأن الطرقات المعبدة في المنطقة قليلة، وبخاصة في تلك المناطق التي تغطيها الأحراج.
في هذه المنطقة المعروفة بوعورتها الشديدة، أقام الإسرائيليون أنواعا أخرى من التحصينات. وقد عرفت أنساق تحصيناتهم في الجولان باسم "خط    آلون".
كان خط آلون في الجولان يتألف من ثلاثة أنساق ممتالية من التحصينات :
1- خندق مضاد للدبابات عرضه ستة أمتار وعمقه ثلاثة أمتار، مع ساتر خارجي ارتفاعه أربعة
آلاف الأطنان من قطع الحجارة الكبيرة ثم جلبها من إسرائيل لعمل هذه التكسيات فوق الحصون، وقالوا أنها من السمك بحيث تكفي للوقاية من القنبلة الذرية
منظر خارجي عام لأحد الحصون في خط بارليف .. كانت حصونا منيعة حقا ولكنها لم تكن مانعة من الله، فقد داهمها المقاتلون المؤمنون وشعارهم : "الله أكبر"أمتار ومجهز بالألغام. وبهذا يكون العمق الإجمالي للخندق عشرة أمتار.
2- خط محصن وراء الخندق، يحتوي على ما يقرب من خمسين نقطة حصينة. وكانت هذه النقط كلها مسلحة ومجهزة بأسلة مضادة للردوع. أما الخط بأكمله فكان محميا بصواريخ أرض /جو.
3- مواقع محصنة في العمق (أي إلى الخلف أكثر) تسد الممرات الصالحة لتقدم الدبابات.
وفوق الجولان أنشأ الإسرائيليون مرصدا أشبه بالقلاع الرومانية القديمة. كان مشيدا كله من حجارة البازلت المقطوعة من صخور الجبل ذاته، الحجر طوله متر، والجدار على شكل مدرجات وزايا حادة بحيث يصعب على أي قذيفة أن تحدث أضرارا مباشرة به، أما السور الخارجي فعرضه ستة أمتار بالإضافة إلى ثلاثة أمتار من الإسمنت المسلح. والبناء كله محفور في الصخر على شكل هرم مقلوب.
هذا العرض –على أسهابه – مختصر في وصف التحصينات التي أقامها الإسرائيليون على جبهتي القناة والجولان. لقد كانت تلك الحصون تمثل بالنسبة للإسرائيليين منبع الأمن والأمان، وكانت أمام العرب رمزا للتحدي.
اطمأن الإسرائيليون إلى حقيقة وجودهم على الخطوط الجديدة التي كانوا قد وصلوا إليها عشية حرب يونيو 1967. اطمأنوا حتى لم يعد يخالجهم أدنى خوف من احتمال التعرض لهجوم مباغت من جانب العرب.
"وظنوا أنهم حصونهم مانعتهم من الله"
فماذا حدث ؟
قد تختلف وجهات النظر وتعدد حول تقييم النتائج العسكرية النهائية لحرب رمضان / أكتوبر بين العرب وإسرائيل. ولكن ستبقى هناك حقيقة لا تسمح بأي خلاف حولها : في ذلك اليوم الأغر، العاشر من رمضان 1973، انطلق جند الله وشعارهم "الله أكبر" فكان أن بوغت الإسرائيليون بما لم يكن عندهم في الحسبان.
لقد ران عليهم من الصلف والغرور ما حال بينهم وبين توقع أي مواجهة مع العرب أو عمل أي حساب لها. "فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب".
حقا لقد أتاهم الله من حيت لم يحتسبوا، فدكت حصونهم وأسرت جنودهم وشتت شملهم ؟
أتراهم كانوا يحتسبون شيئا ما حدث في ذلك اليوم، حين أخلدوا إلى الطمأنينة خلف حصونهم وأسوارهم، آمنين من كل خطر، حتى ولو كان خطر القنبلة الذرية على حد زعمهم هم ومن والاهم ؟
أم تراهم كانوا يحتسبون لمثل تلك المواجهة مع العرب، يبدؤها العرب بمبادرة منهم، ويقف فيها المصري مع السوري مع المغربي والسعودي والأردني والعراقي والسوداني ؟ ؟
ولنأخذ مثلا من المغرب :
لقد كانت القوات المسلحة المغربية تقف جنبا إلى جنب مع القوات السورية منذ يونيو / حزيران 1973 أي قبل المعركة بأربعة شهور. وعندما بدأت المعركة أعلنت حالة التأهب العام في الجيش المغربي وفتحت مراكز التطوع أمام المغاربة في جميع أنحاء المغرب للمشاركة في معركة الشرف، وأرسل المزيد من القوات.
وقد أثبتت القوات المغربية، بمدرعاتها وآلياتها ومدفعياتها والآلاف من جنودها، شجاعة ناذرة وكفاءة عالية في القتال. وسوف يأتي وقت تخرج فيه أعمالهم إلى النور، ليعرف القاصي والداني أن الدماء العربية المسلمة الزكية سالت واختلطت ببعضها من أجل قضية واحدة للعرب أجمعين.
إن هذا الكلام لا يعني تجاهل أدوار الجيوش والدول الأخرى، فلكل منها صفحة من نور سجلها له التاريخ.
ولكني حين ضربت بالمغرب مثلا فقد أردت من ذلك أن أقول : أن المسافات قد تتباعد بيننا وبين إخواننا المطلين على المحيط الأطلسي، ولكنهم هناك في المغرب العربي – نعم، العربي أصلا ومنبتا، وحضارة وثقافة، وعقيدة وشريعة، ولغة وقرىنا – يتجاوبون بغير دعوة رسمية مع كل خاطرة وملة في أي رقعة أخرى من أرض العروبة والإسلام، رغم كل الدعاوي المسمومة التي تحاول جهدها أن تجعل بيننا وبينهم سدا.ولعلي أعود إلى هذا الموضوع باستفاضة أكثر في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالى. سقط خط بارليف على جهة قناة السويس في مصر .. وسقط خط ألوان على جبهة الجولان في سوريا وكانا يمثلان رمزا صارخا للتحدي أمام الإرادة العربية –حين توحدت- كانت على مستوى التحدي وأكثر.
وكان شعار المقاتلين "الله أكبر". فأعظم به من شعار دانت له أعتى الحصون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here