islamaumaroc

الإفقار الفكري

  دعوة الحق

181 العدد

• الإفقار الفكري مظهر من مظاهر الديكتاتورية السياسية وقهر إرادة الإنسان وامتهان كرامته، يورث المذلة والخنوع والاستكانة إلى الواقع الفاسد، ويشيع حالة من الذوبان والانسلاخ من القيم والمبادئ والخصائص التي تشكل حجر الزاوية في كيان الأمم والشعوب، ويضعف ملكة التفكير والإبداع والاجتهاد ويحيل المجتمع بكامله إلى قطيع حيواني لا يكاد يمت إلى فصيلة الإنسان بصلة. وهو نتيجة طبيعية للإرهاب والقمع والتسلط والضعف والأساليب البوليسية في التعامل مع أهل الفكر وذوي الرأي وحملة الأقلام وممثلي الشعب من مناضلين وحزبيين ونقابيين وموجهين ودعاة الإصلاح. وكلما تفشى الاستبداد وطغى الانحراف والتنكر لقيم الحق والعدل والإنصاف وشاع الإعراض عن المبادئ والمثل اتسعت الشقة بين القمة والقاعدة ووقع التخلي عن المواثيق والعهود، كلما كان الأمر أدعى إلى الإفقار الفكري وأقرب إلى احتقار الإنسان الذي كرمه الله تعالى.
إن آفة الاستبداد السياسي وخضوع الشعب لفئة حائرة جاهلة بأساليب الحكم أن يشل حركة الفكر ويوقف دورته المبدعة ويبطل تأثير العقل على الحياة، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تحكم الجهل المركب وسيطرة الغرور والعناد والغباء وهيمنة روح الانتقام والتشفي والحقد والتمكين للمنهزمين والفاشلين من ذوي الطباع الشريرة والنوايا الخبيثة
والأغراض السيئة والانتماءات المشبوهة وبذلك يدخل المجتمع في دورة استعمارية جديدة تسلب فيه شخصيته وذاتيته.
ولسنا في حاجة إلى سوق الأمثلة للدلالة على صحة ما نذهب إليه، وتكفينا الإشارة إلى ما قاسته بعض البلاد العربية والإسلامية من ويلات وأزمات جراء تنكبها طريق الشورى، وتفريطها في السيادة الوطنية بسبب ارتباطها بقوى دولية عرفت كيف تستغلها وتستفزها بل وكادت أن ترفع استقلالها من مضمونه الحقيقي لو لم تتدارك الأمر قبل استفحاله.
وعلاقة أنظمة الحكم وأساليب السياسة ومذاهب الاقتصاد بالإفقار الفكري أمر يرقى عن الشك، ذلك أن الرشد السياسي والوعي السليم والطهارة الوطنية والولاء الخالص للأصالة في مختلف مظاهرها وأشكالها، كل ذلك يشكل وقاية حقيقية ضد الغزو والاستلاب والإقطاع المذهبي الذي يؤذي في نهاية النهاية إلى الإفقار الفكري.
• إن الديكتاتورية في التحليل النهائي ليست سوى صورة للإفلاس والفراغ والتيه والافتقار إلى القدرة على التوجيه والضبط والاحتكام إلى العقل والمصلحة العامة وحاجة الإنسان إلى الحرية والإحساس بالكرامة والوجود المعنوي، وعلى النقيض من ذلك نجد على رأس الأنظمة السوية العادلة الممثلة لإرادة الشعب قادة وزعماء يتصفون بقدر أعلى من الانضباط السلوكي والاتزان العقلي والثراء الفكري والقدرة على التصرف السليم تحت جميع الظروف.
فالقضي إذن مرتبطة بالسياسة ارتباطا وثيقا، فإن طغت السياسة وتجبرت، هزل الفكر وضعف، وإذا أفقر الفكر (بالضعف والتخويف والإرهاب ...) انعدمت كل الضمانات الممكنة بممارسة جميع وجوه النشاط الإنساني في جو من الثقة والاطمئنان والأمان.
وهكذا فإن جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله كان يزن الكلمات قبل بميزان العقل والحكمة حينما قال – حفظه الله ورعاه – في كلمته السامية بمناسبة افتتاح البرلمان المغربي :
"إن بلدنا بلد محب للسلام، كان دائما داعية للسلام وسيبقى دعامة للسلام لذا أريد منكم أن تنكبوا على مشاكل أمن بلدكم وطمأنينتها واطمئنانها أن تنكبوا عليها بإمعان وإدراك للمسؤولية ذلك أن عملنا اليوم، وخطابي اليوم، ووجودكم هنا اليوم يشكل استفزازا بل تحديا لمدرسة الديكتاتورية ولمدرسة الحزب الوحيد ولمدرسة الإفقار الفكري حتى تتمكن بسهولة من السيطرة على الأفكار وعلى الجماعات والأفراد".
• هذا الربط بين السلام والمسؤولية وبين الديكتاتورية والإفقار الفكري له دلالته الخاصة ذلك أن العمالة في السياسة مدخل للانحراف في الفكر. وإذا كانت مدرسة الحرية والشورى والتشاور وتعدد الآراء وإغنائها تنزع إلى السلام وتنحاز إلى جانب العدل والقانون الدولي بدافع التقدير العميق للمسؤولية فإن مدرسة الديكتاتورية والحزب الوحيد تحارب السلام وترفض التعاون من أجل مصلحة الشعوب وتتعامل بصورة أو بأخرى مع الاستعمار والقوى الصهيونية المعادية للسلام العالمي.
وهذا مظهر آخر من مظاهر الإفقار الفكري وهو العمالة للاستعمار والخروج عن الجماعة وإيثار مصلحة الأجنبي على مصلحة الشقيق والجار ورفيق الكفاح المسلح في الأمس القريب.
• وإذا كان المغرب يرفض رفضا واعيا ومتبصرا الحزب الوحيد وينأى بأجهزة الحكم والإدارة وقنوات التأثير على الرأي العام عن الديكتاتورية في السياسة والاقتصاد والفكر، وينهج سبيل الحرية والديمقراطية الإسلامية الحق، فلأنه يتطلع إلى إثراء الفكر لا إفقاره، وتقويته لا إضعافه، وتطويره لا تجميده. وهذه لعمري التقدمية الحق، والشورى الحق، والديمقراطية الحق.
• فلا محل –إذن- للإرهاب الفكري في المغرب الجديد.
• ولا موضع للإفقار الفكري في ظل العرش العلوي المجيد.
• فلتتفتح كل الزهور ..
• في إطار الإسلام والملكية الدستورية ..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here