islamaumaroc

كتاب الزواجر والعظات، للوزير لسان الدين بن الخطيب -1-

  دعوة الحق

178 العدد

سبق أن بدأت بالتعرض لهذه الرسائل من «الزواجر والعظات» بالتحقيق والدراسة، وذلك بنشر الرسالة الأولى منها على صفحات مجلة «الثقافة المغربية» بالعدد الثالث منها، وكانت تلك الرسالة من ابن الخطيب إلى معاصره وصديقه الشيخ ابن مرزوق، وهي الكتاب الوحيد الذي أفصح فيه المؤلف عمن بعث به إليه، وبقيت الرسائل الثلاث تحت التحقيق والدراسة منذ ذلك الحين، حتى أشار بعض الزملاء الأفاضل بالمضي في استكمالها، فاستجبت رغبة في أن يجد طلاب المعرفة ما يشوقهم نحو هذا اللون من التراث الأندلسي، لاسيما من كاتب بارز مثل ابن الخطيب.
ولما كنت قد قدمت للرسالة الأولى آنفة الذكر بما اقتضاه الحال، من بسط لفن أدب الحكمة، وما يستتبع ذلك من تزهيد في تصرف الدنيا، وترغيب في الحياة الباقية، وما كان من سوق لهذا في الآداب على مر العصور الإسلامية... لذلك لا أرى مدعاة للعود مرة أخرى لهذا التقديم، لاسيما وأن فحوى الرسائل الثلاث الباقية كاف للتعريف بقصد المؤلف، وما نهجه من سبيل تبيانا لكل ما تنطوي عليه حكمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وابتغاء وجه الحق في كل ما يصدر عن المؤمن من قول أو فعل.
فها نحن نقدم اليوم على صفحات «دعوة الحق» الرسالة الثانية من «كتب الزواجر والعظات» لابن الخطيب، تلك التي ضمنها مؤلفه الكبير الأدبي التاربي «ريحانة الكتاب، ونجعة المنتاب» وجاءت خاتمة له كما سيتضح من «الرسالة الأخيرة» التي سننشرها مع التتابع بمشيئة الله تعالى.
وجدير بالذكر أن «كتب الزواجر والعظات» هذه تنشر لأول مرة، وقد اعتمدت في التحقيق على النسخة الكتانية المخطوطة (331ك) بالخزانة العامة بالرباط للكتاب نفسه (الريحانة).
وها هي الرسالة الثانية نصا:
ومن ذلك(1) ما صدر عني في هذا الغرض بما نصه...
الحمد لله الولي الحميد، المبدي المعيد، البعيد في قربه من البعيد، القريب في بعده، فهو أقرب من حبل الوريد (142. ب) محيي القلوب للعارفين بتحيات حياة التوحيد، ومغني نفوس الزاهدين بكنوز احتقار الافتقار إلى الغرض الزهيد، ومخلص خواطر المتقين من سجون حجون التقييد إلى فسح التجديد. نحمده وله الحمد المنتظمة درره في سلوك الدوام وسموط التأييد ـ حمد من نزه أحكام وحدانيته وأعلام فردانيته عن مرابط التقليد، في مخابط الطبع البليد. ونشكره شكر من افتتح بشكره أبواب المزيد. ونشهد أنه الله الذي لا إلاه إلا هو شهادة نتخطى بها معالم الخلق إلى حضرة الحق على كنز التفريج. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله قلادة الجيد المجيد، وهلال العيد، وفذلكة الحساب وبيت القصيد، المخصوص بمنثور الإدلال، واقطاع الكمال، ما بين مقام المراد ومقام المريد، الذي جعله السبب الأوصل في نجاة الناجي وسعادة السعيد، وخاطب الخلائق على لسانه الصادق بحجتي الوعد (143. أ) والوعيد. فكان مما أوحى به إليه، وأنزل الملك به عليه من الذكر الحميد، ليأخذ بالحجر والاطواق من العذاب الشديد، «ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد، ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد، لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد»(2).
صلى الله عليه وعلى آله صلاة تقوم ببعض حقه الأكيد، وتسري إلى تربته الزكية من ظهور المواجد الحبية على المريد. فعدت لتذكيري ولو كنت مبصرا لذكرت نفسي، فمن أحوج للذكر إذا لم يكن مني لنفسي ذاكرا. فيا ليت شعري كيف يفعل في أي وعظ بعد موعظة الله يا أحبابنا يسمع وفي ما ذا وقد تبين الرشد من الغي يطمع، يا من يعطي ويمنع، إن لم تتم (143. ب) الصنيعة فماذا نصنع. اجمعنا بقلوبنا يا من يفرق الجمع، ولين حديدها بنار خشيتك فقد استعاذ نبيك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع.
اعلموا ـ رحمكم الله ـ أن الحكمة ضالة المؤمن، يأخذها من الأقوال والأحوال، ومن الجماد والحيوان، وألسنة الملوان، فإن الحق نور لا يضره أن يصدر من الخامل، ولا يقصر بمحموله احتقار الحامل، وأنتم تدرون أنكن في أطوار سفر لا تستقر لها دون الغاية رحلة، ولا تتأتى معها إقامة ولا مهلة، من الأصلاب إلى الأرحام، إلى الوجود، على القبور، إلى النشور، إلى إحدى داري البقاء، أفي الله شك؟! فلو أبصرتم مناقرا في البريد يبني ويعرش، ويمهد ويفرش، ألم تكونوا تضحكون من جهله، وتعجبون من وكالة عقله، ووالله ما أولادكم وشواغلكم عن الله التي فيها اجتهادكم إلا بناء سفر في قفر، وأعراس في ليلة نفر، كأنكم بها مطرحة تعثر فيها المواشي، وتنبو العيون عن حفيرها (144. أ) المتلاشى.
«إنما أموالكم وأولادكم فتنة، والله عنده أجر عظيم»(3). ما يعد المقيل إلا الرحيل، ولا بعد الرحيل إلا المنزل الكريم أو المنزل الوبيل، وإنكم تستقبلون أهوالا، سكرات الموت بواكر حسابها، وعنب أبوابها، فلو كشف الغطاء منا عن ذرة لذهلت العقول وطاشت الأحلام، وما كل حقيقة يشرحها الكلام. «يا أيها الناس ان وعد الله حق، فلا تغرنكم الحياة الدنيا. ولا يغرنكم بالله الغرور»(4). أفلا أعددتم لهذه الورطة حيلة، أو أظهرتم للاهتمام بها مخيلة، تعويلا على عفوه، ـ مع المقاطعة ـ وهو القائل «إن عذابي لشديد»(5). أأمننا من مكره ـ مع المنابذة ـ «ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون»(6). أطمعا في رحمته ـ مع المخالفة ـ وهو يقول: «سأكتبها للذين يتقون»(7). أو مشاقة ومعاندة «ومن يشاقق الله فإن الله شديد العقاب»(8). أشكا فيه؟ فتعالوا نعد الحساب، ونقرب العقد، وننصف بدعوة الإسلام أو غيرها من اليوم (144.ب) تفقدوا عقد العقائد عند التساهل بالوعيد، فالعامي يدهن الأصبع إلى جهة، والعارف يضمد لها مبدأ العصب.
هكذا. هكذا يكون التعامي!! هكذا. هكذا يكون الغرور!! «يا حسرة على العباد، ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون»(9). وما عدا عما بدا ورسولكم الحريص عليكم الرؤوف الرحيم يقول لكم «الكيس من دان نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني(10)، فعلام هذا المفعول، وبماذا يتأول؟ اتقوا الله في نفوسكم، وانصحوها، واغتنموا فرص الحياة واربحوها «أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله. وإن لمن لمن الخاسرين»(11) وتستغيث أخرى «هل إلى مرد من سبيل»!!! فرحم الله من نظر لنفسه قبل غروب شمسه، وقدم لغده من أمسه، وعلم أن الحياة تجر الموت، والغفلة (145. أ) تقود إلى الفوت، والصحة مركب الألم، والشبيبة سفينة تقطع إلى ساحل الهرم. وإن شاء، قال بعد الخطبة..
إخواني، ما هذا التواني، والكلف بالوجود الفاني عن الدائم الثاني، والدهر يقطع بالأماني، وهادم اللذات قد شرع في نقض المباني. ألا معتبر من معالم هذه المعاني، إلا اذن تصغي إلى سميعه، أحدثها بالصدق ما صنع الموت. مددت لكم صوتي بأواه حسرة على ما بدا منكم فلم يسمع الصوت، هو الغروب الآتي على كل دمنة، فتوبوا سراعا قبل أن يقع الفوت. يا كلفا بما لا يدون، يا مفتونا بغرور القدوم، يا غريقا في بحار الألم ما عساك تقوم، يا مشتغلا ببنيات الطريق قد ظهر المناخ وقرب الموجود المعدوم، يا صريع جدار الأجل المهدوم، يا معلل الطعام والشراب ولمع السراب، لابد أن يهجر المشروب ويترك المطعوم. دخل سارق الأجل بيت عمرك فسلب النشاط وأنت تنظر، وطوى البساط وأنت تكذب، واقتلع جواهر (145. ب) الجوار وقد وقع بك البيت، ولم يبق إلا أن يجعل الوسادة على أنفك، وتقول..
لو خفف الوجد عني
دعوت طالب ثأري
«كلا، إنها كلمة هو قائلها»(12)، كيف التراخي والفوت مع الأنفاس يرتقب وينتظر!! كيف الأمان وهاجم الموت لا يبقي ولا يذر! كيف الركون إلى الطمع الفاضح وقد صح الخبر.. من فكر في كرب الخمار تنغصت عنده لذة النبيذ، من أحس بلغط الحرس فوق جداره لم يصغ بسمعه إلى نغمة العود، من تيقن بذل العزلة هان عنده عز الولاية!!
ما قام خيرك يا زمان بشره
أولى لنا ما قل منك وما كفى
أوحى الله إلى موسى ـ صلوات الله عليه ـ أن ضع يدك على متن ثور فبعدد ما حازته من شعرة تعيش سنين، فقال: يا رب، وبعد ذلك؟ قال: وتموت.. فقال: يا رب، فالآن!!
رأى الأمر يفضي إلى آخر، فصير آخره أولا.
إذا شعرت نفسك بالميل إلى شيء فاعرض عليها غصة (146. أ) «ليهلك من هلك عن بينة، ويحيي من حي عن بينة»(13)، فالمفروح هو المحزون عليه!! أين الأحباب مروا، فيا ليت شعري إن استقروا، واستكانوا، ولله اضطروا، واستغاثوا بأوليائهم ففروا، ليتهم إذ لم ينفعوا ما ضروا، فالمنازل من بعدهم خالية خلوية، والغروس ذابلة  ذاوية، والعظام من بعد التفاضل متشابهة متساوية، والمساكن تندب في أطلالها الذئاب العارية!!
صحت بالريع فلم يستجيبوا
ليت شعري أين يمضي الغريب
وبجنب الدار قبر جديد
منه يستقي المكان الجديب
غاص فيه قلبي عند التماحي
قلت: هذا قبر الحبيب
لا تسل عن رجعتي كيف كانت
أن يوم البين يوم عصيب
باقتراب الموت عللت نفسي
بعد الفنا، وكل آت قريب
أين المعمر الخالد، أين الولد، أين الوالد، أين الطارق، أين التالد، أين المجادل، أين المجادل؟؟!!
«هل تحس منهم من أحد. أو تسمع لهم ركزا»(14)، وجوه علاهم الثرة، وصحايف (146. ب) تنض، وأعمال الله تعرض. بحث الزهاد والعباد والعارفون والأوتاد، والأنبياء الذين هدى بهم العباد، عن سبب الشقاء الذي لا سعادة بعده، فلم يجدوا إلا البعد عن الله، وسبب حب الدنيا «لن تجتمع أمتي على ضلالة»(15).
هجرت حياتي من أجل ليلى
فما لي بعد ليلى من حبيب
وماذا أرتجي من حب ليلى
تسحرني بالقطيعة عن قريب
وقالوا ما أورد النفس الموارد، وفتح عليها باب الحتف إلا الأمل، كلما قومتها مثاقف الحدود فسح لها أركان الرخص، كلما عقدت صوم العزيمة أهداها طرق الغرور في أطباق. متى؟ وإذن.. ولكن.. ورب!! فأفرط القلب في تقليبها حتى أفطر.
ما أوبق الأنفس إلا الأمل
وهو غرور ما عليه عمل
يفرض منه الشخص وهما ماله
حال ولا ماض ولا مستقبل
ما فوق وجه الأرض نفس حية
إلا قد انقض عليها الأجل
لو أنهم من غيرها قد كونوا
لامتلأ السهل بهم والجبل
مأثم إلا لفم قد هيئت للمـ
وت وهو الآكل المستعجل
(147. أ) والوعد حق، والورى في غفلة
قد خدعوا بعاجل وضللوا
أين ذوو الراحات راحت حسرة
إذ جنبوا إلى الثرى وانتقلوا
لم تدفع الأحباب عنهم غير أن
بكوا على فراقهم وأعولوا
الله في نفسك أولى من ادخـ
ـرت نصحا وعتابا يقبل
لا تتركنها في عمى وحيرة
عن هول ما بين يديها يعقل
حقر لها الفاني وحاول تهــ
ــدها فيه، وشوقها لما يستقبل
وقد إلى الله بها مضطرة
حتى ترى السير عليها يسهل
هذا الفناء والبقاء يعده
والله ـ عن حكمته ـ لا يسئل
يا قرة العين ويا حسرتها يــ
ــوم يوف الناس ما قد علموا
يا طرداء المخالفة، إنكم مدركون، فاستبقوا باب التوبة، فإن رب تلك الدار يجير ولا يجار عليه، «فإذا أمنتم فاذكروا الله كما هداكم»(16)، يا طفيلة الهمة، دسوا أنفسكم في زمر التائبين، وقد دعوا إلى دعوة الحبيب، فإن لم يكن أكل فلا أقل من طيب الوليمة. قال بعض العارفين: إذا عقد التائبون الصلح مع الله انتشرت رعايا الطاعة في (147. ب)
عمالة الأعمال «وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب»(17).
معاني المجلس ـ والحمد لله ـ نسيم سحر، إذا انتشقه مخمور الغفلة أفاق، سقوط هذا الوعظ ينفض إن شاء الله ـ زكمة البطالة، أن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، إكسير هذا العتاب يقلب بحكمة جابر القلوب المنكسرة عمن كان له قلب. «إنما يستجيب الذين يسمعون، والموتى يبعثهم الله»(18).
إلهي يا لها من حير يضل فيها! إلا أن هديت الدليل، وأجلها من غمرة، وكيف ـ إلا بإعانتك ـ السبيل، نفوس صدأ ـ على مر الأزمان منها ـ الصقيل، ونبا بجنوبها عن الحق المقيل، أمضها القول الثقيل، وعثرات لا يقيلها إلا أنت يا مقيل العثار يا مقيل.. أنت حسبنا، ونعم الوكيل.

(1) أي مما تضمنه كتابه «ريحانة الكتاب».
(2) سورة ق، ىية: 16 – 20.
(3) التغابن، آية: 15.
(4) فاطر، آية: 5.
(5) ابراهيم، آية: 7.
(6) الأعراف، آية: 99.
(7) الأعراف، آية: 156.
(8) الأنفال، آية: 13.
(9) يس: آية: 30.
(10) رواه الشيخان.
(11) الزمر، آية: 56.
(12) المؤمنون، آية: 100.
(13) الأنفال، آية: 42.
(14) مريم، آية: 98.
(15) رواه الشيخان.
(16) البقرة، آية: 198.
(17) الزمر، ىية: 69.
(18) الأنعام، آية: 36.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here