islamaumaroc

مدخل إلى "الظاهرة القرآنية" [لماك بن نبي] -2-

  دعوة الحق

178 العدد

هذا بعض ما أدى إليه النظر المجرد في استخراج المعنى الذي هو مناط التحدي، ومفصل الأعجاز، وأرجو أن أكون قد بلغت في كشفه مقنعا ورضى. ولكن بقي ما لابد منه: أن نستنبط بهذا الأسلوب من النظر المجرد. صفة القوم الذين تحداهم، وصفة لغتهم.
فإذا صح أن «الإعجاز» كائن في وصف القرآن ونظمه وبيانه بلسان عربي مبين، وأن خصائصه مباينة للمعهود من خصائص كل نظم وبيان تطيقه قوى البشر في بيانهم، لم يكن لتحديثهم به معنى إلا أن تجتمع لهم وللغتهم بعينها:
أولها: أن اللغة التي نزل بها القرآن معجزا، قادرة بطبيعتها هي، أن تحتمل هذا القدر الهائل من المفارقة بين كلامين: كلام هو الغاية في البيان فيما تطيقه القوى، وكلام يقطع هذه القوى ببيان ظاهر المباينة له من كل الوجوه.
ثانيها: أن أهلها قادرون على إدراك هذا الحجاز الفاصل بين الكلامين. وهذا إدراك دال على أنهم قد أوتوا من لطف تذوق البيان ومن العلم بأسراره ووجوهه، قدرا وافرا يصح معه أن يتداهم بهذا القرآن، وأن يطالبهم بالشهادة عند سماعه، أن تاليه عليهم نبي من عند الله مرسل.
ثالثا: أن البيان كان في أنفسهم أجل من أن يخونوا الأمانة فيه، أو يجوروا عن الإنصاف في الحكم عليه. فقد قرعم وعيرهم وسفه أحلامهم وأديانهم، حتى استخرج أقصى الضراوة في عداوتهم له. وظل مع ذلك يتحداهم، فنهتهم أمانتهم على البيان عن معارضته ومناقضته وكان أبلغ ما قالوه: «وقد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا»، لكنهم كفوا ألسنتهم فلم يقولوا شيئا.. هذه واحدة. وأخرى: أنه لم ينصب لهم حكما، بل خلى بينهم وبين الحكم على ما يأتون به معارضين له ثقة بإنصافهم في الحكم على البيان، فهذه التخلية مرتبة من الإنصاف لا تدانيها مرتبة.
رابعا: أن الذين اقتدروا على مثل هذه اللغة، وأتوا هذا القدر من تذوق البيان، ومن العلم بأسراره، ومن الأمانة عليه. ومن ترك الجو في الحكم عليه، يوجب العقل أن يكونوا كانوا قد بلغوا في الاعراب عن أنفسهم، بألسنتهم المبينة عنهم، مبلغا لا يداني.
وهذه الصفات تقضي بنا إلى التماس ما ينبغي أن تكون عليه صفة كلامهم، إن كان بقي من كلامهم شيء، فالنظر المجرد أيضا، يوجب أمرين في نعت ما خلفوه:
الأول: أن يكون ما بقي من كلامهم، شاهدا على بلوغ لغتهم غاية من التمام والكمال والاستواء، حتى لا تعجزها الإبانة عن شيء مما يعتلج في صدر كل مبين منهم.
 الثاني: أن تجتمع فيه ضروب مختلفة من البيان، لا يجزئ أن تكون دالة على سعة لغتهم وتمامها، بل على سجاحتها أيضا، حتى تلين لكل بيان تطيقه ألسنة البشر على اختلاف ألسنتهم.
فهل بقي من كلامهم شيء يستحق أن يكون شاهدا على هذا ودليلا....
نعم، بقي «الشعر الجاهلي»!
وإذن؟! إذن ينبغي أن نعيد تصور المشكلة وتصوريها. فإن النظر المجرد، والمنطق المتساوق. والتمحيص المتتابع كل ذلك قد أفضى بنا إلى تجريد معنى «إعجاز القرآن» مما شابه وعلق به. حتى خلص لنا أنه من قبل النظم والبيان، ثم ساقنا الاستدلال إلى تحديد صفة القوم الذين تحداهم، وصفة لغتهم، ثم خرج بنا إلى طلب نعت كلامهم، ثم التمسنا الشاهد والدليل على الذي أدانا إليه النظر، فإذا هو.. «الشعر الجاهلي».
وإذن، فالشعر الجاهلي، هو أساس مشكلة «إعجاز القرآن» كما ينبغي أن يواجهها العقل الحديث وليس أساس هذه المشكلة هو تفسير القرآن على المنهج القديم، كما ظن أخي مالك، وكما يذهب إليه أكثر من بحث أمر إعجاز القرآن على وجه من الوجوه.
ولكن الشعر الجاهلي، قد صب عليه بلاء كثير، آخرها وأبلغها فسادا وإفسادا، ذلك المنهج الذي ابتدعه مرجليوث لينسف الثقة به، فيزعم أنه شعر مشكوك في روايته، وأنه موضوع بعد الإسلام، وهذا المكر الخفي الذي مكره مرجليوث وشيعته وكهنته والذي ارتكبوا كما شهد بذلك رجل من جنسه هو آر بري، كان يطوي تحت أدلته ومناهجه وحججه، إدراكا لمنزلة الشعر الجاهلي في شأن إعجاز القرآن، لا إدراكا صحيحا مستبينا، بل إدراكا خفيا مبهما، تخالطه ضغينة مستكينة للعرب وللإسلام.
وهذا المستشرق وشيعته وكهنته، كانوا أهون شأنا من أن يجوزوا كبيرا بمنهجهم الذي سلكوه، وأدلتهم التي احتطبوها لما في تشكيكهم من الزيف والخداع، ولكنهم بلغوا ما بلغوا من استفاضة مكرهم وتغلغله في جامعاتنا، وفي العقل الحديث في العالم الإسلامي، بوسائل أعانت على نفاذهم، ليست من العلم ولا من النظر العلم، أن يسلكوا إلى إثبات صحة الشعر الجاهلي مناهج لاشك في صدقها وسلامتها، بلا غش في الاستدلال وبلا خداع في التطبيق. وبلا مراء في الذي يسلم به صريح العقل وصريح النقل، إلا أنهم لم يملكوا بعد من الوسائل ما يتيح لهم أن يبلغوا بحقهم ما بلغ أولئك بباطلهم.
وقد ابتليت أنا بمحنة «الشعر الجاهلي». عندما ذر قرن الفتنة أيام كنت طالبا في الجامعة. ودارت بي الأيام حتى انتهيت إلى ضرب آخر من الاستدلال على صحة «الشعر الجاهلي». لا عن طريق روايته وحسب. بل من طريق أخرى هي ألصق بأمر «إعجاز القرآن». فإني محصت ما محصت من الشعر الجاهلي، حتى وجدته يحمل هو نفسه في نفسه أدلة صحته وثبوته. إذ تبينت فيه قدرة خارقة على «البيان». وتكشف لي عن روائع كثيرة لا تحد، وإذا هو علم فريد منصوب لا في أدب العربية وحدها، بل في آداب الأمم قبل الإسلام وعبد الإسلام. وهذا الانفراد المطلق، ولاسيما انفراد بخصائصه عن كل شعر بعده من شعر العرب أنفسهم، هو وحده دليل كاف على صحته وثبوته.
ولقد شغلني «إعجاز القرآن» كما شغل العقل الحديث، ولكن شغلني أيضا هذا «الشعر الجاهلي»، وشغلني أصحابه فأدى بي طول الاختبار والامتحان والمدرسة إلى هذا المذهب الذي ذهبت إليه، حتى صار عندي دليلا كافيا على صحته وثبوته. فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم، رأيتهم في هذا الشعر أحيانا يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله، وشابهم ينزو به جهله، وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق، وغاضبهم تريد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادي على رجليه، ورأيت الجماعات في مبدأهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون، كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس، وأبجة المستكين، وزفرة الواجد، وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني، كأني لم أفقدهم طرفة عين، ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم، ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض، ولا مما أحسوا ووجدوا. ولا مما سمعوا وأدركوا، ولا مما قاسموا وعانوا، ولا حفي عني شيء مما يكون به الحي حيا في هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم «جزيرة العرب»
وهذا الذي أفضيت إليه من صفة الشعر الجاهلي كما عرفته، أمر ممكن لمن اتخذ لهذه المعرفة أسبابها، بلا خلط ولا لبس ولا تهاون ولا ملل. وهذه المعرفة هي أول الطريق إلى دراسة شعر أهل الجاهلية، من الوجه الذي يتيح لنا أن نستخلص منه دلالته على أنه شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام. فإذا صح ذلك، وهو عندي صحيح لا أشك فيه، وجب أن ندرس هذا الشعر دراسة متعمقة، ملتمسين فيه هذه القدرة البيانية التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم، ومستنبطين من ضروب البيان المختلفة التي أطاقتها قوى لغتهم وألسنتهم. فإذا تم لنا ذلك، فمن الممكن القريب يومئذ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم بيانه، خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر.
وهاهنا أمر له خطر عظيم، فلا تظنن أن الشأن في دراسة «الشعر الجاهلي»، هو شأن المعاني التي تناولها، والأغراض التي قيل فيها، والصور التي انطوى عليها، واللغة التي استخدمها من حيث الفصاحة والعذوبة وما يجري مجراهما، بل الشأن في ذلك أبعد وأعمق وأعوص، انه تمييز القدرة  على البيان، وتجريد ضروب هذا «البيان» على اختلافها، واستخلاص الخصائص التي أتاحت للغتهم أن تكون معدنا للسمو، بالإبانة عن جوهر إحساسهم، سموا يجعل للكلام حياة كنف الروح في الجسد القائم، وكقوة الإبصار في العين الجامدة، وكسجية النطق في البضعة المتجلجلة المسماة باللسان.
فإذا اتخذنا لهذه الدراسة أهبتها، وأعددنا لها من الصبر والجد والحذر ما ينبغي لها، واللسان لساننا، والقوم أسلافنا، والسلائق مغروزة في أعماق طباعنا، ثم أصلنا للدراسة مناهج تعين عليها، واستحدثنا لها أسلوبا يلائمها، فعندئذ يدنو الذي نراه بعيدا، ويتجلى لنا ما كان غامضا، ويكشف لنا «الشعر الجاهلي» عن أروع روائعه، ويبذل لنا ما استكن فيه واستتر من أصول «البيان» الإنساني، بغير تخصيص للغة العرب، فنراها ماثلة على أدق وجوهه وأغمضها؛ وفي أتم صورة وأكملها.
وهذا الذي أفضت فيه من ذكر الشعر الجاهلي، وما وجدته فيه في نفسي باب عظيم، أسأل الله أن يعينني بحوله وقوته، حتى أكشف عنه وأجليه، وحتى أؤيده بكل برهان قاطع على تميزه عن كل شعر العرب بعده، وبذلك يكون نفسه دليلا حاسما على صحة روايته، وعلى أن الرواة لم ينحلوه الشعراء افتراء عليهم.
وغير خاف أن الذي وصلنا إلى هذا اليوم من شعر الجاهلية، قليل مما روته الرواة منه، والرواة القدماء أنفسهم لم يصلهم من شعرها إلا الذي قال أبو عمرو بن العلاء، في أوائل القرن الثاني من الهجرة: «ما انتهى إليكم مما قالت العرب الا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير». ومع ذلك، فهذا القليل مجزئ إن شاء الله في الدلالة على ما نريد من الإبانة عن تميز شعرهم عن شعر من جاء بعدهم، وفيه جم واف من خصائص البيان التي امتاز بها أهل الجاهلية.
ولكن كيف بقي هذا الشعر إلى يومنا هذا؟.. بقي مادة للغة العرب، وشاهدا على حرف من العربية، وعلى باب من النحو، وعلى نكتة في البلاغة. وبقي ذخرا للرواة،وركازا يستمد منه شعراء الإسلام، ومنبعا لتاريخ العرب في الجاهلية، بل بقي كنزا لعلوم العرب جميعا، لكل علم منه نصيب على قدره. ولكن غاب عنا أعظم ما بقي له هذا الشعر: أن يكون مادة لدراسة البيان المفطور في طبائع البشر، مقارنا بهذا «البيان، الذي فات طاقة بلغاء الجاهلية، وكانت له خصائص ظاهرة، تجعل كل مقتدر بليغ مبين، وكل متذوق للبلاغة والبيان، لا يملك إلا الإقرار له، بأنه من غير جنس ما يعهده سمعه وذوقه، وأن مبلغه إلى الناس نبي مرسل، وانه لا يطيق أن يختلقه أو يفتريه لأنه بشر لا يدخل في طوقه إلا ما يدخل مصله في طوق البشر، وانه أن تقول غير ما أمر بتبيلغه وتلاوته، بأن للبشر كذبه، وحق عليه قول منزله من السماء سبحانه: «ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين».
(سورة الحاقة ـ 44 ـ 47
ولسائل أن يسأل: فحدثني إذن، لم بقي شعر الجاهلية بهذه المنزلة لم يتجاوزها؟ وكيف غاب هذا الذي زعمت عن أئمة العلم من قبلك؟ وكيف أخطأه علماء البلاغة، وهم الذين قصدوا بعلمهم قصد الإبانة عن إعجاز القرآن، وهم أقرب بالتنزيل عهدا منا ومنك.؟ وما الذي صد العقول البليغة عن سلوك هذا المنهج، وما نهضت إلا للمراماة دون إعجاز القرآن. في القديم والحديث.؟
 وحق علي أن أجيب، ولكن يقتضيني جواب هذه المسألة أن أقتص قصة أخرى، لا أستوعب القول في حكايتها تفصيلا، بل أوجز المقال فيها إيجازا مدفوعا عنه الخلل ما أطقت، وعلى سامعها أن يدفع عن نفسه الغفلة ما أطاق؟؟
فأهل الجاهلية هم من وصفت لك منزلتهم من البيان، وقدرتهم على تصريفه بألسنتهم، وتمكنهم من تذوقه بأدق حاسة في قلوبهم ونفوسهم، وعملهم بأسراره، وتغلغلهم في إدراك الحجاز الفاصل بين ما هو من نحو بيان البشر، وما ليس من بيانهم، أهل الجاهلية هؤلاء، هم الذين جاءهم كتاب من السماء بلسانهم؛ هو في آيات الله بمنزلة عصا موس، وإبراء الأكمه والأبرص في آيات أنبيائه، لتكون تلاوته على أسماعهم برهانا قاهرا يلزمهم بالإقرار له بصحة تنزيله من السماء على قلب يلزمهم بالإقرار له بصحة تنزيله من السماء على قلب رجل منهم، وأن هذا الرجل نبي مرسل، عليهم أن يتبعوه وأن يستجيبوا لما دعاهم إليه، فلما كذبوه وأنكروا نبوته، تحداهم أن يأتوا بمثل هذا الذي يسمعون في نظمه وبيانه، وألح عليهم يتحداهم في آيات منه كثيرة، ولكنهم وجدوا في أنفسهم مفارقته لبيان البشر، وجدانا ألجأهم إلى ترك المعارضة إنصافا للبيان أن يجار على حقه، وتنزيها له أن يزري به جورهم عن هذا الحق.
وعلى الذي تلقوه به من اللدد في الخصومة والعناد لم يلبث أن استجاب له النفر بعد النفر إقرارا وتسليما بأن الكتاب كلام الله، وأن الرجل نبي الله، تم تتابع إيمان المؤمنين منهم، حتى لم تبق دار من دور أهل الجاهلية إلا دخلها الإسلام أو عمها، وألقوا إليه المقادة على أنه لا يتم إيمان أحدهم حتى يكون هذا الرجل، بأبي هو وأمي؛ أحب إليه من أهله وولده. وهذه أعمالهم تصدق ذلك كله.
فأقبل كل بليغ منهم مبين، وكل متذوق للبيان ناقد يتحفظ ما نزل من القرآن ويتلوه ويتعبد به، ويتتبع تنزيله تتبع الحريص المتلهف، ويصيح له وينصت حتى يتلى في الصلوات وعلى المنابر يوما بعد يوم؛ وشهرا بعد شهر؛ وعاما بعد عام، وكلهم مخبت خاشع لذكر الله وما نزل من الحق، يصدق اخباتهم وخشوعهم ما قال الله سبحانه: «الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تليم جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد». (سورة الزمر 23).
ثم صار للقرآن في جزيرة العرب دوي كدوي النحل، وخشعت أسماع للجاهلية كانت بالأمس، للذي يتلى عليهم من كلام الله الذي خلقهم، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وأخبتت السنة للجاهلية كانت بالأمس، إقرارا لهذا القرآن بالعبودية، كما أقروا هم للذي اصطفى لغتهم لكلامه سبحانه بالعبودية، وماجت بهم جزيرة العرب مهللين مكبرين مسبحين، كلما علوا شرقا أو هبطوا واديا، وأقاموا تالين للقرآن بالغدو والآصال، وبالليل والأسحار وانطلقوا يتتبعون سنن نبيهم ويتلقفونها، وخلعوا عن قلوبهم، ونفوسهم، وعقولهم، وألسنتهم ظلمة الجاهلية، ودخلوا بألسنتهم وعقولهم، ونفوسهم، وقلوبهم في نور الإسلام.
ثم طار بهم هذا القرآن في كل وجه، يدعون الناس أسودهم وأحمرهم إلى شهادة أن لا إله الله، وأن محمدا رسول الله، ويحملون إليهم هذا الكتاب المعجز بيانه لبيان البشر، والذي نزل بلسانهم حجة على الخلق، وهدى يخرجهم من الظلمات إلى النور. فكان من أمرهم يومئذ ما وصفه ابن سلام في كتاب «طبقات فحول الشعراء» حين ذكر مثالة عمر بن الخطاب في أهل الجاهلية: «كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه». فقال ابن سلام تعليقا على ذلك: «فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم، ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام، وجاءت الفتوح، واطمأنت العرب في الأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب. وألفوا ذلك، وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير».
ولا يغررك ما قال ابن سلام، فتحسب أن أهل الجاهلية الذين هداهم الله للإسلام، طرحوا شعر جاهليتهم دبر آذانهم، فانصرفوا عنه صما وبكما، وخلعوه عن عقولهم وألسنتهم كما خلعوا جاهليتهم، فهذا باطل تكذبه أخبارهم، وينقضه منطق طبائع البشر، وتاريخ حياتهم، بل كان أكبر ما لحقه من الضيم: أن نازعه القرآن صرف همهم إليه، فكان نصيبه من إنشادهم وتقصيدهم القصائد أقل مما كان في جاهليتهم، ولكنه بقي مع ذلك هو الذي يؤبون إليه إذا شق عليهم طول مدارسة القرآن، وهو الذي يستريحون إليه إذا فرغوا مما فرض عليهم ربهم، وسن لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم. وظل ذلك دأبهم في أول إسلامهم، ونشأ أبناؤهم يسمعون منهم  شعر جاهليتهم ويستمعون إلى مكنوز بيانهم في ألسنتهم، فيخرجون أيضا مركوزا ذلك البيان في طباعهم، وينتقل ذلك بما يشبه العدوى إلى مسلمة الأعاجم وأبنائهم.
وحيث نزل أهل الجاهلية الذين أسلموا، نزل معهم الذكر الحكيم، ونزل شعر الجاهلية وتدارسوه وتناشدوه، وقوموا به لسان الذين أسلموا من غير العرب. وأصبح زاد المتفقة في معرفة معاني كتاب ربه، هو مدارسة الشعر الجاهلي، لأنه لا يستقل أحد بفهم القرآن حتى يستقل بفهمه وحسبك أن تعرف مصداق ذلك قول الشافعي فيما بعد، في القرن الثاني من الهجرة: «لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلا عارفا بكتاب الله، بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به. ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن». فليس يكفي أن يكون عارفا بالشعر، بل بصيرا به أشد البصر، كما قال الشافعي رحمه الله، والذي قاله الشافي بعد قرن، هو الذي جرى عليه في أول الإسلام.
واستفاضت بالمسلمين الفتوح، واستفاض معهم شعر جاهليتهم، وأسلمت الأمم ودخلت في العربية كما دخلت في الإسلام، ونزل بيان القرآن كالغيث على فطرة جديدة، فطرة أهل الألسنة غير العربية، بعد أن رويت من بيان الجاهلية في الشعر الجاهلي. وامتزجت العرب من الصحابة والتابعين وأبنائهم، بأهل هذه الألسنة التي دخلت في العربية، فنشأ من امتزاج ذلك كله بيان جديد، ظل ينتقل ويتغير ويتبدل، جيلا بعد جيل، ولكن بقي أهله بعد ذلك كله، محتفظين بقدرة عتيدة حاضرة، هي تذوق البيان تذوقا عليما، يعينهم على تمييز بيان البشر كما تعهده سلائقهم وفطرهم، وبيان القرآن الذي يفارق خصائص بيانهم من كل وجه.
ثم فارت الأرض بالإسلام من حد الصين شرقا إلى حد الأندلس غربا، ومن حد بلاد الروم شمالا إلى حد الهند جنوبا، وسمع دوي القرآن العربي في أرجاء الأرض المعمورة. وقامت المساجد في كل قرية ومدينة وازدحمت في ساحاتها صفوف عباد الرحمن، وعلا منابرها الدعاة إلى الحق، وتحلقت الحلق في كل مسجد، وتداعى إليها طلاب العلم، فطائفة تتلقى القرآن من قرائه، وطائفة تدرس تفسير آياته، وطائفة تروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حفاظه، وطائفة تأخذ العربية عن شيوخها، وطائفة تتلقف شعر الجاهلية والإسلام عن رواته، طوائف بعد طوائف في أنحاء المساجد المتدانية، طوائف من كل لون وجنس ولسان، كلهم طالب علم، وكلهم ينتقل من مجلس شيخ إلى مجلس شيخ آخر، فكل ذلك علم لا يستغني عنه مسلم تال للقرآن. لا بل حتى أسواقهم قام فيها الشعراء ينشدون شعرهم، ويتنافرون به ويتهاجون، والرواة تحفظ، والناس يقبلون ينصتون، وينقلبون يتجادلون، وعجت نواحي الأرض بالقرآن وباللسان العربي، لا فرق بين ديار العجم كانت وديار العرب.
وبعد دهر نبتت نابتة الشيطان في أهل كل دين، وجاؤوا بالمراء والجدل، وباللدد والخصام، وشققوا الكلام بالرأي والهوى، فنشأت بوادر من النظر في كل علم، وعندئذ نجم الخلاف، وانتهى الخلاف إلى الجرأة، وأفضت الجرأة يوما إلى رجل في أواخر دولة بني أمية يقال له «الجعد بن درهم»، وكان شيطانا خبيث المذهب، تلقى مذهبه عن رجل من أبناء اليهود، يقال له «طالوت»، فكذب القرآن من أبناء اليهود، يقال له «طالوت»، فكذب القرآن في اتخاذ ابراهيم خليلا، وفي تكليم موسى، إلى هذا وشبهه، وكان من قوله: أن فصاحة القرآن غير معجزة، وأن الناس قادرون على مثلها وأحسن منها!!.. فضحى به خالد بن عبد الله القسري في عيد الأضحى. في نحو سنة 124 من الهجرة.
وكلام الجعد، كما ترى، استطالة رجل جريء اللسان، خبيث المنبت، بلا حجة من تاريخ أو عقل. ولم تكد دولة بني العباس ترسي قواعدها حتى دخلت بعض العقول إلى فحص «إعجاز القرآن»، من باب غير باب السفه والاستطالة، فقام بالأمر كهف المعتزلة ولسانها: «أبو إسحق إبراهيم بن  سيار النظام». فأتاه من قبل الرأي والنظر، حتى زعم أن الله قد صرف العرب عن معارضة القرآن، مع قدرتهم عليها، فكانت هذه الصرفة هي المعجزة؛ أما معجزة القرآن، فهي في اخباره بكل غيب مضى، وكل غيب سيأتي. وهذه مقالة لا أصل لها إلا الحيرة والابتهار من هذا الذي أعجز أهل الجاهلية وأسكتهم. وهب قوم يعارضونه ويجادلونه، منهم صاحبه أبو عثمان الجاحظ، فألف كتابه في «نظم القرآن»، وأنه غاية في البلاغة، وقال الجاحظ وغيره ومن يليهم، ولكن ظل الأمر محصورا في إثبات «الصرفة» وإبطالها، وفي طرف من الاستدلال على بلاغة القرآن وسلامته مما يشين لفظه، وخلوه من التناقض، واشتماله على المعاني الدقيقة، وما فيه من نبأ الغيب، إلى آخر ما تجده مبسوطا في كتب القوم، والذي عرفت قولنا فيه فيما مضى من كلامنا.
ثم كثرت اللجاجة بين هذه الفئات ممن عرفوا باسم المتكلمين، وكان أمرهم أمر جدال وبسطة لسان. وعلية حجة، ومناهضة دليل بدليل، حتى إذا صارت مسألة «إعجاز القرآن» مسألة تستوجب أن ينبري لها رجل صادق، انبرى لهؤلاء المتكلمين «أبو بكر الباقلاني» (المتوفى سنة 403)، والناس يومئذ بين رجلين كما قال هو نفسه. ذاهب عن الحق، ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته، مكدود في صنعته، فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين.. وذكر لي عن بعض جهالهم أنه جعل يعد له ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه، وليس هذا ببدع من ملحدة هذا العصر، وقد سبقهم إلى عظم ما يقولون إخوانهم من ملحدة قريش وغيرهم» (كتابه إعجاز القرآن ص 5 – 6) فهذا هو الذي حفزه وأهاجه، حتى كتب كتابه المعروف «إعجاز القرآن».
وكتب الباقلاني كتابه واهل اللسان العربي يومئذ هم الناس، ولم يزل تذوقهم للبيان ما وصفت لك، تذوق ملتبس بالطباع، مردود إلى السلائق، مشحوذ بمدارسة الشعر وسماعه وروايته ولكن لم يضر جمهور هذه الطباع شيئا أن استفاض الجدل وظهر سلطانه، وأن صارت كل فرقة تمضغ كلاما، تناضل به عن رأيها، وتقطع به حجة خصمها، طلبا للغلبة، لا تمحيصا للرأي، وفحصا عن الحق.
ورضي الله عن أبي بكر الباقلاني، فقد جمع في كتابه خيرا كثيرا، واستفتح بسليم فطرته أبوابا كانت قبلة مغلقة، وكشف عن وجوه البلاغة حجابا مستورا. ولكنه زل زلة كان لها بعد ذلك آثارا متلاحقة، وإن لم يقصد بها هو قصد العاقبة التي انتهت إليها.
كان الباقلاني حقيقا أن ينهج النهج الذي أدناه إليه تمحيص مسألة «الإعجاز»، ويومئذ يجعل الشعر الجاهلي أصلا في دراسة بيان عرب الجاهلية، من ناحية تمثله لخصائص بيان البشر. والباقلاني رضي الله عنه كان يجد في نفسه وجدانا واضحا أن خصائص بيان القرآن مفارقة لخصائص بيان البشر، وقد ألمح إلى ذلك في كتابه، كما ألمح إليه من سبقه بيد أن جدل المتكلمين قبله وعلى عهده، وخوض الملحدين في أصول الدين كما قال، ومنهجهم في اللجاجة وطلب الغلبة، كل ذلك لم يدعه حتى استغرقه في الرد عليهم، على مثل مناهجهم من النظر. ثم دارت به الدنيا، لما بلغه أن بعض جهالهم يعدل القرآن ببعض الأشعار، ويوازن بينه وبين غيره من الكلام.
وأنت تستطيع أن تقرأ كتابه فصلا فصلا لتجد مصداق ما أقول لك. حتى إذا انتهى إلى الذي هاجه، من موازنة القرآن ببعض الأشعار، هب إلى تسفيه هذه الموازنة، فدعاك في أوسط كتابه أن تعمد معه إلى ما لا تشك في جودته من شعر امرئ القيس، وما لا ترتاب في براعته، ولا تتوقف في فصاحته، كما قال في كتابه (241) فطرح بين يديك هذه القصيدة، وجعل يفصلها وينقدها ويمحو من محاسنها ويثبت، ويقف بك على مواضع خللها، ويفضي بك إلى مكان ضعفها، ولم يزل يعربها حتى كشف الغطاء عن عوارها، ثم ختم ذلك بقوله: «وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها، تتفاوت في أبياتها تفاوتا بينا في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال، والتمكن والاستصعاب، والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه، وله شركاء في نظائرها، ومنازعون في محاسنها. ومعارضون في بدائعها».
فلما انتهى من ذلك افتتح فصلا شريفا نبيلا، ذكر فيه آيات من القرآن، وحاول أن يقفك على بدائع نظمها وبيانها، وهذا الفصل هو أدل الدليل على أن الباقلاني، لو كان استقام له المنهج الذي ذكرناه، لبلغ فيه غاية يسبق فيها المتقدم، ويكد فيها جهد المتأخر؛ ولكنه لم يزد في هذا الفصل على أن جعل يوقفك على بيان شرف الآيات لفظا ومعنى، ولطيف حكايتها، وتلاؤم وصفها، وتشاكل نظامها، وأن نظم القرآن لا يتفاوت في شيء، ولا يتباين في أمر، ولا يختل في حال، بل له المثل الأعلى، والفضل الأسنى (كتابه ص 302، 305) وذكر تناسب الآيات في البلاغة والإبداع، وتماثلها في السلاسة والإعراب؛ وإفرادها بذلك الأسلوب، وتخصها بذلك الترتيب. أما غيرها من الكلام، فهو يضطرب في مجاريه، ويختل تصرفه في معانيه، وهو كثير التلون، دائم التغير والتنكر ويقف بك على بديع مستحسن، ويعقبه بقبيح مستهجن، ويأتيك باللفظة المستنكرة، بين الكلمات هي كالآلئ الزهر (كتابه ص 313، 314) ثم انتهى إلى قوله في القرآن: «وعلى هذا فقس بحثك عن شرف الكلام، وما له من علو الشأن، لا يطلب مطلبا إلا انفتح، ولا يسلك قلبا إلا انشرح، ولا يذهب مذهبا إلا استنار وأضاء ولا يضرب مضربا إلا بلغ فيه السماء، ولا تقع منه على فائدة فقدرت أنها أقصى فوائدها إلا قصرت، ولا تظفر بحكمة فظننت أنها زبدة حكمها إلا قد أخللت. أن الذي عارض القرآن بشعر امرئ القيس، لأضل من حمال باهلة، وأحمق من هبنقة» (كتابه ص 321، 322).
وصدق الباقلاني في كل ما قال، إلا أنه لم يزد على أن بين خلو القرآن من الاختلاف والتغير، وبراءته من كل ما يلحق كلام الناس من عيب وخلل، وكل ما هو قريب لضعف طبائعهم، وإن استحكمت قواهم، ودال على عماهم عن كثير من الحق، وإن استنارت بصائرهم. ولعمري انه الحق لا ينال منه الباطل، ولكنه غير الذي ينبغي أن نتطلبه من كشف أصول البيان التي يفارق بها بيان القرآن بيان البشر من الوجه الذي فصلناه.
وليس هذا موضع بحثنا الآن، ولكن بحثنا عن الشعر الجاهلي، وما كان من أمره. فهذه الموازنة التي هاجت الباقلاني، كما ذكر هو حملته على هتك الستر عن معلقة امرئ القيس، ليكشف للناس عيبها وخللها، لا ليستخرج منها خصائص بيانهم، وكيف كانت هذه الخصائص مفارقة لخصائص بيان القرآن فلما زل الباقلاني هذه الزلة، وأخطأ الطريق، زل به من بعده وأخطأه، وأخذوا الشعر الجاهلي كله هذا المأخذ، ولكن العجب بعد ذلك أن (الشعر الجاهلي) ظل عند البلغاء وجمهور الناس هو مثقف الألسنة، والحجة على اللغة، والشاهد على النحو، وما إلى ذلك. ولكنهم إذا جاءوا لذكر القرآن وإعجازه، اتخذوه هدفا للنقد والتفلية، وإظهار العيب، وتبيين الخلل بإزاء كلام بريء من كل عيب وخلل فيبقى الأمر أمر موازنة لا عدل فيها. وكان حسبهم من الدليل أن أهل الجاهلية بتركهم معارضة القرآن بشعرهم أو كلامهم، هو إقرار لا معقب عليه بفضل هذا القرآن على شعرهم وكلامهم، فلم تكن بالباقلاني حاجة إلى سلوك هذا الطريق الذي سلكه، إلا ما حمله عليه ما نعق به جاهل من جهال المتلحدة، من الموازنة بين الكلاميين، وتفضيل شعرهم على القرآن.
وكان قد نازع ذلك باب آخر من اللجاجة، في الموازنة بين شعر الجاهلية، وشعر المحدثين من شعراء الإسلام، وظل الجدال في تفضيل أحدهما على الآخر بابا تقتحمه الألسنة طلبا للمغالبة والظهور، وداخل ذلك من الازراء على الشعر الجاهلي وعيبه ما داخل، فكان هذا أيضا صارفا عن مدارسته على الوجه الذي طلبناه في صدر حديثنا. وفي خلال ذلك كله، تجمعت على فهم الشعر الجاهلي أخطاء شديدة الخطر، غشت حقيقته بحجاب كثيف من الغموض، زاده كثافة ما لحق الشعر الجاهلي من التشتيت والضياع، وما أصابه من اختلال الرواية بالزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير، حتى اختلطت فيه المعاني أحيانا اختلاطا، سهل لكل عائب أن يقول فيه ما عن له. ومع كل ذلك أيضا بقي الشعر الجاهلي مثقفا للألسنة، ومعدنا لشواهد اللغة والنحو والبلاغة..
فليت شعري أي بلاء ترى أصاب هذا الشعر!!
ثم تتابعت العصور على ذلك، وعلى ما هو أشنع منه، حتى أفضينا به في هذا العصر الحديث إلى أقبح الشناعة يوم فرض الاستعمار الغربي الغازي، على مدارسنا منهجا من الدراسة لا يقوم على أصل صحيح كان يرمي في نهايته إلى إضعاف دراسة العربية إضعافا شائنا، لا مثيل له في كل لغات العالم التي يتلقاها الشباب في معاهد التعليم على اختلاف درجاتها. ثم طمت الشناعة بعد سنين، حين عزلت اللغة العربية كلها عزلا مقصودا عن كل علم وفن، وأصبح الشباب يتعلم لغته على أنها درس محدد، هو ثقيل بهذا التحديد المجرم على كل نفس، وبخاصة نفوس الشباب الغض. ثم لما أنشئت الجامعة، ودخلها هؤلاء الشباب على ما هم فيه من الملل بلغتهم، ومن الاستهانة بأمرها، طلع قرن الشيطان بفتنة (الشعر) والتشكيك في صحة روايته، وطار الشر إلى الصحافة، فاتخذت اللغة القديمة كلها لا الشعر الجاهلي وحده، مادة للهزء والسخرية، وللنكتة والرواية، لا بل تندروا بكل من بقي على شيء من المحافظة على سلامة اللغة، سلامة هي كإبراء الذمة لا أكثر ولا أقل.
هذا تاريخ مختصر للأسباب التي وقفت بالشعر الجاهلي حيث وقف قديما، فحالت بين علماء البلاغة والمنهج الذي كشفته وبينته، وكان لزاما عليهم وعلينا أن نسلكه لدراسة إعجاز القرآن، دراسة صحيحة سليمة من الآفات. وهو تاريخ أشد اختصارا للذي تبع ذلك في العصر الحديث، لما صدر (الشعر الجاهلي) ملهاة يتلهى بها كل من ملك لسانا ينطق، حتى ألقى ذلك كله ظلا من الكآبة والظلمة على دراسات المحدثين في الجامعة وغير الجامعة، حين يدرس أحدهم هذا الشعر، هذا الشعر الذي كان حين أنزل الله القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم، نورا يضيء ظلمات الجاهلية، ويعكف أهله لبيانه عكوف الوثني للصم، ويسجد لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لأوثانهم قط. فقد كانوا عبدة البيان قبل أن يكونوا عبدة الأوثان! وقد سمعنا بمن استخف منهم بأوثانهم، ولم نسمع قط بأحد منهم استخف ببيانهم.
وأنت خليق أن تعرف أن الشيء الذي طلبته واحتجت له، وحاولت أن أكشف عن مناهجه ومذهبه، إنما يتعلق بخصائص البيان في القرآن، وخصائص بيان البشر على اختلاف ألسنتهم، وان مخرج غير مخرج هذا، وأن الشعر الجاهلي، إنما هو مادة الدراسة الأولى، لأن القرآن نزل بلسان العرب، والذين نزل عليهم ثم تحداهم وأعجزهم، هم أصحاب هذا الشعر والمفتونون به وببيانه. وهذا باب غير الباب الذي افتتحه الباقلاني، ثم فجر عيونه أمام البلاغة (عبد القاهر الجرجاني) (المتوفى سنة 474) في كتابيه (دلائل الإعجاز)، و(أسرار البلاغة)، ثم أبدع فيه العلماء ما أبدعوا، وزادوا فيه عليه ونقصوا. وكان ذلك بعد أن أغلق الباب الذي فصلنا القول فيه، كان هو الجدير بأن يفتتحه الباقلاني وعبد القاهر.
فإذا تم ما دعونا إليه لأهل هذا اللسان العربي يوما ما. وعسى أن يكون ذلك بتوفيق الله، فيكون ذلك فتحا مبينا لا في تاريخ البلاغة العربية وحدها، بل في تاريخ بلاغة الجنس الإنساني كله. وسيكون أيضا مقنعا، ورضى لهذا (العقل الحديث) الذي يتطلب في معرفة (إعجاز القرآن) ما يرضى عنه ويطمئن إليه، وليس هذا فحسب، بل إن أهل الحق من أهل الإسلام، سيجدون يومئذ وسيلة لا تدانيها وسيلة، تسهل لهم ما استغلق عليهم من دعوة الناس إلى كتاب الله الذي خص به العرب، وجعل فيه ذكرهم على الدهر حين أنزله بلسانهم، ولكنه جعله هدى للبشر جميعا عربهم وعجمهم. ويومئذ ستبطل فتنة (ترجمة القرآن) من أصلها، لسبب ظاهر أشد الظهور. فإن البشر إذا لم يكن في طاقتهم بألسنتهم التي يبدعون في شعرها ونثرها، أن يأتوا ببيان كبيان القرآن، تدل تلاوته على أنه بيان مفارق لبيان البشر، فمن طول السفه وغلبة الحماقة، أن يدعي أحد أنه يستطيع أن يترجم القرآن، فيأتي في الترجمة ببيان مفارق لبيان البشر. فإذا لم يكن ذلك في طاقة أحد، لم يكن لهذه الترجمة معنى بل سيكون فيها من القصور والتخلف، ما يجعل القرآن كلاما كسائر الكلام، لا آية فيه ولا حجة على أحد من العالمين، ولا توجب ترجمته على أحد أن يؤمن ما فيه، وإن خالف ما جرى عليه اعتقاده أو علمه، إلا إذا آمن من قبل أنه كتاب منزل من السماء. وهذا عكس لآية القرآن، وهي أن بيانه هو الدليل القاطع على أنه ليس من كلام البشر، وأنه كتاب منزل من السماء، وأنه هو كلام رب العالمين الذين تعبدنا بتلاوته، والذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع السفرة، الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه، وهو عليه شاق، له أجران». وقال أيضا: «من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول «ألم» حرف، ولكن أقول ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».
وأما بعد، فعسى أن يكون الله قد ادخر لآخر هذه الأمة، بعض ما يلحقها بفضل أولها، فتفتح بالقرآن آذانا صما، وعيونا عميا، وقلوبا غلفا، وتخرج بهديه الناس من ضلالتهم، وذودهم به عن اتباع خطوات الشيطان، إلى اقتفاء الصراط المستقيم، والله تعالى يقول لنبيه: «وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم. وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون». (سورة المؤمنين 73، 74).
وعسى أن يتم على يد آخرها ما خباه الله عن أولها، وعسى أن يكون ذلك مخبوءا في هذا الفصل الذي نجده في أنفسنا بين بيان الله سبحانه، وبيان عباده من البشر.
«قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين» (سورة الأنعام: 149).
ورحم الله مالك ابن أنس إذ يقول: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»، فإذا كان أولها لم يصلح إلا بالبيان، فآخرها كذلك لن يصلح إلا به، وان مرءا يقتل لغته وبيانها، وآخر يقتل نفسه، لمثلان، والثاني أعقل الرجلين!
وشكر الله لأخي مالك بن نبي، حيث دعاني إلى كتابة مقدمة لكتابه، كتاب «الظاهرة القرآنية»، ففتح لي به بابا من القول في «إعجاز القرآن» كنت أتهيب أن ألجه، وبابا آخر من القول في «الشعر الجاهلي» كنت أماطل نفسي دونه، وأنا أعلم أني قد قصرت في ذلك كله واختصرت، وإن كنت قد أطلت، وأخشى أن أكون قد أمللت، ولكن عذري أن الرأي فيهما كان قد شابه ما كدره، فبذلت جهدي أن يمحص القول فيهما، حتى أنفي عنهما القذى، وأخلصهما من الأذى، مبتغيا بذلك وسيلة إلى ربي سبحانه، طلبت القرية عنده، «يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفي كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون».
والحمد لله وحده، ولا حول ولا قوة إلا به، ولا فضل إلا من عنده؟.
لا يجوز لشخص أن يحكم على نظام ما بمقارنته مع نظامه، وفي عالم القرن العشرين يحكم على نظام ما من ناحية متانته قبل كل شيء، وأما نوعه فلا يفهم إلا قليلا، والنظام الملكي بالمغرب متين ولله الحمد وهو متين وسيبقى متينا، لأنه يمثل تجاوبا فيما بين الملوك المغاربة  وبين شعبهم طيلة أربعة عشر قرنا ويمثل ترابطا في المشاعر والأفكار».
جلالة الملك الحسن الثاني

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here