islamaumaroc

الفكر الإسلامي والواقع المغربي

  دعوة الحق

178 العدد

ليس من الإنصاف في شي التنكر للتجربة المتميزة التي يمر بها المغرب منذ حصوله على استقلال سنة 1955. فجميع الدول التي استقلت حديثا في افريقيا مالت في اختياراتها الإيديولوجية والسياسية  والاقتصادية ذات اليمين أو ذات اليسار، وانحازت في فترة من الفترات إلى إحدى القوتين العظميين اللتين تسعيان للسيطرة على شعوب العالم الثالث. ولا يهمنا أن بعض هذه الدول تراجعت أخيرا واعتدلت في سياستها وانقلبت أحيانا ضد من كانوا بالأمس يتحكمون في كل كبيرة وصغيرة من شؤونها، ولكن الأمر الذي يعنينا أن المغرب وحده من بين الدول الإفريقية حافظ على توازنه الفكري وموقعه الحضاري المتميز دون أن يميل لحظة واحدة نو اتجاه مناهض لإرادته ومعاكس لتيار الوعي الوطني المؤمن. وقد كلف المغرب هذا الصمود الشاق العنيف تجارب مريرة عرف كيف يتجاوزها ويستفيد منها ويخرج من أتونها أصلب عودا وأقوى إرادة وأرسخ قاعدة.
كان أمام المغرب غداة الاستقلال اختياران اثنان باعتباره عضوا في مجموعة العالم الثالث:
أولا: الاختيار الرأسمالي
ثانيا: الاختيار الاشتراكي.
وكان الاختيار الأول يمثل امتدادا عضويا للاستعمار الذي رحل بلا عودة وطمع في أن يخلف وراءه ركائزه. وقد رأينا كيف أن الدول التي استقلت في الخمسينات والستينات وظلت مرتبطة فكريا ووجدانيا بالاستعمار قد جنت على نفسها ودخلت في سلسلة متلاحقة من الانتكاسات والانهزامات وتجارب الفشل والإحباط والضياع السياسي المشين.
وكان الاختيار الثاني يخدع المتحمسين ـ الذين يلغون عقولهم ويفكرون بحناجرهم ـ ببريقه الكاذب ولمعانه المزيف. ولم يكن في واقع الأمر إلا دورة جديدة من الاحتلال الأجنبي. ورفض المغرب أن يخرج من عهد استعماري ليدخل عهدا استعماريا جديدا بمحض إرادته. وقد رأينا أيضا دولا افريقية ـ ومنها دول عربية إسلامية شقيقة ـ أقحمت نفسها في هذا المعترك الرهيب وعاشت سنوات طويلة تحت رحمة الإرهاب والقمع والقهر والاستبداد. إلى أن تداركتها أخيرا رحمة الله فآبت إلى رشدها وأصلحت من أمر نفسها وصححت مسيرتها. ولكن بعد أن استنزفها التيه وحطمتها التبعية الذليلة.
كان في إمكان المغرب أن يركب موجة العصر ويخرج إلى الساحة هاتفا بالشعارات ومتشدقا بالنظريات وملوحا باللافتات، ويكسب بذلك ود وصداقة مصدري المذاهب، ومستعبدي الشعوب، ولكنه كان يدرك أن الكم لا يبني سدودا والصياح لا يشيد مدارس، والتهريح الرخيص لا يطعم خبزا. وأثبتت الأيام صحة إدراكه وسلامة حدسه بل صدق يقينه بعد أن تهاوت عروش الظلم والطاغوت وتساقطت أنظمة الذل والجبروت، وانفضحت المؤامرات الإجرامية ضد الإنسان العربي المسلم في افريقيا والعالم العربي الإسلامي من محيطه إلى محيطه.
لقد تميز ربع القرن الماضي بظاهرة تاريخية لا يغفل عنها إلا الذين طمس الله على قلوبهم. فإذا كان علماء الجيولوجيا يقولون بعوامل التعرية الطبيعية ويصفون عصرنا بعصر التغيرات العظمى في طبقات الأرض بحيث من المحتمل أن تنقلب المناطق الصحراوية القاحلة إلى أراض خصبة، والعكس صحيح، ـ وقد بدأ هذا الانقلاب فعلا في بعض الجهات ـ فإنه يمكن القول عن الدورة الحضارية الراهنة أنها تتميز بما نسميه «بالتعرية الفكرية» بما يعني ذلك من تساقط الأقنعة وانكشاف الأسرار وانفضاح النوايا وتبيان الحقائق كما هي في بساطتها ونصاعتها ومنطقيتها. فإذا كانت كثير من الدول قد اغترت وانخدعت بالإيديولوجيات المعادية للإنسان منذ ربع قرن تقريبا، ونالها من هذا الانخداع الشيء الكثير من التخبط والتعثر والفوضى وعدم الاستقرار، فإن المغرب بقي على صموده وتوازنه واعتداله و«وسطيته» لم يمل، ولم يزغ، ولم ينحرف، ولم يشتط به الحماس اللاواهي ولم يذهب ضحية الفهم القاصر والإدراك العاجز.
إن الدول التي عرفت بتحمسها المفرط للاشتراكية أو ما كانت تسميه «بالاشتراكية العلمية» تتراجع تراجعا بعيد المدى إلى الحد الذي يقطع كل صلة بالاختيار السابق. والدول التي أخذت بالاختيار الرأسمالي تبحث في أصالتها وتقاليدها الوطنية عن بديل تستغني به عن الفكر الرأسمالي الغربي.. وبعضها قد وصل إلى نقطة الاقتناع وبعضها
الآخر لايزال يواصل البحث عن الهوية السياسية الجديدة بينما المغرب لم يتغير ولم يعدل عن فكرة أو إيديولوجية أو اتجاه آخذ به إبان استقلاله وأيقن بعد التجربة من فشله وقصوره.. لأنه لم يضعف أمام الاختيارين اللذين بدا للأشقاء والأصدقاء كحقيقتين حتميتين لا مناص من الاقتناع بإحداهما.
إن الخط الذي سار عليه المغرب سنة 1955 لايزال إلى يومنا هذا الخط الفكري والحضاري الذي يسلكه:
رفض المغرب الرأسمالية ولم يعاد الأنظمة التي تأخذ بها، بل مد إليها يده في اعتزاز وانتفع بتجاربها فيما يصح ويجب ـ شرعا ـ الانتفاع به.
ورفض المغرب الاشتراكية ولم يدر ظهره للمعسكر الاشتراكي، لأن هذا يتعارض مع رسالته في الانفتاح والتفتح ومد قنوات التفاهم والتعايش والتعاون مع الشعوب، واقتبس من الاشتراكية ما وجده صالحا به، ومنسجما مع طبيعته الخاصة، وأقام علاقات نشيطة مع الدول الاشتراكية مراعيا المصلحة العليا للوطن والمواطنين..
وفي كلتا الحالتين تحرر المغرب نهائيا مما يمكن أن نسميه بـ «عقدة العداء» لهذا المذهب أو ذاك.. لأن الموقف المعادي المتعصب مدخل إلى التقوقع والانعزال. وما كان المغرب قط دولة منعزلة عن تيار الحياة المتدفق... وإنما هو موقف أخذ باتزان واعتزاز وعطاء بتعقل. الأمر الذي جعله دائما في منأى عن الصراعات المدمرة وأدى إلى فشل كل المغامرات الخائنة، مما دعم قواعد الاستقرار وضمن الاستمرار، وحفظ  للبلاد هيبتها وسمعتها ومكانتها الرفيعة.
فما هو الاختيار المغربي إذن؟
لقد اختار المغرب أصالته وإنجازه بكليته إلى الشعب يستلهم منه النظرية والمنهج وأسلوب العمل ويقتبس منه الاتجاه والفكرة والرأي. وليس لدى الشعب إلا الإسلام. فمن باب تحصيل الحاصل أن يكون اختيار المغرب اختيارا إسلاميا محضا، وانحيازا بالكامل إلى عقيدة الشعب وقيمه ومقوماته ومقدساته.
وحتى حينما رفع المغرب شعار الاشتراكية حرص على إضفاء الصبغة الإسلامية على هذا الاختيار. فهي إذن اشتراكية نابعة من بيئتنا وليست مستوردة في الحقائب أو مما يلقن لتلامذتنا وطلبتنا على مقاعد الكليات. ثم إن لفظ «الاشتراكية» هنا ليس إلا مصطلحا شكليا أما المحتوى والمضمون فهو أقرب إلى روح الشريعة الإسلامية منه إلى مضامين الفكر الوافد.
وليس من الحزم وحسن التدبير في شيء أن يأخذ المغرب بالاشتراكية الماركسية اللينينية، أو الاشتراكية الماوية، فإن هذا الأخذ بمثابة استلاب فكري وإيديولوجي يجردنا من كل خصائصنا وسماتنا ومميزاتنا. كما أنه ليس من العقل في شيء نقل التحارب الرأسمالية بروحها ومحتواها الوجداني والفكري إلى البيئة المغربية، إننا قد ننقل معملا أو الخبرة التكنولوجية العالية لبناء سد أو مستشفى أو تجهيز التربة أو صناعة الأدوية، ولكننا غير مستعدين إطلاقا لنقتبس من الغرب أو الشرق أي تصور للحياة والكون والإنسان، أو ننقل عنهما نمطا من أنماط العلاقات الاجتماعية والإنسانية وأسلوبا من أساليب التربية والتعليم ومنهجا من مناهج الإعلام والتوعية. في هذه الحالة نفقد ذاتيتنا. أي أننا سنعود القهقرى خمسا وعشرين سنة دفعة واحدة ونلغي من سجلنا تلك الملاحم البطولية الخالدة التي صنعها العرش والشعب من أجل الحرية والكرامة والاستقلال.
اختار المغرب أصالته. أي أنه اختار إسلامه وعروبته وحضارته. ولو أنه انحاز إلى هذا المعسكر أو ذاك لما استطاع أن يستكمل التحرير ويمضي في الخط التحريري المستقل.
وهناك قضية أساسية تلح إلحاحا على سياق الحديث. ذلك أننا لو كنا دولة رأسمالية أو اشتراكية ماركسية لما تمكنا من استرجاع الصحراء. لأنه لا يعقل أن نحارب إسبانيا الرأسمالية ونحن على مذهبها، ولا يصح أن نحبط المخطط الماركسي ونحن مؤمنون به، ولكننا حررنا الصحراء وأعدناها إلى حظيرة العروبة والإسلام لأننا أحرار في اختياراتنا وتفكيرنا وسياستنا ومبادراتنا.
اخترنا الإسلام لأنه على طرفي نقيض مع الرأسمالية والاشتراكية، ولأننا أبينا الذوبان في شخصية أجنبية، ورفضنا الانسلاخ عن مقوماتنا، وتمسكنا بالحرية والكرامة.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here