islamaumaroc

الإسلام والنصر: -6- بين التدين والقيادة

  دعوة الحق

178 العدد

جاءني أمس كبير مذيعي محطة إذاعة عربية كبرى وقال: «ان كاتبا كبيرا قال عنك بأن على ما تكتبه مسحة دينية»!!
ومن الصدف أن يزورني قائد من قادة الفدائيين في ذلك اليوم فقال لي بالحرف الواحد: «لماذا تحرص على الناحية الدينية في كل ما تكتب»؟
وبالطبع كان ما نقله المذيع الكبير إلي، وما قاله القائد الفدائي الكبير، هو في معرض النقد فهما مؤمنان بأن القائد لا ينبغي أن يكون متدينا!!
وكنت أحرص على صداقة أخ فلسطيني أعظم الحرص، لأنه من فلسطين التي خالط حبها قلبي ودمي، ولأنه مفكر ألمعي وعالم جليل، ولكنني اضطررت إلى نبذه إلى الأبد زعم بأن التدين مظهر من مظاهر التخلف، وأن العرب لم يفلحوا ما لم يتخلوا عن الدين.
هذا الصديق يعمل في بلد عربي يتمسك معظم الشعب فيه بالدين الحنيف، فزعم أن سر تخلف ذلك البلد العربي يكمن في تدين شعبه، ولكن الذي يبشر بالخير ـ كما عبر ذلك الذي كان صديقي ـ هو أن طلاب الجامعة فيه يحتسون الخمرة، لذلك فالبلد مقبل على التحرر والانعتاق من براثن الجهل والتقاليد البالية!!
واجتاحني الغضب الشديد، وزجرته زجرا عنيفا، وقررت أن أقاطعه لانحرافه عن الطريق السوي.
وتسأل أمثال هذا الرجل: «هل يحارب الدين العلم؟ هل يدعو الإسلام إلى الجهل؟ ماذا تعيب على العقيدة الإسلامية منهجا للحياة وسبيلا إلى الحق والفضيلة والخير»؟
لماذا إذن نتنكر للدين؟ ولمصلحة من هذا التنكر؟
إن الأيدي الخفية التي لا تريد الخير للعرب والمسلمين، هي التي تعمل على إشاعة هذه المفاهيم الخاطئة، حتى لا تقوم قائمة للعرب والمسلمين.
إني أتحدى كل من يستطيع أن يذكر قائدا عربيا واحدا منتصرا لم يكن يتحلى بالتدين العميق ولم يكن يؤمن بالمثل العليا النابعة من صميم تعاليم الدين الحنيف.
لن يستطيع أحد أن يذكر قائدا عربيا واحدا كان له في ميدان النصر تاريخ، ألا وهو متدين إلى أبعد الحدود.
سيد القادات وقائد السادات الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام هو نبي الإسلام. ولا أزيد...
ـوقادة الفتح الإسلامي العظيم كلهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن التابعين عليهم رضوان الله.
لقد أحصيت عدد القادة الفاتحين، فكانوا (256) قائدا عربيا مسلما، منهم (216) من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، و(40) من التابعين عليهم رضوان الله.
وتوقف الفتح الإسلامي العظيم عام اثنين وتسعين الهجرية، وكانت خطط المسلمين العسكرية قبل هذا التاريخ هجومية، فأصبحت بعده دفاعية: تصد هجوم المعتدين، وتدافع عن دار الإسلام.
ومع ذلك، فكل القادة الذين نجحوا في صد المعتدين، كانوا متدينين إلى أبعد حدود التدين، وكانوا أمثلة شخصية لرجالهم في التدين والعمل الصالح، يكفي أن أذكر منهم نور الدين الشهيد وصلاح الدين الأيوبي.
سجل لنا التاريخ العربي الإسلامي معارك دفاعية كثيرة خاضها العرب المسلمون دفاعا عن عقيدتهم وعرضهم وأرضهم.
ولعل أهم هذه المعارك معركتان: معركة (حطين) التي قادها البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي، ومعركة (عين جالوت) التي قادها قطز صاحب مصر.
ومن الصدف أن تكون هاتان المعركتان في الأرض المقدسة فلسطين(1): (حطين) قرية تقع غرب بحيرة (طبرية) على بعد اثني عشر كيلومترا من مدينة (طبرية) على طريق (طبرية ـ الناصرة)، و(عين جالوت) بليدة صغيرة تبعد خمسة أميال عن مدينة (العفولا)، تقع بين (العفولا) ومدينة (بيسان).
ويمكن اعتبار هاتين المعركتين من المعارك الحاسمة، لأن معركة (حطين) أدت إلى استعادة القدس من الصليبيين، ولأن معركة (عين جالوت) أدت إلى إنقاذ الشرق الأوسط ومصر من الغزو التتاري الكاسح.
ولقد درست هاتين المعركتين دراسة مستفيضة فوجدت أن الفضل الأول لانتصار المسلمين على الصليبيين في معركة (حطين) يعود إلى قيادة صلاح الدين الأيوبي، ووجدت أن الفضل الأول لانتصار المسلمين على التتار في معركة (عين جالوت) يعود إلى قطز وإلى الإمامين الجليلين العز بن عبد السلام وأبي الحسن الشاذلي عليهما رضوان الله.
وبمعنى آخر، أن الفضل الأول في إحراز النصر في المعركة الأولى كان للقائد، والفضل الأول في إحراز النصر في المعركة الثانية كان للقائد والعلماء والجنود.
وفي سنة (573) الهجرية اشتبك صلاح الدين بالصليبيين على مقربة من مدينة (الرملة) الفلسطينية، فهزم صلاح الدين، وقتل وأسر كثير من المسلمين.
وارتد صلاح الدين إلى القاهرة، وقد حزت فلي نفسه الهزيمة، وأخذ يحشد الجيش ويعد العدة لحملة جديدة.
وغادر القاهرة على رأس جيشه إلى دمشق حيث أمضى هناك زهاء ثلاثة أعوام، وهو مكب على الإعداد للحرب ماديا ومعنويا بحيث لم تذهب منه لحظة واحدة سدى. وفي خلال هذه الفترة اشتبك مع الصليبيين في عدة معارك استطلاعية لاختبار قوتهم أولا، وفي معارك استنزافية لإنهاك قوة العدو ثانيا، وفي معارك تدريبية لتدريب جيشه على القتل عمليا ثالثا وأخيرا، فاستطاع في هذه المعارك إحراز انتصارات محلية في (طبرية) و(صور) و(بيروت)، وهزم الصليبيين في (حمص) هزيمة شديدة، واضطرب بلدوين ملك بيت المقدس إلى طلب الهدنة، فعقدت بين الطرفين لمدة عامين.
وعاد صلاح الدين إلى القاهرة في منتصف عام (576) الهجرية، فأمضى فيها عاما ونصف عام:
وعاد صلاح الدين إلى القاهرة في منتصف عام (576) الهجرية، فأمضى فيها عاما ونصف عام: يرسم الخطط، ويعد العدة، ويدرب رجاله، ويكمل نواقصهم على هدي الدروس المستفادة من معاركه السابقة، حتى اطمأن إلى كفاية قواته القتالية، ووثق بقابلياتهم العسكرية.
وفي الخامس من محرم الحرام سنة (578) الهجرية، خرج صلاح الدين من القاهرة، عاقدا العزم على خوض معركة حاسمة يستعيد بها القدس الشريف.
وبقي في دمشق أربعة أعوام، يحشد المجاهدين من كل مكان، ويستنفر القادرين على حمل السلاح، ويعد الخطط العسكرية للقتال.
وفي أواخر المحرم من سنة (583) الهجرية، خرج في قواته من دمشق، وسار منها إلى (بصرى) ليحمي منها طريق عودة الحجاج، إذ بلغه أن (رينو دي شاتيون) أمير (الكرك) ينوي الفتك بهم. ولما انتهى عودة الحجاج بسلام سار إلى (الكرك) و(الشوبك) وعاث في أنحائهما.
ووافته جيوشه مصر بقيادة أخيه العادل، وكانت قوات الشام والجزيرة تتلاحق في تلك الأثناء، وتجتمع في دمشق تحت قيادة الملك الأفضل ولد صلاح الدين. وسارت من هذا الجيش بأمر صلاح الدين حملة قوية إلى ثغر (عكا) لاقتحامه وتخريبه، فاشتبكت هناك مع الفرنج وفرسان الداوية (فرسان المعبد، واستولى المسلمون على كثير من الغنائم.
وسار صلاح الدين في قواته جنوبا نحو مدينة (طبرية) فاستولى عليها، ولكن حاميتها اعتصمت بالقلعة. وكان السلطان يهدف إلى استدراج الفرنج لمقاتلته في العراء، ولكنهم لم يفعلوا، فترك مدينة (طبرية) وعاد إلى معسكره على مقربة منها.
وكان الفرنج قد اجتمعوا في سهل قريب من (طبرية)، وكان هذا السهل مقفرا فيه عيون ماء قليلة خربها الفرنج ليحرموا جيش صلاح الدين من الارتواء منها.
ولم يكترث صلاح الدين بمشكلة الماء، لأنه كان عازما على مقاتلة الصليبيين واثقا بنصر الله، فسار في اليوم الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة (583) الهجرية نحو معسكر الفرنج.
ولكن الفرنج حرصوا على منع صلاح الدين من السير نحو مدينة (طبرية) وفتح قلعتها، فتحركوا نحو مدينة (طبرية) يقصدون به الماء، فوقف الجيش الإسلامي في سبيلهم، واشتبك الطرفان في عدة معارك طاحنة، فاتل الصليبيون فيها قتالا شديدا، إلا أن كفة المسلمين رجحت عليهم.
واستطاع صلاح الدين محاصرة الفرنج، فارتدوا نحو تل بقرية (حطين) القريبة يعتصمون به. ولكن صلاح الدين هاجمهم هجوما صاعقا، فاشتد القتال، ودافع الفرنج دفاعا مستميتا، وردوا المسلمين مرات، ولكنهم هزموا في النهاية هزيمة شنيعة، وأسر المسلمون سائر أمراء الفرنج.
هذه المعركة الحاسمة أدت إلى استعادة فتح مدينة (طبرية) و(عكا) و(الناصرة) و(قيسارية) و(حيفا) و(صفروية) و(صيدا) و(بيروت). وتم هذا الزحف المظفر في أقل من شهر!!
ولكن هدف صلاح الدين الحيوي كان استعادة بيت المقدس، لذلك سار إلى (عسقلان)، لكي يتم عزل بيت المقدس عن البحر. وطوق صلاح الدين هذه المدينة من البر، وضربها بالمجانيق ضربا شديدا، حتى استسلمت بالأمان في آخر جمادى الثانية سنة (583) الهجرية، ثم استعاد معظم الحصون والمدن المجاورة.
ويمم صلاح الدين شطر المسجد الأقصى، فأشرف على بيت المقدس في منتصف شهر رجب من سنة (583) الهجرية، وكانت تموج بجموع زاخرة من الفرنج الذين قصدوها من سائر البلاد للدفاع عنها.
وحاصر صلاح الدين المدينة المقدسة، وشدد عليها الحصار، وتمكن المسلمون من نقب السور. فلما علم الفرنج بخطورة الموقف، أوفدوا إلى صلاح الدين وفدا من رؤسائهم يطلبون الأمان.
ودخل المسلمون بيت المقدس في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب (583) الهجرية، فرفعوا أعلامهم فوق الأسوار وفوق المسجد الأقصى، وأبدى صلاح الدين مع الفرنج منتهى التسامح كما تشهد مصادرهم التاريخية.
كان تعداد جيش المسلمين اثنى عشر ألف مقاتل في معركة (حطين)، وكان تعداد جيش الفرنج خمسين ألف مقاتل.
وكان تعداد جيش المسلمين في معركة (بيت المقدس) أقل من اثنى عشر ألفا، وكان المقاتلون من الفرنج في القدس ستين ألفا.
وانتصرت الفئة القليلة على الفئة الكبيرة بإذن الله.
كانت أسباب النصر كثيرة على رأسها قيادة صلاح الدين، لأنه وهب حياته للجهاد في سبيل الله، وكانت العقيدة الإسلامية تملأ نفسه ومشاعره يضطرم بها ولا يؤمن بغيرها، وكان وافر الحلم جم التواضع متقشفا في ملبسه وطعامه، ينفق كل ما تصل إليه يده في أغراض الجهاد ومصالح المسلمين، لا يهتم بشيء من أعراض هذه الدنيا من مال أو قصور أو غيرها، حتى أنه لما توفي لم يخلف مالا ولا عقارا، ولم يجدوا في خزائنه شيئا من الذهب أو الفضة سوى دينار واحدا وسبعة وأربعين درهما.
وكان صلاح الدين الأيوبي يحمل صناديق مقفلة في أيام جهاده، يحرص عليها أعظم الحرص، ويرعاها أعظم الرعاية.
وظن الذين من حوله من المقربين، بأن هذه الصناديق تخفى في بطونها جواهر وبواقيت ومالا، ولكن بعد وفاته فتحت الصناديق، فوجد الذين فتحوها أنها تحتوي على وصية صلاح الدين وكفنه الذي اشتراه من كده، وكمية من التراب.
وفتحت الوصية فكان مما جاء فيها: «أكفن بهذا الكفن الذي تعطر بماء زمزم وزار الكعبة المشرفة وقبر النبي صلى الله عليه وسلم».
«وهذا التراب هو من مخلفات أيام الجهاد، تصنع منه طابوق يوضع تحت رأسي في قبري».
وصنع من هذا التراب اثنتي عشرة طابوقة كبيرة تستقر اليوم تحت رأس صلاح الدين عليه رضوان الله في رمسه ويلقى الله بها يوم الدين.
لقد كان صلاح الدين بعد عودته من كل معركة يخوضها جهادا في سبيل الله، يحرص على جمع التراب المتكاثف فوق وجهه وثيابه ويضعه في صندوق من صناديقه السرية، وقد استطاع جمع هذه الكمية الكبيرة من التراب التي صارت اثنتي عشرة طابوقة (الطوب)، فكم عدد المعارك التي خاضها جهادا لإعلاء كلمة الله؟!!
مات صلاح الدين في السابع والعشرين من شهر صفر سنة (589) الهجرية، أي بعد سنتين من معركة (حطين) وفتح بيت المقدس، وكان عمره يوم مات ستة وخمسين عاما، فقال عن موته شهاب الدين القدسي صاحب كتاب الروضتين في تاريخ الدولتين: «كان يوما لم يصب الإسلام والمسلمون بمثله مذ فقد الخلفاء الراشدون، وغشى القلعة والبلد والدنيا من الوحشة ما لا يعلمه إلا الله تعالى».
هل كان ينتصر صلاح الدين، لو صرف كل همه إلى فرجه وجيبه ومسكنه ومأكله؟
هيهات...
إن الفرق الكبير بين الإنسان والحيوان، هو أن الإنسان له مثل عليا يؤمن بها ويضحي من أجلها، وهذه المثل العليا هي العقيدة.
والإنسان يؤثر مثله العليا على متاع الدنيا، لأن تلك المثل هي الباقية ولأنها نابعة من الإنسانية الحقة.
أما الحيوان فهو الذي يؤثر فرجه وعلفه واسطبله وهي متاعه في الدنيا الفانية التي يعيش من أجلها الحيوان وبها أصبح حيوانا.
كم من البشر أخلدوا إلى الأرض، فأصبحوا حيوانات بل هم أضل سبيلا؟!
فما عبرة معركة (عين جالوت) التي تفيد العرب والمسلمين في حاضرهم ومستقبلهم؟

ما هي عبرة معركة (عين جالوت) لحاضر العرب والمسلمين ومستقبلهم؟

في سنة (654) الهجرية احتل التتار سائر بلاد الروم بالسيف، واحتلوا بغداد عاصمة العباسيين وقضوا على الدولة العباسية في المشرق سنة (656) الهجرية، واستولوا عنوة على (حران) و(الرها) و(ديار بكر) سنة (657) الهجرية، ونزلوا مدينة (حلب) سنة (658) الهجرية واستولوا عليها، ووصلوا إلى دمشق في نفس السنة واستولوا عليها ثم تعدوها إلى (نابلس) و(الكرك) و(بيت المقدس) .
وقد كان من أهداف التتار الاستيلاء على فلسطين واجتيازها إلى مصر، وكان جيشهم يتقدم كالإعصار الشديد، لا يبقى ولا يذر مدمرا كل قوة تقاومه، ناشرا الرعب والخراب والدمار.
وكان على مصر حينذاك قطز، وكان يخشى على وطنه أن يجتاحه التتار اليوم أو غدا، وكان التتار في مسيرتهم الظافرة يتقدمون من نصر إلى نصر، وقد أصبحت مصر قريبة منهم، وكانوا يطمعون في أن يجعلوها ضمن ممتلكاتهم التي امتدت من أقصى الشرق إلى البحر الأبيض المتوسط.
وجمع قطز رجاله المفكرين، وسألهم الرأي فيما يصنع، فأشاروا عليه برب التتار خارج الأرض المصرية، حتى يبعد عن مصر الخراب والدمار.
واقتنع قطز بهذا الرأي، وقدر أنه إذا انتصر على التتار فقد كفى مصر مغبة الدمار، وإذا انحدر أمامهم كانت له أرض الكنانة ملجأ وموئلا.
واستنفر جيش مصر، وحث الناس على الجهاد، فلبى نداءه كثير من المجاهدين، كان على رأسهم العز بن عبد اللام وأبو الحسن الشاذلي رضي الله عنهما اللذان شحنا جيش قطز بطاقات معنوية لا تنضب.
وانضم المجاهدون إلى الجيش النظامي المصري، وكان هذا الجيش حينذاك قليلا في عدده، ضعيفا في عدده، واجبه الأول حماية الأمن الداخلي وجباية أموال الدولة، ولم يكن من واجبه الحرب خارج البلاد.
وبدأ الشيخان الجليلان العز بن عبد السلام وأبو الحسن الشاذلي يأمران الجيش المصري قادة وجنودا بالمعروف وينهيان عن المنكر، ويحثان على التوبة النصوح، ويزيلان ما علق بالنفوس من أدران، ويقومان ما اعوج ويصلحان ما فسد، ويبرزان للمقاتلين فضل الجهاد، ويظهران أجر الشهادة في سبيل الله، ويعلنان درجة الشهداء عند الله، ويرفعان المعنويات، حتى شحنا جيش مصر بشحنات معنوية بغير حدود، بحيث رجاله على أن ينالوا إحدى الحسنيين: الشهادة أو النصر... ولا يغلب جيش حتى يتحلى بمثل هذه المعنويات العالية.
وصل الجيش المصري (عين جالوت) وهي بليدة صغيرة تبعد خمسة أميال عن مدينة (العفولا) في فلسطين، وتقع بين (العفولا) ومدينة (بيسان).
وتحفز جيش التتار للقضاء على الجيش المصري، فنشبت المعركة بين الطرفين سنة (658) الهجرية.
ومن دراسة قوات الجانبين يظهر بأن التفوق الساحق كان إلى جانب التتار على الجيش المصري في كل النواحي العسكرية المادية.
ولكن التفوق المعنوي كان إلى جانب المصريين على التتار، إذ كان المصريون يملكون سلاحا سريا بالغ الخطورة لم يحسب له التتار أي حساب، هذا السلاح هو الإيمان العميق بالله والتصميم على النصر أو الاستشهاد.
إن كل الحسابات العسكرية تجعل النصر إلى جانب التتار بدون أدنى شك.
أولا: كان قادة التتار لهم تجربة طويلة في الحروب، ولم تكن لقطز أية تجربة عملية في الحروب الكبيرة أو الصغيرة.
ثانيا: كانت معنويات قادة التتار عالية، لأنهم تقدموا من نصر إلى نصر، ولم تنكس لهم راية منذ بضع سنين خلت.
وكانت معنويات قطز منهارة، لأنه لم يحارب أبدا على نطاق واسع ولم ينتصر في حرب.
ثالثا: كانت معنويات التتار متفوقة على معنويات المصريين، وكان الشائع بأن جيش التتار لا يقهر أبدا.
وقد انتصر هذا الجيش بالرعب في كثير من المعارك التي خاضها، وكانت سمعته العسكرية قد ملأت الدنيا.
رابعا: كانت كفاية جيش التتار العسكرية متفوقة على الجيش المصري، لأن هذا الجيش خاض معارك لا تعد ولا تحصى، لذلك كانت تجربته العملية على فنون القتال باهرة إلى أبعد الحدود.
بينما لم تكن للجيش المصري كفاية قتالية نتيجة لتجاربه العملية في الحرب، إذ لم يسبق له خوض معركة حربية كبيرة ولم يحرز نصرا في القتال.
خامسا: كان التتار متفوقين على المصريين في العدد والعدد، خاصة بالفرسان الماهرين في حروب الفروسية، وكانت شهرة فرسان التتار قد ملأت الآفاق إقداما وشجاعة وتمرسا على فنون القتال.
سادسا: كان التتار متفوقين على المصريين في تسليحهم، وكان لأسلحتهم معين لا ينضب نتيجة لما كانوا يملكونه من سلاح وما غنموه من أعدائهم في حروبهم الطويلة.
سابعا: كان جيش التتار متفوقا على الجيش المصري في قضاياه الإدارية، إذ كان يستند على البلدان الغنية احتلها في أرض الشام، بينما كانت قواعد المصريين الإدارية بعيدة عنهم، لأنهم كانوا يعتمدون على مصر وحدها، والمسافة بين مصر و(عين جالوت) طويلة، خاصة تلك الأيام التي كانت القضايا الإدارية تنتقل على الدواب.
هذا التفوق الساحق الذي كان إلى جانب التتار، له نتيجة متوقعة واحدة، هي إحراز النصر على الجيش المصري أسوة بانتصاراتهم الباهرة على الروم والعرب ومختلف الأمم والشعوب.
ولكن الجيش المصري انتصر على جيش التتار كما هو معروف، فكيف حدث ذلك؟
شن االتتار على المصريين هجوما كاسحا، وتقدم الهجوم فرسان التتار المتمرسون على حرب الصاعقة، فتزعزعت صفوف الجيش المصري، وتكبدت خسائر فادحة بالأرواح، ثم تراجعت إلى الخلف بغير نظام.
وأوشك التتار أن يطوقوا المصريين، وأوشكوا أن يكتسحوا صفوفهم، فلما رأى قطز ما حاق بالجيش المصري، صرخ: «وإسلاماه… وا إسلاماه».
وكان العز بن عبد السلام وأبو الحسن الشاذلي قبل المعركة قد عملا عملهما البناء في إيقاظ الشعور الديني في الجيش المصري، فكانت لتلك الصرخة المؤمنة القوية الأمينة أثرها العميق في استثارة القيادة والجنود، وكان النصر المؤزر للمصريين خلافا لمبادئ الحرب ولما يتوقعه المصريون أنفسهم.
وبعد هذه المعركة لم يفلح التتار أبدا، إذ تكبد التتار فيها خسائر فادحة بالأرواح والأموال، فولوا مدبرين، وطمع فيهم الناس يتخطفونهم.
ودخل المظفر دمشق، واستعادها من التتار. وبعث لمطاردة التتار أحد قادته المدعو بييرس فطهر هذا القائد أرض الشام من التتار حتى استعاد مدينة حلب الشهباء.
وهكذا استطاع جيش مصر بالإيمان الذي بعثه من جديد العالمان الجليلان والشيخان الكبيران العز بن عبد السلام وأبو الحسن الشاذلي عليهما رضوان الله أن يحرز انتصارات باهرة على التتار، وكان الناس قبل ذلك يظنون بأن هذا الجيش لا يهزم أبدا!!
ولقد كان تعداد جيوش العباسيين في بغداد أكثر أضعافا مضاعفة من تعداد جيش قطز.
وكانت بغداد محصنة تحصينا قويا ييسر الدفاع عنها والثبات فيها مدة طويلة كافية لصد المعتدين التتار عن أسوارها الشاهقة.
ولكن كان جيش العباسيين يومئذ في شغل شاغل عن الحرب وعن متطلبات الحرب.
كان قادته قد شغلوا أنفسهم بجمع المال والتطاول بالبنيان وحب الشهوات، وأعرضوا عن واجباتهم العسكرية تدريبا وتسليحا وتجهيزا وضبطا ونظاما.
وكان قادته قد دب بينهم الفساد، وشاعت بينهم الرشوة، وهانت عليهم كرامة الناس وأعراضهم: لا يعفون عن الحرام، ولا يخافون الله.
وكان قد شب بينهم الخلاف على المناصب والأموال واللهو، فلجأ كل واحد منهم إلى مجموعة من الجيش يركن إليها ويقاسمها المغانم والأسلاب.
وكان أولئك القادة لا يتسنمون مناصبهم لكفايتهم العسكرية ومزاياهم الإنسانية الرفيعة، ولتجربتهم الطويلة في معاناة الحروب، بل كانوا يتسنمومنها لأحسابهم وأنسابهم، أو لأنهم من (شلة) أصحاب السلطة، أو ممن يخشاهم أصحاب السلطة، أو ممن يقدمون المال الحرام لأصحاب السلطة ثمنا لمناصبهم العسكرية.
أما أفراد الجيش،، فكانت كل مجموعة منهم تنتسب لقائد من القادة: تحتمي به، وتدافع عنه، وتنال أجرها على أتعابها.
أصبح قادة الجيش رؤساء عصابات مسلحة، وأصبح أفراد الجيش عصابات مسلحة، تعمل لمصلحتها الشخصية بعيدة كل البعد عن مصلحة الدولة العليا.
بالطبع أمثل هؤلاء القادة لا يستطيعون إعداد جيوشهم للحرب.
فإذا وقعت الحرب، لا يستطيعون قيادة رجالهم كما ينبغي.
لذلك كان وجود أمثالهم على رأس الجيش العباسي، من مصلحة أعداء هذا الجيش، ما في ذلك أدنى شك.
ولهذا كان عدد أمثال ذلك الجيش وعدده مما بلغت ضخامتها غثاء كغثاء السيل.
وجاء جيش التتار، فواجه في بغداد العباسية جيشا متفسخا: قادته يفكرون بما خلفوه وراءهم من متاع ولا يفكرون في الدفاع عن بلدهم، وجنوده غير مدربين وغير مستعدين للحرب، والجنود والقادة ملوثون بالكبائر من الذنوب كأن أحدهم جبل أسود كل ذراته وصخوره ذنوب: نسوا الله فأنساهم أنفسهم.
وبادر الجنود إلى الهرب، لأنهم لا مصلحة لهم في الدفاع عن مدينتهم العظيمة ومدنيتهم العريقة.
وهكذا أصبحت بغداد وقد غاب عنها حماتها، فاستسلمت للمتوحشين الغزاة، حيث قضوا على حضارتها العريقة التي أنارت الدروب للعالم كله قرونا طويلة.
استسلمت بغداد، لأن حماتها تنكروا لعقيدتهم، فخسروا كل شيء.
ولاقى المتوحشون الغزاة جزاءهم العادل في معركة (عين جالوت)، لأن الجيش الذي قاتلهم هناك، كان قد خرج من بلده الأمين مهاجرا إلى الله ورسوله، ليست له غاية غير إعلاء كلمة الله والجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله.
الدرس الذي يفيد العرب والمسلمين هو: أهمية العقيدة في إحراز النصر.
إن الطائرات والدبابات والأسلحة المختلفة والعتاد والذخيرة، كتل من الحديد صنعها الإنسان ويستعملها الإنسان في الحروب دفاعا عن النفس أو لتحقيق أطماع توسعية.
ولايزال الإنسان هو المسيطرة على كل سلاح وعتاد، وبدونه لا قيمة لكل سلاح ولكل عتاد.
ولكن الإنسان بدون عقيدة تجمع شمله وترص صفوفه وتوحد كلمته وتشيع فيه الانسجام الفكري الذي بدونه لا يكون تعاون ولا اتحاد، لا قيمة له من الناحية العسكرية.
وهذه العقيدة هي مثل عليا يؤمن بها الإنسان المستحيل أن يضحي بها إلا إذا كانت له عقيدة راسخة وأهداف سامية.
وكتل الحديد التي هي السلاح والعتاد، لا جدوى منها ولا فائدة فيها، إذا لم يستعملها إنسان ذو عقيدة راسخة وأهداف سامية.
وحين كان العرب قادة وجنودا وأفرادا وشعوبا متمسكين بعقيدتهم السماوية، فتحوا العالم وقادوا الحضارة العالمية.
وحين تخلى العرب عن عقيدتهم، تداعت عليهم الأمم كما تداعى الأكلة على الثريد.
ولم يكن ذلك من قلة، ولكنهم يومئذ كثير، بدون عقيدة.
ترى!! أيعقل للعرب اليوم هذا الدرس، فيعودون إلى دينهم الحنيف بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء، ليعود إليهم مجدهم وعزهم؟
أم هم لايزالون بحاجة إلى كثير من النكسات  والنكبات!؟

(1) ما أجملناه هنا، فصلناه في كتابنا: بين العقيدة والقيادة، دار الفكر، بيروت، سنة 1972.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here