islamaumaroc

لو عاد العرب إلى الإسلام

  دعوة الحق

178 العدد

الشكوى في كل مكان من العرب لأنهم تخلوا عن قيادة العالم الإسلامي عندما تخلوا عن الإسلام وراحوا يستوردون المبادئ من هنا ومن هناك فرهنوا انطلاقاتهم في متاهات وسراديب لم تحقق لهم نهضة ولا تحررا ولا كرامة ولا أي شعار من الشعارات التي قاموا برفعها منذ زمان أو أقدموا على تجديدها وتغييرها منذ خمس وعشرين سنة!! إنما كان الحصاد الكبير مزيدا من التمزق والانشقاق والتناحر والخيبات المريرة والتجارب الفاشلة والاضطرابات الاجتماعية والنفسية والفكرية والتأخر نحو الوراء بخطوات واسعة والاستسلام لقيادة العدو وهيمنته!!
وقد أصاب إخواننا في العالم الإسلامي ويلات وكوارث نتيجة لتخلي العرب عن قيادتهم ورسالتهم وانهم الآن يعانون من ذلك أشد المعاناة ولذلك فهم يصرخون بالعرب دائما: «أن قودونا نحو وحدة إسلامية شاملة في ظل حضارة جديدة...» وفي رحاب اجتماعات المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة الذي انعقد في المدينة المنورة بدعوة من الجامعة الإسلامية والذي حضره ممثلون عن سبعين دولة، كان المؤتمرون يتدارسون مشاكل الدعوة الإسلامية فأدلى كل مندوب برأيه، وعندما أعطيت الكلمة لعالم من علماء نجيريا قام الرجل في وقار واطمئنان وعلى وجهه مسحة من الحزن وملامح الجد والصرامة والاعتزاز، وقال للمؤتمرين بلسان عربي مبين: «أن سبب مشاكل الدعوة الإسلامية، وسبب بلاء المسلمين بأفريقيا هم العرب لأنهم قادة العالم الإسلامي ورئة جسم العالم الإسلامي وقلب العالم الإسلامي، هم قدوة افريقيا وغيرها، لذلك يجب إصلاح العرب قبل كل شيء ليكونوا في مستوى المثل الأعلى ويكونوا أهلا للقيادة والاتباع، وعلينا أن نناشد بقيام دولة إسلامية في البلاد العربية تساندنا ونساندها وإن إمكانات ذلك لموجودة ولكن العرب في واد والإسلام في واد وتلك مشكلة افريقيا وبلاد المسلمين معا».
صرخة صادقة ومفعمة بالألم وكثيرا ما سمعنا مثل هذه الصرخات تدوي في آفاق العالم الإسلامي ناشدة العرب أن يضطلعوا بدورهم القيادي والحضاري لأنهم مادة الإسلام وربابنة سفينة النجاة.
ولقد أدرك أعداؤهم مدى ما ينطوون عليه من استعدادات قوية للخير وما يملكون من إمكانيات مادية وبشيرة وفكرية ودينية واستراتيجية فانبروا إليهم في تخطيط ماكر وأسلوب مرن شيطاني ونفس طويل للحيلولة بينهم وبين توظيف تلك الاستعدادات وتركيب تلك الإمكانيات تركيبا خلاقا مبدعا فكان أن هجموا في بلاد المسلمين تيارات ومعسكرات تخرب الأمة من الداخل بحماس بليد وفكر أعمى وضبعة مطبقة! وأهم ما حققه أعداء الإسلام أنهم أفقدوا الكثيرين منا الإحساس الصادق بالخطر والنظر السديد في الأمور فأوغلوا في بيد ساحقة يبحثون عن الحلول ويتلمسون
المخرج من المآزق التي وقعوا فيها فما يزيدهم ذلك إلا مضاعفة للضلال. ومن أخطر ما استقر عليه كثير من العرب أنهم «آمنوا» بمجموعة من الأفكار الخاطئة صاغها لهم أعداؤهم في نهاية القرن الميلادي الماضي وخلال هذا القرن.
ورغم انكشاف الحقائق واعتراف العدو بمدى مسؤوليته عن تلك الأفكار وترويجه لها بجميع الوسائل ومدى ما حققه له من أهداف وفوائد في بلاد العرب فإن العقول المخدرة والإرادات المستسلمة والأرواح الآسنة غير قادرة على التنبه واليقظة والتخلي عن الضلال وتحويل الاتجاه نحو سبيل لاحب ومحجة بيضاء ليلها كنهارها، فالزيغ الكفري والإيديولوجي في بلاد تاليس ناتجا عن شك علمي وبحث عن الحقيقة واستقصاء للوسائل الناجعة، وإنما مرده إلى فراغ فكري وروحي وانعدام المناخ الثقافي الذي يضطلع بتغذية الفرد والجماعة وطبعهما بطابع مميز قادر على النماء التحرري والعطاء والمواجهة في حصانة وقوة. والحقيقة التي يجب الاعتراف بها وإعلانها أن جل الحركات الإيديولوجية التي قامت في بلاد العرب كانت أعجز من أن تملأ هذا الفراغ بإيديولوجية تقدم في النفس العربية تلك الشرارة المقدسة والشعلة الحضارية التي تصنع المعجزات وإنما اعتمدت على «كلام» و«شعارات» و«شكليات» تافهة لم تستطع واجهاتها المزخرفة والملونة أحيانا أن تخفي سماتها التخلفية، لأن الكثير منها نشأ من أول وهلة نشأة منحرفة وفي أحضان الجامعة الأمريكية واليسوعية وفي مناخات خاصة، وتعتبر بعض تلك الحركات من أهم منجزات الاستعمار الفكري الذي استهدف إيجاد «صياغات» محلية لها شكل فكري وشكل فلسفة وشكل إيديولوجية ولكن لتؤدي الوظيفة التي من أجلها أوجدت فوجودها وحياتها وتطورها مرهون بتحقيق غايات وأهداف موضوعية محددة من طرف المتحكمين في جهاز التوجيه وأزرار التحريك.
وما نشاهد الآن من تبعية مطلقة للفكر المخرب ومن حماس للهزائم وتكريس للهوان وافتخار بالانتكاسات وحرص على التناحر وإشادة بالغدر دون أن يكون ثمة ردود فعل صحيحة لدليل واضح على أن التخدير بلغ أقصى فاعليته والمؤامرة آتت من النتائج أكثر من المتوقع وأسرع من المنتظر!! وهكذا أصبح الفراغ المملوء بالفكر الجاهل الرجعي المتخلف هو المناخ السائد في بلاد العرب مما أتاح للأفكار المضادة التسرب بجميع الوسائل إلى عقول الناشئة المتطلعة إلى تحرير بلادها وتخليصها من التخلف فتصدت للعلاج فكرا أو ممارسة وهي عبارة عن جهاز يديره العدو كما قال أخيرا بعض الشخصيات الكبيرة التي استطاعت في بعض نوبات الوعي التخلص من كابوس التخدير!! وهكذا أصبحت القيادة الفكرية في بلاد المسلمين متجهة بولائها وتبعيتها لفكر غريب لم يقدر أن يحررها من أسباب تخلفها التاريخية والجديدة، ذلك واقع لا يكابر فيه أحد ينشد الحق، ولهذا الواقع انعكاسات خطيرة في ترسيخ بعض المسلمات والمرتكزات الأخلاقية والسلوكية بل والقواعد العلمية ـ زعموا ـ. وهكذا اطمأن هذا الفكر إلى واقعه الآسن، بل صار يقدسه كأهم منجز أنجزه مما جعله في فكر أصيل مبدع ذلك الفكر الذي تمتد دعوته إلى الحقيقة بعيدا عما هو مطلوب منه من قيادة وريادة آفاق أبعد من المحيط وأقصى من الخليج امتداد الزمن والمكان، لأنه فكر إنساني عالمي شمولي خالد متفتح ثابت الأسس متين المبادئ متجاوب مع الفطرة ونزوع الإنسان نحو الكمال. فالعرب اليوم بين أمرين بين أن يظلوا تائهين حتى تنطفئ فيهم آخر شرارة من حضارتهم فيندثروا كأمة لها رسالة ويصبحوا في عداد الشعوب المندرسة وأما أن يراجعوا أنفسهم ويصححوا انطلاقاتهم ويغيروا ما بأنفسهم وحينئذ يستعيدون دورهم التاريخي العظيم.
ولو عاد العرب لهذا الفكر لا سلس لهم العالم الإسلامي مقاده ولاتجهت نحوهم العواطف والقلوب والعقول ولأعادوا للمدينة ودمشق وبغداد والقاهرة والقيروان وفاس ما كان لها في قلوب المسلمين في العالم الإسلامي عبر تاريخهم الطويل ولجعلوا العالم يواجه أمة عظيمة تربطها كلمة واحدة من سيبريا إلى جزر القمر. لقد كان أمل عودة العربي إلى دينهم ضعيفا إثر انهيار الخلافة العثمانية واحتلال ما بقي من بلاد المسلمين ولكنه اليوم قوي ومشبوب لما نلاحظ من دلائل دامغة على أن خلاصنا الشامل هو في هذه العودة وبعدما لمسنا ما للإسلام من قوة في إيجاد الجندي القوي والفكر العميق والاقتصاد السليم والعافية التامة، لقد كان الإسلام وراء الثورات العظيمة في تاريخنا ولانزال نرى تأثيره في الحرب التحريرية البطولية في أرتيريا والفلبين والمقاومة الفلسطينية المؤمنة في الداخل والخارج، والإسلام هو الذي كان وراء بطولة الجندي المسلم في حرب رمضان التي أجهضها الفكر السباي نسبة لعبد الله بن سبأ) وحال دون تحقيق أهدافها، والإسلام هو الذي جعل العالم الإسلامي، على تمزقه وضعفه صفا واحدا في المحافل الدولية.
والإسلام هو الذي كان وراء التجربة المصرفية الرائدة في دبي، والإسلام هو الذي أيقظ في نفوس المسلمين هذه الجذوة الخالدة المقدسة وذلك التطلع القوي نحو التحرر والتضحيات غير المشروطة. إن على العرب أن يعودوا إلى يوم «جمعتهم» إذ لم ينفعهم «سبت» اليهود ولا «أحد» النصارى ولا يوم من أيام المشركين إن هذه البلبلة الفكرية والتيه العقائد والترقيع الإيديولوجي إنما هو استمرار في الضعف وتثبيت لعوامل التمزق والفرقة خداع والسباق وراء المصطلحات وتغيير المفاهيم وتخليط المعالم «إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرو الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين».
إن المجهودات الجبارة التي ينفقها العرب في بناء حضارة جديدة ونهضة قوية تذهب دائما أدراج الرياح، ذلك لأن البناء على غير أساس والإنفاق عن غير تخطيط علمي عملي وان الفكر الذي اعتمدناه إلى الآن فكر ضرار أشاعوه في الناس تفريقا بين الإخوة وإرصادا للعدو. «أفمن أسس بنيانه على شفا جرف هار» وكل فكر يقود إلى الهزيمة فهو فكر مهزوم.
إن قوانين الله صارمة وقد استخلف سبحانه عدة أمم فنصر من استحق النصر وهلك من استوجب الهلاك واستبدل أقواما بآخرين لوم يضروه شيئا وها هو سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم في بلاد العرب ليكونوا قادة هذا الدين ودعاة هذه الحضارة على أساس توحيد الله واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم وهم في ذلك مختبرون فإن أحسنوا القيادة أحسنوا لأنفسهم إذ ضمنوا لها العزة والكرامة وإن أساؤوا لأنفسهم. «ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليومنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ثم جعلناكم خلائق في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون». وقد خلق من بعدهم خلق يحاولون تغيير رسالتهم وقرآنهم فأصبحوا تماما يصدق عليهم ما صدق على أوائلهم قبل الإسلام. «وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا. قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي ان أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم، قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون» فهلا يعقل عرب اليوم فيصبحوا بذلك قادة عالم جديد له من الإمكانيات ما يجعلهم أعظم دولة في العالم، فإنه ليس بينهم وبين ذلك إلا أن يكونوا صرحاء مع أنفسهم فيستجيبوا لنداء المسلمين الملحاح وعندئذ يستحقون من الله ما يرجون.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here