islamaumaroc

مأساة الخنفسة ببلادنا

  دعوة الحق

178 العدد

«مرت مطاحن الحروب في العقد الأول من القرن العشرين تسحق البشرية وتدمر مدنيتها وظهرت آلات الدمار والإبادة الجماعية تلتهم الأخضر واليابس». وعندما وضعت هذه الحروب أوزارها غدا الإنسان متذمرا من تبعاتها فارتمى ـ «لكي يتخلص من شيطان الحرب الذي جثم على صدره» ـ في خضم حضارة آلية مادية بمعزل عن كل فضيلة ودين وقيل ومثل وأخلاق. فوقع هذا الإنسان فريسة لانحرافات جارفة وفلسفات جامدة أضلته الطريق السوي وزحزحته عن فطرته وواقعه الأصيلين وأسقطته في حضيض البهائم فاصطدم بالمادة والوجودية والإلحاد والحيوانية فلصقت به ونفذا إلى روحه فأعدمتها، وتركته مضطربا حائرا قلقل يهيم في كل واد، وصيرته آلة مصخرة بدون إرادة أو وازع أو إيمان. فكان مولد «الخنفسة» وكان ميلاد «الخنافس»!
فما هي الخنفسة إذا! هي موجة من الإلحاد والتمرد واللامبالاة والانحلال الخلقي والإباحية في الجنس والخشونة والتنكر لمبادئ التربية والقيم الأخلاقية ـ زاحفة ـ تلتهم الشباب التهاما. ومن هم الخنافس؟  إنهم المتمردون على كل فلسفة ودين وخلق ومجتمع، إنهم العاصون المتسكعون المدللون، إنهم المنطلقون نحو السراب، التائهون على وجه البسيطة، السابحون في خيالها، أنهم «أبطال مأساة «بشرية تنكروا لأسس المجتمع الإنساني وهزؤوا بمؤسساته وأخلاقه وأرادوا العودة إلى الحياة البدائية استخفافا بالنظم والمجتمعات والطبيعة الإنسانية المتحضرة». إنهم الجبناء المتخاذلون الذين ركنوا إلى الفراغ والسكينة وفروا من مواجهة الواقع ولجأوا إلى المخدرات والأفيون ليبعدهم عن التفكير في مشاكل الحياة القائمة ويصعد بهم إلى جو الأحلام الواهية.
فما بال بعض شبابنا المغربي ينمو هذا النمو المعوج و«يتخنفس» «وقد أطلق شعره ومارس الإباحية وعبر عن يأسه بالقيثار الكهربائي». وهو ليس وليد حضارة مادية مجردة أو فريسة قلقل مستمر من شبح الحرب والفتنة أو ضحية مأساة خانقة؟.. إنه التقليد الأعمى لكل وارد من الخارج قد سهل لجرثومة «الخنفسة» التسرب إلى بعض البيوتات فحطمت أصالتها، وأفسدت أخلاقها، وهدمت كيانها؛ إنها التربية المنحرفة في البيت والشارع، إنه التوجيه المتنكر لشخصية الأمة وتاريخها ومقوماتها وحضارتها؛ إنه تناسي وإغفال كل فضل لهذه الأمة على أبنائها؛ إنها دعوة الإنسان ـ الغير الموجه الوجهة الصالحة ـ إلى ما يثير غرائزه ويشبع رغباته الحيوانية في الثورة على كل قانون، في الثورة على كل تاريخ وقديك، في الثورة على كل فلسفة ودين...
إن هذا السيل الجارف من الانحلال الديني والخلقي لا يمكن صده إلا بتخطيط بعيد المدى لتربية وطنية رصينة من أجل التمسك بقواعد الأخلاق والدين، والإيمان بعظمة الماضي وأصالة الحاضر، ونبذ كل تافه رديء لا يقوم على المنطق السليم، وإبعاد شبح المذاهب «الرخيصة» المستوردة من الخارج، ورفض الانجراف مع «الهاربين الحيارى المضطرين اللامنتمين المائعين في حياة بوهيمية سافلة»، المستهترين بكل نعمة وفضيلة.
إن حضارتنا وقيمنا ومقدساتنا وتقاليدنا تأبى أن تحتضن مثل هؤلاء «الخوارج» عن سنن الطبيعة وناموس الحياة وقوانين التطور الحضاري والفطرة التي فطر الله الناس عليها. بل إنها تحتم خلق جيل مغربي مؤمن ثابت، مفكر واقعي، ثائر على التخلف الفكري، داع إلى الخير والمحبة ومخطط للمستقبل الجميل، مناد إلى العمل المثمر البناء السليم.
إن الدواء لهذا الداء هو العودة إلى أفياء الإيمان: «الإيمان بوجود قوة الله كمصدر للحياة»، والإيمان «بالدستور الخلقي الإلاهي الذي سنه الله في كتبه المتعاقبة»، والإيمان بالحضارة الإنسانية والاطمئنان الاجتماعي والسعادة الأسروية. ولله در أحد المفكرين حيث قال: «إن أقسى أشكال الضياع، ضياع عن طريق الله، وأجمل صورة العودة، عودة الإنسان إلى رحاب الله، وما أروع العودة إلى الإيمان بعد الضياع في مسارب الإلحاد ومتاهات الضلال» ولكن، إنك لا تهدي من أحببت... ولكن الله يهدي من يشاء!


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here