islamaumaroc

الدعوة الإسلامية

  دعوة الحق

178 العدد

دق أحد الإخوة الكرام ناقوس الخطر، في مقال نشر على أعمدة هاته المجلة الغراء، نبه فيه إلى الخطر المحدق، الذي يواجه الدعوة إلى الله، وإلى الأهوال التي توشك أن تلم بالمسلمين إذا هم لم يوحدوا صفوفهم ويعمل قادتهم لمواجهة هذا السبيل العارم من العراقيل التي توضع في طريق الإيمان والعقيدة، وانه ما لم يعمل المفكرون عملا جديا، لمواجهة الحقائق بالدرس والعلم والنظر، فسيأتي وقت تستفحل فيه المصائب، وتتكرر النكبات.
وانه في سبيل هاته المواجهة يجب ألا ننسى أنفسنا، وأن ندرس أحوالنا دراسة واقية وواعية، وأن نتعرف على مواطن الضعف ونحاول إصلاح الاعوجاج بكل وسيلة ممكنة، حتى تكون انطلاقتنا انطلاقة مستمرة وهادفة، تصل بنا ـ في نهاية المطاف ـ إلى النتيجة المطلوبة. وان طريق الدعوة طريق شاق ومتعب، يتطلب جهدا مستمرا، ودراسة متقنة، وتقييما دقيقا لكل الخطوات، وأخيرا التنسيق والتنظيم والعمل الجماعي، والصبر والبعد عن الشقاق، وكل ما من شأنه أن يفتت القوى ويحطم البنيان.
وهذه صرخة يجب أن نأخذها مأخذ الجد، وأن نعي غاياتها وأهدافها، وأن نتبصر عواقبها وما تفضي إليه، فقد اعتدنا أن تعتبر مثل هاته التحذيرات مجرد نداء عابر، أو صيحة روتينية سرعان ما تتلاشى في خضم الأحداث، ويطويها النسيان، فلا نتحرك إلا إذا داهمتنا الخطوب أو وقع عطب ما.
إن موضوع الدعوة الإسلامية موضوع مهم وخطير، لا يكفي أن نجعله في التخطيط، أو نستهين بقيمته اعتمادا على الحاسة الدينية المتوفرة، أو نتفاعل كثيرا بوجود حركة انتعاش إسلامية، تتجلى في بعض الأوساط، وضمن بعض الهيئات، وفي نطاقات متسعة في أرجاء العالم الإسلامي...
إن خصومنا لنا بالمرصاد، يتتبعون التحركات، ويرصدون في التنظيمات، ويترقبون الانتكاسات، ويدفعون في التنظيمات، ويبحثون عن الثغرات غير متوانين ولا متكاسلين، مسفرين أحيانا عن نواياهم ومتسترين في غالب الأحوال، فإذا لم نأخذ الأمور بحزم، وظللنا كل واحد منا يغني على ليلاه، وكل حركة أو تنظيم يسير في الاتجاه الذي يرضيه، وربما في اتجاه معاكس للآخر، فسيأتي وقت نصبح فيه غرباء الوجه واليد واللسان!
وأود أن أنبه في البداية ـ لكي تتضح الرؤية وتنجلي الأمور ـ إلى الدور الذي تقوم به المجموعة العلمية التي وكل إليها أمر الإشراف على الدين ونشر الدعوة، والدفاع عن العقيدة، وتنوير الأفكار فيما يرجع إلى السلوك والأخلاقـ، وكل ما من شأنه أن يجعل أمور الناس تسير سيرا حسنا ومستقيما، فإن هذا الدور ـ رغم أهميته ـ يستصغره الكثير من الناس، ويهملون آثاره ونتائجه، ويستنقصون من قدر القائمين به والمتحملين لمسؤوليته، مع أنه ـ بالإضافة إلى غيره ـ أمر حيوي وضروري لنجاح كل دعوة.
ورغم أنه لا توجد رهبانية في الإسلام، ولا نظام طقوس يشبه الذي يوجد عند غيرنا من معتنقي الديانات الأخرى، أو المؤمنين بأيديولوجيات وتنظيمات عقدية، حيث أن كل معتنق للعقيدة الإسلامية مطالب بأن يصفي دينه وعقيدته، ويتجنب كل ما يفسد هاته العقيدة شكلا ومضمونا، لأن الحلال بين والحرام بين، لكن من الضروري أن يختلف الناس في مفهوم الأشياء وأن توجد مجالات تتيه فيها العقول، وتضطرب فيها الأفهام، ولابد من وجود حصانة علمية، ووعي قانوني يزيل الأوهام وينير الطريق، ويبرز الحقائق دون غموض أو اضطراب.
من هنا كان وجود العلماء ضروريا لفهم الدين وتوضيحه، وإبراز معالمه والدب عن حياضه وإنارة الطريق أمام معتنقيه والمتشبثين به، كي يزدادوا إيمانا بقيمه ومبادئه، ويطمئنوا إلى أهدافه وتشريعاته خصوصا وأن هناك قواعد شرعية مضبوطة، نسمع عنها كثيرا، لكن عند التطبيق يقع ما يقع، بل يستغلها البعض استغلالا سيئا، تنفيذا لمصالحهم، وتدعيما لآرائهم، كالقولة المشهورة «الإسلام صالح لكل زمان ومكان» وكالقاعدة المعروفة: «الضرورات تبيح المحظورات».
ورغم صدق هذه المقولات وانضباطها مع أحكام الإسلام وتعاليمه، إلا أننا في حاجة إلى جهد جماعي لاستغلال ذلك استغلال مناسبا ومفيدا، لصالح المجموعات الإسلامية المنتشرة في كل صقع من أصقاع الدنيا، بحيث لا نخرج القولة الأولى عن مضمونها، ونخالف ـ اعتمادا عليها ـ تعاليم الإسلام التي لا لبس فيها ولا غموض، بدعوى مسايرة العصر والتكييف مع الزمان! ولا نستغل الثانية للتحلل من المحرومات والابتعاد عن الواجبات بدعوى الضرورة العارضة! وعلينا أن نكون متيقظين فنقف في وجه المتحلل الذي لا يراعي أي شيء، والمتشدد الذي قد ينحرف عن القصد.
من هنا كان من الضروري أن نفهم أنفسنا أولا، وأن نصلح أوضاعنا قبل أن نتوجه لإصلاح أوضاع الآخرين، وأن نفهم ديننا الفهم الدقيق والواعي، كي نتخذ العدة لمواجهة الانحراف ونقاوم الشر بأسلحة مناسبة، ونزيل الزيف والبهتان، بوسائل معقولة، ونقف أمام التحديات بصمود، وقد أعددنا للمعركة كل ما تتطلبه من خبرة ومعرفة وتجربة، ووسائل النجاح.
صحيح أن بعض العلماء والمفكرين والمومنين في جل الأقطار الإسلامية، يقومون بجهود مكثفة من أجل الدعوة، ويتحركون تحركات نشيطة في كل المجالات ويحاولون التوفيق بين العلم والدين، ويبذلون كل ما في طاقاتهم لتحرير العقل من أوهامه، والإنسان من نزواته، والحد من جموح الشباب الثائر الذي أغوته الدعايات الباطلة والأيديولوجيات المسيطرة، والمغريات المادية الطاغية، والأفكار المستوردة الضالة، لكن هذه الجهود ـ وإن كانت مثمرة ـ إلا أنها مبعثرة وغير منظمة، بل أحيانا تكون غير هادفة أو تقوم بحملات وقتية حين يكثر الخطر أو يدق ناقوس الفتنة، أو يدعو داع لأسباب معينة، حتى إذا مرت الأزمة وخبا اللهب، عاد الكل إلى طروسه وبروجه، وسكنت كل تأمة وخمد كل شعور.
وصحيح أن العالم الإسلامي يتوفر على طاقات فكرية خلاقة، وان أصحاب هاته الطاقات مؤهلون للقيادة والتوجيه وبإمكانهم تعميق الرؤية وتوضيح الصورة بكل أبعادها وظلالها، وفرض الحقائق بطريقة معقولة وبأساليب مقنعة... وصحيح أنه توجد هيئات ومؤسسات تحمل مشعل الإصلاح وتسطر في أهدافها بنودا وتضع في مخططاتها فصولا، وتعمل جادة لتوسيع نطاقها وتنويع نشاطها، لكن ـ مع الأسف ـ عند التنفيذ لا يظهر أي أثرـ وسيبقى المجال مفتوحا أمام الانحراف والشذوذ والحقد والتطلعات، ويظل الباب مغلقا أمام التحركات الهادفة والخدمة الجماهيرية... لا أريد هنا أن أستصغر من قيمة العمل الذي يحصل، ولا أن أحتقر من قيمة الفردي مهما كانت نتائجه ومهما أعطى من مردود، فلن يصل إلى حصيلة العمل الجماعي المنظم والمحكم.
إلى متى تظل الهيئات الإسلامي والمجموعات المثقفة والعلماء وسائر المنظمات تعيش هذه العزلة والعالم يتحرك والدنيا تقفز والحضارات تدفع كل يوم بجديد، بل تصدر إلينا كل ساعة ما يذيب الجليد، ويقلقل المزازين وحطم المثل والمبادئ.
إلى متى وأصحاب الفكر ـ عندنا بالخصوص ـ تحركاتهم تحركات روتينية محضة وبحسب المناسبات، كأن لم يكن المغرب السباق إلى كل المجالات، المجلى في كل الميادين، الواعي بمسؤوليته عبر العصور، المقدم لكثير من عباقرة الفكر وجهابذة المعرفة.
نحن نؤمن ألا خلاص لهذا المجتمع الإنساني من الضياع والضلال، إلا بالالتزام بما أوجبه الله وفرضه، وأن رسالة الإسلام هي في نفس الوقت هدف ووسيلة، وأن الحرص على البحث والدرس فيما شرع الله، وسن رسوله ضرورة لازمة لبناء مجتمع فاضل ومثالي، وأننا برجوعنا إلى جذور الفكر الإسلامي نستوعب ونستنبط، نستطيع أن نمكن أمة الإسلام من مكانتها اللائقة بها، وأن نجعلها رائدة للحضارة الحقيقية، لا مقادة وتابعة، ولا يتم هذا إلا بتطوير الهيكل العلمي وإزالة النشور التي تطغى عليه، وبإحياء الفكر الإسلامي بنشر كتب أعلامه ودعاته، وبإحياء الأصالة الإسلامية.
أريد أن تهتم الكليات والمجامع الإسلامية بدراسة النظم الإسلامية عامة ونظام الحكم في العقيدة الإسلامية، والاقتصاد والإدارة والمعاملات والسياسة وكل مجالات القوة التي دفعت المسلمين إلى مصاف العظمة في  عهود الخلفاء والسلف الصالح.
نريد أن نعيد عهد الفقهاء الأكاديميين الذين كانوا يبحثون وينقبون ويستنبطون دون تحجر أو تعصب أو ميوعة بطبيعة الحال، ورغم أن دعوة الاجتهاد والرجوع إلى إحياء هذا العنصر فيها مقال ومقال قد لا يتسع له المقام هنا، لكن استعمال الرأي في نطاق التشريعات والقوانين، وفي إطار النصوص الصحيحة والمقبولة مما لا يجادل فيه أحد، خصوصا إذا توفر الفكر الممتاز والعقلية الخصبة والملكة الخلاقة.
جهود العلماء والمفكرين لا تخضع لمقاييس محددة وما انفكت الحجب تستر كثيرا من المشاكل التي تعترض سير العالم الإسلامي، لا أريد أن أتعرض لكثير من الأمثلة، والأمثلة حقا لا تعد ولا تحصى، لكني أستعرض بعض النقط، هناك ـ مثلا ـ مشكل الربا الذي يجب  أن يحدد تحديدا دقيقا، وأن توضح في شأنه الحقيقة الإسلامية دون التواء، وأن يعالج على ضوء العقيدة لا على ضوء الواقع، وعلينا أن نبحث عن الحلول الجذرية لتلافي أخطاره ومشاكله، إما أن يظل التعامل به على هذا الشكل الخطير، ويظل الناس يعيشون في متاهات لا نهاية لها، بين من يحلل عناصر منه، وبين من يحرم، فتلك هي الطامة التي يتحمل وزرها علماء الإسلام قاطبة يجب أن يعقد مؤتمر على الصعيد العام، وتدرس فيه المشكلة دراسة وافية وموضوعية ويتخذ القرار الحاسم الذي لا يصادم العقيدة ويتمشى مع روح الإسلام وأهدافه.
هناك التقويم الهجري والفوضى التي تنشأ أثناء التطبيق، وكيف تتضح كيفية الاعتماد على الرؤية وما يتعلق بالمسألة من كل جوانبها الفقهية والفلكية. اما أن نرى قطرا إسلاميا يصوم كذا والآخر يصوم بعده بيومين أو يفطر بيومين، فهذا ما يدعو إلى البلبلة، إذ ليس اختلاف المطالع يستوجب كل هذا الفرق الواسع!!
هناك مشكل تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا كاملا، استنادا إلى الدساتير الإسلامية التي تنص أول ما تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، فكيف نوفق بين ذلك والواقع، وكيف نحارب القوانين الوضعية التي سدت علينا المسالك، واستحوذت على كل التشريعات!
هناك مشكل الاختلافات الفقهية وكثرة الأقوال والآراء التي تجعل الخلاف أحيانا بين المذاهب يكاد يكون جوهريا، مع أن الأصول واحدة والأساس الذي اعتمد عليه لا يخرج عن مصادر التشريع المعروفة، ويكون أحيانا الحديث النبوي صريحا كل الصراحة، ومع تقديرنا لاجتهادات العلماء والإعلام، وإيماننا بقيمتهم العلمية ويقينهم الصادق وحرصهم على خدمة الدين ونشره، فإن وجود هاته الأقوال وعلى الأخص بالنسبة لتلاميذ هؤلاء المجتهدين الكبار، يبعث نوعا من الاضطراب، وعلى الأخص في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى وحدة الصف ووحدة الرأي، فلا أقل من أن يتفق علماء الإسلام على موسوعة فقهية منتقاة، ويعمل على تنفيذها، وبذلك نتلافى ـ شيئا ما ـ هاته العراقيل التي تقف في وجه الباحث المعاصر الذي لم يتعود على هذه المنهجية!
في الحقيقة لا أريد أن أتابع تعداد المشاكل التي تعترض طريق الصفاء الروحي، وتضيع وقتا كان يجب أن يصرف في توسيع الدعوة وتوضيح أهدافها، لأن توحيد الجهود وتنظيم القواعد أمر ضروري للنجاح، فإذا كنا حقا نريد القيام بهذه المهام الملقاة على عاتقنا، وإذا كنا نريد القيام بها على الوجه الأكمل، فيحب أن نعد أنفسنا إعدادا كاملا، وعلينا أن نتجنب الصعوبات والعراقيل التي ظهرت أثناء التطبيق، وأن نكون عمليين ومنطقيين في كل تصرفاتنا، حتى لا يجد الأعداء وسيلة للنيل منا، وحتى تكون دعوتنا في مستوى الغاية التي نستهدفها، وهي إعلاء كلمة الله وتحقيق الطمأنينة والفضيلة، ونشر الإخاء والمحبة بين الجميع، وليس ذلك علينا بعزيز إذا عرفنا كيف نستغل الظرف الذي نعيشه ونستفيد من الخيرات والتطور والإمكانيات لمحاربة كل زيف ونسف كل مخطط يريد محو وجودنا وإبعادنا عن الساحة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here