islamaumaroc

تجربة الشباب في الإسلام

  دعوة الحق

178 العدد

الشباب في جميع المستويات والأوضاع، أحوج ما يكون محتاجا، أكثر من سواه، إلى التوجيه السليم، والتربية المتزنة المتناسقة، وذلك سعيا وراء تهذيب المتناقضات في نفسه، وإرشاده إلى الطريق السوي القويم.
وهذا الظمأ إلى الاستقامة، يكون أكثر إلحاحا في الشباب، لأنه في ربيع العمر، فهو أكثر تفتحا على نور الحياة بما فيها من مغريات ومفاتن، وهو كالمرآة الصافية تنعكس على صفحتها شتى الصور والمشاهد بكل دقة وأمانة. ولعله من اللائق بالشباب أن يشاهد نفسه في تلك المرآة بالشكل الذي يروقه، ويحسن به أن يكون عليه، وهذا يقتضي من الشباب الرياضة البدنية والروحية في آن واحد. فالرياضة البدنية تقوية للجسم، وتنشيط للعقل؛ والرياضة الروحية وسيلة للتغلب على الهواجس والمغريات والمتناقضات. والموازاة بين هاتين التربيتين تتعهد الجسم فلا يفنى ولا يذبل، كما تتعهد الروح فلا تهون ولا تخور ولا تنهار. والجمع بين المزيتين فيه من الوجاهة والفائدة الشيء الكثير. فإذا قوي العقل فتغلب على شيطان الشهوة، وقويت الروح فكبحت جماح الجسم، فإذ ذاك يتم التعاون بين الجسم والروح على انتهاج الخير وتفهمه والعمل به، والحث عليه. وهذا رأي الإسلام في التربية القويمة للنشء، تلك التربية التي قوامها الاتزان، والسيطرة بالعقل على الشهوة، بحيث ينال الجسم حظه من العناية والصيانة والفتوة والإشراق، وتأخذ الروح نصيبها من التوجيه الصالح، فتصبح وفيرة الزاد للسير في موكب التقدم والازدهار. وبدون الجمع بين الجانبين الإيجابيين من التربية، من حيث النظرية والتطبيق، تصبح التربية فاشلة في تأدية الأمانة المنوطة بها، وتصير نتيجتها سلبية، فارغة المدلول من جميع المناحي.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: «هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا».
فالإنسان ليس ملاكا معوما أي روحا لا شهوة فيها، وليس حيوانا مجردا لا عقل له ولا تمييز، وليس جمادا لا يتحرك ولا يعي ما حوله. بل إنه روح وجسد معا. وكثيرا ما يكن الإنسان طائشا في تصرفاته، أو متقاعسا كسولا متخوفا مما عسى أن تلده الأيام. ولهذا أصبح لا مناص من التربية القويمة المتزنة المتناسقة المنسجمة روحيا وبدنيا، حتى تكون الأمشاج والأمزجة في الإنسان ذات تآلف وذات التحام وتكامل فيما بينها، لا تضطرب ولا تختلط بدون توافق فيها بين وظائفها الطبيعية. وهذا ما دفع بعلماء التربية والاجتماع في كل الأجيال والعصور إلى تكريس جهودهم وطاقاتهم من أجل استجلاء السر في الإنسان، ذلك المخلوق العجيب الغريب، وتربيته وتأديته وتهذيبه، والتلطيف من غلواء المتناقضات فيه، ليكون سلوكه سويا قويما رشيدا.
فالرياضة البدنية لا تخلو من فائدة ومزية، لأنها تتغلب على السجايا المتنافرة والمتناقضة عند الإنسان، نظرا لكونها تملأ فراغ الوقت الثالث، وتقوى الجسم وتنشط العقل. إلا أنها لا تكفي لما يتطلبه الإنسان من تغذية الروح، تلك التغذية التي تواكب فطرته وتهذبها وتصقلها، وإلا لصار أشد بطشا وضراوة في المجتمع من الوحوش والأسود والسباع.
فإذا نظمنا سير الجسد والروح في درب واحد، بحيث يصبح العقل كابحا للشهوة ومتعاونا مع الجسد، وقصير الروح هي الأخرى معيارا لاستقامة سلوك الأعضاء في البدن، فإذ ذاك تكمل الفائدة كما يتوخاها الإسلام في تربية النشء وتوعيته، ذلك النشء الذي نريده رزينا ثابتا متعقلا رصينا. فالاتزان يقتضي من النشء الإسلامي أن يكون عقله مسيطرا على شهوته، حتى يأخذ الجسم والروح كلاهما نصيبه من الزاد حتى يساير ركب الحياة من دون تخلف أو أدنى تقاعس. وبقدر إهمال الجسم أو الروح في مضمار التربية، نرى أحدهما عاجزا عن مواكبة الآخر في معركة الحياة الحسية والمعنوية.
ومع الأسف، نلاحظ في أجيالنا الحاضرة انحرافات لها ما بعدها من آثار عميقة في المستقبل القريب أو البعيد. ذلك أن الانحلالات والميوعات لم تشمل شبابنا فقط، وإنما عمت شباب العالم بصورة تبعث على الكثير من القلق والتساؤل عن المصير؟ وكما يشهد بذلك عمالقة الفكر البشري، والسياسة الكبار الذين يديرون دفة شؤون الدنيا بأسرها، فإن الشباب قد انجرف حقيقة في أقبح دوامة من الاستهتار والاستخفاف بالقيم والمثل العليا التي تعتز بها الإنسانية كافة في مشارق الأرض ومغاربها فخذ ما شئت من عجز أو تملص، وخذ ما شئت من شذوذ جنسي كاسح للفتيان والفتيات، وخذ ما شئت من قوانين صالحة لجنس القرود، وخذ ما شئت من تيه وضلال وإباحية لا تحدها حدود، ولا يتملكها حياة ولا خجل، ولا تزداد مع الأيام إلا عتوا وتفشيا وطغيانا، كأن المجون واللاأخلاق والفسوق والفجور أصبح كل ذلك أمرا طبيعيا لا لوم فيه ولا استخفاء ولا غضاضة. أما المصلحون والمرشدون والوعاظ والمربون، فقد باتوا حيارى كأنهم أيتام، لا حول لهم ولا قوة أمام هذا الداء الذي يستفحل، والمصيبة التي تستشري، والتيار الذي يجرف كل ما هو أمامه، والإعصار الذي يأتي في كل مكان على الأخضر واليابس! فكيف يقومون إذن بوضع حد لهذه الحالة المزرية من الانزعاج والقلق والانهيار؟!
عن الدواء الناجع، والترياق الشافي، والإكسير الوحيد، والبلسم الفريد، هو الإسلام، وهو متناولنا أجمعين كبارا وصغارا. إلا أننا ننفر منه أو نتجاهله، لأسباب نحن أدرى بها من سوانا. فما علينا إلا أن نشمر عن ساعد الجد، ونسد الطريق على كل اعوجاج وانجراف، ونعود إلى الذات والأصل، ولا نكون كمن قال فيهم الشاعر:
ومن العجائب والعجائب جمة،
قرب الدواء، وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما،
والماء فوق ظهورها محمول
فكيف يوجد الدواء قريبا منا، ونقضي الحياة كمدا وألما، وتحسرا وابتئاسا؟ وكيف يكون السر فينا، والكوثر مبجسا من ديننا الذي هو أقوم الأديان، ومن مذهبنا الذي هو مذهب الفطرة، ثم نهيم على وجوهنا في بيداء المتاهات، ومفازات المهالك والموبقات، كالجمال التي تحمل الماء، وهي تموت عطشا؟! أبدا! هذا ما لا يكون، ولن يكون!
إن الإسلام هو دين الخطة المثلى، والتربية القويمة، والمنهج الرشيد، وفيه النجاة من الآفات. وهو الحصن الحصين والسد المنيع، والضمانة الكبرى للنظافة الحسية والمعنوية، وتعزيز الخلق الرفيع، وتهذيب الروح. وهو الضامن للمزيد من العافية الشاملة للعقل والجسم معا، وهو الذي يجعلنا نتشبع بعزة النفس، حتى لا نكون عبيدا للنزوات والشهوات والمغريات والسموم اللذيذة، وهو الدين الذي اعتنى بالإنسان وتربيته عناية خاصة، منذ نشأته الأولى، وواكبه في شتى أطوار حياته، حتى يصبح رجلا سويا يضطلع بشؤونه، فينفع نفسه وأمته، ويؤدي الدور الموكول إليه في حظيرة الإنسانية كافة.
إن المدرسة الأولى والأساسية في الإسلام هي المسجد، فهناك تنفتح نفس الطفل، وتتهذب روحه حينما يدخله مرارا وتكرارا لأداء الصلاة، فتصير النظافة والطاعة والنظام من أبرز عاداته ومقوماته وتنأى روحه عن الأخباث كيفما كانت، فيتحسس مواطن الاستقامة وحسن السلوك، ويتحاشى مواطن الزلق والعثرات والهنات، ويتجنب الثلم والثغرات، لأنه متصل بمولاه المتصف بكل كمال، والمنزه عن كل نقص. والمقام يقتضي النظافة والطهارة والوضوء، ويقتضي النظام والطاعة واستواء الصف خلف الإمام، ويقتضي تلبية نداء المؤذن عندما ينادي لأداء الفريضة خمس مرات كل يوم، ويقتضي التعود على كل مناهج الخير منذ السن المبكرة، لأن من شب على شيء شاب عليه، والعادة طبيعة ثانية، كما يقال.
جاء في الحديث الشريف: «مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر». والاستقامة المتأصلة تقتضي ذلك في المنطق السليم. والضرب نوع من الزجر والتأديب البدني الذي يلجأ إليه المربي حينما لا يفيد الإقناع، وتكون المعاملة باللين غير ذات فائدة وجدوى، وإذا كان الضرب مؤديا إلى النفور والتعقيد، فإنه لا مناص منه لردع بعض النفوس التي لا تنصاع للخير والفلاح والصلاح بسهولة. فهناك قوم لا يدخلون الجنة إلا بالسلاسل في أيديهم وأرجلهم وأعناقهم. وما دامت الغاية هي تقويم ما اعوج من الأخلاق، وإصلاح ما فسد من الطبائع والغرائز، فكل الوسائل حسنة على قدر الإمكان. والشدة والحزم والصرامة طرق ضرورية في بعض الأحيان عند الاقتضاء.
والمسلمون الأولون لم تكن لهم من مدارس سوى المساجد التي كان الطفل ينهل من عرفانها ويكرع من معينها، ويستفيد كثيرا من علومها وآدابها. وهناك يتعلم القراءة، والكتابة التي تمكنه من حفظ القرآن. ولا تكون صلاته صحيحة إلا قراءته بإتقان وبدون لحن ولا خطا ولا نسيان، وهناك يتعود على النظافة والطاعة والنظام، ويتفتح ذهنه، وتتنور بصيرته فيلمس عن كثب ما هي روح الجماعة، وما معنى الاتحاد والتضامن والائتلاف حول كلمة الله والامتثال لأوامره واجتناب نواهيه. كما يتعود على الآداب العامة كما ورد في الحديث الشريف: «ألبسوهم السراويل، وفرقوا بينهم في المضاجع»، خصوصا وأن الطفل يتأهب لولوج مرحلة عنيفة شديدة من حياته، وهي مرحلة البلوغ والمراهقة. والطفل يدرج على ما كان عليه أبواه. إذ السلوك ينبعث منا نحن الآباء، وينعكس على تصرفات أبنائنا الذين هم نسخة طبق الأصل منا، لاسيما وهم فلذات أكبادنا تمشي على الأرض.
ولله در من قال:
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوده أبوه
ولا يريد الإنسان أن يكون أحد أحسن منه، إلا ابنه، خلقا وخلقا على جميع الأصعدة والمستويات.
ومرحلة المراهقة مرحلة صعبة جدا، يكتنفها الكثير من الاضطراب النفسي والقلق العصبي، وهي بداية الهياج والانحراف وتمزيق جميع القيود، ومحاولة اجتياز جميع الحدود.. فالمراهق لا يقيم وزنا للأمور وعواقبها، فتراه لا يلوى على شيء، ويستهين بالقيم المثلى والفضائل العليا، وتلك نتيجة حتمية للقلق المضطرم في النفس، والصراع المحتدم في أصعب مرحلة للشهوانية البهيمية ذلك الصراع الذي يستعر أواره، ويبلغ ذروته عندما يكبت الإنسان انفعالاته، أو عندما يرتكب خطيئة أو يقترف إثما. وفي خضم ذلك الصراع وتلك الانفعالات، تأتي التربية الإسلامية لتنقذ الموقف، وتتناول بالعلاج موطن الداء.
وإذا كان الإنسان يعاني الكثير من الكبت النفسي والجنسي، فإن الإسلام هنا ليأخذ بيده حتى لا يتعقد وينحرف وتصبح حياته عذابا أليما وجحيما لا يطاق، وينظر إلى نفسه وكأنه قد صار عبئا على أسرته وعلى المجتمع الذي يعيش فيه.
فالكبت النفسي هو عيب الإنسان الجبان الخواف الضعيف الرعديد، الميال للانعزال والانطواء والانكماش والاختفاء عن الأنظار، فتراه لا يغشى المجالس، ويتهيب من قول كلمة الحق، ويخشى البوح بما في طوية نفسه وخبايا ضميره، وحاشا للإسلام أن يرضى لذويه نقيصة الكبت النفسي! فإنه على النقيض من ذلك حث أتباعه على الشجاعة الأدبية ونماها في نفوسهم. وقد نص الحديث الشريف على أن أفضل الشهداء كلمة حق عند سلطان جائر.. وأن سيد الشهداء هو حمزة بن عبد المطلب، وهو أيضا رجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله... ويروى أنه لما ولي سيدنا عمر بن عبد العزيز الخلافة ـ رضي الله عنه ـ جاءته وفود المهنئين، فتقدم غلام، فقال له: تأخر أنت، وليتقدم من هو أكبر منك سنا. فأجابه الغلام بكل صراحة: يا أمير المؤمنين، لو كانت الخلافة تعطى بموجب التقدم في السن، لكان في الجماعة من هو أولى بها منك.. إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه! فتقدم الغلام، وتأخر الباقون... وحينما كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله قد تولى الخلافة خطب في الناس معيبا بهم أن يؤيدوه إذا كان على صواب، وأن يقوموه إذا كان على خطأ. فنهض أعرابي وقال له بكامل الشجاعة: والله لو انحرفت عن الصراط المستقيم لقومناك بسيوفنا! فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقومني بسيفه! وهكذا فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وطاعة العباد لا تكون إلا في طاعة الله. أما إن كان الأمر يتعلق بمعصية الخالق. وطاعة العباد لا تكون إلا في طاعة الله. أما إن كان الأمر يتعلق بمعصية الله، فلا طاعة ولا إذعان، ولكنه تنبيه وردع وجهاد لإعلاء كلمة الله!... ويروى أن سيدنا عمر الفاروق خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يمر في الطريق، والصبيان يلعبون ويمرحون، ففروا، إلا صبي واحد بقي مكانه، لم يتحرك. فسأله عمر: لماذا لم تفر كبقية أصحابك؟ فقال الصبي بكل ثقة وصدق: لم أقترف ذنبا فأخافك، وليست الطريق ضيقة فأوسعها وأفسحها لك. فسر عمر من إجابته، وفرط ذكائه، وسرعة بديهته، ورباطة جأشه... وقف عمر يخطب ذات يوم قائلا: أيها الناس، اسمعوا وأطيعوا، فوقف أعرابي وقال: لا سمع ولا طاعة يا ابن الخطاب! فسأله عمر: ولماذا؟ فقال الأعرابي: وزعت علينا الغنائم ثوبا ثوبا، وأراك تلبس ثوبين، فمن أين لك الثاني؟ فالتفت عمر إلى ولده عبد الله، وطلب منه أن يوضح الحقيقة، فقتال عبد الله: رأيت ثوب أبي قصيرا، فأعطيته ثوبي يصنع منه إزارا. فاقتنع الأعرابي وصاح قائلا: أما الآن، فنحن نسمع ونطيع!
هذه بعض الجوانب المشرفة من التربية الإسلامية القويمة التي لا تحابي ولا تداري، فتقول للمحسن: أحسنت! وتقول للمسيء: أسأت! من دون مواربة ولا نفاق ولا تصنع! وبهذا الأسلوب الناجع حارب الإسلام الكبت النفسي، واستأصله من جذوره، ومنح للفرد فرصة التعبير بصراحة عما يجيش به وجدانه من خواطر وملاحظات، من غير فزع ولا رجل ولا خوف.
أما عن الكبت الجنسي فإنه أشد وقعا وأعظم خطرا على النفس، لأنه صراع حاد وعنيف بين أشباع الشهوة والرغبة، وبين الخوف من الوقوع في الإثم وارتكاب الفاحشة واقتراف الجريمة. ولا تتوقف تلك الحرب، ولا يخبو أوارها، ولا يخمد سعيرها، حتى تتغلب الشهوة على الخوف، أو ينتصر الخوف على الشهوة. فإذا ما تغلبت نزعة إشباع الرغبة الجنسية، كان الانحراف المخرب المدمر الذي يكتسح كل الحدود والقيود، وإذا ما تغلبت نزعة الخوف من ارتكاب الجريمة، كان الكبت والقلق والاضطراب. ولذلك سارع الإسلام إلى علاج هذا المشكل الخطير، فأمر الشباب بالزواج المبكر، فقال النبي (ص): «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإن ذلك أصون للعين، وأحفظ للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» (بكسر الواو) أي وقاية. وأول سبب من أسباب تسهيل الزواج وتيسيره، خفض المهور، لأن المغالاة فيها ينفر الناس من الزواج ويزهدهم فيه. فالشارع الكريم جعل الصداق خاتما من حديد، أو آيات من القرآن يحفظها الزوج للزوجة، أو حفنة من شعير، أو ما في مقابل ذلك من الأشياء الزهيدة التي ترمي إلى أبعاد شريفة وغايات نبيلة. وكلما كان الصداق فليلا، إلا وكان الزواج أكثر بركة ويسرا في المؤونة، لأن قلة التكاليف تسهل الزواج في الشباب المبكر. وإذا كان الشارع الحكيم قد وصف الدواء للعاجزين عن الزواج، وذلك بحضهم على الصوم، فلأن الشيطان اللعين يجري من الإنسان مجرى الدم. والجوع والعطش ويضيق المجاري لى الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس. ثم إن الإسلام قد أمر بغض البصر والحياء، لأن العينين نافذتان من نوافذ الشيطان، وهما صلة الوصل بين القلب والشهوة التي تضطرم نيرانه في النفس. وإذا كان الإسلام قد حرم الاختلاط بين الجنسين، فلأجل الحيلولة دون تهييج نار الشهوة وتأجيجها. ولم تغفل ملتنا السمحاء بالجانب الخلقي والتربوي الروحي لملء أوقات الفراغ عند الشباب. بل ان اهتمامها البليغ بهذه الناحية ذو فائدة قصوى، مادام الكبت الجنسي هو التعقيد النفساني بعينه، لأنه صراع داخلي خطير، له مقدماته وأسبابه ونتائجه، فلا تعالج الأمراض النفسية إلا نفسانيا. ولهذا نرى الإسلام يعد من يحفظون فروجهم بالجنة وما فيها من حور عين، ونعيم مقيم. ويعد من أمسك لسانه عن السوء والزور والفحش بأحسن الجزاء عند الله تعالى. فقد جاء في الحديث الشريف قول المربي الأعظم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من ضمن لي ما بين فكيه، وما بين فخذيه، ضمنت له الجنة.» ويتجلى من هذا ان الرجل لا يكون تام النضج وكامل الرجولة، إلا إذا كان شجاعا يسيطر على شهوته، ويكبح جماح نفسه، ولا يكون عبدا لنزواته وشهواته، ولا آلة مسخرة أو دمية يلعب بها شيطانه.. إن درجة الإنسان أرفع وأسمى بكثير من الحيوان المجرد. والغاية التي نشأ من أجلها، فوق الحيوانية الصرفة. فهو خليفة الله في الأرض، وإنما أودعه الشهوة ليعمر بها الأرض بالنسل الحلال، لا ليعيث فيها فسادا وفسوقا وفجورا وتخريبا. والله طيب لا يأمر إلا بالطيب وهو منزه تنزيها مطلقا عن الخبث والخبائث، والنقص والنقائص، والعيب والمعايب. إن الشارع الحكيم قد أخذ بيد الإنسان وهداه إلى النور والهداية، إلى الملأ الأعلى، لينقذه من شوائب الأرض، وليخلصه من أخلاط الإثم والرذيلة، وليسير به إلى الاستقامة والفضيلة، فاهتم اهتماما خاصا بالروح، من دون أن يهمل حقوق الجسد الذي هو وعاء الروح. فليس خيرنا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه، بمعنى أنه لا خير فيمن تتغلب روحه على جسمه حتى يكون راهبا ـ إذ لا رهبانية في الإسلام ـ، ولا خير فيمن يتغلب جسمه على روحه حتى يصير وحشا ضاريا، وحيوانا عشوائيا، فأنت إنسان بروحك لا بجسمك فقط. وإن لروحك عليك حقا، كما أن لبدنك عليك حقا، وإن لأهلك عليك حقا، وإن لأمتك عليك حقا، فلابد من العدل والاعتدال في كل شيء، حتى تتحقق الفائدة المرجوة.
ولعله من الأجدى والأفيد ملء الفراغ بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، أو بالقراءة المفيدة، أو ممارسة الألعاب المباحة، أو مجالسة الأصدقاء الصالحين وملازمتهم. فالصلاة صلة الوصل بين العبد ومولاه. فإذا حافظ عليها المؤمن وأداها في أوقاتها، نال ربح الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين» وقال: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. ولذكر الله أكبر» وقال: «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا».. والصلاة تأخذ مكانتها العظيمة في النفس، ولا شك أنها تملأ أعمق فراغ في الحياة، وهي تصرف عن الشر، وتغري بالتأمل والتدبر، والإنابة والخشوع، ولها حلاوة وأية حلاوة في القلب! فهي تعوض عن لذة الشهوة العابرة، وتسوق المؤمن في درب المتعة الباقية.. فإذا ترك المؤمن اللذات الآثمة خوفا من الله تعالى وابتغاء مرضاته، فإنه يزداد تقربا منه، وخصوصا إذا ازدادت صلته بخلقه توثقا بالنوافل التي يتقدم بها إليه.
قال تعالى في حديث قدسي: «ما تقرب إلي المتقربون بشيء أحب إلي مما افترضته عليهم، ولايزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته، ولئن استغفرني لأغفرن له».
هذه بعض فوائد الاشتغال بالصلاة والانكباب على أبعادها وخلفياتها القريبة والبعيدة في تهذيب النفوس وصقل الأرواح وتطهير القلوب، ورياضة الجوارح. ويزداد ذلك قيمة وشأنا عند الشباب المسلم المستقيم، خصوصا وأن من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله، شاب نشأ في عبادة الله، لأنه يعتاد فيما يعتاد من السجايا والفضائل، صون السمع واللسان عن الغيبة والنميمة والخوض فيما لا يعني، وحفظ البصر من النظر إلى المحارم، وتقصي عورات الناس وزلاتهم وعيوبهم، إلى غير ذلك مما تنطوي عليه الصلاة من آداب نابعة من خشية الله ومراقبته في السر والعلن، لأن الصلاة سلوك مع الله ومع العباد. وإنما الدين المعاملة.
ومن بين الوسائل الناجعة كذلك للحد من انعكاسات الكبت النفسي، القراءة المفيدة، فهي من أهم الأساليب لملء الفراغ عند الشباب، إذ يسدون بها ثغرة عظيمة، وتقيهم من ألوان الزلق والانصياع للتفاهات والمتاهات. ولابد أن تكون القراءة بعيدة كل البعد عن الأدب الرخيص التافه الماجن المبتذل، لأن المراد بها الصلاح لا الفساد. فإلى جانب إنماء الرصيد اللغوي والإنشائي وتوسيع آفاق الأفكار وازدياد رأسمال المعلومات العامة والمعارف من شتى الأصناف والمستويات، نرى القراءة المفيدة خير جليس وأحسن أنيس. فالكتاب المفيد يبعد عنك الوحدة والوحشة والغربة، وهو أخلص صديق وأوفى شقيق. وهو محدث صريح، ومنادم مليح وكثيرا ما تزينه الصور التوضيحية. فإذا سألته أجابك عن كل ما يريبك أو تحتاج إلى معرفته. وهو الناطق بلا لسان، والمحتوى لألوان البلاغة والبيان. فكم يروى من رواية! وكم يقص من حكاية! وكم يروي آداب وأشعار، وكم فيه من بدائع الجوهر المختار! فالعلم فيه ينتقل من السطور إلى الصدور؛ وكم في الأوراق من تهذيب وبعث للأذواق!
ومن أجل تركيز وترسيخ القراءة المفيدة في نفوس شبابنا، علينا أن نبعد عنهم الكتب الهزيلة المسمومة التي قد انتشرت ـ للأسف ـ انتشار النار في الهشيم، إذ نرى التهافت عليها ممن يقرأونها بكل نهم وشغف، والحقيقة أنها سم في دسم، فبدلا من أن تهذب الشباب وتربيه تربية صالحة، نراها تحبب إليه الجانب الجنسي الخطير، وتغريه بالانحراف بشتى الطرق والمناهج، وتستغل جانب الفراغ فيه لتأخذه أخذا إلى الرذيلة والفسوق والعصيان. وذلك ما يقضي على كل المعاني الخيرة والقيم الإنسانية المثلى التي نتوخاها من القراءة المفيدة... فلماذا لا نرغب شبابا في تلاوة القرآن الكريم؟ ولماذا لا نبين لهم بأن الله أعد لقارئ القرآن أجرا عظيما، وأن كل حرف منه لشعر حسنات؟ فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لا أقول (ألم) حرف، بل أقول: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف». والسؤال المحير حقا هو: لماذا ينصرف الشباب عن تلاوة القرآن وفيه كل ما يحبون ويشتهون؟ فإن أرادوا قصية الغرام والحب والهيام، فما عليهم إلا أن يقرأوا سورة سيدنا يوسف عليه السلام... حتى يتعلموا كيف يكبح الإنسان جماح غرائزه، ويتحكم فيها بشجاعة وثبات، ويترفع عن العبودية والخنوع للشهوات، وحتى يتعلموا أيضا المدلول الحقيقي للعفة والشرف والفضيلة والوفاء وطهارة الضمير، والاعتراف بالمعروف والجميل. قال تعالى: «ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما. وكذلك نجزي المحسنين. وراودته التي هو في بيتها عن نفسه. وغلقت الأبواب. وقالت هيت لك! قال معاذ الله. إنه ربي أحسن مثواي. إنه لا يفلح الظالمون». فكل من قرأ بإمعان هذا القصص السماوي الرفيع، فإنه يتراجع عن كل نية سوء أو انحراف في القول أو العمل، يقينا منه بأن الله لا يصلح عمل المفسدين، ولا يهدي كيد الخائنين.
وإن أراد شبابنا المسلم القصص التاريخية، فليقرأوا في القرآن قصة نوح وإبراهيم عليهما السلام، وقصة موسى وهارون عليهما السلام، مع فرعون، وقصص أصحاب الأخدود، وما جرى للأنبياء والرسل مع أممهم وأقوامهم، وما لاقوا من عنت ومضايقة، وما بذلوا من تضحيات بالنفس والنفيس في سبيل تبليغ الدعوة وإعلاء كلمة الله، وإن أراد شبابنا كذلك أن يطلعوا على العلوم، فليقرأوا ما شاءوا عن الاقتصاد، والاجتماع والتنظيمات الحربية، وتخطيطات الأسرة، والاكتشافات الطبية، والسياحة في الآفاق، والمغامرات في أعماق المحيطات وفي الأجواء الفضائية العليا، وغزو الكواكب الأخرى، إلى غير ذلك من الموضوعات التي تناولها القرآن الكريم في غير ما آية، والتي له قصب السبق فيها. وتلك من معجزاته الباهرة! وإن أراد شبابنا الجانبين الأدبي والفني، فليقرأوا ما شاءوا من القرآن، فإنهم سيجدون في كل كلمة من كلماته، وفي كل سطر من سطوره ما تهفو إليه أذواقهم، وتهواه أفئدتهم، وتصبو إليه نفوسهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك، ها هي السيرة النبوية العطرة بين أيديهم مشحونة بمواقف  البطولة، ومملوءة بقصص الشهامة والكرامة، والبطولة والرجولة والأخلاق العالية. ولا يرى الإسلام أي مانع من قراءة أي كتاب فيه استفادة للخير والحق. فالحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها. وعليك أن تأخذ الحكمة، ولا يضرك من أي وعاء خرجت.
وأما عن ممارسة الألعاب المباحة، فقد صب الإسلام اهتمامه على الجانب الجسمي من الإنسان، كما أولى عنايته السابغة للجانب الروحي، لأنه لا خير فيمن تغلب روحه على جسمه حتى يصبح راهبا منكبا انكبابا كليا على العبادة، ولا خير فيمن يتغلب جسمه على روحه، فيصبح كالحيوان الأعجم لا عقل له ولا ذوق. ولابد من التكامل بين الروح والجسم حتى يصبح الإنسان إنسانا بكل ما في الكلمة من معنى. ولذلك أجاز الإسلام وأباح كل الألعاب التي تقوي جسم الإنسان، وترجع على نفسه بالتهذيب والتأديب والتربية القويمة. فقد ثبت في الحديث الشريف أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وورد في الحديث الشريف أيضا: «علموا أولادكم السباحة والرماية، ومروهم فليثبتوا على الخيل وثبا». كما أباح الشارع الكريم المسابقة سواء للرجل أو المرأة على القدمين أو بأية وسيلة من وسائل الفروسية، وأشار إليها بكل ذي حافر كالخيل، أو ذي خف كالبعير. ولقد سابق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم زوجه عائشة رضي الله عنها فسابقها فسبقته بعد أن سبقه في المرأة الأولى. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: هذه بتلك. وصارع النبي (ص) ركامة ثلاث مرات، وصرعه صلى الله عليه وسلم، حتى اضطر ركامة إلى الإسلام.
وعليه، فالدين الإسلامي الحنيف قد أباح للشباب أن يملأوا فراغهم بكل ما يعود عليهم بالخير والنفع جسمانيا ونفسانيا.
وأما عن اختيار الأصدقاء، فإن الصديق هو المرآة الصافية التي تعكس صورة صديقه. فقد قيل: «قل لي من تصاحب؟ أقل لك من أنت» لأن من خالط الطيبين كان طيبا، ومن انتسب إلى الخبثاء كان خبيثا.. ومن خالط العطار نال من طيبه، ومن جالس الحداد نال السواد ولفح النار. وعلى كل حال، فالأخيار لا يشقى بهم جليسهم أبدا، بل حتى الحديث عنهم يهذب الأذواق، ويعطي القدوة الحسنة، ويهدي إلى السلوك القويم. ولله در من قال:
عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه
فكل قرين للمقارن ينسب
والصديق الحق، هو من قال فيه بعضهم:
إن أخاك الصدق من كان معك
ومن يضر نفسه لينفعك
حتى إذا ريب الزمان صدعك
شتت فيك شمله ليجمعك!
فاختيار الصديق وانتقاؤه وأجب، فما كل الناس يصلحون للصحبة والمعاشرة، فلربما كانت الوحدة خير من جليس السوء:
ألزم الوحدة تسلم،
إن ود الناس أضحى
فانبذ الأصحاب إلا
  لم تعد في الناس خلة
لنفاق أو لعله
صاحبا يدعوك لله
وهذا مصداق للحديث الشريف الي ورد فيه قول العربي الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «خير الأصدقاء من إذا ذكرت الله أعانك، وإذا نسيك ذكرك».
وكثيرا ما يتحول الصديق إلى عدو مبين، إذا لم تكن الصداقة قائمة على صفو السريرة ونقاء الضمير وطهارة القلب، لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. وكل شيء في الحياة آئل فإلى فناء، إلا الحب في الله، وفي كل ما مصدره غير المادة الزائفة. ومهما يكن من أمر، فإن الصديق الوفي كنز ثمين في الحياة، حلوة كانت أم مرة.
فقد قال بعضهم:
المرء في زمن الإقبال كالشجره،
والناس من حولها، مادامت الثمره
فإذا غاب عنها حملها انصرفوا،
وخلفوها تقاسى الحر والغبره!
ولطافة المعشر، وحسن الخلق، والسعي في نفع الناس وقضاء أغراضهم في الحق لا في الباطل، والتعاون معهم على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان، كل ذلك مجلبة لصداقة الناس وحبهم وعطفهم ومودتهم. وإذا كان ليس من الممكن أن يكون الإنسان صديق الجميع، ـ لأن إرضاء الناس كلهم غاية لا تدرك ـ، فمن الأجدى والأنفع أن يكون صديقا للأخيار حتى يعد منهم. فإن التشبه بالكرام رياح، كما قيل.
فالصديق الذي يعينك على الطاعة والاستقامة، والصديق الذي يذكرك بالله، ويردك عن المعصية، ويصدك عن الانحراف والعصيان، ويغلق دونك أبواب الشيطان، هو الذي تلزمك مصاحبته، لأنه يؤنس وحشتك، ويملأ فراغك، ويدلك على الخير، ويبعدك عن الشر، ويرشدك إلى الصراط المستقيم.
على أن الشباب المسلم يجب أن يبقى دائم الحذر واليقظة والتبصر والأناة في اصطفاء أصدقائه، فقد قال ابن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد،
فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه
يحول من الطعام أو الشراب
إذا انقلب الصديق غدا عدوا
مبينا، والأمور إلى انقلاب
ولو كان الكثير يطيب، كانت
مصاحبة الكثير من الصواب
ولكن، قلما استكثرت إلا
عثرت على ذئاب في ثياب
فدع عنك الكثير، فكم كثير
يعاف، وكم قليل مستطاب
فما اللجج الملاح بمرويات،
وتلق الري في النطف العذاب
وإذا لم ينجح المرء في اختيار أصدقائه، لأنهم لم يبادلوه وفاء بوفاء، ومحبة بمحبة، فالدواء عند الإمام الشافعي رضي الله عنه، حيث قال:
إذا المرء لا يرعاك إلا تكلفا
فدعه، ولا تكثر عليه التأسفا
ففي الناس أبدال، وفي الترك راحة، وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
فما كل من تهواه، يهواك قلبه،
ولا كل من صافيته لك قد صفا
إذ لم يكن صفو الوداد طبيعة،
فلا خير في ود يجيء تكلفا
ولا خير في خل يخون خليله،
ويلقاه من بعد المودة بالجفا
وينكر ودا قد تقادم عهده،
ويظهر سرا كان بالأمس قد خفا
سلام على الدنيا إذا لم يكن بها
صديق صدوق، يصدق الوعد، منصفا!
هذه بعض المناهج والطرق التي قضى بها الإسلام على الكبت والفراغ الذي هو شر مستطير، وداء خطير. قال الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجده
مفسدة للمرء أي مفسدة!
وإذا ما ترتب على ارتكاب ذنب، أو اقتراف جريرة، أو اجتراح مخالفة، أدنى عقدة نفسانية، فإن الإسلام قد عالجها بما يضمن للنفس خلوها من الارتباط والاضطراب، لأن الله عفو حليم، غفور رحيم، يقبل التوبة عن عباده. وهو يحب التوابين، ويحب المتطهرين. فرحمته سبقت غضبه، وعفوه أربى على عقوبته. فقد جاء في الحديث الشريف: «أن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل». والله الخالق البارئ المصور أعلم من الإنسان بما يصلح نفسه، وهو يفسح له المجال دائما إذا نسي أو أخطأ. «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا. ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به. واعف عنا واغفر لنا. وارحمنا. أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين» ـ «والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم. ومن يغفر الذنوب إلا الله. ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون».
وكل إنسان لا يخلو من خطأ.. فلكل جواد كبوة، ولكل سيف نبوة. والكمال لله وحده دون سواه. فقد بشر الله المؤمنين على لسان نبيه سيدنا محمد (ص) الذي قال: «كل بني آدم خطاؤون، وخير الخطائين التوابون» وقد جاء في الحديث القدسي: «وعزتي وجلالي إن لم تذنبوا وتستغفروا لأذهبن بكم، ولآتين بقوم يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم». وعليه، فالإسلام يمنح الاطمئنان والثقة والأمل الرحب، كما يمنحنا القدرة والشجاعة على مواجهة المشكلات بعزم وصبر واحتساب، من دون ارتباك ولا تعقيد. والإسلام يجب ويمحو ما قبله. إن الحسنات يذهبن السيئات. والإسلام يجعل لصاحبه مخرجا وتوبة مما عمل من سوء، ويحل عقدة الجريمة من نفس الإنسان، حتى يصير قويا قادرا على إفادة وطنه ودينه، نافعا للمجتمع الذي يعيش فيه. وبذلك يبني الأجيال القادرة على الوقوف في وجه الصعوبات، وقهر المعوقات والمثبطات، وصد الأعداء، والانتصار على الأهواء، وتحقيق ما تصبو إليه الأمة من عزة وكرامة ومجد وسؤدد.
إن الإسلام راعى بدقة مراحل تكوين الإنسان وتربيته بمنطق سليم. فإذا ما اجتاز المرء مرحلة المراهقة التي هي أصعب وأخطر مراحل التكوين العقلاني والنفساني في الحياة، فإنه يصبح في طور النضج والاعتدال الفكري الذي تتهذب فيه الغرائز، ويتأتى التصرف بالأناة والحكمة والاتزان. إذ يصبح الإنسان بحكم عقله وبصيرته وإدراكه الباطني، ويتمعن في الظروف والملابسات وإدراكه الباطني، ويتمعن في الظروف والملابسات التي تحيط به، ويتأمل ويجيل الفكر في عجائب الكون وغرائبه وما فيه من مخلوقات وأسرار. جاء في كتاب الله عز وجل: «قل انظروا ماذا في السماوات والأرض». ـ «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون». ـ «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلف ألونها. ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك. إنما يخشى الله من عباده العلماء. إن الله عزيز غفور».
بهذه التوجيهات السماوية التي يطفح بها القرآن الحكيم ينفتح للعقل البشري كتاب الكون الفسيح، ليتدبر وبتمعن ويتأمل، ويستنبط السر والمغزى والدرس الذي ترمز إليه تلك الآيات الكريمة، ليستفيد منها الإنسان ما يغمره بالرشاد والخير، والتوفيق والهداية. لأن مجرد النظرة يستوجب النظرة الفاحصة المنقبة المستوعبة، حتى يدرك عظمة الله، وكمال قدرته، وإتقانه لتدبير الكائنات، إن النظرة الواعية هي أحسن وسيلة وأقوم طريق للوصول إلى الحقائق، لأن الأكوان لها أسرار وخلفيات وأبعاد تكمن وراءها. والمؤمن المتدبر يستشف ويستخلص منها ما لا يحصى من العبر والآيات.
ولنا في أسلافنا الأماجد أسوة حسنة، إذ يحققوا المنهج التجريبي للعلوم حيث لهم فضل استطاعوا بالنظر الثاقب، والبحث والتقصي، أن الأسبقية والنبوغ والتبريز فيه بالنسبة لزمنهم. ومن هؤلاء العباقرة الأفذاذ الجغرافي البارع (الشريف الإدريسي)، والرحالة الذي أتقن علوم البحار (ابن ماجد)، وفريد عصره في علم النباتات والعقاقير (ابن البيطار)، وصاحب المقدمة الرائعة في علم طبقات الأرض ـ الجيولوجيا ـ (البيروني)، ومؤلف أحسن كتاب عن الحيوان (الجاحظ)، وكاتب أعظم مقدمة في علم الاجتماع والتاريخ (عبد الرحمان ابن خلدون) وكذلك المؤرخ الاجتماعي الكبير (ابن الأزرق)، والطبيب العالم المشارك في شتى فروع العرفان، (ابن سينا)، والبحاثة النابغة في علوم البصريات (ابن الهيثم)، وفارس الميكانيكا الأول (ابن فرناس)، والطبيب الحيسوبي مخترع الجبر (أبو بكر الرازي)، وسواهم من مئات الآلاف من الجهابذة الأعلام الذين يعج بهم تاريخ الإسلام، والذين يجب أن يكونوا لنا قدوة صالحة في الإخلاص والتفاني والتثقيف والتهذيب، إذ هم من بين ملايين المشاعل التي أنارت درب البشرية، وبيضت وجه الإسلام والعرفان في العالمين.
إن التربية الإسلامية ذات شأو عظيم، وغاية مثلى، فهي تريد للأمة المسلمة جيلا بريئا في طفولته، واعيا في شبابه، مستقيما متزنا رزينا. والمقصد النبيل للإسلام هو السهر على رعاية شبيبة مؤمنة طاهرة، تعاف الجمود والتواكل،
والفراغ والتعقيد، لا اضطراب ولا ارتباك ولا حيرة في سلوكها، تعرف الهدف الذي تسعى إليه، فتشمر عن ساعد الجد، وتحدد غايتها فتعمل لها بإخلاص وتفان. إن الإسلام يريد أن تكون للشباب رجولة كاملة تتسم بالأدب والشجاعة، والعقل والنضج، وتتصف بالخلق الرفيع، البعد عن السفاسف والتوافه، والقشور، والقوقعيات. إن التربية الإسلامية ذات المناهج الواضحة، هي وحدها المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فعلينا أن نقدر هذا الكنز الذي بين أيدينا حق قدره، فهو مصدر قوتنا وتراثنا، وهو النور الذي يسري في عقولنا، ويبث فينا روح الرجولة الفاضلة، تلك الرجولة التي غرست في  أجدادنا النخوة والشهامة وقيادة العالم، والتي منها نقتبس اليوم الضوء والدفء، للخروج من المأزق الذي نتخبط فيه، ولمحو العار، وإزالة الفضيحة التي لن تزول إلا باستعادة أولى القبلتين وثالث الحرمين المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وبالقضاء على عصابات الفساد والتخريب الصهيونية، وتحرير فلسطين المسلمة، ورجوع الحق الأوفى إلى أهله.
فلمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
«لقد اتصف هذا النظام الملكي منذ قرون بالشجاعة الكافية، تلك الشجاعة التي تعرف الرحمة والرأفة، تلك الشجاعة التي لا تنبني إلا على العدل وعلى العدالة تلك الشجاعة التي يتقدمها الرأي الذي هو أساس كل عمل ناجح في هذا الشأن».
جلالة الملك الحسن الثاني. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here