islamaumaroc

أهمية الجانب التربوي في علاج جنوح الأحداث والمراهقين

  دعوة الحق

178 العدد

إن انحراف الأطفال والمراهقين وحدوث الجرائم منهم ربما لا نحس بخطره إلا بعد اكتشاف أمرهم من طرف رجال الأمن وإلقاء القبض عليهم واستنطاقهم وتقديمهم للمحاكم التي تحكم أحيانا بإدانتهم وبإرسالهم إلى الإصلاحيات لمحاولة تهذيبهم وتقويم سلوكهم. ولكننا لو فكرنا جيدا لعلمنا أن الأمر يكسب خطورته من الاستعداد للانحراف في طبيعة الطفل قبل أن يصبح الانحراف شديدا وقبل طبيعة الطفل قبل أن يصبح الانحراف شديدا وقبل أن يتخطى إطاره العادي إلى الإطار الاجتماعي العام الذي يهدد الأمن ويفسد الاستقرار ويفوت فرص السلام على الفرد والجماعة.
وجدير بالآباء والمربين والأساتذة والمعلمين والمسؤولين عامة أن يعو هذه الحقيقة وأن يحاولوا معرفة طبيعة الأطفال وكيفية استغلالها في تهذيبهم وتربيتهم وتوجيههم لما فيه الخير لهم وللبلاد.
إن أسباب الانحراف كثيرة جدا ولكن أغلبها يرجع إلى الجهل بطبيعة الأطفال وإلى عدم القدرة على السيطرة على سلوكهم بطرق سليمة لا تعرقل النمو الطبيعي للطفل ولا تحد من نموه النفسي ولا من إبراز عناصره الشخصية التي لا تتنافى مع تلاؤمه الاجتماعي العام. ولهذا كان من الضروري مراعاة الأمور التالية:

أولا ـ طبيعة الطفل في إثبات ذاته
إن إثبات الذات وإظهارها صفة إنسانية عامة لا مناص لنا من التخلص منها. وطريقة الإثبات هذه تختلف باختلاف المواقف وباختلاف الأفراد في مستوياتهم البيئوية أو اختلافاتهم العمرية؛ وقد يجد الذين يريدون إثبات الذات عوارض خارجة متصلة بالمادة أو القانون أو عوارض ذاتية مرجعها إلى أمراض نفسية أو جسدية وتتنوع مواقفهم بتنوع هذه العوارض أو تنوع هذه المستويات البيئوية أو العمرية، وفرق كبير بين مواجهة الرجل الراشد لبعض العوائق ومحاولة التغلب عليها تحليلها وربطها بالتكيفات الاجتماعية وبالحكمة
1) أقامت جمعية رعاية الطفولة والأسرة مندوبية الحرية المحروسة بفاس تدريبا للمندوبين المتطوعين في شهر دجنبر 1976 واستدعت لهذه المناسبة عددا من الأساتذة لإلقاء محاضرات في موضوع الانحراف، فشاركت بمحاضرتين أما أولاهما فهاته وأما الثانية فموضوعها «انعدام الجو التربوي في الأسرة وأثره في انحراف الأحداث» وسنوافي القراء بها أيضا في عدد آخر إن شاء الله.
العقلية وبالمقارنة بينها وبين المصلحة العامة وباستخدام عناصر الفكر ووسائل الإقناع والاقتناع وبين ذلك عند الطفل الصغير والمراهق اللذين يحتاجان إلى عناية كبرى من المربين لخلق التوازن بين تحقيق رغباتهما وبين تعديل هذه الرغبات، فكل عملية تدخل القسر والعنف في الحد من إثبات الذات دون مراعاة الجانب النفسي ودون محاولة التفسير السليم لهذه النوازع ودون محاولة التبرير لتخفيف الرغبات أو العمل على النكوص والإحجام قد تؤدي حتما إلى انحراف خطير عند الطفل أو المراهق معا.
ولهذا غلبت ظواهر الانحراف عند الأطفال الذين لم تتعهد فيهم هذه الغريزة فأهملوا إما بإعطائهم الحرية إلى أبعد حدودها فعاشوا مدللين يعملون كل ما أرادوا أو بقهرهم وكبتهم ومنعهم من كل الوسائل التي يثبتون بها ذواتهم ويحققون بها شخصياتهم.
ومن هنا كانت طريقة الاعتدال في التربية مهمة جدا لأنها وسط بين طريقتين كل منهما ضار ألا وهما طريقة الحرية المطلقة وطريقة القهر المطلق
ومن المفروض تربويا أن رعاية هذه الظاهرة النفسية يسأل عنها مباشرة الآباء والأمهات ومن يقوم مقامهم من الأولياء في البيت كما يسأل عنها المعلمون والمربون في المدارس ثم سائر أفراد الهيئة الاجتماعية في المجتمع.
وبتوزيع هذه المسؤولية لا يهمل يتيم ولا فقير ولا عاجز ولا فاقد للرعاية في البيت بسبب إهمال الوالدين أو بسبب جهلهما أو انحرافهما أو بسبب وضع الطفل في بيئة سلبية لا تستطيع توجيهه أو تهذيب نوازعه الإمارة بالسوء.

ثانيا ـ طبيعة الطفل في ميله إلى الاعتداء
هذه الطبيعة قد تكون مرتبطة أحيانا بالظاهرة الأولى التي تتعلق بإثبات الذات وهي غالبا ما تتصل بغرائز الطفل اللاشعورية قبل تهذيبها من طرف المجتمع. وقد حاول فرويد إبراز الجانب العدواني في نفس الإنسان وإبراز هذه العواطف اللاشعورية في ظاهرتين عبر عنهما بغريزة الجنس وغريزة الموت وهذه الغريزة الثانية هي التي جعلها منشئة العدوان والعنف في نفس الطفل وخالقة المقاومة والمقاتلة في سلوكه.
ومن الطبيعي أن هذه الغريزة العدوانية قد تصبح عنيفة إلى أبعد الحدود وقد تعيش مع الإنسان مراحل نموه فتنغص عليه استقراره في أيام شبابه وفي أيام كهولته وبعد ذلك ويتعرض بسبب تعهدها إلى أزمات نفسية خطيرة وإلى أمراض عصبية وإلى انحرافات ومخالفات قد تصل إلى حد الإجرام.
ولهذا لا يمكننا أن نتناسى قيمة هذه الغريزة في تهذيب الفرد وتوجيهه وخلق المناسبات الصالحة لتبديد بعض مظاهر العنف والعدوان وتوجيهها توجيها سليما يتعاون فيه المربون مع الجانب المتعلق بإثبات الذات وتوكيدها تعاونا يستطيعون به ألا يجعلوا بعض الأفراد الذين يحملون بذور العدوان يتصرفون فيه تصرف الساديين Sadiques الذين لا تحلو لهم الحياة إلا مع العنف الصاخب والعدوان المدمر للأشخاص والأشياء.
ويمكن استهلاك هذه الطاقات في تنظيم الألعاب الرياضية وتوزيع المسؤوليات على التلاميذ داخل الفصول وتهييء الجمعيات المهتمة بالنشاط الجسمي والفكري واستغلال الأندية الاجتماعية والثقافية لإبراز المواهب وتحقيق المعطيات الطبيعية وتمكينها من الظهور فلا تتلاشى ولا تكبت كبتا يؤدي إلى الانفجار.
وقد حاول رجال التربية في العصر الحاضر ربط الدراسة بأنشطة موازية للتعليم يحاولون فيها مراقبة هذه النوازع النفسية وتوجيهها توجيها سليما يبعد الأطفال من الانحراف ولا يترك لهم مجال الاندفاع الحاد الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى استعمال العنف والتدمير.

ثالثا ـ ميل الأطفال إلى الاستقرار النفسي وتعطيشهم للحب والحنان
إن عدم الاستقرار في حياة الطل وفقده للرعاية الكاملة وحرمانه من الحب والحنان يحدث فيه عقدا شتى تجعله مضطربا قلقل لا سلطة له على التمكن من زمام نفسه ولا على التصرف في توجيه إرادته نحو ما يريد. ولهذا لو بحثنا عن أسباب الانحراف
 فسنجد من بينها انعدام هذه الرغبة أو فقدان هذه المودات.
ومن هنا جاءت المسؤولية الكبرى على الآباء والأمهات ثم على المربين ثم على المجتمع بكل هيآته
ان دور الأسرة هنا يقتضي الاهتمام بالطفل وأشعاره بوجوده وبأنه كائن حي مرغوب فيه له قيمته في الحياة ويتوصل إلى ذلك عن طريق المحبة وحسن الرعاية فإذا شعر الطفل بأنه عالة على من يتولون مراقبته وبأنه مشكلة من مشاكلهم أو بأنهم لا يأبهون به ولا يقدرون وجوده فهو يتحدى هذا الواقع ويريد إثبات ذاته بكل الوسائل التي تشعر هؤلاء الذين عاملوه بفتور وإهمال ولو أدى الحال إلى استعمال العنف والتخريب وإذاية الآخرية.
إن الطفل إذا عدم الرعاية يسلك مسلك الجانحين ويصب جام غضبه على ما حوله وعلى من حوله وحينئذ يصعب إصلاحه لأنه يكون قد فقد الموجهين الموفقين الذين يبثون فيه مسالك الخير ومهايع الفضيلة.
وهذا هو السر في أن التربية الدينية تجعل مسؤولية الرعاية مسؤولية جسيمة سواء من الآباء أو الأولياء وتنص على حفظ معنوية اليتيم ليلا يشعر بفراغ في حياته التربوية وما أحكم قول الله تعالى وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم بالآيات التالية(1): «والضحى والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى. وللآخرة خير لك من الأولى. ولسوف يعطيك ربك فترضى. ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر. وأما السائل فلا تنهر. وأما بنعمة ربك فحدث».
ففي هذه السورة نهي عن قهر اليتيم ليلا يحس بسبب هذا القهر بفراغ روحي يجعله بعيدا عن مناهل الحب ويدعه قلقا متبرما وفي ذلكم من العواقب الوخيمة على التكوين الاجتماعي ما هو ظاهر.
ولعل هذه الظاهرة أي ظاهرة الإهمال وعدم الإشعار بالحب هي التي دفعت الشاعر أحمد شوقي في بعض قصائده إلى أن يقارن بين الطفل المهمل الذي يفقد رعاية والديه بسبب انشغالهما عنه وبين اليتيم فقرر بأن فقدان الرعاية أشد ضررا على الطفل من اليتيم الحقيقي فهو الذي يقول:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من
هم الحياة وخلفاه ذليلا
فأصاب بالدنيا الحكيمة منهما
وبحسن تربية الزمان بديلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له
أما تخلت أو أبا مشغولا
عن رعاية الأطفال ومواساتهم وإبراز ملامح المحبة في معاملتهم لمن الضرورات التربوية والاجتماعية التي يجب أن تصاحب المربين في كل حين.
وكم كان يؤسفني وأنا أستاذ بثانوية مولاي إدريس سنة 1960م أن أرى أحد تلامذتي يقدم للمجلس التأديبي بسبب إهماله لدروسه وبسبب مشاكسته لبعض أساتذته دون أن يبحث هذا المجلس عن أسباب هذا الإهمال وهذه المشاكسة.
وكنت حينئذ واثقا من أن هذا التلميذ لا إرادة له في تلك النتيجة وذلك السلوك فأحببت أن أعرف السبب بنفسي فقدمت موضوعا إنشائيا آنذاك طلبت فيه تلامذتي أن يكتبوا رسائل لبعض أقاربهم يتحدثون فيها عن نتائجهم ودرجاتهم بكل صراحة فوجدت من خلال تلك الموضوعات هذه الرسالة التي كتبها ذلك التلميذ المعني بالأمر(2).
«أستاذي لا أجد لي قريبا أكتب إليه رسالتي إلا أخا لا أريده أن يطلع على حقيقة أمري ولذلك أوثرك عليه وأبوح لك بحقيقة نفسي.
إن نتيجتي في الامتحان سيئة جدا ومرجع ذلك إلى ظروفي وإمكانياتي فأنا طفل يتيم فقد أبويه في حادثة سير وكفلني من بعدهما أخ أحسن إلي وأعانني على متابعة دروسي الابتدائية حتى إذا انتقلت إلى القسم الثانوي وجدتني أواجه أمرا جللا ذلك أن أخي تزوج بامرأة تحسن الدهاء واطمأن إليها في   معاملتي فأساءت وظن أنها تعاملني بالحسنى فظلمت الشيء الذي أدى إلى اضطرابي وقلقي وشكى في قيمة الحياة فصرت من حين لآخر أهيم في التفكير وأذهل عن متابعة الدروس وأصبحت نتائجي متدهورة ودرجاتي عند الأساتذة ضعيفة وعاملني أكثرهم معاملة قاسية وصرت أوازي بيني وبين نفسي فعلمت أن أخلاقي تبدلت وسلوكي كاد يصبح شاذا.
إني أصبحت أكره من حولي. أن الكراهية التي تحملها زوجة أخي إلي وأنا بريء لم تحل بيني وبين كراهية الآخرين وأن كانوا أبرياء.
إني لم أعد قادرا على ضبط نفسي ولا علي التحكم في زمامها وأن أدنى ملاحظة من أساتذتي إلي جعلتني أثور وأتمرد وأواجهها بالعنف العنيف وكانت النهاية أن قدمت إلى المجلس التأديبي لضعف نتائجي وسوء سلوكي حسب ما جاء في بعض الملاحظات المسجلة في الدفتر المدرسي.
أستاذي إني لأخشى أن يصبح ما قالوه أمرا واقعا فأنا قلق مضطرب سريع الغضب بطيء الرضا خشن المعاملة أتوقع عما قريب أن أطرد من المدرسة وأن يصبح زمام مصيري بيد العنف والذي سيوجهني نحو الخراب والتدمير».
إن هذا الاعتراف من طرف هذا الطفل متلائم مع قوانين علم النفس وعلم الاجتماع وهو في الحقيقة مدعاة إلى إثارة الانتباه من طرف المربين والآباء والأولياء فعلينا جميعا تقع المسؤولية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من عبد استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة»(3).
فلننشر ألوية المحبة على أطفالنا وعلى كل من نتولى رعايتهم لنخلصهم  من العقد ولنبعدهم عن مزالق الضلال.
وليس المراد بالحب أن نكون ضعافا إزاء سلوكهم وأن ندع لهم الحرية المطلقة يعملون كل ما أرادوا وإنما المراد بالحب أن يشعر الطفل بالاطمئنان وأن يحس بالحنان وأن يعلم أن مواقفنا في تربيته ليست ناتجة عن حقد دفين أو عن كراهية متفجرة أو عن دوافع انتقامية، فالحب رعاية والرعاية تقتضي أن نعد الطفل للحياة السعيدة وأن نجعل منه إنسانا سويا.

رابعا ـ ترك الفرصة للطفل لمراقبة أعمالنا الصالحة
إن الطفل يقلد بطبيعته وهو سريع التأثر بمن يجاوره وغالبا ما تشكل شخصيته بشخصية من حوله ونحن مسؤولون عن إثارة المخاوف في نفسه وعن زرع بذور القلق والاضطراب في سلوكه فإذا أردنا منه أن يكون متزنا مستبشرا بمستقبله فلنكن نحن متزنين مستبشرين ولنمارس تربيته بصبر وأناة ولنبعد عنه مظاهر انفعالاتنا الحادة فلا نعامله بسوء ولا نرتكب السوء أمامه في معاملة بعضنا لبعض.
إن المربي إذا قدر قيمة ضبط النفس في معاملة الأطفال والمراهقين وعرف قيمة الصبر أمامهم فإنه لا محالة سيطبعهم بسلوكه وسيعودهم أيضا على التمسك بأخلاقه وسيجعلهم شاعرين بمسؤولياتهم عارفين قدر أنفسهم متحكمين في غرائزهم ولقد نبه المربون إلى ذلك في جل قوانينهم وأحكامهم.
ففي مقاطعة البنوى بأمريكا توجد مؤسسة لتقويم سلوك الأولاد المنحرفين كان يترأسها الأستاذ شازوليونارد الذي اكتسب تجربة من تسيير هذه المؤسسة أدت إلى أن يؤلف كتيبا قيما عن أسباب الانحراف(4). قال في كتابه هذا: «يعرف الآباء والمدرسون الذين يفهمون الأطفال أن الصبر في معاملتهم فضيلة فالمدرس الذي يضطرب اضطرابا
ظاهرا عندما ينتقده تلاميذ الفصل والأب الذي يتغيظ كلما حاد الأطفال عن جادة الصواب هؤلاء يعملون فقط على زيادة تعقيد مشكلات أطفالهم ويكون رد فعل هؤلاء الأولاد والبنات على نفاد صبر الكبار هو التبرم منهم والكره الشديد لهم.
لا يستجيب الأطفال استجابة طيبة إلى المعاملة الخشنة، والعقاب الصارم والتأديب لا يحل المشكلة لأنه لا يزيل أسباب الانحراف بل يزيد المشكلة تعقيدا».
ومن خلال هذا النص نعلم أن ضبط النفس فضيلة تعين على التخفيف من عقوبة الأطفال وتسيير سبيل التحكم في طبائعهم وفي توجيههم ولا يستطيع المربي تحقيق ذلك إذا كان جاهلا بأصول علم الأخلاق وبقوانين أصول التربية ولهذا كانت العناية بتربية المربين واجبة لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
مما تقدم نعلم أن جل أسباب الانحراف ترجع أما لجهل الكبار بطبيعة الصغار وأما لفساد سلوك الكبار أنفسهم أو لفساد الأوضاع الاجتماعية.
ولهذا يمكننا أن نضيف إلى ما تقدم أسبابا أخرى للانحراف كإهمال الأطفال وعدم إتاحة الفرصة لهم في تلقي التربية السليمة لضعف مستوى أسرهم أو لانفكاك هذه الأسر بسبب انتشار الطلاق أو انتشار الخصومات العائلية.
إذن يجب أن تكون العناية بتربية الأسرة ذات اعتبار في المفاهيم التربوية ورحم الله أحمد أمين الذي يقول: «ليست الأمة إلا عدة أسرات وليست المدينة إلا عدة بيوت والسلوك الذي يسلكه الناشئ في بيته ليس إلا صورة مصغرة لسلوكه بعد في أمته وإذا كان منبع النهر ملوثا تلوث النهر فصلاح الأمة وصلاح البلاد دائما هو بصلاح الأسرة».
ومن الأسباب عدم تيسير التعليم الكافي وترك مجال البطالة في المجتمع مع اكتظاظ بعض الأسر بالأطفال دون أن تجد الوسائل الكفيلة لحماية هؤلاء الأطفال ماديا وتربويا فيكثر التشرد والضياع والإهمال.
إن الفقر مشكلة عويصة جدا تلعب دورها في انتشار أسباب الانحراف. وعلى الأمة التي تريد الابتعاد عن التخلف أن تفكر في الوسائل الاقتصادية الكفيلة بإبعاد شبح الفقر اللعين عنها لأنها بذلك ستيسر المجال الصالح لبناء دولة مجهزة أحسن تجهيز مشتملة على مؤسسات العلم والمعرفة والصحة عاملة على نشر الفضيلة وإتاحة تكافؤ الفرص للمواطنين على اختلاف طبقاتهم وحيثياتهم.
ومن أسباب الانحراف عدم انتشار الوعي الكافي بين المواطنين وعدم تحملهم مسؤولياتهم على أحسن وجه.
إن المواطنين الذين يحملون هذه المسؤولية يعرفون كيف يستغلون المواقف ويساعدون بما لديهم من إمكانيات فيساهمون في إنجاح المشاريع الاجتماعية البناءة ويشاركون في التنمية والتوجيه ويعملون على وضع المخططا السليمة وعلى تطبيقها وفق الاختصاصات التي يمثلونها في البيت أو المدرسة أو المجتمع أو على صعيد المسؤولية الإدارية والقانونية في تسيير البلاد.
هذا وليعلم الآباء والمربون أن الأطفال غالبا ما تتشكل تربيتهم حسب البيئة التي  ينشؤون بها وأن دور الكبار عظيم جدا في تهذيب الصغار أو في الإطاحة بهم نحو الرذيلة والانحراف.
إن علماء النفس وعلماء الاجتماع أبدوا في دراساتهم وجود علاقة وثيقة في التربية بين الطفل والبيئة مرجعها إلى الالتقاط العفوي الذي يتلقاه الطفل مما حوله وممن حوله؛ هذا الالتقاط الذي يصير امتصاصا لسلوك الآخرين فيطبع الشخصية بالخير أو الشر.
وأن الخطر لا يكمن في هذا التقليد اللاشعوري الناتج عن العادة والملاحظة والمراقبة ولكن الخطر يكمن حينما تكون القدوة سيئة ويريد الطفل تقمص شخصية عن إرادة وسبق إصرار فيتعذر حينئذ الإصلاح ولا ينفع وعظ ولا إرشاد ولا وعد ولا وعيد. وفي هذه الحالة يصبح العلاج صعبا ويصير الانحراف مرضا اجتماعيا خطيرا ما كان أجدرنا أن نتوقاه قبل الوقوع فيه فالوقاية أفضل من العلاج والحذر خير من الوقوع في المزالق ولهذا يمكننا أن نحدد بعض وسائل الوقاية فيما يأتي:
أولا ـ نشر وعي كاف بين المواطنين يذكرهم مسؤولياتهم ويوضح لهم حدودها
ثانيا ـ العمل على تعميم التربية الجماعية للكبار، وذلك عن طريق الجمعيات الدينية والأخلاقية وعن طريق المرشدين التربويين ويجب أن نستغل في هذا المجال المساجد والأندية والإذاعة والتلفزة وكل الوسائل الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف خصوصا المسرح والسينما لما لهما من التأثير السمعي المباشر الذي يقوم مقام الإرشاد المكتوب فدورهما في الدول التي تنتشر فيها الأمية عظيم.
ثالثا ـ الحرص على إبعاد المجتمع عن كثير من المظاهر العبثية التي أصبحت مسيطرة في بعض الفلسفات والتي دعت إلى التحلل من القيود الأخلاقية والدينية بدعوى تحرير الفرد من الخنوع والذلة وجعله مثبتا لذاته عن طريق شعوره بوجوده لا عن طريق مثاليات فرضت عليه من الدين أو المجتمع.
رابعا ـ ربط المناهج التعليمية ببعض الدراية العملية الصالحة لمسايرة التقدم الصناعي المعاصر حتى إذا لم ينجح التلميذ في دراساته النظرية استطاع أن يعوض ذلك بتلك الدراية الصناعية فيكتسب بها رزقه وييسر بها عمله وحينئذ لا يكثر العاطلون الذين لا يعرفون كيفية ملء فراغهم وتقل الخطورة التي يحدثها الفراغ مع الجهل والبطالة. أن البطالة والجهل وسوء التكوين أعشاش الرذيلة وبذور التخلف والانحطاط.
خامسا ـ العمل على إيجاد مدارس المنحرفين وتوجيههم فلنساعدهم على التخلص مما يعانونه من أزمات نفسية أو عصبية.
سادسا ـ مساهمة جميع المسؤولين في التخفيف من أعباء هذا الانحراف كل في واجهته التي يدير فيها أعماله وخير مثال لذلك هذه الالتفاتة التي دعت إلى إقامة هذا المهرجان التربوي والذي شاركت فيه هيآت مسؤولة رسميا عن توجيه النشء المنحرف كما شاركت فيه هيآت تربوية حرة تسعى من ورائه إلى إبراز خطر الانحراف ووضع الخطط السليمة للعلاج.
سابعا ـ العمل على التكثير من هذه الندوات التربوية التي تضمن رجال التعليم وعلماء النفس والاجتماع والمسؤولين عن القوانين المتعلقة بالجنح والجرائم والمكلفين بالوعظ الديني وبعض الأدباء لتكون الدراسة شاملة ولنستطيع تحديد المشاكل ووضع الحلول لها في إطار العلم والدين والقانون.
ثامنا ـ أن تنشر النتائج الكفيلة بالتخفيف من الجنح وأن تتعاون على تطبيقها وتنفيذها وأذاعتها كل الهيآت لا فرق بين المسؤولين الرسميين وغيرهم.
وأنا على يقين أن هذه المجهودات المتنوعة إذا أدخلناها في عنصر التربية فسنصل بحول الله إلى التخلص من أعباء هذه الاضطرابات النفسية المؤدية إلى جنوح الأطفال والمراهقين وإلى إجرام غيرهم من المتخلفين علما وأخلاقا وستقل بفضل هذه العناية كثير من المخالفات والجرائم وسنساعدهم على وضع أسس متينة لمجتمع فاضل آمن وسنمهد لأطفالنا في المستقبل ما نرجوه لهم من الاستقرار والرخاء وسلامة الأخلاق.

(1) هذه الآيات مكية وتمثل سورة الضحى وعددها إحدى عشرة آية.
(2) أصل الرسالة مكتوب بأسلوب يتلاءم مع مستوى ذلك التلميذ.
(3) يوجد الحديث بهداية الباري في ترتيب أحاديث البخاري لعبد الرحيم الطهطاوي الجزء الثاني صفحة 177.
(4) اسم الكتاب المذكور لماذا ينحرف الأطفال؟ ترجمة إلى العربية الدكتور محمد نسيم رأفت وأشرف عليه وقدمه الدكتور عبد العزيز القوصي ونشر في العدد الثاني من سلسلة الدراسات السيكولوجية المسماة كيف نفهم الأطفال أخذ النص من صفحة 52.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here