islamaumaroc

المفهوم الحضاري للعمل في المجتمع إسلامي

  دعوة الحق

178 العدد

لفت انتباهنا الخطاب القيم الذي ألقاه السيد وزير الشغل والشؤون الاجتماعية الأستاذ محمد العربي الخطابي بمناسبة فاتح ماي الماضي، وذلك إما تضعنه من توجيهات محكمة مستوحاة من تعاليم ديننا الحنيف تمشيا مع السياسة الرشيدة التي يسلكها جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله. ويسرنا أن تنشر النص الكامل لهذا الخطاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن من أكبر نعم الله على الأمة الإسلامية أن جعل التوحيد والاتحاد من أعظم أسباب قوتها ومناعتها وفلاحها..
فالإسلام الحنيف، الذي ينبني في جوهره على الإيمان بوحدانية الله، يحض على اجتماع الكلمة والتحام الصف، والناس في نظره سواسية أمام الله وفيما بينهم، ومقياس المفاضلة هو التقوى أي الإيمان والعمل الصالح..
إن الإسلام، الذي هو دعوة إلى الناس كافة، لم يخاطب فئة منهم قائلا: يا عمال العالم اتحدوا! بل دعا البشر جميعا بقوله: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا»..
فمن هذا المنظار الإسلامي القويم يسرني أن أوجه بمناسبة عيد الشغل التحية الصادقة إلى القوى العاملة المغربية رجالها ونسائها، إلى من يعملون بسواعدهم أو بعقولهم أو بمهارتهم المهنية..
وإنني وإياكم لعلي يقين من أن جلالة عاهلنا المفدى الحسن الثاني يحمل من معاني هذه التحية أروعها وأقربها إلى قلوبنا جميعا.. فهو راعي وحدتنا وحافظ قيمنا، وهو الساهر الأمين على مصالح المواطنين كافة.. فليكن التفافنا حوله حافزا لنا على المضي قدما في سبيل بناء وطن يعتز به أبناؤه وتفخر به أمة الإسلام ويهئ الله لأبنائه، بفضل عملهم وتعاونهم، العيش الكريم والطمأنينة الروحية والأمن والأمان..
إن الإنسان هو غاية كل تنمية سليمة وهو أيضا وسيلتها الأولى وأداتها الرئيسة،دلك لان الإنسان هو أغلى موارد البلاد وأحقها بالعناية و الرعاية فقد كرمه الله سبحانه وحمله أمانة عمارة أرضه على أساس العدل والإحسان والتعاون ..وهو الذي يحمل عبء الدفاع عن قيم الجماعة ومصالحها وينهض بعبء الحفاظ على سلامتها واستمرارها وتقدمها في جميع ميادين الحياة ..
أهداف التنمية:
وانطلاقا من هذا المبدأ المتفق عليه فإن التنمية يجب أن تهدف أساسا إلى:
أولا: تأمين العمل لجميع المواطنين القادرين عليه..
ثانيا: تمكين العاملين من سد حاجياتهم الضرورية من طعام وسكن وتعليم ووقاية وتداو واستجمام...
ثالثا: توفير فرص التقدم في مدارج العمل للشغالين وللمقبلين على سوق الشغل، وذلك بتكوينهم وتأهيلهم مهنيا قبل العمل وفي أثنائه..
 رابعا: تعميم الرعاية الاجتماعية حتى يفيد منها كل العاملين بشكل يكفل لهم وذويهم الطمأنينة والاستقرار والأمن الاجتماعي في العمل وعند الانقطاع عنه، في الصحة والمرض، في الولادة والحضانة، في القدرة والعجز، في الشباب والشيخوخة، وذلك عن طريق خدمات الضمان الاجتماعي ومؤسسات التعاون المهني..
إن ارتفاع معدل الدخل والإنتاج لا يقوم وحده دليلا على نجاح التنمية ما لم يؤد إلى استفادة جميع المواطنين من ثمراتها بما يكفل لهم العيش الكريم والحياة الآمنة..
فالتنمية ليست هدفا لذاتها بل لما تؤدي إليه من خير وفرة يفيد منها الجميع كل على قدر جهده وحاجته لا يبخس أحد شيئا من حقه في ذلك..
والتنمية ليست مسؤولية الحكومة أو السلطات الإقليمية وحدها، بل هي مشاركة في الجهد والتفكير والتدبير يضطلع بها، إلى جانب الحكومة، الأفراد والجماعات والمؤسسات الاقتصادية والهيئات المهنية لخير الجميع..
ومما لا شك فيه أن كفالة العمل لجميع المواطنين القادرين عليه هدف رئيسي من أهداف التنمية، وهو أيضا من وسائل تحقيقها، لذلك فإن إيجاد القدر المطلوب من فرض العمل المنتج يجب أن يحتل المقام الأول من الاهتمام، وهذا يعني أن تعتبر سياسة التشغيل من الأسبقيات للمخطط الخماسي.
وسياسة التشغيل لا تعني مجرد مكافحة البطالة..
فالتشغيل خطة شاملة متكاملة ترمي إلى إيجاد فرص العمل المنتج بالقدر الذي يفي بحاجة سوق الشغل من حيث العرض والطلب مع تأمين الاستقرار المادي والرعاية الاجتماعية للشغالين وإتاحة فرص الترقية المهنية لهم بالتدريب والتكوين الدائمين..
أما مكافحة البطالة فليست في واقع الأمر إلا جزاء من سياسة التشغيل، فهي إذن عملية محدودة تفرضها ظروف اجتماعية واقتصادية خاصة..
ونحن حينما نقول بأن سياسة التشغيل يجب أن تحتل مكانها من بين أسبقيات مخطط التنمية فإننا نعني أولا وقبل كل شيء أن تقاس فعالية المشاريع الإنمائية المزمع إنجازها بما تستطيع خلقه من فرص العمل المنتج فضلا عن الاعتبارات الاقتصادية الأخرى التي لابد منها وفي مقدمتها الجهود لاستكمال تجهيز البلاد وتطوير قدراتها الصناعية والفلاحية والسياحية والإسكانية..
ومما لاشك فيه أن كثيرا من التدابير التي اتخذتها الحكومة خلال تنفيذ المخطط الحالي على صعيد الإصلاح الزراعي والتجارة الخارجية وتشجيع الاستثمارات وإصلاح بعض الأنظمة الجبائية، كان له أثر إيجابي في استحداث فرص العمل، ثم إن سياسة التنمية الجهوية التي رسمتها الحكومة ومضت في تطبيقها خطوات إيجابية تعد من أهم تلك التدابير التي ينبغي تطويرها وتحسينها نظر لما ينتظر أن تؤدي إليه من حسر موجة الهجرة من القرى إلى المدن بتشغيل القوى العاملة في أماكن إقامتها الأصلية وتطوير الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الأوساط القروية..
ولما كانت سياسة التشغيل تتطلب إعداد المهارات الفنية والمهنية بشكل يواكب حاجة المرافق الاقتصادية التي تنمو باستمرار فإنه ينبغي التفكير في نشر التكوين المهني على أوسع نطاق ممكن لاستيعاب جميع الشبان الذين يرغبون في متابعة تدريب مهني يؤهلهم لولوج سوق العمل وهم على أتم الاستعداد لذلك..
والتكوين المهني ليس معناه ـ كما يفهم البعض ـ مد حزام النجاة لانتشال الشبان الذين يضطرون إلى الانقطاع عن متابعة التعليم العمومي، بل أن التكوين المهني مرحلة ضرورية في إعداد الشبان لخوض معركة الحياة والعمل وهم متوفرون على المهارة الفنية والمهنية وفقا لمؤهلاتهم أولا، ولحاجات النمو الاقتصادي ثانيا..
ومن المسائل التي تستأثر باهتمام المسؤولين في هذا الباب:
1 ـ احكام التنسيق بين المرافق الحكومية والمؤسسات العمومية التي تضطلع بالتكوين المهني على أن تنسق الجهود كذلك مع مصالح التعليم العمومي..
 2 ـ توفير وسائل جديدة مثل التكوين بالمراسلة وإحداث وحدات متنقلة للتدريب قصد سد حاجات الأوساط القروية التي لا توجد بها مراكز قارة..
3 ـ مواصلة التدريب في المصانع وتحسين وسائله وطرقه..
4 ـ أحداث معاهد لتخريج أطر فنية حاصلة على الكفاية الفنية والمهنية في بعض التقنيات التي تدعو إليها حاجة النمو الاقتصادي كصناعة النسيج والسكر وفنون الطباعة وغيرها..
5 ـ تنظيم التدرج أو التلمذة الصناعية..
6 ـ توسيع عملية التدريب السريع التي بدأناها بنجاح في قطاع البناء..
وإذا كان لا بد لي أن أذكر، بالمناسبة، بعض الصعوبات التي تعترض سبيلنا في ميدان التشغيل خاصة فإنني أرى أن أقتصر على مسألتين اجتماعيتين:
فالمسألة الأولى تتعلق بالنمو السكاني السريع الذي تعرفه البلاد، وهو نمو يدل على تحسن مستوى الصحة العمومية وعلى رغبة عامة المواطنين في التكاثر، ولكن هذا النمو لا يكون، وياللأسف، دائما موازيا للنمو الاقتصادي فتحدث الصعوبات الاجتماعية التي نعرفها..
وعند الحديث عن هذه المسألة يتبادر إلى الذهن ما يسمى بالتخطيط العائلي فيحدث بعض الالتباس الذي يؤدي أحيانا إلى المغالطة وسوء الفهم.. فالتخطيط العائلي لا يعني بالضرورة اللجوء إلى الإجهاض والتعقير أو منه الحمل بأية وسيلة كانت.. والواقع أن التخطيط العائلي يهم في المقام الأول الأسرة ذاتها.. ونجاحه يتوقف على تفتح الوعي العام.. فإذا كان الزوجان يتسمان بحسن التقدير وبعد النظر فإنهما يعمدان تلقائيا إلى تنظيم أسرتهما بشكل يجعل ما ينجبانه من أطفال موافقا لقدراتهما المادية والمعنوية.. نعم أن للسلطات العمومية دورا ينبغي أن ينحصر في الإرشاد والتوجيه وفي توفير الوسائل التي قد يلجأ إليها المواطنين الذين يحرصون على تنظيم أسرهم بشكل يلائم ـ كما قلت ـ إمكاناتهم ولا يرهق في نفس الوقت كاهل مخططات التنمية..
أما المسألة الثانية فإنها تتصل بالتغير الاجتماعي الذي يتطلب نجاح مشاريع التنمية.. وقد انتبه كثير من الخبراء العالميين إلى هذا العامل المهم الذي يفرض تغيير بعض العادات السيئة والممارسات السلبية التي تعرقل سير النمو الاقتصادي أو تؤخره..
فإذا نحن تناولنا هذه المسألة من وجهة نظر الإسلام وما يشتمل عليه من قيم خلقية وواجبات سلوكية، فإننا ينبغي أن نذكر ونتدبر قول الله تعالى في كتابه العزيز: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» ويمكن أن نفهم التغيير هذا بوجهيه السلبي والإيجابي.. فإن نحن تغيرنا في معاملاتنا ومعاشنا من الأحسن إلى الأقبح فإننا لابد وأن نصاب بالضعف والخذلان والتدهور.. وإن نحن انقلبنا من سيء الخلق إلى حسنه فإن الله يمدنا بالعون والتوفيق ويهئء لنا سبل الفوز والعيش الكريم..
والأخلاق في الإسلام ليست قيما معنويا مجردة بل إنها ممارسة وفعل، وهي سلوك فردي واجتماعي يطبع تصرفات الناس ومعاملاتهم كلها، وأخلاق الإسلام مبنية على الصدق في القول والعمل، وقوامها وما يقتضيه ذلك من رفع للضرر ودرء المفاسد، وإعطاء كل ذي حق حقه التعاون لصالح الجماعة، وتقديم المنفعة العامة على المكسب الفردسي.
ان التقدم الاقتصادي والاجتماعي ليست حركة مادية صرفا، بل إن هذا التقدم مرتبط إلى حدي بعيد بمكارم الأخلاق وصالح العادات.. فإذا كثر الفساد والغش والجشع والرشوة، وغلبت الأثرة وحب الاحتكار والاستغلال، وساد الظلم الذي تضيع معه حقوق الفرد والجماعة فإن التنمية لا يمكن بحال أن تسير في الاتجاه السليم الذي يحقق العدل والكفاية ورخاء العيش للجميع..
هذا هو التقدم في نظر الإسلام: ان تقدم قائم على التوازن المادي والروحي وتقديم النفع العام وإخلاص العمل لله وابتغاء مرضاته في القول والعمل.. انه تقدم يدفع، فعلا، إلى الأمام في خط مستقيم، وكل تصور مادي صرف للتقدم إنما يرجع بالإنسان إلى الوراء يجعله مجرد أداة تحركها مقتضيات الإنتاج والاستهلاك وتتلاعب بها تيارات الإلحاد وفساد العقيدة والإباحية الخلقية..
إن من واجبنا ـ ونحن أمة كرمها الله بالإسلام ـ أن نعبئ أنفسنا في سبيل بلادنا وإسعاد شعبنا..
والمقصود بهذا هو تعبئة الجهد البشري وتعبئة الأخلاق في اتجاه التعاون والإيثار والاستقامة في التفكير والعمل.. ولا سبيل إلى تنمية صالحة بغير هذه التعبئة التي هي من صميم تعاليم الإسلام..
وليس كل ما يصلح للمجتمعات التي تأخذ بالنظام الرأسمالي أو بالاقتصاد الموجه يصلح لنا بالضرورة.. فإذا كان لنا أن نستفيد من تجارب غيرنا على الصعيد التقنولوجي والعلمي فإن التوجيه يجب أن يكون نابعا من قيمنا ومن قدرات شعبنا وإمكانيات بلادنا..
وقد قرأت في الأيام الأخيرة لأحد رجال الاقتصاد الغربيين بحثا تحدث فيه عن الصاعب التي تلاقيها الدول السائرة في طريق النمو فقال: «خير لهذه الدول أن تعول على الجهود الملائمة مع واقعها من أن تعتمد على تقليد وهمي لاقتصاد يقوم على نمو لا يشبع نهمه بشيء..»
هذه أفكار عامة أحببت أن أعرضها عليكم مستشرفا بذلك آفاق المستقبل القريب في هذا الوقت الذي تنصرف فيه الجهود إلى إعداد مشروع مخطط التنمية للسنين الخمس التي تبدأ عام 1978.
فاللهم وفق شعبنا لما فيك رضاك، واسلك به طريق الخير والصلاح والازدهار، واحفظ اللهم ملكنا الحسن الثاني، وثبت خطاه ومتعه بكامل العافية ودوام السداد، وأعنه في كل ما يقبل عليه من عمل صالح.. واكلأ اللهم بعين رعايتك الأميرين الجليلين ولي العهد سيدي محمد ومولاي رشيد واحفظ في كنفه آل بيته الشريف.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here