islamaumaroc

أبو الفضل يوسف ابن النحوي المغربي [سبق نشره في العدد 2 من السنة 10]

  دعوة الحق

178 العدد

أبو الفضل من قلعة بني حماد أصله من توزر ـ دخل سجلماسة وفاسا ـ ثم عاد إلى القلعة، وبها توفي سنة 513هـ 1119م عن ثمانين سنة. أخذ صحيح البخاري عن اللخمي ـ وقد سأله ما أتى بك ـ قال أبو الفضل: لنصر تبصرتك. فقال له: تريد أن تحملني في كفك للغرب. يقصد أن علمه كله فيها ـ كما أخذ عن غيره كالمارزي وأبي زكرياء الشقراطيس.
كان من العلماء العاملين وعلى سنن الصالحين مجاب الدعوة حاضرا مع الله في غالب أمره، له اعتقاد تام بإحياء أبي حماد الغزالي. فعندما أفتى الفقهاء بحرقها في صحن مراكش ووصل كتاب سلطان لمتون بذلك انتصر وكتب للسلطان وأفتى بعدم لزوم تلك الإيمان، وتحليف الناس بمغلط اليمين أن ليس عندهم الإحياء فعندما وصل كتاب رئيس الدولة بالتحريج ـ والتحريم ـ ذهب ابن حرزهم إلى أبي الفضل يستفتيه في تلك الإيمان، فأفتى بأنها لا تلزم.
وتلكم ظاهرة نبيلة تبرهن في جلاء على قوة إيمان الرجل، وثبات عقيدته ورسوخ يقينه في الله غير مكترث للصولة والسلطة التي لا تجري على موجب للحدود والمبادئ.
وإن جرى نوعها بالشرق، وصدع بها عدة علماء ـ كالنووي والعز بن عبد السلام ـ فمترجمنا أبو الفضل المغربي له فضيلة السبق في الميدان ـ فضيلة قل من يتوفر عليها من علماء الشعوب ومثقفيها وقد نسخ أبو الفضل الاحياء ثلاثين جزءا وكان كل يوم من رمضان يقرأ جزء قائلا: وددت أني لم أنظر في عمري سواه(1).
وما جرأة فقهاء الدولة الذين كانت لهم الصولة في الحكومة المرابطية إلا نتيجة قصور وتزمت وحمود في إطار ضيق من الفهم لمدلولات التشريع الصحيح ووقوف عند أقوال فقهاء، لم تتسع صدورهم لإدراك تعاليم الإسلام ومراميها المنشرحة.
كان الغالب على ابن النحوي العالم الصوفي الصادق الحضور والتعلق بالحضرة الإلهية، الرامي مفهومها إلى كلمة تبوصوفي التي ذهب يون هامر Hon Hamer الألماني إلى اشتقاقه منها.
يقال أنه بات عنده ضعيف، فدخل في بيت يصلي فيه، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات في الدار فقال الضيف لابنه: أما تشتغلون خاطر الشيخ بهذا في صلاته؟ فقال له ابنه: أنه إذا دخل في الصلاة لم يشعر بذلك.
ـ والغيبة هذه الصوفية هي غير السكر في اصطلاحهم الفني ـ حيث يغيب الشخص عن تمييز الأشياء ولا يغيب عن الأشياء ـ و هو أن لا يميز بين مرافقه وملاذه، وبين أضدادها في مرافقه الحق ـ فإن غلبة وجود الحق تسقطه عن التمييز بين ما يؤلمه ويلذه.
في هذه اللحظة تعجب الضيف من أقواله كالمنكر له ـ وعن كثب تناول الابن السراج وأدناه من عيني أبي الفضل وهو في صلاته فلم يحس به لحضوره مع الحق وغيبته عن الخلق.
ومر به شخص وهو يمشي في طرق فاس فقال له أين الطريق إلى سوق البقر؟ فقال له: هو الذي تمشي فيه. وأنشد:
إن كنت أدري من أين آتي
وأين من حيرة أمر
فأنت يا مركبي حبيس
ويا غلامي فأنت حر
فأبو الفضل كما نرى يصارح السائل بأن السوق المسئول عنها هي هذه يعني ما هما سائران فيه الآن فالمجموع فيها من بني الإنسان لا يدرون أين أتوا  وأين يمرون ويذهبون لما علاهم من ذهول وركبهم من حيرة لحد جعل الشيخ أبا الفضل يصورها بصورة بقر ـ خطوب وهموم تفقد الإنسان إنسانيته فيصبح مسلوب التمييز فقيد العقل يستطيع رائيه وضعه مكان العجماوات من الحيوانات.
«يغمى على المرء في أيام محنته
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن»
هذا يفكر في مصيره وذاك في ذريته وأسرته، ولآخر في الوسط الموبوء، ورابع في المجتمع وأمراضه وكيف الوصول إلى العلاج الناجع؟ أشياء من شأنها أن تقلب الحقائق وتجعل الإنسان غير الإنسان.
يقول ابن الزيات التادلي في كتابه التشوف: حدثني يحيى بن عبد الرحمن قال: انشدني أبو العلاء اديس بن محمد الكتامي عرف بابن الرمامه قال: أنشدني أبو الفضل:
أصبحت فيمن له دين بلا أدب
ومن له أدب عار من الدين
أصبحت فيهم فقيدا الشكل منفردا
كبيت حسان في ديوان سحنون(2)

يشير إلى البيت الذي لحسان في كتاب الجهاد من المدونة ونصه:
لهان على سراة بني لؤى
حريق بالبويرة مستطير
فها نحن نرى الصوفي أبا الفضل يرثي لنفسه ويشفق من الحالة التي يعيشها أبناء شعبه لدرجة أن المتدين القائم بشعائره عار عن الأدب بعيد عن الفضيلة في سلوكه وسيرته بل حسبه الإتيان بما وجب عليه أداؤه من طقوس دينية شخصية لا أقل ولا أكثر ـ ناس أو متناس ما يجب أن يتحلى به من محامد ومكارم تجعله مرموقا بين أبناء الوسط الذي يعيشه منظورا إليه بعين التجلة والإكبار ـ وعلى العكس نراه يتأفف ويتألم من طبقات توفرت على سلوك طيب، وخلق حميد بيد انها في تبرم وابتعاد عن القيام بما فرض عليها من واجبات وما طولبت به في دائرة التعبد والإكثار من أعمال وتوجهات لله بل حسبها التظاهر بمظهر اللين والطيبوبة في التعامل مع البشر، وليت كلا من الفريقين شرب من الكأسين فتعبد وتأدب ـ وعاش مترجمنا أبو الفضل ومن على شاكلته مستريح البال مطمئن القلب سعيدا برؤية أبناء أمته سعيدا ظاهرا وباطنا.
انه أبو الفضل الذي يقال فيه: أعوذ بالله من دعوة ابن النحوي إذ كان مجاب الدعوة ـ جاء عن أبي الحسن على ابن حرزهم ـ أن أبا الفضل كان يلبس البياض ـ فدخل عليه شاب من طلبة العلم فبادر يسلم عليه فأراق المداد على ثوب أبي الفضل من محبرة فخجل من ذلك فقال له أبو الفضل ـ رفعا للخجل عليه: كنت أقول: أي لون أصبغ به هذا الثوب؟ فالآن أصبغه حبريا، فجرده وبعثه إلى الصباغ.
وحدث أبو الحسن قال: أوصاني أبي أن أقبل يد أبي الفضل ابن النحوي متى لقيته، ولو لقيته في اليوم مائة مرة، فبعثني يوما إليه ليدعو لي، فأتيته وقت غروب الشمس فوجدته يتوضأ ـ فلما فرغ من وضوئه نظرت إلى الإناء كأنه لم ينقص منه شيء. فلما غربت الشمس ـ إذن وأقام وصلى وصليت معه، فلما أراد أن يكبر نظرت إلى ثوبه الذي على كتفه فإذا به يتحرك حركة شديدة يسمع صوته من شدة الخوف ثم قرأ قراءة مبينة يسردها حرفا حرفا، فلما سلم دعا لي فانصرفت إلى أبي فحدثته وقلت له: رايته صلى عند غروب الشمس قبل الوقت الذي يصلي به أهل البلد، فأهوى إلي بيده ولطمني وقال لي: أتتكلم في ولي من أولياء الله تعالى، وهل وقت المغرب إلا ذلك الوقت الذي صلى فيه أبو الفضل، وإنما الناس ابتدعوا في التأخير عن ذلك الوقت، ثم أمرني أبي أن أحكي له فعل أبي الفضل من أوله إلى آخره ففعلت فقال لأمي وكانت حاضرة: هذا صبي نرجو من الله تعالى أن ينفعنا به فإنه وجد بركة أبي الفضل وقد رأيته حين دخل على، وعليه نور، فعلمت أن الله قد أجاب فيه دعوة أبي الفضل.
وحدث ابن أبي القاسم عن أبي على سالم قال: لما دخل أبو الفضل سجلماسة ـ أمران ينزل في دار قريبة من الحمام بعيدة من المسجد، فأنكروا عليه ذلك غير منعمين النظر فيما يرمي إليه وسألوه عن ذلك فقال: خطاي إلى حمام في حق بدني وخطاي إلى المسجد فيها الأجر فأريد أن تكون كثيرة فأريد أن تكون قليلة، سنكتب ما قدموا وآثارهم كما جاء في القرآن ـ وفسر بالخطا إلى المساجد ومن اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار وسبيل الله أوسع من أن يحصر ومن المأثور عنه ـ أنه لما عاد إلى القلعة أخذ نفسه بالتقشف وهجر اللين من الثياب، ولبس الخشن من الصوف، وكانت جبته إلى ركبته.
فمر يوما بأبي محمد بن عصمة، وكان فقيه المدينة ومفتيها مشغول البال في الذكر والتعلق حسب مشربه ـ فعظم ذلك على ابن عصمة، فلما رجع أبو الفضل ناداه ابن عصمة محقرا له: يا يوسف  ـ قلباه أبو الفضل، وأتاه فلم يسلم عليه أبو الفضل ـ وربما كان غائب الفكر، فقال له: يا توزري صفرت وجهك ورققت ساقيك، وصرت تمر فلا تسلم ـفاعتذر له أبو الفضل فلم يقبل عذره. واغلظ له القول قال له أبو الفضل غفر الله لك. وحسبه قدوة في هذه بالرسول الأعظم وكم لهذا العالم الناسك من كرامات وآيات تسفر في عمقها عن مسلم ذاق حلاوة الإيمان، وصفت مشاربه، وأصبح من الذين لا يرون في الوجود سوى الخالق جلت قدرته.
يقول القاضي أبو عبد الله بن علي بن حماد: كان أبو الفضل ببلادنا كالغزال في العراق علما وعملا، ويقول فيه القاضي عياض ـ: كان من أهل العلم والفضل شديد الخوف من الله ـ غالبا حاله الحضور منه تعالى ـ لا يقبل من أحد شيئا إنما يتعيش مما يأتيه من توزر.

(1) وهذا الاندفاع الغريب نحو كتاب الإحياء البالغ درجة أنه لا ينظر حياته سواه ـ والسوي بالطبع قد يتناول أحول الإحياء وينابيعها من كتاب وسنة، لكد الظن ابني الفضل لا يتحمل هذا، رغم ما توحي به العبارة، أو الشغف بمضامين الإحياء جعله يبالغ والأمن حرج على مبالغ.
(2) سحنون عبد السلام بن سعيد الشوخي مصنف المدونة التي عبر عنها أبو الفضل «ديوان سحنون» وعليها اعتماد أهل القيروان ت 240 – 854.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here