islamaumaroc

نظرات إسلامية عن المرأة في سفر التكوين

  دعوة الحق

178 العدد

تعالت أصوات الكتاب والمفكرين الغربيين من أجل تحرير المرأة، ولازالت هذه الأصوات تتعالى مطالبة بتحرير المرأة رغم ما حققته المرأة الغربية من تنفيذ كثير من مطالبها العامة، فيما يتعلق بحرية الخروج من البيت، وحرية التعلم، وحرية العمل، وحرية التصرف بنفسها ومالها وجسمها كما تشاء أو كما يشاء لها الهوى.
لكن مسألة المرأة هي شيء أعمل من كل هذا.. تريد المرأة أن ينظر إليها المجتمع نظرته إلى إنسان، إنسان لا يختلف عن الرجل في المعنى الإنساني، والإنسان مكرم، فلابد من أن تكون النظرة للمرأة نظرة رفعة وكرامة، لا نظرة ضعة وامتهان.
ومما لاشك فيه أن الفكر الأوربي والحضارة الحديثة متأثران تأثرا كبيرا بتعاليم اليهودية والنصرانية وهما ديانتان وإن كانتا إلهيتين بالأصل إنهما محرفتان ومبدلتان، وكتب الديانتين مكتوبة بأيد غير أمينة على الوحي الإلهي لا يهمها في سبيل الحصول على عرض الدنيا وحطامها أي شيء آخر.
ومهما حاول الباحث أن يجد تفسيرا لتلك النظرة الازدرائية للمرأة عند أتباع الديانتين فلن يجد أصدق من أصل النظرة للمرأة في كتبهم الدينية، ولا أستطيع أن أسميها بالتوراة والإنجيل بل هي أسفر العهد القديم والعهد الجديد.
ويرجع الباحث إلى قصة أول امرأة في الوجود الإنساني وهي زوج آدم.
وقصة آدم معروفة عند أهل الديانات، وفيها أن الله سبحانه وتعالى أسكن آدم وزوجه الجنة وأباح لهما الأكل من جميع أشجار الجنة إلا شجرة عينها لهما، ولكن إبليس وسوس لهما بالأكل منها وأغراهما بأنواع المغريات حتى نسى آدم أنه عدوه وأن الله حذره منه أشد الحذر، فأكل آدم وزوجه من الشجرة، وكان هذا سببا في إخراج الله عز وجل إياهما من الجنة.
ولكن كيف أغوى إبليس آدم؟
يروي سفر التكوين أول أسفار العهد القديم أن إبليس أغوى زوج آدم عن طريق الحبة، ثم أنها هي التي أعطت آدم من الشجرة فأكل منها، وبذلك تكون المرأة هي سبب الخطيئة، وهي سبب غضب الله على البشر وطرده من الجنة، وهي سبب اللعنة الأبدية.
وهنا أسوق من سفر التكوين فقرات من بعض الفصول لبيان نظرة سفر التكوين لأول امرأة من الجنس البشري من خلال أول مخالفة بشرية لنهي رباني.
 جاء في الفصل الأول (الفقرة 26): «وقال الله لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا، وليتسلط على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الأرض وكل الدبابات الدابة على وجه الأرض».
(27) فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرا وأنثى خلقهم.
وفي الفصل الثاني حديث عن خلق الأشجار وإباحتها للإنسان إلا شجرة واحدة:
(9) وأثبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر.
(16) وأمر الرب الإله الإنسان قائلا: من جميع شجر الجنة تأكل،
(17) وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها فإنك يوم تأكل منها تموت موتا.
(25) وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما لا يخجلان.
ونقرأ في الفصل الثالث كيف كان الإغراء والإغواء متجها لامرأته أولا عن طريق الحية ثم كيف أثرت المرأة على زوجها حتى أكل من الشجرة المنهى عنها:
(4) فقالت الحية للمرأة: لن تموتا،
(5) إنما الله عالم أنكما في يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصران كآلهة عارفي الخير والشر.
(6) ورأت المرأة أن الشجر طيبة للمأكل وشهية للعيون وأن الشجرة منية للعقل، فأخذت من ثمرها وأكلت، وأعطت بعلها أيضا معها فأكل.
(7) فانفتحت أعينهما فعلما أنهما عريانان، فخاطا من ورق التين وصنعا لهما منه مآزر.
(8) فسمعا صوت الرب الإله وهو متمش في الجنة عند نسيم النهار، فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين شجر الجنة.
(9) فنادى الرب الإله آدم وقال له: أين أنت؟
(10) قال: غني سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت.
(11) قال: فمن أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي نهيتك عن أن تأكل منها؟
(12) فقال آدم: المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت.
(13) فقال الرب الإله للمرأة: ماذا فعلت؟ فقالت المرأة: الحية أغوتني فأكلت.
(14 – 15) فقال الرب الإله للحية: إذ صنعت هذا فأنت ملعونة..
(16) وقال للمرأة: لأكثرن مشقات حملك، بالألم تلدين البنين، وإلى بعلك تنقاد أشواقك، وهو يسود عليك.
(22) وقال الرب الإله: هو ذا آدم قد صار كواحد منا يعرف الخير والشر، والآن لعله يمد يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضا ويأكل فيحيا إلى الدهر.
(23) فطرد آدم وأقام شرقى جنة عدن الكروبين وبريق سيف متقلب لحراسة طريقة شجرة الحياة.
لاشك أن هذه الصورة التي يقدمها سفر التكوين هي بذرة الكراهية من الرجل للمرأة، وخليق بكل يهودي أو نصراني وهو يقرأ هذه القصة فيما يسميه بالكتاب المقدس أن لا تبقى في نفسه للمرأة ذرة من تقدير أو تكريم.
ولابد من إبداء بعض الملاحظات فيما يتعلق بموضوع المرأة وإن كانت النصوص التي قدمتها تفصح عن نفسها بنفسها:
لاشك أن النهي عن الأكل من الشجرة كان موجها بالدرجة الأولى إلى آدم، شاملا له ولزوجه، فلم يوجه اللوم كل اللوم للمرأة حيث أنها هي التي كانت السبب ويكاد آدم يعفى من المسؤولية؟
وهنا نرجع إلى الكتاب الإلهي المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لنجد فيه النص الحق، ألا وهو القرآن الكريم، فماذا يقول الله سبحانه في القرآن؟
قال تعالى في سورة البقرة: «وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين. فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم» (1) فلم يجعل الله سبحانه وتعالى زوج آدم أحبولة الشيطان ووسيلته إلا أزلال آدم بل جعلهما سواء في تلك الزلة حيث جاء التعبير عنهما بضمير التثنية «فأزلهما الشيطان عنها» وجعلهما سواء في تحمل المسؤولية وما يترتب على ذلك من نتيجة «فأخرجهما مما كانا فيه».
وقال تعالى في سورة الأعراف: «ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين. فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما أن الشيطان لكما عدو مبين. قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» (2)، وفي هذه الآيات الكريمات بين الله سبحانه أن الشيطان وسوس لآدم وزوجه مستعينا بالقسم على أنه لهما لمن الناصحين فاغترا به وذاقا الشجرة، والله سبحانه وتعالى يجعل آدم وزوجه سواء في تلقي وسوسة الشيطان وفي الاستجابة بذوق الشجرة النهي عنها «فوسوس لهما الشيطان» «وقال ما نهاكما ربكما» «وقاسمهما» «فدلاهما بغرور» «فلما ذاقا الشجرة».
وبعد تفهم كلام الله سبحانه في هذين الموضعين ننتقل إلى ثلاث المواضع من كتاب الله تعالى التي ذكر الله فيها إهباط أبوينا من الجنة، وذلك في سورة طه حيث قال الله تعالى: «فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد ومالك لا يبلى. فأكلا منها فبدت لهما سواءتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى» (3)، وهنا نجد أن الله سبحانه تحدث عن آدم بالإفراد، انه عهد إليه، وانه نسى، وانه خوطب بأن إبليس عدو له ولزوجه. ثم يخبر الله سبحانه عن الوسوسة والمعصية والتوبة: «فوسوس إليه الشيطان»، «هل أدلك»، «وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى» كل ذلك بالإفراد وكأن آدم يتحمل المسؤولية كاملة.
ونلاحظ أن «سفر التكوين» يجعل الغضب الإلهي منصبا على الحية حيث كانت هي مطية إبليس لدخول الجنة لمباشرة عملية الإغواء بزعمهم، ولذلك حلت عليها اللعنة وضرب بينها العداوة وبين بني آدم وجعلت تمشي على بطنها بعد أن كان لها قوائم. أما بالنسبة للمرأة فجعل من عقوبتها أن الله يكثر مشقات حملها ويجعل ولادتها مقرونة بالألم ويجعل عاطفتها وأشواقها منقادة لزوجها ويكون زوجها هو صاحب السيادة عليها!!
جاء الإسلام فخلص المرأة من هذه الوساوس والهواجس التي توحي للمرأة بأن مشقة الحمل وألم الولادة إنما هي عقوبة إلهية وأن حب المرأة لزوجها وشوقها إليه إنما هو عقوبة إلهية كذلك، وجعل علاقة المرأة بزوجها علاقة تواد وتراحم إذ يقول سبحانه: «وجعل بينكم مودة ورحمة»، كما نفى أن تكون للرجل على المرأة مرتبة السيادة التي تعني علاقة سيد بعبد، بل جعل له عليها درجة هي درجة القوامة، فهو القسم عليها بمعنى المسئوولية عن كل ما فيه صلاح أمرها واستقامة شأنها ومئونتها وكفالتها والمحافظة عليها.
ولابد لي في آخر هذه الكلمة من إشارة سريعة إلى أولئك الذين يظنون أو يوهمون أن القرآن الكريم من كلام محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مقتبس من كتب أهل الكتاب فأقول: هل يمكن لبشر كائنا من كان عاش في صحراء الجزيرة العربية قبل أربعة عشر قرنا أن يأتي بكتاب يصحح أغاليط أهل الكتاب ويتنزه عن تزييناتهم دون تأثر بها ولا بروح عصره ويكون هذا الكتاب من عند نفسه؟ اللهم لا.
 إن القرآن الكريم هو كلام الله سبحانه وتعالى أوحى به إلى نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وجعله خاتمة كتبه الإلهية لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه. ولقد رفع الظلم والاضطهاد والحيف والشؤم عن المرأة لا لثورة قامت بها النساء أو تطور وقع في المجتمع ولكن لأن الإرادة الإلهية العلية كرمت الإنسان من حيث هو إنسان، قال تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء» (4)، صدق الله العظيم.

التعاليق:
1) 25 – 27.
2) الآيات 19 – 23.
3) الآيات 120 – 122.
4) الآية 1 من سورة النساء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here