islamaumaroc

خير الدين الزركلي المجاهد الأديب الدبلوماسي

  دعوة الحق

178 العدد

لن يبتعث فينا اليأس والقنوط ما نراه في يومنا ـ نحن الأمة الإسلامية ـ من تخبط وانحراف وانزلاق... فالزيغ ليس قاعدة في سلوكنا وإنما هو شذوذ، ليس من صميم حقيقتنا وإنما هي قشور، على هذا، قد يكون من بين المتخبطين والمنحرفين والمنزلقين اليوم، أهل رشاد واستقامة وهداية غدا، فإن لم يكن ذلك منهم فسيكون من أبنائهم، وإلا فمن أحفادهم، أو أحفاد أحفادهم!
أن أمتنا الإسلامية قامت على أسس ثابتة من العقيدة والسلوك القويمين، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه أدى رسالته الخالدة كاملة وافية بعيدة الأثر، والخلفاء الراشدون والتابعون ـ رضي الله عنهم ـ أدوا دورهم بكل ما يستطيعون من وفاء وتفان وإخلاص، وأولو الأمر ـ بعد ذلك ـ قاموا بدورهم أيضا بكل ما في مكنة بشريتهم من الجهد والاجتهاد والإباء والصمود.
وحالت الأمور بعد ذلك عن حالها، ووقع بالأمة الإسلامية ما قدر لها من العجز والخلل والضعف والانكماش، لكن الأصالة بقيت ثابتة متحدية، حتى أننا لم نعدم في أي عصر ـ حتى في العصور التي تسمى عصور الانحطاط ـ أميرا شهما، أو مصلحا غيروا، أو عالما مجتهدا جريئا، أو أديبا ملتزما جهير الصوت.. على هذا كان العجز والخلل والضعف والانكماش، ولم يكن الانهيار ولا الذوبان ولا الفناء.
نحن نعلم أن عدة حضارات وإمبراطوريات انقرضت: الفرعونية منها والفنيقية واليونانية والرومانية، وصارت أيامها وأخبارها تروى من قبيل الأساطير، في حين أن الإمبراطورية الإسلامية لم تضمحل، لم تذب، لم تندمج، بل أنها صمدت، ثم أخذت تتجدد آدابا وعلوما وفنونا وعمرانا وتحضرا...
ان اتصال حلقات المجد الإسلامي منذ عهد النبوة وحتى الآن لسر من أسرار الوجود، وخفية من الخفايا التاريخية الكبرى. أن الأيام ـ ولاشك ـ لتذخر منه لعهد آت، ربما تطغى فيه الموجات الإلحادية الجاحدة الكافرة بكل القيم، ألا بقيهما المادية الجافة الحقود، وربما تسود فيه الأساليب الرأسمالية بخططها المسيطرة، المطبوعة بالأنانية، والتي تهيمن بفرديتها العاتية، فتستغل كل الجهود، وكل المواهب، وكل القدرات، وكل القوى لمصلحتها الخاصة... وعندئذ لا يبقى من علاج سوى الإسلام ومبادئه.
إن الحلقات النورانية التي أبقت هذه الأمجاد متصلة يمثلها أفراد ماجدون وجماعات فاضلة، كل فيها يتسم بالفضل والأريحية ونكران الذات، والتضحية بأصدق معانيها... فجدير بنا أن نذكرهم بما هم أهل له من الخير، وأن نترجم بنبضات قلوبنا وحرارة مشاعرنا على الكثرة الكاثرة التي انتهت من الدنيا، وانتقلت إلى جوار ربها الكريم،  وندعو للقلة القليلة بمثل ذلك، ليمد في أجلها، ويهبها العون والسلامة.
أحد هؤلاء الماجدين غادرنا منذ شهور، وترك حسرة عميقة في النفوس، ذلكم هو الراحل المرحوم الأستاذ الفاضل السيد خير الدين الزركلي، المناضل، المؤرخ، حافظ الأمجاد... لا نقول عنه أنه كان (دوليا) بسبب أن أصله من قطر عربي، وانه نشأ وتعلم في آخر، وغامر وناضل في ثالث، ونال مكانة سامية في رابع، واستطاب المقام في خامس، هذا الخامس الذي هو قطرنا السعيد المغرب، المغرب الذي أمضى فيه عدة سنوات برتبة سفير، سفير سياسي، وسفير أدبي، وسفير إنساني رقيق الشمائل، طيب العشرة، كبير المقام... لن نعطيه الصفة (الدولية) لأن رابطة الديانة الإسلامية والرابطة القومية أمتن من كل الروابط الأخرى وأعمق وأصدق.
ثلاث وثمانون سنة هي عمر الفقيد، وكانت عامرة، نافعة، آخذة من الخلود بأسباب متينة:
• جهاد في سبيل الأمة العربية ومقاومة للاستبداد والاستعمار.
• مهام سياسية وإدارية مع البيت الهاشمي، الذي كان يمثل في فترة من الفترات أماني الأمة العربية.
• نشاط صحافي متواصل، تمثل في إصدار عدة صحف، الواحدة بعد الأخرى.
• فيض من الشعر العذب الرصين، تغنت به الأجيال.
• مهام سامية في التمثيل الديبلوماسي لدى الجامعة العربية ولدى الأمم المتحدة، ولدى بعض الدول، آخرها تمثيل السعودية الشقيقة بالمغرب.
• صقل الموسوعة الخالدة (الإعلام)، وإعدادها نهائيا في ثلاثة عشر جزءا لتوضع في سجل الخلود للأمة العربية الماجدة.
• تدعيم الفن القصصي بقصة شعرية تحت عنوان (ماجدولين والشاعر) وملحمة قصصية شعرية (العذراء) في مائة وتسعة عشر بيتا ثم قصت تمثيلية تحت عنوان (وفاء العرب).
ألم نقل أنها حياة حافلة مزدهرة ثرة، متنوعة المواهب خيرة العطاءات، يقل نظيرها...؟ لقد جرت العادة أن بعض العلماء والباحثين يعتذرون بشؤونهم عن الخوض في المسامع الأخرى، وأن رجال الجهاد والانغمار السياسي يقضون أيامهم في الترصد والمقارعة والجدال، وقلما يتيسر لهم الإبداع والبروز في الميادين الأخرى، وأن رجال الديبلوماسية يستغرقهم العمل الدبلوماسي، وإن كان لهم من إنتاج فكري فإنه قليل ومحدود، ما أشبه بزهر البرتقال البديع الفواح، الذي لا نراه إلا أسابيع معدودة كل حول... بينما رجلنا الفذ أنكب ـ رغم أعبائه ـ على قرض الشعر، وتحبير النثر، خصوصا أسفار كتاب (الاعلام) التي أخذ من الشاعر أربعين سنة!
وإني لأتصور المعاناة الكبيرة التي عانها الكاتب وهو المؤرخ الباحث المحقق فيما يتعلق بالمراجع والتي تعد بالمآت (انظروا لائحتها في الجزء العاشر من الكتاب المذكور) أن مصاحبتها أو ملازمة القرب منها ـ وهو الدبلوماسي الكثير التنقل ـ أمر عسير، وتركها بعيدا أمرا أعسر وأكثر مضايقة... ولكأني بالكاتب الماجد متحمل كل صعب وعسير في سبيل موسوعته، بل موسوعة الأمة العربية.
وإن شئنا الحقيقة فهي ليست موسوعة الأمة العربية بل هي موسوعة الأمة الإسلامية الصامدة، وموسوعة كل من له صلة بهذه الأمة من قريب أو بعيد... لقد وجد أن آثار هذا المجد مبعثرة بين الكتب والفهارس، أو موضوعة بين أيدي مستشرقي وأشباه مستشرقين يجيدون البحث والاستقصاء، ولكنهم لا ينسجمون روحيا ونفسيا وعقليا مع تلك الأمجاد، فهم أن كتبوا فإنما يكتبون ما يعن لهم، يكتبون وكفى، مجتهدين في أن يتغلبوا على عواطفهم وميولاتهم... فكيف لا يتقدم غيور حكم عليه الفرنسيون بالإعدام... كيف لا يتقدم للقيام بهذه المهمة؟ بلى، لقد تقدم، وتحمل العبء، وكان الله في عونه، والتوفيق في ركابه.
ويذكر الناس الأستاذ الزركلي مقرونا اسمه بكتاب (الاعلام) وينسون فيه الشاعر الذي هز المحافل والمجامع بأشعاره، وألهب المشاعر وحرك الغيرات الوطنية، وترك أبياته ومقاطعه ومقطوعاته تسير على كل لسان. اقرأوا هذه المقطوعة:
يا زمان
متى ترى تبسم لي، يا زمان!
الاحنان؟
أسلمتني، لا أنس لي، لا أمان!
للحدثان.
عيناي ـ لما تبرحا ـ تجريان
نضاحتان
أبكي ربوعا، لا تطيق الهوان
رهن امتهان!
***
أبكي ديارا، خلقت للجمال
أبهى مثال
أبكي تراث العز، والعز غال
صعب المنال!
أبكي نفوسا، قعدت بالرجال
عن النضال!
أبكي جلال الملك كيف استحال
إلى خيال!
***
مالرحابي، وجنان الرحاب
آضت يباب؟
ممما لبنيها؟ كلهم في اكتئاب
أسرى عذاب؟
أين أولو طعانها؟ والضراب
أين الحراب؟
ما بال شيب عربها والشباب
غير غضاب؟
ضاعت بلادي، يا زمان الصغار
زالاندثار!
الناس يبنون، وما في الديار
غير البوار!
أما ترى الغر تعلى وطار
فوق البحار؟
وأمتي هاوية في انحدار
بئس القرار
***
أين بنو هاشم الأولون؟
أين البنون؟
أين بنو أمية الفاتحون؟
ينتقمون!
أين بنو العباس، أهل الفنون؟
يحتكمون!
أين بنو فاطمة الغابرون؟
هل يبعثون؟
***
يا زمن الشؤم سقيت الشآم!
كاس الحمام
القبلتان اشتكتا والسقام
معا نسام
إلى متى نبقى أسرى انقسام؟
نستضام؟
المقطوعة ـ كما رأينا ـ ذات روي شعري حديث، ولكن الموضوع طافح بالغيرة والحماس واستنهاض الهمم، ولا عجب ولا استغراب فالشاعر ليس ـ في كل حين ـ من الخياليين التجريديين المحلقين في الأجواء، ولا هو من المناضلين بالأقوال... خذوا هذه أيضا:
وطني، طال بكائي
أترى تصفو سمائي
حاولوا مسك بالسـ
أفبعد العز والمنعـ
أنا لا أعشق، مما عشـ
فيك محياى، ومثوى
  والأسى مما عراكا
وكما أهوى أراكا؟
ـوء، وهموا بأذاكا
ـعة يبغون _(حماكا)!
ـق الناس، سواكا!
أعظمى تحت ثواكا
وقدم رجال القضية العربية الأحرار أرواحهم فداء لأوطانهم، لما علقوا على المشانق، أو وجهت فوهات البنادق إلى صدورهم الفتية... إنهم معه على نفس الخط، والأحكام التي نزلت عليهم قاسية نزلت عليه كذلك إنما الأجل تراخى عليه، وفاضت منه الحسرات على الزملاء الهالكين:
لنعيي نادب العرب شبانها
فجدد بالنهي أحزانها!
بكى كل ذي عزة تربه
فهاج نزارا وعدنانها
وهل لوم الحر أن لا يثور
ويدفع للحرب فرسانها؟
فجائع، هن حديث القلوب
وهيهات تستطيع سلوانها
والشاعر، ككل ذي ضمير حي، يشارك الإنسانية آلامها وأحزانها ونكباتها، ولذلك كتب هذه القصيدة الخالدة، التي تداولتها الأجيال، كهولا وشبانا، وحتى الأطفال أخذوها محفوظة في مدارسهم:
لم تف يا قمر!
لم تبق يد الحادثات ولم تذر
فعلى م تضحك في سمائك يا قمر؟
أرأيت تائهة على أترابها؟
فتانة بسفورها وحجابها
خلابة بدلالها وعتابها
غلابة بحديثها وخطابها
ذهب الزمان بمالها وشبابها
وتفردت بأنينها ومصابها
ناجتك شاكية تصاريف القدر     وظللت تضحك في سمائك يا قمر!
أرأيت بين مسارح الأقلام؟
مترسلا أو مستجاد نظام
ما كاد يعرف بهجة الأيام
حتى رماه من الفوادح رامى
نهدت إليه قوارع الآلام
فلبكى اليراع مودعا بسلام
عهد النبوغ وصوغ آيات العبر   
  ونعمت تؤنسك الكواكب يا قمر!
أشهدت من غسق الظلام غريبا؟
ملأ الفضاء تفجعا ونحيبا
نادى أحبته، وعاش كئيبا
قلق الجنان على الزمان غضوبا
واندمع يجرح مقلتيه صبيبا
يرعاك مضطرب الجوانح والفكر
وتتيه في خيلاء كبوك يا قمر!
ومعاقرا خمر الصبا يترنح
كالظبى يسكن في الرياض ويسرح
يلهو بزورقه الصغير، ويسبح
في سلسل كالنور، أو هو أوضح
قذفت به هوج العواصف تطرح
فهوى... ووجه الموت أكدر أكلح
وله على صفحات جدوله أثر
وخلوت، تزهى في نجومك يا قمر!
أسمعت أنات الجريح معددا؟
يطوي الليالي، لا يقر مسهدا
لا العيش طالب له ولا الشقاق الردى
يمسي ويصبح شاكيا متنهدا
ضعفت قواه، فما يطيق تجلدا
وتعامت الزفرات أن تتصعدا
غض الجفون وقال: حسبك يا غير!     وسهرت تبسم للكوارث يا قمر!
أشهدت من كرة الشقاء كتائبا؟
وأسنة وهاجة وقواضبا
جيشان، كل هب يحمي جانبا
يتطاحنان، تباعدا وتقاريا
هذا يئن، وذاك يقضي صاخبا!
ويح المطامع، كم تجر معاطبا
تفنى النفوس، وأنت تهزأ بالبشر   
  ويغرك الألق المحب يا قمر؟
أرعاك مبتئس شكا ألم الطوى؟
ومروع ضل السبيل، وما غوى
ومتوج، عنت الجباه، له هوى...
عن عرشه، لا الملك دام، ولا القوى
ومودع مستسلم لهوى النوى
ومعذب لفراقه بادي الجوى
وفسوت، هل قدت ضلوعك من حجر؟
لم تحتجب، لم ترث، لم تف يا قمر!!
نفثات حرى من صدر عامر بالشعور الإنساني الدافق، وهو شيء معهود في المثقف العربي الإسلامي، الذي لا يعرف أي معنى للتحجر والجمود العاطفي والتفكير الإقليمي الضيق... فمذ كان وهو المتجاوب مع الثقافات الأخرى الفارسية منها والهندية واليونانية في القديم، ومع الثقافات الفرنسية والإنكليزية والإسبانية وغيرها من العصر الحديث... هذا مع الأحانب، أما التبادل الثقافي في أنحاء العالم العربي فشيء فريد من نوعه في أنحاء الدنيا كلها، حتى أن البحراني يكتب فيجد لكتاباته صداها عند المغربي، ويكتب التونسي فيقرأ له العراقي على بعد الديار، إنها الأخوة الفكرية والوجدانية الثابتة، رغم تقلب مظاهر الأخوة الأخرى!
في هذا النطاق رويت لشاعرنا الأبي المخلص هذه الأبيات من قصيدة طويلة، تضمنت عواطف غالية نحو بلادنا وأهلنا، وما غلاء هذه العواطف إلا كونها صادرة عن شخصية عزيزة غالية:
أحب بلاد الناس، للناس، موطن
كصلفى زلال الماء، يجدي ولا يكدي
وآثرها عندي حمى يقظ النهى
ببيت على رشده ويصحو على رشد
سماء (رباط الفتح) في كل منتأى
سمائي، ولو أوغلت في السند والهند
ومن نسيم (الرقراق) نشوى ولا طلى
وفي شاطئيه نفحة الرند من النجد
ولي في (سلا) اخوان صدق، وحولها
إلى (شالة)، صانوا وصنت لهم عهدي
ومن كان ودي منهم ما عرفته
فهل أنا مخلص لهم ودي؟
وان الذي عند الأحبة منهم
نعمت بلقياهم، من الشوق، ما عندي
شكرا أيها الماجد، أنك رأيت فينا أكثر مما نرى في أنفسنا، وأننا لنعتز بكلماتك الطيبة، لأنها نابعة عن ضمير صادق.
أيها الراحل الكريم:
أن هذه الربوع من وطنك الإسلامي ـ العربي الذي وهبته جهادك وراحتك، علمك وأدبك، قلمك ولسانك، لباقتك ومروءتك، سموك وتواضعك... ان هذه الربوع لتحفظ ذكراك، وترسل ـ على بعد الديار ـ ابتهالات الرحمة والرضوان إلى ضريحك الطاهر سائلة الله واهب التواب والغفران أن يجزيك خير الجزاء، وأن يسكنك فسيح الجنان، مع النبيئين والصديقين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here