islamaumaroc

أضواء على عظمة بطل الاستقلال سيدي محمد الخامس

  دعوة الحق

178 العدد

1 ـ بطاقة تعرف
2 ـ شخصيته وجهاده
3 ـ خطاب طنجة التاريخي: المغرب وطن العروبة والإسلام
4 ـ محادثات باريس
5 ـ حماية الوطن والمواطنين فوق التاج
6 ـ عظمة السلطان في المنفى
7 ـ ملك الديمقراطية الشعبية
8 ـ إعداد ملك المستقبل

1) بطاقة تعريف:
هو سيدي محمد بن يوسف بن الحسن الأول بن عبد الرحمن الذي يرتقي نسبه إلى السيد الحسن الداخل ثم الحسن المثنى فالحسن السبط ابن الإمام علي وسيدتنا فاطمة الزهراء بنت مولانا رسول الله رضوان الله عليهم أجمعين.
بويع سيدي محمد الخامس سنة 1927م في التاسعة عشر من عمره دون ولاية سابقة للعهد. يقول مؤرخ المملكة السيد عبد الوهاب بن منصور (كتاب الحسن الثاني ص  18): ولم يكن السلطان الجديد مرشحا حياة أبيه السلطان مولاي يوسف.. لأنه أصغر أبنائه ومحل اضطهاد حاجبه.. ولم تكن ولاية العهد منظمة في المغرب حتى ذلك التاريخ بقانون.
نفي سنة 1953م مع ولي عهده وأسرته ثم عاد لوطنه وشعبه المستقل سنة 1955م والتحق بالرفيق الأعلى سنة 1961م.

2) شخصيته وجهاده:
لقد خيبت شخصية محمد الخامس السهلة الممتنعة آمال الاستعمار الفرنسي الذي اعتقد أن الابن الثالث الذي لم يدربه والده على الحكم سوف يكون من السهل دفعه إلى سياسة الاستسلام لخططه وتحقيق مآربه.
يقول مؤرخ المملكة في كتابه المذكور:
ومن المسلم به أن العظمة لا تدرك اعتباطا وبأقل معاناة لمجرد موافاة الظروف فهي ليست من نوع الغنى  الطارئ.. بل العظمة خصلة أو مجموعة خصال تلقي بذرتها الطيبة باكرا في تربة النفوس الطيبة فلاتزال تنمو بها وتترعرع حتى تستوي وتشتد لائحة بين الحين والحين تباشيرها متجلية بين الفينة والفينة مخايلها وكذلك كان سيدي محمد بن يوسف يتهيأ منذ نعومة أظافره لأمر عظيم ويجتاز على صغر سنه بمراحل مجاهدة وبلاء ظهرت فيها كفايته لأداء رسالة سامية فهي من الرسالات الإسلامية الإصلاحية التي تدوم بدوام المصلحين.
ويقول الدكتور صلاح العقاد في كتابه المغرب العربي:
لقد أقبل على الاطلاع وعلى دراسة الأوراق التي تقدم له ومنذ ظهور كتلة العمل وهو يحاول مقاومة الفرنسيين في اتخاذ أداة للتنكيل بها..
وبهذا خيب الفتى اليافع الملهم الموفق آمال الاستعمار فكان سهلا مع رعيته رحيما بها ملتحما بأمته معتزا بها، ممتنعا على قوى البغي مستعصيا عليها.
بهذا نطق الوزير الشاعر الأديب محمد معمري الزواوي في ديوانه حسن الوفاء قائلا:
اسد بالنهار قوة بطش
وبليل كأرهب الرهبان
كسيوف الجلال في الحق لاتأ
خذهم لومة الحسود الشاني
رحماء القلوب عند ابتئاس الــ
ـضعفا يسعفون دون امتنان
لقد كان ملتزما نهج أسلافه العلويين في السياسة الخارجية بتجنيب البلاد أطماع الدول الاستعمارية كما يقول صلاح العقاد في كتابه المذكور، كما كان يتفادى داخليا كل صدام مسلح بين القوى الغاشمة وجموع الشعب الأعزل حقنا لدماء شعبه وحرصا على سلامة أمته فكان عند الضرورة يقدم نفسه وأسرته فداء لرفع السيف عن رقاب المجاهدين.
ولهذا آثر النفي بولي عهده وأسرته في أحداث 1953 وبادر المقيم العام الفرنسي الجنرال جيوم إلى إبلاغ فرحه إلى وزير خارجية فرنسا جورج بيدو والتعبير عن عملية خلع محمد الخامس بعبارته المشهورة (عن هذه العملية نصر للصليب على الهلال).
لقد جن جنون الفرنسيين عندما انتهز محمد الخامس فرصة انعقاد مؤتمر الدار البيضاء في يناير 1943م بين زعماء الحلفاء، روزفليت وتشرشل وايزنهاور وديجول، إذ انفرد جلالته ومعه ولي عهده بالرئيس روزفليت وعرض عليه مطالب المغرب العادلة في الحرية والاستقلال وحصل منه على وعد بالتأييد الذي نطق به روزفليت (بلا ريب أنني أعدك بذلك).
وقد أجمل المرحوم علال الفاسي بكتابه الحركات الاستقلالية كفاح محمد الخامس في تدعيم العمل الوطني بقوله (لقد لمست في شخصية سيدي محمد بن يوسف الملك العظيم الذي ظهرت آثار عظمته المستميت الذي لم يزل حفظه الله يواليه مصلحة الأمة واستقلال البلاد برباطة جأش وثبات قلب واطمئنان نفس).

3) خطاب طنجة التاريخي: المغرب وطن العروبة والإسلام
أدرك محمد الخامس بغريزته الموروثة هدف الاستعمار الحقيقي في استنزاف الثروة الوطنية ثم إضعاف الشخصية المغربية تمهيدا لتحويلها وصبغها صبغة فرنسية.
يقول مارتي: «ما جئنا هذه البلاد، أفريقيا الشمالية حبا لأهلها بل لنجعل من تربتها أرضا صالحة لأبناء فرنسا ونعيدها إلى الحظيرة اللاتينية كما كانت قبل الغزو الإسلامي.
ولهذا كله فطن محمد الخامس فبادر باتصالاته السرية مع الجامعة العربية ثم برر ودعم تدخل الجامعة العربية في المشكلة المغربية ثم أعلن انضمام المغرب للجامعة العربية بعد الاستقلال رجوعا بالمغرب إلى شخصيته الأصيلة ومكانته البارزة في عالم العروبة والإسلام.
ويقودنا ذلك إلى استرجاع أحداث زيارة جلالته لطنجة وخطابه التاريخي في أبريل 1947م. فقد كان منذ سنة 1946م يسعى لزيارة هذا الجزء من المملكة ليعلن للعالم من المدينة الدولية عن مخططاته الوطنية يقول الدكتور العقاد في كتابه المغرب العربي:
«ويعد ذلك بداية الصراع الذي استمر بين الإقامة والقصر وانتهى بعزل السلطان سنة 1953م.. ومن ثم يعزى إليها ـ يعني فرنسا ـ تدبير مذبحة الدار البيضاء التي كانت الحلقة الأولى في سلسلة المذابح.. ليلة سفر السلطان.. فإنه لم يثن السلطان عن إنفاذ رحلته وبدل أن يشيد بدور فرنسا في نشر الحضارة بمراكش ضمن خطابه الفقرة التالية: لاشك أن مراكش وهي بلد يربطه بالبلاد العربية الأخرى في الشرق الأوسط واثق الوشائج ترغب رغبة أكيدة في تعزيز هذه الروابط، وخاصة بعد أن أصبحت الجامعة العربية عاملا هاما في الشؤون العالمية. وتأكيد صفة مراكش العربية ليس بظاهرة جديدة في تفكير السلطان الذي اتفق في هذا الأمر مع حزب الاستقلال. إما مغزى هذه الإشارة هو معارضة فكرة الفرنسيين من أنهم ناشرو الحضارة في مراكش، بإظهار حضارة وطنية عريقة متمثلة في التراث العربي. والدليل على ذلك هو أن جوان الذي أرسل إلى مراكش كرد فعل على هذا الخطاب اهتم بمناقشة وجهة مراكش الحضارية.. وحرص على قطع جميع العلاقات بينها وبين بقية العالم العربي..)

4) محادثات باريس:
عندما رفض محمد الخامس التفاصيل التي وضعتها الإقامة الفرنسية لعمليات الانتخابات البلدية والتي تنص على أن يكون نصف الأعضاء منتخبين من الفرنسيين، ثم رفضه اقتراح الإقامة الفرنسية بإنشاء دائرة انتخابية للفرنسيين في مراكش وتهديده برفع الأمر إلى مجلس الأمن الدولي، تراجعت فرنسا واستدعته إلى باريس لتوهم الرأي العالمي باستقرار العلاقات الفرنسية المغربية.
وإزاء تصلب الملك في موقفه الرسمي وتمسكه بطلب الاستقلال لبلاده وتقديم مذكرة لتغيير نظام الحماية، فشلت تلك المحادثات وعاد الملك وولي عهده.
يقول مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الوهاب بن منصور في خبر تلك المحادثات:
(في يوم الأربعاء 1 نوفمبر استدعى السلطان ولي عهده ووزرائه وأعضاء ديوانه إلى القصر الذي يقيم فيه وقضوا اليوم كله في دراسة الرد الفرنسي.. فتبين لهم أن الحكومة الفرنسية واقعة تحت تأثير إقامتها العامة ومستوطنيها وأن الأشياء التي صرحت بقبولها لا ترضي شعب المغرب وملكه، واتفق الجميع مع السلطان على  كتابه رسالة ثانية ترفض كالأولى كل إصلاح في نطاق نظام الحماية، وتطالب بإلغاء ذلك النظام من أساسه وإقامة صرح الحكم في المغرب على أسس جديدة تضمن له حريته وتتيح لحكومته الحرة أن تدخل في الإصلاحات ما تراه مفيدا لشعبه وملبيا لطموحه.. ونشر الديوان الملكي بلاغا ثانيا كشف النقاب بين وجهة نظر المغرب ووجهة نظر فرنسا».

5) حماية الوطن والمواطنين فوق التاج:
يقول الدكتور العقاد في كتابه المغرب العربي:
«عندما عاد السلطان من رحلته في بارس 1950م وعرف المقيم العام أنه قدم مذكرة تتضمن فكرة تغيير على تعامي الجلاوي صاحب النفوذ في الجنوب.. الذي الحماية حاك جوان المؤامرة التي أوشكت على خلع السلطان سنة 1951م واعتمد كما سيفعل بعد عامين أخذ جميع القبائل الموالية له وبدأ في الزحف نحو الرباط.. وأسرعت القوات الفرنسية في الإحاطة بالقصر.. لإجبار السلطان على الخضوع لأوامر المقيم العام، ويروي أحد الكتاب الأمريكيين.. الحوار الذي دار بين السلطان وجوان..، بدأ جوان بطلب إصدار بيان يستنكر فيه السلطان أعمال حزب الاستقلال ويصف رجاله بمخالفة الدين، فأجاب السلطان بأنه لا يمكن أن يعلن استنكاره لأي حزب لأنه بصفته ملكا فوق كل الأحزاب، لكن الجنرال جوان وجه للسلطان هذا الإنذار: إن رد عظمتكم غير مقبول وأمامكم إما أن تدينوا حزب الاستقلال أو تتنازلوا عن العرش وإلا فسوف أعزلكم بنفسي..

6) عظمة السلطان في المنفى:
لم يكن واردا في حسابات الطغاة عندما أقدموا على الاعتداء على العرش أن الملك المخلوع قبل أن يصل إلى المنفى، كان قد منح للحركة الوطنية بالمغرب شهيدا فدائيا من طراز فريد كرمز لبعث الحركة الوطنية في إطارها المسلح. بل عن النسر الحبيس مع ولي عهده وأفراخه الصغار سوف يظل مصدر خطورة وقلق دائمين لقوى الاستعمار الخارجية وعناصر التحالف الخائنة بالداخل.
فمنذ أن وصلت الأسرة الشريفة إلى جزيرة كورسيكا اشتعل الوعي المغرب لاسترجاع كرامة الملك والشعب واستشهد البطل المرحوم علال بن عبد الله أثناء هجومه على السلطان المزيف محمد بن عرفة أثناء موكب صلاة الجمعة 11 سبتمبر 1953م، وتكونت منظمات المقاومة السرية وبدأ تأسيس جيش التحرير ومقاطعة البضائع الفرنسية.
وبهذا واجهت فرنسا عديدا من المشاكل والمتاعب على الصعيد الفرنسي الداخلي وعلى المستوى العالمي، فقد نشطت حركة مكتب المغرب العربي بالقاهرة ونيويورك ودول الجامعة العربية وتصدعت الحكومة الفرنسية ذاتها باستقالة عدد من وزرائها احتجاجا على سياسة الحكومة الفاشلة.
لقد تجلت إذن عظمة الملك الحبيس في المنفى وتفاقمت خطورته مما اضطر فرنسا إلى إبعاده إلى جزيرة مدغشقر تمهيدا لنقله إلى جزيرة تاهيتي وسط المحيط الهادي لأسباب بالغة العظمة يفسرها مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الوهاب بن منصور في كتابه الحسن الثاني ثم يجملها في عبارة بليغة:
وقد عللت الحكومة الفرنسية هذا الإبعاد الجديد بما يسببه وجود السلطان من تقوية الهيجان السياسي..
وتتجلى عبقرية محمد الخامس السياسية في مواقفه المتتابعة. فعندما اضطرت فرنسا إلى إرسال الجنرال كاترو لمفاوضة الملك في منفاه أظهر الملك صبرا وحنكة وبراعة سياسية لا تفسر بغير التوفيق والإلهام. يقول مؤرخ المملكة في كتابه المذكور.
جرت بينه ـ كاترو ـ وبين السلطان محادثات استمرت خمسة أيام شارك فيها الأمير مولاي الحسن مشاركة مجدية وتدخل تدخلات مفيدة، أخبرني جلالته ـ سموه يومئذ ـ أنه رأى من صبر والده وجلده وتمسكه بحقوق شعبه خلال تلك الأيام ما قضى منه العجب حتى أنه بقى أربعة أيام يشرح له مدلول كلمة التبعية المشتركة التي ربط بها الفرنسيون اعترافهم باستقلال المغرب.. إلى أن انتهى الأمر إلى.. النقط المتفق عليها وكانت هذه النقط تعني في عمقها فسح المجال أمام سيدي محمد بن يوسف للرجوع إلى فرنسا ثم إلى عرشه والسير بالمغرب نحو نظام دولة عصرية متمتعة بكامل حريتها واستقلالها.
وجاء المقيم العام الفرنسي دي لانور ليلقى بدلوه في بحار الأسرار العلوية الشريفة لقوة وشخصية محمد الخامس، وها هو يحدثنا في كتابه حقائق حول افريقيا (نشر باريس 1957م ابتداء من صفحة 139):
(.. وقد عرض علينا بلقرشي ـ أحد أعوان الاستعمار بالدار البيضاء ـ عرضين، فاما ان استعمل القوة لإخضاع الاستقلاليين وهم عام الشعب، أو أن يرحل الاستعمار من المغرب حاملا معه أعوانه. لقد أكد لي بلقرشي انه لا يحب ابن يوسف بسبب التفاف الشعب حوله وأحداث القلاقل.. ويضيف دي لانور في كتابه المذكور أنه اجتمع مع أعوانه واستخلص على ضوء دراسة الموقف أن المغاربة الاستقلاليين كانوا متأكدين من كسب المعركة.. ولا يهابون طلقات مدافعنا.. في حين أن بعض وزرائنا لم يبق لديهم سوى فكرة واحدة وهي ترحيل ابن عرفة..).
وبالفعل، فقد طلع الجلاوي بتصريح مفاجئ في أكتوبر 1955م بأنه يشارك الأمة في المطالبة بعودة محمد الخامس إلى العرش. ويقول دي لا تور:
(لقد دهشت باريس هذه المرة وألغيت وزارة الشؤون المغربية والتونسية وألحقت بالخارجية.. وقد علمت.. بأن الجلاوي انقلب وكذلك هيئة الوجود الفرنسي والصحافة الفرنسية..، هؤلاء الذين كانوا لا يتنازلون.. لم يبق إذن سوى حل وحيد وهو إعادة محمد الخامس إلى عرشه).
هذا هو سر عظمة محمد الخامس في المنفى عندما كان أسيرا أعزل من كل سلاح إلا سلاح الإيمان بربه ووطنه وشعبه.

7) ملك الديمقراطية الشعبية:
لقد استحق محمد الخامس أن يحمل في التاريخ لقب ملك أحياء القصدير الذي كان يحلو للمستعمرين ومن سار في ركابهم أن ينعتوه به.
ويكفي محمد الخامس فخرا اعتناقه لنظام الديمقراطية الشعبية وإيمانه منذ أيام الحماية بفكرة الملكية الدستورية وطرح مفاهيم العصور الوسطى المطلقة.
فمنذ نداء (سان جرمان ان لي) في السابع من نوفمبر 1955م وهو يتأهب للعودة إلى أرض الوطن بعد انجلاء ليل المنفى يخاطب شعبه ويقول: ولنا في تأييدك والتفافك حولنا وفي الوعي القومي الذي عم سائر طبقات الشعب أعظم مشجع لمتابعة المهمة المقدسة الملقاة على عاتقنا.. ونقرأ في خطاب الرباط 1955م (انبعاث أمة ج 1 التي يعدها ويقدمها مؤرخ المملكة):.. ونؤكد لكم من جانبنا أننا نريد أن نكون ملكا دستوريا لدولة عصرية ديموقراطية مستقلة.. ويصرح في 18 نوفمبر من نفس العام: فهذا أوان تضافر الجهود لبناء صرح الوطن الجديد.. عهد يتطلب التجديد في العوائد والمؤسسات والحكم وأساليبه كما يتطلب تحرير الفرد ليتمكن من التعبير عن آرائه آمنا مطمئنا.
وهكذا أقدم بمجرد عودته على إطلاق المسجونين السياسيين واستقدام المجاهدين من المنافي وإطلاق عنان الحريات والاتصال المباشر مع مختلف طبقات الشعب ورجال الأحزاب وقادة الأمة للتعريف على مواطن الداء في الميراث الذي خربه الاستعمار نخرن قواعده الحماية الأجنبية.

8) إعداد ملك المستقبل:
لم يكن تحرير البلاد وترميم وحدتها وتأسيس الجيش وتعريب الثقافة ومغربة الإدارة وتحرير الاقتصاد وغيرها من المنجزات كل ما قدمه محمد الخامس لأمته وشعبه.
لقد وضع البذرة المباركة للحياة الكريمة وأراد لها النمو والاستمرار وضمان حيويتها ودوام ازدهارها على النحو الذي نهجه أسلافه العظام بتربية ولي العهد وإعداد ملك المستقبل جلالة الحسن الثاني الذي أمن الاستقلال فضمن بقاء الدولة وأقام لها هيكلها فطورها وحضرها وزودها بالجامعات والمعاهد العلمية والمؤسسات التقنية العصرية وأسس أعظم مجموعة من السدود وحفظ العلوم والفنون والمعارف بتشييد صرح الأثر الفني النموذجي لعمارة وفنون الإسلام بالمغرب في ضريح المغفور له محمد الخامس ثم خطط للمسيرة الخضراء معجزة العصر، وجمع كلمة الإسلام لأول مرة في تاريخ الأمة الإسلامية بعاصمة ملكه في مؤتمر العالم الإسلامي وأعاد للمغرب مكانته التاريخية العربية والإفريقية وغير موازين السياسة والحرب بأفريقيا وآسيا. وبهذا يستحق عن جدارة لقب ملك السدود ولقب ملك المسيرة الخضراء وما يستجد من ألقاب يفرها تفجر إمكانياته الفذة.
لقد صدقت رؤية مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الوهاب بن منصور عندما قال إن أعظم عمل قدمه محمد الخامس لشعبه هو جلالة الملك الحسن الثاني.
وتذكرنا وصايا وتوجيهات المولى إسماعيل بن الشريف إلى ولده الأمير مولاي المامون، بالنهج الذي اتبعه سيدي محمد الخامس في تربية شعبه وولي عهده.
وسوف تتضح لنا من خطابه في ذكرى ميلاد ولي عهده في يوليوز 1956م فلسفة الملك العظيم ونوعية تفكيره في الجهاد وتعريب الثقافة وإحياء الشخصية المغربية وبعث الروح الشعبية وتربية ولي العهد في نطاق تلك المعالم الوطنية المغربية الإسلامية، ولنطلع الآن شبابنا على نبذ من ذلك الخطاب (المنشور في انبعاث أمة ج 1 صفحة 171 ـ 178) التاريخي:
(.. يا بني.. لقد عاهد الله والدك أن يحارب في واجهتين، فكان يكافح لاسترجاع حرية البلاد ويعمل في آن واحد لتربية أبنائه وبناته وفي مقدمتهم أنت يا بني لتكون نموذجا للجهاد..
.. يا بني لقد قدمتك للمعلم ليلقنك آيات القرآن وليغرس في قلبك الطاهر الفتي حب الدين وعزة العروبة والإسلام، ولما ترعرعت يا بني اخترت بقاءك تحت سماء المغرب ليتم تكوينك الثقافي في بيئة مغربة فبنيت لك مدرسة خارج القصر ليتربى فيك الاعتماد على النفس فحرمتك من مجاملة الخادمات وحنان المربيات حتى تزدهر شخصيتك وتصبح عصاميا بارزا قبل أن تكون أميرا، ثم أحطتك برفاق من مختلف طبقات الشعب لأنني كنت أريد أن أعدك إعداد منتزعا من بيئة بلادك..
يا بني، لقد كنت صارما مع الأساتذة وكنت ألح عليهم أن يعودوك الطاعة والامتثال وألا يتساهلوا معك وألا يحترموا إلا القيم الإنسانية المجردة..
يا بني، لقد كنت مدققا وملحا في أن يسود النظام حياتك كما كنت حريصا على أن أنسيك جو الملك والإمارة.. وكانت غايتي يا بني أن أجعل منك ومن رفاقك نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه الشباب المغربي.. وإن أمكنك من فضيلة القديم والحديث.. ولقد درست لغتك العربية ودينك الإسلامي وكرعت من معين المعرفة والعلوم القديمة والحديثة حتى ارتويت لتعود قادرا على معرفة ما يجري حولك في العالم وتصبح رجل القرن العشرين الواعي العارف المطلع.. وكنت أحرص على التنافس في ثقافتك لأني أعلم أن مشكلة العصر هي التشبث بالقديم وحده أو الافتتان بالجديد وحده..
يا بني.. لقد كنت أدربك على  تعاليم الإسلام واحترام أوامره وإقامة شعائره.. وكيف يجب أن تعامل أباك وإخوتك وشعبك والناس أجمعين..
يا بني إن والدك يؤمن بان قيادة الأمم وتسيير الدول فن قائم بذاته فلا يكفي فيه التعليم والتربية وحدها بل لابد من تكوين عملي يومي.. فأعددتك مواطنا مغربيا قبل إعدادك أميرا.. وكنت ألقنك معنى المواطنة حتى تؤدي ولاية العهد التي أنطناها بك واحرص على أن تؤمن بالواجب الوطني والصالح العام وكنت أدفعك لتتعمق في قيم معنى الشعب لتخدمه الخدمة الصادقة.
يا بني.. لقد شاءت عناية الله أن تنجح.. حتى إذا أصبحت رجلا وجدت فيك خلال الأزمات التي مرت علينا المشجع والمعين والأنيس الأمين.. فعندما تدلهم الأمور وتشتد الأزمات وقد أحاط بي المغرضون.. أخلو إليك في القصر فأجد في حديثك إيمان الشباب وأمل الشباب.. وفي المنفى يا بني بفضل تربيتك الصالحة لم نكن نشعر بالإبعاد والإقصاء من الأوطان وإنما كنا نعد أنفسنا في خلوة نعد فيها برامج مغرب الغد..
والآن وقد عدنا يا بني أشهد لك أمام شعبك بأنك جابهت المحنة أنت والأسرة كلها بإيمان الواثقين بمستقبل بلادهم، والمكافحين المستميتين في سبيل وطنهم وإن من أغلى أمنياتي أن تنشر يوميات المنفى في يوم من الأيام ليرى الشعب كيف أن التكوين الصحيح يتغلب على كل الصعاب ويقبر الأزمات.
يا بني لست أنسى عطفك وبرك وإحساسات الابن البار يوم حلقت بنا الطائرة إلى المنفى ولم يبق هناك ملك ولا أمير.. كنت أشعر يا بني أنك تريد أن تتقمص الألم وحدك..
يا بني، قل للسباب أن الجيل الحاضر كافح في سبيل الاستقلال، وعليهم أن يتابعوا الكفاح بتثبيت هذا الاستقلال ولازدهار البلاد ورفاهيتها وتقدمها في عهد الاستقلال..).
هذا هو محمد الخامس جازاه الله عن المغرب والعروبة والإسلام خير الجزاء. وأنزله منازل الصالحين والشهداء مع أصحاب الميمنة وأبطال الإسلام السابقين المقربين في جناب النعيم جزاء بما كانوا يعملون.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here