islamaumaroc

موقف الإسلام من التنمية الاقتصادية.

  دعوة الحق

178 العدد

للعقيدة والمذهب دور له خطره في حياة البشرية.
فالإنسان منذ بدء الخليفة يواجه الحياة وفي قلبه عقيدة ويسعى إلى إشباع حاجاته وفي رأسه مذهب .. فلا يمكن تصور إنسان بلا عقيدة.. ولا يمكن تصور نشاط إنساني بلا مذهب.
فالعقيدة والمذهب هما السلاح الذي استخدمه الإنسان دائما في تفسير وجوده وتحديد طريقه.. ورسم أهدافه.. كل ما في الأمر أنه كلما تقدم المجتمع في ميادين العلم والتقنية كلما تغلب دور العقل على العاطفة في توجيه العقيدة بحيث تبدو هذه الأخيرة وكأنها انحسرت وذابت في بوتقة التقنية الإنتاجية الزاحفة.
وعلى ذلك فوجود العقيدة والمذهب المنبثق عنها لا يعتبر من قبيل الترف الفكري الذي يغشاه العقل للترويح أو المضاربة ولكنه ضرورة حتمية لكل جهد بشري يستهدف التقدم لأن عمليات التغيير والارتقاء التي يستهدفها هذا التقدم تتطلب من الفرد نمطا سلوكيا وجهدا نفسيا وجسديا يرقى إلى مستوى التضحيات التي تفرضها والمذهب هو الذي يتكفل بتوفير هذه العناصر وملاءمتها مع مقتضيات العملية الإنتاجية.. وبغير المذهب لا يمكن أن نتصور للمجتمع انطلاقا على مسار التنمية والتقدم. وهناك منطلقات أساسية نرى ضرورة الأخذ بها للإحاطة بهذا الموضوع الحيوي:

1 ـ جوانب العملية الإنتاجية:
فالعملية الإنتاجية تنطوي على جانبين لابد من التمييز بينهما: جانب مادي تقني وجانب معنوي إنساني. وعجلة الإنتاج لا يمكن أن تدور وأن تتقدم دون تفاعل إيجابي بين هذين الجانبين التقنية والإنسان.
فالتقنية المادية وحدها لا تكفي لقيام الإنتاج وتصعيده بل لابد أن تكون مدعمة بعمل الإنسان الخاضع لظروف نفسية وذهنية معينة.. فالتنمية الشاملة إذن.. لابد لها من تركيب نفسي وذهني خاص يطبع القائمين عليها.. ومن هنا يأتي دور العقيدة والمذهب في صياغة هذا التركيب بصورة تتلاءم مع الجانب المادي من العملية الإنتاجية.

2 ـ التعارض بين المذهب والعملية الإنتاجية:
والحق أن المذهب يؤدي في التطبيق إلى دفع عجلة الإنتاج أو تعطيلها تبعا لما إذا كانت المبادئ التي أتى بها قد حظيت بإيمان الجماعة أو رفضها وتبعا لما إذا كانت ملائمة أو مصادقة لمقتضيات العملية الإنتاجية.
فكم من مذاهب سقطت في التطبيق بسبب عدم إيمان الجماهير بها ورفضها لها؟
غير أن الإيمان بالمذهب لا يكفي في حد ذاته لإطلاق التنمية وتأمين استمرارها، بل يجب أن يكون هذا الإيمان مدعوما بتلاؤم كامل أو شبه كامل بين تعاليم المذهب والجانب المادي من العملية الإنتاجية فكم من مذاهب ملكت على الجماهير قلوبها ولكنها سقطت في التطبيق بسبب عدم انضباطها مع الواقع التقني للعملية الإنتاجية. وفي كل الأحوال قد يكون التعارض بين الجانبين جذريا أو جدليا.
والتعارض الجذري أن يصطدم المذهب في أصل من أصوله بقاعدة أو أكثر من قواعد العملية الإنتاجية.
والتعارض الجذري على هذه الصورة لا يمكن حله إلا على أساس التضحية ببعض أصول المذهب؟
أما التعارض الجدلي فيكون عندما تصطدم تفسيرات المذهب وشروحه بقاعدة أو أكثر من قواعد العملية الإنتاجية دون أن ينطوي صلب المذهب على نص صريح يؤدي إلى هذا التعارض. وفي هذه الحالة الأخيرة يكون حل التعارض عن طريق تفسير المذهب بصورة تتلاءم مع مقتضيات العملية الإنتاجية.
هذا ويعتبر التعارض الجذري في كل الأحوال أشد تعقيدا من التعارض الجدلي لأن حله لا يكون إلا على أساس التضحية بأحد أمرين: اما أصل من أصول المذهب، أو أصل من أصول العملية الإنتاجية واما اعتداء على بعض القواعد الفنية للعملية وفي هذا اما اعتداء على بعض القواعد الفنية للعملية الإنتاجية.

3 ـ المذهب والتركيب النفسي:
وعظم الدور الذي يقوم به المذهب يتجلى في عملية البناء النفسي التي يتيحها للفرد في مجتمع يستهدف التنمية. لأن أخطر العقبات في ارتياد طريق التنمية هو ذلك الجمود النفسي الذي يعتري الفرد في المجتمع المتخلف.. وهذا الجمود يتمثل في كل موقف يرفض التغيير ويعارض التجديد في أنماط المعيشة وأساليب الإنتاج، بينما تتطلب التنمية تركيبا نفسيا مرنا يدور في إطار من الاستقرار المشروط.
والتركيب النفسي المرن هو ذلك التركيب الذي يستجيب في سرعة لعوامل التغيير فيتفاعل مع هذه العوامل تفاعلا إيجابيا في اتجاه التقدم وبذلك يسمح بمولد ما أسميه بالسلوك الارتقائي عند الفرد أي إرادة الفرد الفاعلة في الارتقاء والتجديد.
أما الاستقرار النفسي المشروط فنعني به أن يعمل الفرد لغده مدفوعا بحافز المكافأة وخوف العقاب إذ بين إغراء المكافأة ومغبة العقاب يتحدد موقفه النفسي في موضع لا يعرف القلق الكامل ولا الركون الكامل.

4 ـ المذاهب الدنيوية والمذاهب الدينية:
والمذاهب.. كل المذاهب تنقسم إلى نوعين، مذاهب من صنع البشر، ومذاهب من تنزيل السماء. والمتطلع لحقيقة المذهبين الكبيرين اللذين يسودان عالم اليوم... الليبرالية والمراكسية ليتبين بما لا يدع مجالا للشك بأن كل منها قد أخطأ موازين الكيل في الجماعة. فالرأسمالية وليدة الليبرالية قد انتهت في العمل إلى التضحية بالمساواة في سبيل الحرية فخلفت خللا اجتماعيا خطيرا بين من يملكون ومن لا يملكون. بينما انتهت الجماعية وليدة الماركسية إلى التضحية بالحرية في سبيل المساواة فخلفت في العمل خللا خطيرا في توزيع السلط بين من لا يملكون أي سلطة (الغالبية الساحقة من الشعب).
أما المذاهب الدينية فعلى الرغم مما استهدفت له من هجمات، فلا يمكن إنكار دورها الأساسي في بناء حضارات كبرى على مر التاريخ. وقد لعب الإسلام دورا خطير في تشييد حضارة عريقة لازالت أصولها راسخة إلى اليوم.

5 ـ الإسلام والتنمية الاقتصادية:
والمتطلع لحقيقة القيم الإسلامية كما وردت في كتاب القرآن والسنة ليدرك عمق الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه القيم في النهوض بالمجتمع المسلم من كبوة التخلف.
والنظرة الحركية للواقع الاقتصادي المعاصر لتؤكد ارتفاع كل تعارض جذري بين القيم الإسلامية والجانب المادي من العملية الإنتاجية، إنما التعارض إن كان ثمة تعارض فهو من النوع الجدلي الناتج عن تفسير المجتهدين. وعلى ذلك يكون حل مثل هذا التعارض عن طريق الاجتهاد والتجديد للتلاءم مع مقتضيات الواقع الاقتصادي والاجتماعي المتطور.
فقد حرص الإسلام على تهيئة الجانب المادي من العملية الإنتاجية عندما حض على العلم ومجد العلماء كما حرص على تكوين الجانب المعنوي من هذه العملية عندما خص المسلم بمجموعة من الأنماط السلوكية سمحت ببناء تركيبه الذهني والنفسي بصورة تتلاءم ومقتضيات التنمية الشاملة.
وهكذا يرى الإسلام أن القيمة تكمن في العمل.. فلا قيمة بغير عمل.. وان السعي والمجابهة فرض على الإنسان.. وان المثابرة والإقدام شرط أساسي للتقدم والارتقاء.. وأن التدبر والتفسير واجب عند الإقبال على مغالبة الصعاب. وفي كلمة فقد منح الإسلام الفرد تركيبا نفسيا مرنا يدور في إطار من الاستقرار المشروط فاستقراره النفسي رهين بكده ومسعاه.
غير أن الإسلام لم يكتف في تكوين نفسية المسلم بهذه التوجيهات الروحية، بل دعمها من القواعد الموضوعية، وذلك حتى تلتقي التهيئة الروحية بالممارسة. ولعل أخص هذه القواعد من وجهة نظر التنمية الاقتصادية ما تعلق بحق الملكية.
فللملكية في الإسلام وظيفة مزدوجة. إذ لها قبل الفرد وظيفة، ولها قبل المجتمع وظيفة أخرى.
ووظيفتها قبل الفرد تتحدد بالقدر من الاستقلال الذي تضمنه له والقدر من الاطمئنان الذي تحيطه به.
أما وظيفتها قبل المجتمع فتتحدد بالقدر من المنافع التي تكلفها له والقدر من المضار التي تدفعها عنه.
وفي كلمة، فالمالك ليس سيدا لما يملك.. ولكنه موظف بما يملك فحق الملكية في الإسلام إذن ليس بالحق المطلق. إنما هو حق مقيد بتحقيق منفعة الأمة. فإذا ما كفت الملكية عن تحقيق منفعة الأمة أو انقلبت مضرة عليها، كان لولي الأمر أن يتدخل لردها إلى وظيفتها الاجتماعية. ومن هنا كان الاستقلال الذي تمنحه الملكية للفرد والاستقرار الذي توفره له مقيدا بحدود هذه الوظيفة.
تلك بإيجاز مطلق أبعاد التركيب النفسي الذي كفله الإسلام.. وتلك بعض القواعد الموضوعية المدعمة لها. وما من شك في أن هذا التركيب وهذه القواعد تسهم بنصيب وافر في تحقيق أغراض الشارع من إدراك العدالة بوجهيها.
فطبيعة الملكية على المحو الذي أوردناه تؤدي إلى تحقيق العدالة بوجهيها. أي العدالة في توزيع السلطات والعدالة في توزيع الثروات. فهي تؤدي إلى تحقيق العدالة في توزيع السلطات عندما ترفض التركيز الكامل للسلطة الاقتصادية في يد الدولة بإلغاء حق الملكية.
وهي تؤدي من ناحية أخرى إلى تحقيق العدالة في توزيع الثروات عندما تمنع التكديس المفرط للثروة بتخويل ولي الأمر حق التدخل للحد من سلطان الملكية وإعادة توزيع ثمارها. وهكذا تبدو العدالة الاجتماعية الحقة في أرفع صورها التطبيقية.

6 ـ خاتمة:
إذا كان الواجب يفرض أن أضع أمام القارئ تلك الحقائق الكبرى عن موقف المذاهب من التنمية.. فإن الواجب يفرض علي أيضا أن أشير في النهاية إلى موجات الرفض التي تواجهها القيم الإسلامية من هذه الزاوية. ونحن نعتبر أن هذا الرفض ناتج عن جهل مزدوج:
جهل بحقيقة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وجهل بحقيقة التراث الإسلامي.
وعلماء هذه الأمة ومثقفوها، مسؤولون مسؤولية كاملة عن تبديد هذا الجهل، ورد أبنائها إلى طريق الأصالة في البناء والارتقاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here