islamaumaroc

الدعوة إلى عقيدتنا ضرورة ملحة ووواجب مقدس...

  دعوة الحق

178 العدد


حيرة وراتباك
تعيش المجتمعات الإنسانية اليوم عيشة اضطراب وقلق، وتحيا دول العالم حياة تطفح بالمشكل المعقدة والأزمات المستعصية، فالفرد فيها يسير هائما على وجهه لا يستبين طريقا ولا يهتدي سبيلا، رغم الحضارة المادية التي تظله وما توفر له من وسائل البذخ والترف، لأنها لا تقوم على أساس صحيح، ولا ترتكز على قاعدة متينة، وإنما تستند على مظاهر براقة وسراب خادع يقود حتما إلى الحيرة والتبرم والخوف من الحاضر والمستقبل.
هذه المجتمعات المضعضعة خلقيا والمهلهلة سلوكيا والحائرة فكريا تشعر بالفراغ يكتنفها من كل جانب، وتحس بأنها تسير على غير هدى ولا كتاب مبين، فهي تعمل ولكن كالآلة الحديدية، وتأكل كالأنعام وتلهث في ميدان التصنيع والإنتاج، وتبذل طاقاتها وقدراتها الجسمية والعقلية في مجالات شتى، إلا أنها تفتقر عنصرا أساسيا من عناصر الحياة المثلى، فلا اطمئنان خاطر، ولا راحة بال، ولا سكون نفس، ولا هدوء أعصاب، وإنما تجري في متاهات لا معالم تحدها، وتلهث في صحراء مخيفة لا نهاية لها.

تسابق جنوني
ودولها في سباق منقطع النظير في ميدان التسلح، وجنون تكنولوجي لاختراع أحدث الآلات فتكا وتدميرا، وتخريبا وتحطيما، وإبادة وتهديما، بالإضافة إلى الاضطرابات الداخلية، والصراعات الحزبية، والانحلال والتفسخ الذي غزا مجتمعاتها بشكل فظيع ومرعب، والمشاكل الدولية التي يأخذ بعضها برقاب بعض، وعواقب الضائقات الاقتصادية والتضخمات المالية والمضاربات التجارية والجرائم الاجتماعية، ومخلفات الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين وفيضان وجفاف، إلى نهاية قائمة المصائب والأهوال المتعاقبة والمتلاحقة.

أشكال المجتمعات المعاصرة
ذلك الإنسان الحائر يمكن تصنيفه على ثلاثة أشكال: قسم لا يهتم إلا بمصالحه الخاصة والعاجلة، فلا ينظر لغيره إلا بمنظار المنفعة الذاتية والاستغلال المجرد عن كل إحساس نبيل، وقسم آخر يستخدم مواهبه ـ وحتى حيله ـ للثراء على حساب الشعوب المغفلة التي تفتح جيوبها وأسواقها لغزو اقتصادي منظم ومخطط وهادف... أما الفريق الآخر فقد أطلق العنان لشهواته الخسيسة وانغمس في بحر لجى من المتعة الجنسية والإدمان على المخدرات بجميع أشكالها وألوانها، مما أدى إلى تعطيل للإدارة، وهدر للعقل، وخبل في التفكير، فكان من نتائج ذلك أن تكون عصابات من الشباب المنحرف الذين أصبحوا مصدر قلق وهلع، وتحولوا مع مرور الأيام إلى جراثيم فتاكة وميكروبات خطيرة على الأخلاق والفضيلة وعلى أمن الأسر والأفراد والمجتمعات.

أنواع الدول المتسلطة والمتناحرة
ودول الساعة نستطيع حصر أكثريتها في ثلاثة أنواع أيضا: فريقها الأول تسلط على شعوبها في ظلام الليل وغفلة عن وعي تلك الشعوب، فسامها الذلة والخسف، وأذاقها الضعة والعسف، لا يهمه إلا أن يظل حاكما مسيطرا ولو على أشلاء الأحرار والمفكرين والمثقفين والمخلصين، والقسم الثاني يراوده حلم الاستعمار ويداعب خياله بريق استغلال خيرات الشعوب الضعيفة ومصادر وطاقاتها المنجمية والاستيلاء على مراكز بلادها الاستراتيجية، ولتحقيق هذه الأغراض والمطامع لا يأبه لأنين المستضعفين ولا يهمه شقاء المعذبين، والصنف الثالث يتناحر في الميدان السياسي، ويتعارك في الحقل الديبلوماسي ويتسابق في إعداد العدة للبطش بخصمه والتفوق الحربي على غريمه، لا للحفاظ على السلم الدولي ولا لتوازن القوى العالمية كما يدعون زورا وبهتانا، وإنما للغلبة المطلقة والسيطرة التامة على العالم.

سراب خادع
بين هؤلاء وأولئك تعيش البشرية حالة من الاضطراب النفسي، وتفتح عينها وتنام على حساب أعصاب منهوكة محطمة، تنشد الخلاص وتترقب المنقذ، وتبحث عن الدليل، ولكنها لا تصطدم إلا بالسراب الخادع..
ولكي نضع اللوحة داخل إطارها ولتكون الصورة واضحة المعالم بارزة المسالك نقترح نشر خريطة العالم المعاصر امامنا لنتعرف بدقة على الوضع الحقيقي الدي يعيشه انسان القرن العشرين ففي كل بقعة اضطراب وفي كل نقطة هيجان وفي كل زاوية ضائقة وفي كل امة محنة وفي كل مجتمع حيرة وفي قلب كل إنسان رعب من الحاضر وهلع من المستقبل وفزع من المصير.

إنسان القرن العشرين بين المعسكرين
ولنتابع خطوط الخريطة ننشاهد من الشعوب من......تلقائيا او اضطراريا الى المعسكر الشرقي وفيها من سار علىهدى او غير هدى في ركاب المعسكر الغربي فلا هده سعدت لمدهبها ولا تلك ظفرت بمبتغاها بل ان كل من جرب مداهب المعسكرين اصيب بخيبة امل وحتى اصحاب تلك المداهب شعروا بالنكسات ولمسوا الثغرات فحاولوا التراجع في العديد من المجالات واقدموا على تعديل الكثير من النظريات .

عواقب الالحاد
ونتيجة منطقية لتعدد المداهب وتنوع النظريات المتعارضة والمتناحرة نجد الكثرة من الشعوب ابتعدت عن الأديان السماوية وقطعت كل صلة بخالقها وكفرت بأنعم الله عليها فعبدت العجل الذهبي وسجدت للقوى من دولها، ومن هنا جاءتها النكبة، وعمتها الفوضى، وتحبطتها شياطين الإنس والجن، حيث سلط الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها، وهل من عذاب أبلغ من فقد راحة الضمير، وهدوء النفس، ورضى القلب «ولايزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد».

لا نهدف مهاجمة المعسكرين
لست هنا في معرض مهاجمة المعسكرين، وإنما الذي نرمي إليه هو أن المذهبين لم يحققا للبشرية الاطمئنان النفس، والسعادة الحقيقية، والحلول الناجعة لمشاكل العصر، والتعايش السلمي الذي هو هدف من أهداف الإسلام، ولم يستطيعا انتشال الإنسان المعاصر من الورطة التي يتخبط في أوحالها، ولم يتوقفا في أي مجال من المجالات التي تسعد فيها الشعوب وتتآخى، إذا لم يكونا قد ساهما من طريق مباشر أو غير مباشر في تعميق هوة العداء بينها وتوسيعها بشكل فظيع ومرعب.
فالواقع الذي تعيشه الإنسانية اليوم لا يخرج عن نطاق العداوات والأحقاد، إذ بمجرد ما تتسرب أفكار المذهبين إلى الأمة الواحدة المتماسكة حتى تنحل عرى وحدتها وتتمزق أواصر أخوتها وينفرط عقد وشائجها، عائليا واجتماعيا وسياسيا، وما الصراع الداخلي، والعراك الحزبي، والخلاف المذهبي داخل كثير من الشعوب إلا صورة مجسدة لهذا الخيال الفكري الذي تعاني منه البشرية الأمرين.

حادثتان مؤلمتان
أما على المسرح البشري العام فنتوفر على حادثتين هامتين تؤكدان ما أشرنا إليه سابقا من أن القوم لا يهتمون إلا بالسيطرة على الشعوب ولا يسعون إلا وراء مصالحهم الخاصة، ولو تعرضت الشعوب للتشرد، ولتحقيق أغراضهم ولو زلزلت الأرض زلزالها.

مأساة شعب فلسطين
أمام العالم اليوم مأساة شعب فلسطين بأكمله، فقد اختلست القوة الغاشمة وطنه وشتت شمله وشردته في الصحارى وأسكنته الخيام، لا لذنب سوى أن هذا المعسكر يرى أن إقامة دويلة إسرائيلية في قلب العروبة ضرورة استراتيجية لتهديد دول المنطقة باستمرار، وقاعدة للانقضاض على الدول العربية متى سمحت الظروف الدولية بغزوها، باعتبارها منطقة حساسة من الناحية الجغرافية، ولما تحتوي عليه أرضها من خامات أولية وتختزنه من مذخرات نفطية لا حياة للدول المصنعة بدون تلك المصادر التي أنعم الله بها على المنطقة العربية والتي تعتبر عصب الحضارة المادية المعاصرة.

زلازل وأهوال منتظرة
وهذه دولة كبرى تتزعم معسكرا آخر عقدت العزم على تفجير 250 قنبلة ذرية وبقوة 100 ضعف القنبلة التي ألقيت على مدينة هيروشيما فخلفتها قاعا صفصفا بما فيها وتحويل مياه عدد من الأنهار إلى بحر قزوين، مع العلم بأن علماء السوفييت أنفسهم يتوقعون أن تسبب هذه التفجيرات المرتقبة عددا من الهزات الأرضية.
فما هو يا ترى ذنب ملايين الفلسطينيين لولا الأطماع والأغراض والمصالح التي تمليها قسوة القلوب وانعدام الإحساس والجشع المادي الصرف؟ وما هي جريمة سكان هذا الكوكب حتى نتسبب في زلزلة الأرض من تحت مساكنهم وأوكارهم؟
ألم يقنع الناس بالزلازل الطبيعية، ولعل أكثريتها نتجت عن التفجيرات السابقة، ألم يأن لهذا البشر أن يتريث قليلا ويفكر كثيرا في العواقب المفجعة وما ستخلفه تلك الزلازل وراءها من مدن يبابا ومآت الآلاف من الموتى والجرحى والمشردين؟
لابد من عودة الإنسان إلى فطرته
من هذين الحدثين ـ وغيرهما كثير ـ نخرج بنتيجة مؤلمة وهي ما اعترى هذا الإنسان من طغيان وجبروت كأنه الحيوان المفترس، لا يرق قلبه لنكبة الدنيا كلها، ولا تدمع عيناه لمحنة الآخرين، ومن المثلين نومن كل الإيمان بأن الحاجة ماسة إلى غسل العديد من الأدمغة مما علق بها من أدران، والكثير من القلوب مما ران عليها من قساوة، ولا يتأتى ذلك إلا بواسطة تصحيح جديد للمفاهيم الحلية عند هؤلاء وأولائك، وتصحيح تلك المفاهيم يكمن في عودة الجميع للاغتراف من ينبوع الفطرة الإنسانية التي فطر الله عليها الموجودات بما فيها هذا الإنسان الذي يسعى لخراب دياره والقضاء على وجوده «فأقم وجهك للدين حنيفا. فطرة الله التي فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

أدوات الفتك الخاطف
والخراب الذي يسعى إليه الناس يتمثل بالأصالة في الصراع الدائر بين الكتلتين الشرقية والغربية، والعداء السافر بين المذهبين المتناقضين، ويكفي أن كلا منهما يحمل لقب «معسكر» وهي لفظة في مدلولها ومفهومها ومنطوقها توجي بالقوة النووية المدمرة والاستعداد الحربي والتحفز للبطش، ونلاحظ أن كل معسكر لا يحجم عن التلويح بين طياتها كارثة إنسانية لا يعلم إلا الله فظاعتها، ولعل السر في تأجيل إشعال فتيل الحرب المدمرة يعود إلى توفر كل من الجانبين على أدوات الفتك الخاطف، وهذا الافتراض يدفعنا للاعتقاد بأن ما يلوح به كل منهما من رغبة في التعايش السلمي لا يعدو أن يكون «أفيونا» مخدرا للرأي العام الإنساني حتى يتسنى بسط النفوذ الإيديولوجي لهذا المعسكر أو ذاك في بقاع الدنيا.

التجربة الرائدة والوحيدة للخلاص
ومن المفيد لنا ولغيرنا التأكيد على أن الإنسانية جرب المذهبين معا فلم تسعد بهما وسلكت طرقا أخرى للخروج من المحن التي تتخبط فيها فلم تجدها نفعا، واتبعت أساليب مختلفة لإصلاح أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعائلية والتعليمية وحتى المالية فلم تفلح مطلقا، فلم يبق أمامها الآن وبعد هذا الإفلاس الذي صاحب مسيراتها إلا تجربة رائدة في عالم التعايش السلمي الحقيقي دون ميز للون وعرق وجنس وسلالة، انه الإسلام الذي ينادي البشرية منذ أربعة عشر قرنا بقوله تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم. إن الله عليم خبير».

الإسلام دين الإنسانية جمعاء
والذي يجب التأكيد عليه في هذا السياق أن الإسلام ليس دينا خاصا بالعرب وحدهم، وإنما هو دين الإنسان في أي زمان ومكان «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا، ولكن أكثر الناس لا يعلمون»  «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض. لا إله إلا هو» ومن الآيتين الجامعتين كان على كل مسلم صادق في إسلامه أن يحاول بكل الطرق وجميع الوسائل هداية أخيه الإنسان إلى  دين الله الذي يكفل للجميع حياة دنيوية مطمئنة يسودها الإخاء والوئام، ويرشده للحياة الأخرى حيث النعيم الدائم ورضوان الله أكبر.

الدعوة إلى عقيدة الإسلام
ومن هذا المنطق يحق التبشير بالإسلام وعرضه على المجتمع الإنساني كبديل للحلول الفاشلة لما تعانيه البشرية من خراب روحي، ودمار فكري، وانهيار اقتصادي، وحقد إنساني، وصراع دولي، وتهديد نووي، باعتباره الدين الحق الذي جاء خاتمة الأديان السابقة التي كانت خاصة بأمم معينة فأحيا ديننا ما كان فيها من تعاليم حرفها وأولها أهل الكتاب «يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا خطأ مما ذكروا به» ولقحها الإسلام بما يكفل سعادة الإنسانية جمعاء وما يحتاج إليه الإنسان في تقدمه العلمي ورقيه العقلي ومن هنا كان الإسلام خاتمة الأديان كلها «ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين» وكان نبينا عليه السلام خاتم الأنبياء والمرسلين «ما كان محمد أبا أحمد من رجالكم. ولكن رسول الله وخاتم النبيين».

الإسلام يدفع للإبداع والابتكار
ولذلك كان هذا الدين مواكبا للكل نهضة على تعاقب الأزمان، وحافزا خفيا للخلق والإبداع في مجالات الحياة الخاصة والعامة، والدليل الملموس على هذه الحقيقة أن العرب لما اعتنقوه كعقيدة وطبقوها في حياتهم العملية وسلوكهم الاجتماعي تطبيقا كاملا وعميقا كما جاء به سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام قفزوا قفزة عملاقة وسريعة في ميدان الحضارة وبهروا الدنيا بمدنيتهم التي لاتزال آثارها الفكرية ومعالمها المعمارية تشهد لهذا الدين بأنه البلسم لكل العلل والمبيد لجميع الجراثيم التي تعرض الإنسانية للأخطار وتهددها بالفناء والدمار «وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا»

شهادة مستشرق حر
وعلى المجتمعات المدعوة إلى تجريب الإسلام الرائد كبديل لحيرتها وخبلها أن لا تصيغ بأسماعها إلى الأعداء التقليديين للإسلام، والذين هم في نفس الوقت خصوم الرأي لكل إصلاح اجتماعي في هذا الكون، فهم لم يتورعوا ـ ولن يتورعوا ـ عن الكيد للإسلام وتشويه الحقائق وقلب الأوضاع، وإنما عليها أن تعود إلى الأصالة البشرية والفطرة الإنسانية، وتستلهم مشاعرها مجردة عن الهوى، ووجدانها بعيدا عن الأكاذيب والأراجيف التي روجها الحاقدون على الإسلام والمتنطعون من ذوي الأغراض الاستعمارية والمطامع الاشعبية، فإن هي استوحت الإسلام من معينه الصافي وينبوعه الفياض، وتعمقت في دراسة أوضاعها الخاصة والعامة ومشاكلها القائمة والمتشعبة فستتحقق بأن ما جربته من أفكا ومذاهب ومناهج لم يزد مشاكلها إلا تعقيدا وارتباكا، وأن الحل الوحيد هو الإسلام.
وهنا ننصحها بأن تقرأ بإمعان وتدبر شهادة المستشرق الفرنسي المنصف والحر السيد كوستاف لوبون الذي يقول بالحرف «أن حرية الفكر في الغرب تتفي لدى الأوربي عندما يمتد فكره إلى بحث العالم الإسلامي، فالمفهوم الصليبي العميق الأثر في النفس الأوربية يحول دون حرية الرأي إذا كان موضوع البحث هو الإسلام».

الأخوة الإسلامية
وإذا تحقق التجرد الفكري وحرية الرأي في هذه الدراسة النزيهة والهادفة نعرض آية قرآنية كريمة تعتبر أساسا للتعايش السلمي الحقيقي الذي تفتقده البشرية اليوم ولا تجده إلا في قوله تعالى «إنما المؤمنون إخوة» وهل في الدنيا أجمل من المحبة والإخاء، وهل من طمأنينة أنبل وأشرف من أن يعيش الإنسان أخا حميما وصديقا وفيا لأخيه الإنسان الذي لا يتم له إيمانه في إطار الإسلام إلا إذا طبق الحديث النبوي الشريف تطبيقا عمليا «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

التقوى أساس التكريم في الإسلام
ثم ننتقل على مبدأ آخر من مبادئ الإسلام الخالد والذي عليه ترتكز أعمال البشر، وهو المعيار لكل الأعمال التي يزاولها المؤمن في حياته الدنيا، وعليه وحده يتوقف الجزاء في الآخرة «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» وبما أن التقوى في نظر الإسلام هي التي تؤهل المومن لرضوان الله تعالى فقد أضفى عليها السول الكريم هالة من الإجلال والتعظيم فقال: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى».
وهنا نقف وقفة قصيرة لنؤكد للعالم أجمع بأنه متى تحقق الإخاء وحصلت التقوى، ـ وهما لا يتحققان إلا في ظل الإسلام ـ فكل المشاكل قد انحلت من تلقاء نفسها، واختفت عوامل الشر والحق وبواعث التسلط والظلم، وعاش البشر في سعادة وهناء، وعمتهم الطمأنينة والرخاء، وهذا ما ينشده الفرد وتتوق إليه المجتمعات التي تتقاذفها اليوم الأهواء والمطامع، وتستغلها قوى الشر والعدوان، وتتخطفها شياطين الأنس وأبالسة الإلحاد.

سعادة الإنسان في إيمانه بربه
ولا مناص من الإشارة إلى نقطة مهمة تتعلق بموضوعنا، فلقد جرب آلاف وآلاف من أبناء أوربا وأمريكا وأفريقيا الإسلام، فدخلوا في دين الله أفواجا عن اقتناع بصلاحيته، فاستراحوا من عناء الحيرة الفكرية، وعمهم الاطمئنان النفسي، وعاشوا إخوة كعناصر تجد وتعمل وتكافح في راحة بال وهدوء أعصاب وخلاص من الوسوسة وبلبلة الفكر والعاطفة والقلب والوجدان، مما يؤكد أن سعادة الإنسان تكمن في إيمانه الصادق بربه، وراحة ضميره تنبع أساسا من هذا الإيمان العميق، وصدق الله العظيم الذي يقول في محكم كتابه الكريم «ومن يتق الله يجعل من أمره يسرا» «ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من لا يحتسب».

الإسلام دين ودنيا
وهنا نشير إلى أن الإسلام لا يطالب المؤمن بالانقطاع عن العمل في الدنيا والتجرد للآخرة، فذلك من اختصاص الملائكة الذين لهم مهمتهم التي خلقهم الله لها، أما الإنسان فله وظيفته على هذا الكوكب، ومن خصائص هذه الوظيفة أن يوازن بين متطلبات الجسم وحقوق الروح، وهذا هو السر الدفين في اندفاع المسلم إلى التحليق في أجواء الملكوت الأعلى مرضية لمطالبه الروحية، والهيام بالعمل الجاد في الدنيا والاستمتاع بخيراتها وطيباتها استجابة لرغائبه الجسيمة «قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة» «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة. ولا تنس نصيبك من الدنيا. وأحسن كما أحسن الله إليك».

إلى صراط الله المستقيم
فهذه المشاهد الرائعة والتوجيهات الربانية لها نظائر في كتاب الله العزيز وسنة رسوله الكريم، تعالج بها جميع الأمراض الاجتماعية، وتضع الحلو لكل المشاكل القائمة والمرتقبة، وتجنب الإنسانية الخبل الذي يعتريها، وتهتك الستار عن الأباطيل التي تحجب الحقائق عن أنظارها، وتطهر القلوب من الوساوس التي يوسوس بها الشيطان الرجيم والإنسان الملحد، «وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم».
لا حصر لنعم الله
ومهما حاولنا تقصي الحلول التي جاء بها الإسلام لجميع المشاكل التي تستأثر باهتمامات الإنسانية اليوم وغدا لعجزنا كل العجز، وإنما نحيل هذه الإنسانية إلى دراسة القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة دراسة موضوعية ونزيهة، فستجد أن الإسلام هو البديل الرباني لجميع مشاكل كل إنسان حائر، وهو طوق النجاة من طوفان الانحراف المعاصر «قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا».
الإسلام وحده في ساحة الإنقاذ هذه مساهمة إسلامية في إخراج الإنسانية من حيرتها وارتباكها، وهي تعطي صورة واضحة على أن الإسلام وحده هو الكفيل بهداية الحائرين، وهذا العرض المقتضب ليس إلا أقل ما يجب أن يؤديه المسلم إلى أخيه في إنسانيته وصدق الله العظيم الذي ينادي من أعلى عليين «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله أنا ومن اتبعني. وسبحان الله».
فالقائم بأمرك بفضل الله ومنته وقوته قد أخذ الوطنية عن أكبر شيخ وأعظم أستاذ، لم يأخذها فكريا فقط ولا نظريا، ولكنه مارسها مراسا جديدا صعبا طويلا، وقد ورث من أبيه وعن أبيه الاعتزاز بمغربيته والحفاظ على كيانها (...) وإذا كان لا حد للكمال ولا نهاية للفضيلة، وبكل تواضع وبكل شكر الله، لا نهاية لمجد المغربي ولا نهاية لسيره ولا نهاية لموكبه المنتصر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها».
جلالة الملك الحسن الثاني

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here