islamaumaroc

قنبلة ذرية صنعت بمراكش

  دعوة الحق

178 العدد

تحت عنوان (شاطئ الغيب) يضع الكاتب قصصا سمعها من رواة موثوق بهم، تدور أحداثها فيما يسميه علماس الغيب (بمنطقة الفسق) أي المنطقة الواقة بين الحقيقة الملموسة، وعالم الغيب، أو عالم الروح والماورئيات.
ورغم أن هذه القصة يطغى عليها الطابع الفكاهي، فالحدث الرئيسي فيها واقعي يحكيه ويؤكده عدد من أهل مراكش الذين عاشوه، وخصوصا أصحاب الحرف من الصناع التقليديين.
لن أدعي أن هذه القصة واقعية.. فهي من النوع الذي تقول عنه أنه أغرب من الخيال.. ومع ذلك فالسي «العربي الخليفي» يقسم برأس أمه أنها وقعت في أيام شبابه وهو مستعد للحلف في محراب الجامع الكبير، وتكحيل عينه بنقارتها..
لن تستطيع تكذيب رجل بفعل كل هذا..
التقيت بالسي «العربي الخليفي» على شاطئ البحر. كان الوقت مساء صيفيا جميلا، وكنت عائدا من مشيتي اليومية إلى كهوف الجنوب حين لمحت دخانا كثيفا وراء صخرة قرب الماء نسميها «حجرة مرزوق».
ومنذ طفولتي وأنا معجب بالنار.. تجذبني إليها كما كانت تجذب الإنسان الحجري الأول، ويفتنني منظر لهبها وألسنته تتراقص دافئة باهرة.. وصعدت الصخرة، وأشرفت من فوقها على مكان الدخان، فإذا السي «العربي الخليفي» متكئا في جلسة شاعرية يدخن «السبسي» وينظر إلى الأفق الأحمر في نشوة صوفية خاثرة..
وتنحنحت لأشعره بوجودي، ثم قلت:
ـ السلام عليكم..
والتفت إلي، فاظهرت المفاجأة لرؤيته:
ـ آ السي العربي؟ كيف حالك؟
ونظر إلي بعينين شبه مقفلتين نظرة بعيدة، ورد بابتسامة مسخسخة:
ـ سلام.. وتى الله.. وبركاته.. أشخ ـ بارك، أودي، آش ـ شريف؟
ـ الحمد لله.. هذا منظر جميل..
ـ حقيقة.. ألم تسمع قول الشاعر: شمس الأصيل.. يالالان، يالالان..؟
وبدأ يترنم بمقطوعة من الآلة.. وفي هذه اللحظة انضم إلينا صديقي «السي حماد» الذي كان هائما بين المروج يبحث عن «المراين» والأخطبوط، ولم يصادف حظا..
نزل بساقيه العاريتين دون أن يسلم.. كان يحمل عصا غليظة في يده فوقف ينظر إلى السي «العربي» نظرة من يحاول البحث عن شتيمة مناسبة، ثم قال لي، وهو يشير إليه بعصاه:
ـ ماذا تفعل مع هذا؟
قلت:
ـ الله يا ودي.. السي العربي.
وقاطعني قائلا:
ـ كنت أظن أنك فاتحا «ماكينة غناء» قديمة فإذا بهذا يغني لك «الآلة»..
وبدأ يشير نحوه بالعصا كأنه يريد إدخالها في بطنه، والآخر يرفع يده على مهل ويقول:
ـ أنعل الشيطان أسي حماد.. أن.. أن.. أنعل الشيطان أدوي..
وأخيرا توقف.. السي حماد عن المناوشة، وقال له:
ـ أحك للأستاذ ما كنت تحكيه لأبي بالأمس..
فقال:
ـ ماذا حكيت له؟
والتفت إلى «السي حماد» وقال:
ـ هؤلاء الحشاشون ينسون أسماءهم.
والتفت إليه:
ـ كنت تحكي له عن الحلم الذي رأيته ليلة أمس.
ورفع السي «العربي» رأسه وقد تذكر:
ـ ايه الحلم. أنت لم تصدقني على أية حال، لماذا إذن أحكيه لك ثانيا؟
ـ ستحكيه للشريف..
ونظر «السي العربي» إلي ثم إلى البحر وسكت. فنخسه «السي حماد» في ضلوعه بيده، فصاح هذا بصوت خافت مكبوت:
ـ الله ـ ضلوعي.
والتفت يقول ويشير إلى «السي حماد»:
ـ أشهد عليه أ الشريف.. أمش في حالك الله يهديك.. ابعد عني.
ونظر إليه «السي حماد» ثم اختطف عمامته وهدده برميها في البحر وهذا واقف يمد يديه ليتلقف العمامة ويستعطفه ألا يرميها:
ـ أ أنعل الشيطان «السي حماد» أنعل الشيطان أودي.
وأخذت العمامة من «السي حماد» فأرجعتها إلى صاحبها، وودعنا «السي حماد» مهددا أنه ذاهب إلى «الغرسة» وعائد بعد لحظة.
ـ وجلس «السي العربي الخليفي» ينظر إلى البحر ويتمتم بكلام لا أسمعه.. وأخيرا انحنيت عليه أنصت وقلت:
ـ آه؟ هل تخاطبني «السي العربي»؟
والتفت إلي قائلا:
ـ كنت أقول له عن «منامة» الأمس..
ـ ايه.. أريد أن أسمعها..
ـ «منامة» عجيبة.. لقد بعثني الله هنا فوق هذه الصخرة، والبحر صامت كأنه لين ساكن، وفي لحظة هدوء وتأمل بعث لي الله إنسانا على فرس أبيض، لابسا حلة بيضاء وقد أشرق وجهه نورا حتى أضاء ما حوله..
قلت أنا: يا ترى من ذلك؟
قال: والله لا أدري.. الله أعلم.
قلت: سيدي احمد المرزوق، تعتقد، هذه صخرته..
قال: لا، لا، لا.. هذه صخرة مرزوق الحوات.. صانع الأوتار، أوتار «الجمبري» من مصارين القطط وليس «الولي الصالح» الذي تعرف..
قلت: إذن هو سيدي أحمد المنصور.. ضريحه هنا خلف السور.
قال: لا أبدا.
قلت: إذن مولاي عبد القادر الجيلالي.. أنت من أتباعه، أليس كذلك؟
قال: «شاي الله» أمولاي عبد القادر. ولمس بيده جبينه وفمه وصدره ـ ولكنه ليس هو..
قلت: وكيف عرفت أنه ليس هو؟
قال: هل يخفى علي وجه مولاي عبد القادر الجيلالي؟ وأنا أراه كل صباح في دكان «سي المختار الحجام»؟.
قلت: مولاي عبد القادر في كان السي المختار الحجام؟
قال: أعني صورته، الصورة التي هو فيها بلحيته السوداء راكبا على فرس أسود وهو يفلق رأس السبع بسيفه المسلول.
قلت: كنت أظنه سيدنا علي..
فنفى ذلك برأسه قائلا:
ـ سيدنا علي يرشق رأس الغول، بسيفه المرشوق. وفي صورة أخرى يجلس وعلي يمينه سيدنا الحسن وعلى يساره سيدنا الحسين.
قلت: هذا الذي بعث الله لي في المنام له لحية بيضاء كالحرير..
قلت: إذا لم يكن مولاي عبد القادر الجيلالي ولا سيدي العربي غيلان ولا، ولا.. إذن لم يبق إلا سيدنا «دكدعة ابن الاكبغ».
وملت بوجهي حتى لا يلاحظ قرب انفجاري.
قال: مستغربا ومشمئز: من هو هذا؟
قلت: سيدنا «دكدعة ابن الاكبغ»؟
قال: وماذا كان؟ الكعكعة أو ما اسمه؟
قلت: لا ادري... لعله كان رجلا طويلا بلحية بيضاء يظهر للناس في المنام..
قال: لا.. لا.. لال..
قلت بجد: «السي العربي» لم يبق إلا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
فقال: صلى الله عليه وسلم.. ولكني أعرف وجه الحبيب من أحاديث السيرة..
فقلت متحديا: إذن لم يبق إلا الحق سبحانه.
فرفع عينيه نحو السماء قائلا: ما اجله، وأعظم شأنه.
ونظر إلي طامعا في أن أصدقه وقال:
ـ لا أدري أو الله الشريف، من كان ذلك الذي بعث الله إلي.. والذي أنا منه على يقين هو أنه صاحب مقام رفيع..
قلت: الحاصل.. ماذا فعل لك؟
قال: رأيته آتيا يركض فرسه الأبيض على سحابة بيضاء من جهة الشرق.. وحينما اقترب مني وأنا كما بعثني الله جالسا على هذه الصخرة، ناداني بصوت جهوري عظيم: «يا فلان» قلت: «نعم يا مولاي» قال: «اترب مني..».. قلت: «حاضر يا مولاي» قال: «مد لي يدك» قلت: «ها هي يا مولاي» ومددت يدي إليه مبسوطة هكذا.
كان «السي العربي» يحكي وعيناه مغمضتان وهو باسط كفيه إلى السماء.. وفي نفس اللحظة ينصت إلى حديثنا، فوضع أصبعه الوسطى في كف السي العربي قائلا:
ـ هذا ما اعطاك.
وأفاق السي العربي من نشوة الربانية على حركات السي حماد الشيطانية.. وما كاد يفتح فمه بالاحتجاج حتى نزلت على كفيه ضربة شديدة من عصا السي حماد، الذي قال:
ـ هذا جزاء من يكذب على الله.
فصاح السي العربي بصوت خافت مكبوت:
أيما يما يما.. أيدي يدي يدي.. أولد الحرام.
وحاول أن ينهض من مجلسه لينتقم لكرامته فأرجعه السي حماد إلى مكانه بدفعة على رأسه، ورفع العصا يهدده بالضرب إذا حاول القيام..
وهنا تدخلت فانتزعت العصا من يد السي حماد، ودافعته في محاولة لرد الاعتبار للسي العربي الذي كان يحاول الخروج من ضباب السبسب بطريقة (ضون ـ كيشوتية) مضحكة..
ووقفت بينهما، وكلاهما يحاول، غير جاهد الانقضاض على الآخر..
وفي النهاية نفض السي العربي الخليفي جلبابه الصوفي، وأعاد عمامته التي كانت حول عنقه إلى مكانها من رأسه، ووقف يمد يده إلى السي حماد ليراها بجميع ما طبع عليها عمر كامل من الخرازة من نتوء وتصلبات، مباهيا ومهددا:
ـ لا تستهن يا ولد «السي العريبي» بهذه اليد.. ففي إمكانها صنع قنبلة ذرية!
فاستشاط السي حماد مرة أخرى وصاح:
ـ ها هو يعود مرة أخرى إلى أضاليله!
ثم رفع عصاه ونادى، وكأنه يخاطب جمهورا من أمواج البحر:
ـ أجهزوا عليه.
ورفع طرف جلبابه، فعض عليه، وحاول الارتماء على السي العربي فدخلت بينهما مرة أخرى، وقلت للسي حماد:
ـ دعنا نسمع أولا قصة القنبلة الذرية.
فوافق السي حماد مشترطا:
ـ وبعدها مباشرة أدق رأسه بهذه!
وتوجهت إلى السي العربي الخليفي الذي كان يراقب تطور الوضع من خلف ضبابه الكثيف، قلت:
ـ ماذا تعني بإمكانك صنع القنبلة الذرية؟ هذا ادعاء خطير.
فقال متحديا:
ـ ورغم ذلك فهو الواقع.
قلت: وكيف ذلك؟
فقال مشيرا إلى السي حماد:
ـ إذا أمنتني من شر هذا الصعلوك حكيت لك.
فالتفتت إلى السي حماد وأخذت منه العصا، وقلت:
ـ لا خوف عليك منه الآن.
فعاد إلى جلسته الأولى، والتمس عدة تدخينه من قرابه الجلدي، فملأ السبسي بالكيف، وأشعله وقيدة، وأخذ يدك حبات الكيف داخل الشقف بعلبة الوقيد ويتكلم في آن واحد ونحن نستمع إليه مبهورين بطقوس إشعال السبسي الدقيقة.
قال: منذ أزيد من ثلاثين سنة.. وكنت يومئذ صانعا شابا ماهرا في خرازة البلغة هنا في مدينة أصيلة، قدم على دكاننا رجل يلبس ملابس غريبة.. ملابس مغربية، ولكنها غريبة وسلم علينا، وكلمنا بلهجة مغربية غريبة كذلك.. وسألناه من أين هو، فقال من مراكش. فدعوناه للجلوس معنا، وشرب الشاي، فجلس مسرورا، وأخذ يحكي لنا عن بلده الذي لم يكن أحد منا قد زاره في ذلك العهد.. وقال لنا أنه هو نفسه خراز كبير هناك، لذلك يهمه معرفة أهل حرفته في المدن الأخرى..
وكان رجلا لبقا، وسريع البديهة، مليح الثكنة، خفيف الظل، فاستحلينا مجلسه، ودعوته للعشاء والمبيت عندي، فقد كنت أعيش وحدي مع الوالدة. واستطاب هو صحبتي وكلامي، فقد كنت أجيب على نكاته وفكاهاته المراكشية بنكاتنا الأصيلية العريقة.. إلى جانب أنه استلذ (تذريحة) الكيف على طريقتنا (الكتامية)!
وضحكت أنا، فتمكى السي حماد لتناول العصا من يدي، قائلا:
ـ إنه يربح الوقت فقط وليس له ما يقول!
فاستعجلته أنا ليدخل في الموضوع ويترك الاستطراد، فقال:
ـ الحاصل به.. يا سيدي.. بات الرجل عندي تلك الليلة، وفي الصباح كنت أتهيأ لأشد الرحال معه إلى بلده مراكش. فقد قال لي عن مراكش، وجمال مراكش، وحلاوة أهل مراكش، وكيف سيتذوقون نكتب، ويعجبون بصنعتي، وكيف سأصبح غنيا في أقرب وقت ووسوس لي، يا ولدي يا الشريف، كالشيطان..
وتنهد، ومص من السبسي طويلا، ثم قال:
ـ الحاصل به، يا سيدي، أتممت إجراءات السفر في يومين.. وأخذت جواز السفر، وصحبت الرجل إلى بلاده مراكش، على متن القطار..
«وكانت مراكش فعلا كما وصفها جنة خضراء يانعة، وسط وادي من النخيل والزيتون والأسوار الحمراء، والصهاريج والغدران».
«وأجل من ذلك كان مجتمع مراكش المنظم، وأسواقها العامرة بالسلع الجيدة الصنع.. وكان الصناع ينعمون ببحبوحة من الرفاهية والرخاء.. بضاعتهم رائجة رابحة كل الناس يلبسون الجلباب والبلغة، والقفطان والدملج والخلخال وغير ذلك مما تنتجه اليد المغربية الماهرة.. ولم تكن بعد قد تفشت موضة الملابس الإفرنجية وأحذيتهم المقفلة..
المهم أنني وجدت نفسي في أحد دكاكين الخراز المراكشي الذي كنت أدعوه مولاي ابراهيم، أعمل بجد، وأتمتع بصداقة الزملاء الجدد الذين وجدت نفسي بينهم وكأنني عشت معهم طول حياتي..
«وذات يوم من أيام الله، أقبل على السوق جماعة من السواح.. ولم أكن قط قد رأيت مثلهم.. فلم يكونوا أوروبيين.. بل من بلاد (اليابان).. أي ما وراء بلاد الصين وسد ياجوج وماجوج.. فقد كانوا صفر الوجوه من غير مرض، منحرفي العيون، قصار القامة، غريبي الكلام حين يتحدثون فيما بينهم. وجاء منهم من قعد معنا في الدكان يصورنا بالآلة السينمائية ونحن عاكفون على العمل، ويسأل عن المواد التي نستعملها، ومنهم من يتذوقها بلسانه.. وفي النهاية اشتروا عينات كثيرة من كل ما نصنع، وذهبوا..
«ومرت شهور على تلك الزيارة.. وذات يوم راجت إشاعة قوية بين أهل مراكش، وخصوصا بيننا نحن الصناع، وهي أن مركبا ضخما قد رسا على ميناء الدار البيضاء يحمل على متنه مئات الآلاف من أزواج البلغة المغربية المصنوعة في اليابان، يعرضونها للبيع بأقل من نصف الثمن في الأسواق المغربية..
«وفزع الناس.. فقد كان رخاء مراكش، بل وحياتها كلها مبنية على أكتاف صناعها فإذا انهارت الصناعة زالت مراكش، وجاع الناس، وتشتتوا بحثا عن أرزاقهم في ميادين أخرى لا علم لهم بها..
«ودار نقباء الصناعات الأخرى على الدكاكين والحوانيت يدعون الناس للتجمع بالجامع الكبير وازدحمت بآلاف البشر، وارتفعت أصواتهم باللطيف والابتهال والدعاء، وآيات القرآن..
«وحين انتهوا من قراءة اللطيف وقف فقيه جبلي مسن، فطلب من الجميع أن يرفعوا أكفهم للسماء، وأخذ يدعو على ياجوج وماجوج الذي يريدون إفقار المسلمين بدعوات تقشعر لها الأبدان.. وأخذ يكرر رافعا يديه ووجهه إلى السماء مغمض العينين في خشوع:
اللهم لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا.. اللهم أنزل عليهم الصواعق! اللهم أرسل عليهم طيرا أبابيل ترميمهم بحجارة من سجيل فتجعلهم كعصف ماكول! اللهم احرقهم بنار غضبك! «إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا..!».
«وكنت أنا رافعا يدي هاتين إلى السماء، وقد تشوك لحمي، ووقف شعري، وأنا أقول «آمين».
«وخرجنا من المسجد ونحن مطمئون إلى أن الله لابد مستجيب دعواتنا.. فدعون المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.. وكان الفرنسيون قد انزعجوا من هذه المظاهرة الضخمة فأرسلوا الجنود والسينغاليين لحصار المسجد.. ولكنهم فكوا الحصار حين رأوا أن المظاهرة كانت سليمة..
«ومرت أيام قلائل على ذلك، وسمعنا أن باخرة اليابان قد منعت من إنزال بضاعتها المزورة بميناء الدار البيضاء..
«ومرت أيام أخرى، فسمعنا على أمواج الإذاعة الخبر المريع.. خبر سقوط القنبلة الذرية على اليابان واحتراق مئات الآلاف من اليبانيين بالإشعاع الذري الجهنمي.. وذهبت ذلك المساء إلى الجامع الأعظم، فوجدته مزدحما بعد هائل من الصناع يصلون صلاة الشكر لله على أن استجاب لدعائهم.. جاؤوا من تلقاء أنفسهم، ودون أن يدعوهم أحد لذلك..»
وسكت السي العربي الخليفي لحظة لينظر إلى مفعول قصته على وجوهنا، ثم قال رافعا كفيه لنراهما:
ـ ومنذ ذلك الحين وأنا أنظر إلى هذين اليدين نظرة أخرى.. فقد عرفت بالتجربة أن في إمكانهما، لو توفر الإيمان، صنع القنبلة الذرية، وإرسالها إلى أعدائنا، ولو كانوا في أقصى الأرض..
ويظهر أن القصة كان لها مفهول مهدئ على السي حماد الذي كان قابلا جدا للإيحاء.. فاستغرق في التأمل ونسي عصاه وطبعه العدواني..
وكانت الشمس قد غربت، ولم يبق من آثارها إلا شفق دامي كلوحة هائلة تطبق سائر الأفق الغربي.
وأخرجت السي حماد من خدره بقوله:
ـ أعتقد أن الوقت جان لنلقي بهذه العصا في البحر..
وحين لم يمانع طوحت بها نحو الأمواج التي كانت تتحرك ببطئ ورشاقة ورتابة أزلية..
وافترقنا ذلك المساء، وأنا موقن من أن (السي حماد) لن يتجرأ بعد اليوم على إدانة السي العربي الخليفي، صانع القنابل، ومخرب الحضارات.
ولكن حدسي خاب.. ففي تلك الليلة بالذات، وأنا خارج من السينما، وجدت جوقة من المتفرجين، وفي وسطهم السي حماد قابضا على السي العربي الخليفي من الخلف، مطوقا لذراعيه حتى لا يتحرك. وهو يعضه من أكتافه وظهره، والآخر يتلوى ويصيح بصوت واهن:
ـ الله.! الله.! الله ظهري! الله اكتافي! اشهدوا عليه، آعباد الله. اشهدوا عليه..
والسي حماد يقول بين العضة والعضة:
ـ ألا تخجل أيها المتأخر من الدعاء على بلد عظيم كاليابان؟
ويعضه بحنق ثم يعود:
ـ تبا لك! لو لم تكن متخلفا لدعوت الله أن يعطيك العقل، بدل أن تدعوه ليخرب بلدا جميلا كاليابان!
ثم يغرز ذقنه في ظهره، وهذا يحاول التملص دون جدوى..
ووقف شرطي من أهل المدينة يوسع الحلقة، ويحافظ على النظام، ويتفرج على المباراة الأزلية بين السي العربي الخليفي والسي حماد دون أن يتدخل.. فهما في نظره فوق القانون!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here