islamaumaroc

غضبة الموسيقار

  دعوة الحق

178 العدد

جماعة من الناس على وشك الرحيل، والفلك على أتم استعداد لبدء الرحلة... وهنا يقف الفنان على شاطئ البحر... ان الوقت ليس وقت استلهام الطبيعة، ولا لحظة تصيد لحن شارد، وإنما هو موقف إقدام على مجاهيل، مجهول وراء مجهول.
كاد أن يقول للبحارة أصحاب السفينة، وهو يرى السحب تتلاحق في السماء، من جهة الغرب إلى جهة الشرق... كاد أن يقول لهم:
ـ ألا يمكن أن تؤجلوا الرحلة، إلى أن يكون الجو أكثر صفاء والبحر أتم هدوءا؟
ولكنهم كانوا جادين في عملهم ينقلون الأمتعة، ويساعدون المتنقلين من العدوة الجنوبية (المغرب) إلى العدوة الشمالية (الأندلس)، آخذين بأيديهم، أو مساعديهم على تحويل الأثقال أو حاملين العاجزين منهم على أكتافهم. وهم في حركاتهم الجدية تلك ـ والابتسامة مطبوعة على شفاههم ـ يعمرون القلوب بالثقة وطول الأمل. وانطلقت الفلك باسم الله مجراها ومرساها...
وتجمد كل مشافر حيث هو، مستسلم للنوم وما هو بنائم، مستأنسا بترديد البحارة للتبركات المنغمة بجاه النبي، وجاهرين بأهازيجهم بأصوات قوية رنانة، متناوبين على ذلك فيما بينهم، هؤلاء من الأمام وأولئك من الخلف، في نغمة قوية عامرة بالرجولة والإقدام والثبات. وغلبت على الفنان حرفته فوضع النغمة في طبقتها الموسيقية الملائمة، وأخذ يرهف السمع ليدرك معاني الألفاظ، ولكنه لم يستطع ذلك لأن الألفاظ كانت عامية، وفجأة، ودفعا للملل غير الهاتفون المتنغمون أهزوجتهم، ودخلوا في أخرى بنغمة أحلى وأخف حركة وألطف إيقاعا. وعاد الفنان فصنفها من جديد، مرضيا نزعة متأصلة، لا فكاك له من تحكمها! وانتظر أن تعلو أصوات المسافرين بالغناء ابتهاجا بالرحلة وتيمنا بها، ولكنهم أحسوا أنهم ضعاف كأشد ما يكون الضعف، أمام جبروت البحر الزاخر وعظمته، وتوهموا أنه من نوع تلك المخلوقات التي تتربص بمن يجابه قوتها، بالحيلة أو بالمهارة والاعتداد بالنفس، وذلك بأن ترميهم على
حين غرة،، وتنزل بهم الضربات القاسية العاتية... وكأن البحر عرف فيهم هذا الذي أظهروه من الاستسلام والانقياد، فاكتفى بمعابثة السفينة، يمليها ذات اليمين وذات اليسار، ولكنها ـ مع ذلك ـ أدارت الرؤوس وأزاغت العيون، وزعزعت الأعماق البعيدة من الأفئدة.
قبل أن يركب الفنان هذه السفينة قطع خلال رحلته من الشرق الجبال والوديان والسهول والأنهار والمروج والصحاري، وتحمل فيها ما تحمل، غير أنه لم يتحمل مثل هذا الذي يلاقيه اليوم عند اجتياز البوغاز، خوفه كان شديدا على أفراد أسرته، ولكنه يتصرف بفكره عن الجميع، ناسيا مسؤوليته الحالية، مفوضا أمره فيها إلى الله، المغيث عند الشدائد.. معلقا نفسه وأفكاره فقط بالآتي، وهو المقبل على خليفة غير خليفته الذي تركه، وبمملكة غير مملكته التي هجرها، وبأقوام غير أقوامه الذين ألفهم وعرفهم وأدرك أساليب معاملتهم. انه مهاجر، وقادم لتلبية دعوة كريمة سامية، فالأمير (الحكم) حفيد عبد الرحمن الداخل، استدعاه من القيروان، وطلب أن يوافيه معجلا ـ ما استطاع ـ إلى قرطبة عاصمة الإمارة الأندلسية الزاهرة.
وصعد المسافر الفنان النظر في وجوه بعض من هم راكبون معه، قاصدين الأندلس، هو مقدم عليه... لاحظ ـ أولا ـ أن هناك رصانة ووقاراً، وتحكما في النظرات والالتفات. فالشيخ من بينهم خفيض البصر، مشغول اللسان بالتلاوة والذكر والدعاء، والكهل حريص على أفراد أسرته، يتتبع حركات صغاره وصغيراته، ويشملهم برعايته، ومن بين الحين والحين يخفض رأسه متصنتا إلى همس السيدة المصون الجالسة بجواره، ثم يهز رأسه موافقا، أو يرد الجواب بصوت لا تسمع منه إلا النبرة الخافتة، دون تمييز لما يقال، وذلك دليل على الموافقة وحسن المعاشرة... أما الفتيان والفتيات ـ لكمال أدبهم ـ فيرون وهم يلمحون ولا يحدقون، وأن لا تلاقت النظرات، وما أحلاها من نظرات، فالوجوه من الجانبين يكسوها الخجل الرقيق. ثم ان الوجوه جميعها أو زرقتها... واللباس، ولو أنه لباس السفر، نظيف، حسن التفصيل، غامق اللون.
وانقشع السحاب شيئا فشيئا فبرزت الشمس دافئة، شأنها دائما في أواخر أيام الربيع، واستسلم الموج مستعذبا دفئها، متلذذا ميالا للسكون... وأهاج سكونه عواطف البحارة فانطلقوا يغنون، وهي أول مرة يسمع فيها الموسيقي المشرقي الألحان العربية المغربية، إلا أنه لم يستطع إدراك معاني الألفاظ. فهم فقط، وعلى وجه الإجمال أن الترنم إنما هو أذكار وتسبيحات للإله الكريم. ومن غير هؤلاء البحارة يدرك عظمة الإله، وهم وسط البحر دائما بين الماء والسماء؟!
لاحت من بعيد شواطئ الأراضي الأندلسية فتحرك المسافرون، وتطلعوا، وإن لم يقدروا على الوقوف ولا على الحركة، فانتظروا الوصول انتظارا غير قصير. وككل قادم على المجهول، تطلع (أبو حازم زرياب) إلى هناك، وتمنى بشدة أن يرى الديار والأقوام وأنواع الحياة كلها، حينا ودفعة واحدة، ليرى كل شيء أمام عينيه، وبذلك يتمكن من أن يقف وقفة عاجلة على الأحوال، فيدخل ـ عندئذ ـ دخول الرغبة والشوق والحنين والمودة، أو يقفل راجعا من حيث أتى فيريح ويستريح، لكن الظاهر من الأراضي لم يكن إلا وهادا وتلالا وسهولا ألهبتها أشعة الشمس، شمس مايو الساخنة، وبذلك ذهبت بالكثير من خضرتها... ومن بين التلال برزت مدينة بيضاء المباني، غير واسعة العمران، قال عنها مرافقون: أنها أولى ديار الأندلس، إنها أرض (الجزيرة الخضراء).
نزلوا جميعا، فإذا بمركب عامر يتقدمه سيد مهيب الطلعة، يسأل عن مسافر قادم من الشرق، يسمى السيد (زرياب علي بن نافع) موسيقار الشرق الشهير...
تناهى إلى سمع الفنان هتاف هذا المتحدث باسمه، فاستبشر أيما استبشار، إن الرجل هو حاكم البلدة، وقد جاء مرحبا باسم الأمير (عبد الرحمن بن الحكم). وأدرك العامل أن القادم استغرب من تبدل الاسم، ولذلك بادر وأعلمه أ ن الأمير (الحكم)، الذي سبق أن أرسل في طلبه، قد انتقل إلى رحمة الله في الأيام الأخيرة، وأنه جاء اليوم يستقبله باسم الأمير الجديد (عبد الرحمن).
وتوهم الفنان الرهيف الشعور الرقيق الإحساس أن قدومه ربما يعتبر شؤما، ومرة أخرى تفطن الحاكم، وشرع يدخل الاطمئنان في نفس الرجل، فجدد الترحيب، وطلب منه ملحا أن يشد الرحال فورا إلى (قرطبة)، واعلمه أيضا أن عمال الأمير سيكونون في انتظاره، عند مدخل كل مدينة يمر بها.
أية بشارة يا رب! أيكون في الدنيا أقوام يكرمون الضيف بهذه الحرارة، ويرفعون من قيمة الغريب قبل أن يعرفوه أو يختبروه... هل الموسيقى والأدب والذق الاجتماعي، كل هذه الأشياء تعطي قيمة ومكانة عند خليفة من أعظم خلفاء الإسلام، فيما وراء البحار والصحاري والبراري؟ ان الأمر لكذلك!
ومضى (زرياب علي بن نافع) ينزل عدة مدن وعدة قرى، وينعم بصداقة عمال الأمير وحسن استقبالهم وجميل رعايتهم، انه ولو لم يكن قاصدا (قرطبة) لنزل (اشبيلية) نهائيا. لقد وجد فيها بغيته، وهو الفنان الموسيقار الأديب، الذي تجمعت له خبرات واسعة... وجد فيها خيرة الأدباء، وخيرة الموسيقيين وخيرة الأديبات وخيرة الموسيقيات... أنصتوا له بشغف، وتوجهوا بكل جوارحهم وهو يحدثهم عن الأدباء والأديبات ببلاد الشرق، وأخذوا عنه من محفوظته التي نقلها نقل الحضور... وأخيرا ويا للبراعة، هزمهم بجميل الألحان وجميل العزف.
وانتهت جلسة الأدب وأدوار الغناء، وبقي في نفوسهم الكثير من حذاقة (زرياب) وأناقته وشخصيته العجيبة النادرة... انه لولا احترام مكين للأمير بقرطبة من أجل ذلك رب بين قرطبة واشبيلية! سيأتي مدينتهم الساحرة بين الحين والحين، مرتبين أو ثلاثا في السنة، فمدينة اشبيلية الفيحاء تشد إليها المقيمين إلى الأبد، لما وهبها الله من هواء سعيد وعيش باذخ وهدوء وسلام... وأولى من هذا وأحسن، الجمال، الجمال الذي كاد يكون خاصية من خاصيات أهل اشبيلية، كلهم موصوفون بالجمال ولطائف الخلال!
وكان يوم الرحيل عن اشبيلية يوما مؤثرا، ولو أن الوداع إلى لقاء غير بعيد.
وسار الركب مسافات بعيدة، مصحوبا بخيرة من الرجال، وعند نقطة معينة تجدد الوداع، ثم أمعن الركب في السير جادا نحو قرطبة، وكانت الطريق غير صعبة، فلأن اشبيلية أبت إلا أن تمدد أكنافها ومجالي محاسنها ومناظرها إلى أبعد المسافات، وهكذا لم تغب عن أنظار المسافرين مناظر الجمال إلا بعد قطع عدة فراسخ.
وبعد سفر منهك تراءت معالم قرطبة: صوامعها وقبابها وأسوارها وأبوابها ومبانيها، كما تراءى للقادمين عند أرباض المدينة أفواج من الناس ينتظرون، لقد سبق أصحاب البريد بالخبر إلى عاصمة قرطبة.
اهتز (علي زرياب) طربا وفخرا وهو يرى كل هذا الاحتفال بقدومه، أي تقدير يعلو هذا التقدير يا إلهي!؟ إن الأمير نفسه موجود في الانتظار!!
وهكذا بخطوات وئيدة تقدم الفنان باحترام إلى خباء الأمير الجليل، وتقدم إلى مجلسه الكريم ومال عليه مسلما، ولم يشعر إلا والأمير يضمه إلى صدره، ويتركه يقبل أكتافه وجبينه، ويقول له أمام الحاضرين:
ـ «يا علي، يا ضيفنا العزيز، هذه أرضك فيها مقامك أنت وذريتك مادام بنو أمية جالسين على عرش الأندلس، ثق أنك ستكون معززا مكرما، فلن تحتاج ولن تتغسر... حاجبي الخاص سيخبرك بمخصصاتي الشخصية، ومخصصات صندوق الدولة لكم جميعا لتعيشوا مطمئنين، ستجد عندنا إن شاء الله ما لم تجده عند غيرنا... وأنت أهل لكل تكريم!
شد الضيف المكرم على يد الأمير، مصرا على أن يضع قبلة حارة صادقة على يده، واغتنمها الأمير فرصة فأسر له؛ بعد أن أجلسه بين يديه:
ـ «أنت تعلم يا علي أن جدي عبد الرحمن الداخل أرسى ملك بني أمية في هذه الديار، ومحا رسالته من بعده، وقد كانت سنوات حكمه الطويلة كافية لاستقرار الأحوال... وآن الأوان للأندلس سيدة البلدان أن تتطور وتزدهر، وتصبح مقرا للعلوم والفنون والصناعات ومبتكرات الذوق السامي. وأنت الذي بلغني ما بلغني من رقة إحساسك ورفافة ذوقك ومنتهى براعتك وحذاقتك ـ اعتبرك قيما عن شؤون الفن والتحضر الاجتماعي، كلنا سنعمل برأيك، وأنت مطلق الحرية في التصرف، لن تعاكس، ولن تجادل، ولن تضايق أبدا... ثم إنني لن أبخل عليك بتشجيعي وتأييدي لك، ولو تطلب ذلك مني ما تطلب، والله شهيد!
وهنا خفض الموسيقار رأسه طاعة وتأييدا، معبرا عن حسن الاستعداد. وقال:
ـ كرمكم الزائد ـ يا مولاي ـ أخرس لساني، وأذهب حسن بياني، ولكني سأكون عند حسن ظنكم، فترقبوا الأسابيع والشهور المقبلة، إن أنعم الله علي بالصحة والعافية، وأمتعني دائما بظلكم الوارف السعيد.
 وأقامت محافل (قرطبة) الزاهرة الموسيقية حفلات استقبال للموسيقار الشرقي الشهير، تلميذ إبراهيم وإسحق آل الموصلي. وراع الحاضرين والمشاركين في الحفل من أهل الأدب والفن أن القادم الجديد خرج عليهم بزي فريد: لباس أبيض ناصع، يتلاءم وحرارة الصيف الوافد، ووجدوا شعره السبط قد رجل، وسوى على الجهة اليمنى من الرأس، وانه قد تطيب بطيب نادر، حضر عبيره بنفسه، وذلك ما تنتعش به النفوس وتطيب، كما أن اللحية كانت مرجلة بأناقة، والأسنان لامعة صقلية من شدة الاعتناء والمعالجة بمختلف المعاجين التي يهيئهاالرجل بيديه، وكلما لوح بيده اليسرى إلا وخطف الأبصار بريق اللؤلؤة النادرة التي جعل منها فصا لخاتمه الفضي الصقيل، وهكذا أقبل عليهم رصينا رزينا، قريبا لا مجافيا، متوددا لا متعاليا، وقابل الترحاب برائع الابتسام، ورد بصادق التشكرات على المدائح التي أجزيت له.
طاب الجلوس، وعندئذ اسمعوه وهو الشاعر من أشعارهم، وشنفوا سمعه وهو الموسيقار من ألحانهم، وفي كل الأحوال كان يبدي إعجابه، ويبرز مواطن الجمال والروعة بالإشادة والتنويه.
وردا على الهدية النفيسة بمثلها أخرج من جيبه بكامل التأني قطعة من ورق الغزلان، وألقى ما أثبت عليها من أشعار... وأخيرا تناول عوده الخاص، النادر في صناعته ونقوشه والدي هو أيضا من صنع يده، وشرع يعزف ويلون في عزفه، مستعملا الوتر الخامس الذي هو مبتكارته، فاهتز القوم طربا وتجاوب البهو الفخم مع العزف البديع، وأسمعهم من الألحان ما أمتعهم وأدهشهم، أسمعهم ألحانه الخاصة وألحان أساتذته آل الموصلي... وبذلك هفت كل القلوب، واهتزت كل الخلوع، ودمعت العيون وأطلقت الآهات... لقد ملك على القوم إعجابهم، وإمعانا في امتلاك هذا الإعجاب نادى على جاريته الفارسية كما استدعى ابنتيه، فغنين وعزفن، وبذلك أعطى للفن الموسيقي قيمة ومكانة ووقارا.
وبينما الفنان في هذا الوسط الكريم من المحبين والمعجبين إذا برسول خاص من الأمير يحضر، ويطلب من الموسيقار الحاذق (زرياب) إلى أن يستجيب لدعوة الأمير، في جلسة انفرادية. وهنا، قام واختلى بنفسه من حيث اغتسل وتعطر ورجل شعره الترجيلية (الزريابية)، وارتدى من الملابس الجميل الأنيق... وامتطى البغلة المسرجة وانطلق إلى القصر الأمير، تحف به المهابة والتكريم.
ولا يدري أحد ما دار في تلك الجلسة من أسرار، ولعل السر الخفي هو أن الأمير الأموي طلب تفاصيل عن حياة الخلفاء العباسيين: الهادي والمهدي والرشيد الذين خدمهم الفنان (علي) عن قرب، واطلع بتعمق على أحوالهم... أن عبد الرحمن الأوسط الأمير الأندلسي لم يعد يقيم وزنا للعداوات السابقة، فأحقاد الأجداد ذهبت بذهاب الأجداد، ولم يبق لها سوى أثر ضعيف في النفوس، ولا فائدة من تجديد ذكر المنغصات، المهم أن يعرف أهل المغرب كيف هي أحوال أهل المشرق: كيف بلاط الرشيد حاليا؟ كيف تنظيماته؟ كيف هي أحوال رعيته؟ ماذا ينقص بلاط قرطبة عن بلاط بغداد؟ وماذا تزيد قصور هذه الإمارة على قصور تلك الخلافة؟ كم عدد الشعراء الواقفين بباب الخليفة العباسي في كل مناسبة؟ كم عدد الموسيقيين الساهرين مع الخليفة كل ليلة؟
...  ... صرح القادم الجديد، ولم يكتم أي شيء وهو الخبير المطلع من كل الخفايا التي يعرفها... استفاد عبد الرحمن وسر بما سمع، وجعل سهرته مع ضيفه سهرة أخوية، من حيث تكاشفا فيها بصفاء.
وطلع النهار وأضحى، وعندئذ جاء عامل المدينة، مدينة قرطبة، بأمر من الأمير، وصحب الفنان في جولة عبر العاصمة، حول معالمها وآثارها وقصورها ورياضها ودروبها، بقصد إيقافه على الحالة كما هي وعن قرب... كان الزائر يتفرج، وينصت ـ في نفس الوقت ـ إلى شروح العرفاء، ولا يخفي إعجابه بكل جميل، أو ما هو على وجه التقريب جميل، وبذلك كان يرفع من ثقة مرافقيه بأنفسهم، ويبعث الاطمئنان في ضمائرهم بما أنجزوه من أعمال ومنجزات، والحق أن المسجد القرطبي الأعظم سلب لب الخبير الفنان الأريب... لقد هزه إقبال الناس على حلقات الدروس العامرة، الحافلة بالمناقشات الحية المهذبة، كما هزه اهتمام كل طبقات المجتمع بطلب العلم... أعجب بهذا وسر به. أما مقترحاته فقد أبقاها في داخليته، ليقدمها في الوقت المناسب إلى المسؤولين الأندلسيين المختصين، دون ادعاء ولا ترفع ولا تعالم.
زادت هذه الزيارة وتصرفات الفنان أثناها ولباقته وحذقه وفطنته في مقامه، وصار حديثه على كل لسان... وهكذا وثق الرجل بالدنيا مجددا، واطمأن نفسيا إلى الناس، وتيقن أن الحياة ستسعده بعد شقاء، وستسالمه بعد معاكسة، وأنه من الآن يمكنه أن يخصص من أوقاته لفنه الموسيقي، ليبدع فيه ويتفنن، ويوجد في تراثه ما يبقى خالدا على مر الأزمان والدهور.
وفعلا تحققت الأماني وكانت لحظات للتجلي والإلهام، عند السحر والفجر والشروق، وعند الضحى والزوال، وعند الأصيل والغروب والشفق، وفي هدأة الليل الشاملة... لا شغل له إلا مداعبة الأوتار واحتضان العود بحنان، وحك الرباب، والإنصات إلى دق جنبات الدفوف، والتلذذ بكل ذلك والتنغم به والتملي معه، ثم الغيبوبة عن كل إحساس بالوجود... وكانت النتيحة الباهرة ابتداع ألحان شجية، بعضها خاص بأوقات من النهار، وبعضها خاص باوقات من الليل وفق الطبائع و الخوالج و الميول و الاستجابات والانسجامات مع النفس و الناس و الاحوال والطقس و مشاهد الكون المتبدلة في كل وقت وحين .
ذاعت الحان زرياب و شاعت وتناقلها المولعون بفن الغناء تادية واستماعا حتى ان الأمير لم يعد يسلو الا بجلسة المطرب المتفنن زرياب ينسجم معها ويطرب لها ويهتز و ينفعل بها .دات مساء اختفى زرياب وبقي مكانه شاغرا في مجلس الأمير والتفت الأنظار لهدا الغياب تبادل الهمس ولم يكتم الأمير تساءله عن سبب غياب الفنان ............ لديه الجميع، غير أن أحدا لم يكن عنده جواب.. وبادر فبعث الرسل من أتباعه إلى مسكن الفنان (زرياب).
وجدوا ـ وللعجب لما وجدوا ـ الموسيقار منحرف المزاج، مكدر الخاطر هائج النفس، حتى أن لونه الأسمر مال للصفرة، والشفة السفلى ترتعش لا تكاد تفصح، أن الضمير المعذب كان يحبسها عن القول:
«لقد سدت منافذ الأمل في العيش الهنئ، رغم أن الحادثة ليست خطيرة، » إنها تنبئ عن عيش قد يضطرب بين يوم وآخر، إن الحقد الصغير قد يصبح بعد فترة طويلة أو قصيرة حقدا كبيرا، وعندئذ تتعسر الحياة وتتعقد أمورها، ويكسوا الظلام شيئا فشيئا، إلى أن تصير شبيهة بالمقام في كهف سحيق الأغوار شديد الظلمات! والفنان ما هرب من (بغداد) إلا بسبب الحقد، وما هجر (القيروان) إلا تنصلا من الحقد... فهل كتب عليه أن يلاحقه الحقد حتى (قرطبة) الفيحاء، مقر الإمارة الوارف، حيث الأمير يشمله بالرعاية التامة؟!
ورغم تمنع الفنان زرياب فقد حمل حملا إلى مجلس الأمير الجليل، ولكن في أسوأ حال. هذه الغضبة الشديدة، التي لم تزعج الفنان وحده، وكتم سره رغم إلحاح الأمير في أن يعرف سبب وإنما أقلقت خواطر كل المعجبين والمحبين والأنصار. ولما أصر الأمير على أن يعرف رفع (زرياب) الجريح الفؤاد بصره إلى سيد قرطبة وقال:
ـ السبب هو هذا يا سيدي الأمير، إنه شاعركم المقرب (يحيى الغزال). ليت قلبه نقي لامع وجميل مثل وجهه!
اهتز الشاعر يحيى الغزالي وعلاه الاصفرار. لقد علم أن سموم لسانه اللاذع قد ذاعت، حتى وصلت إلى الفنان الرقيق الشعور... وتدخل ليكذب الفنان الغضبان (أبا حازم زرياب)... غير أن الفنان سبقه إلى القول وقال:
ـ اسمعوا ـ يا مولاي ـ هذه الأبيات التي قالها في حقي واحكموا، وحكمكم الأعلى والأسمى:
سألت في النوم أبي آدما
فقالت: والقلب به وامق
ابنك ـ بالله ـ أبو حازم؟
صلى عليك الإله الخالق
فقال: إن كان مني ومن
نسلي، فحوا ـ أمكم ـ طالق!
أطرأ الشاعر الغزال ساكتا، ومازال مشوبا باصفرار، وأخذ يلتفت حواليه، كأنه يبحث عن مخبأ أو عن مهرب له... وكان ذلك اعترافا منه بغيبته الشنيعة.
وتكلم الأمير، وقد صوب نظرات صارمة إلى المتهم بطول لسانه، وقال:
ـ يا يحيى، أأنت الذي قلت هذا في حق القادم الكريم علينا؟
سكت (يحيى الغزال) وعرق الخجل يتصبب منه، بينما أبو حازم (زرياب) متألما من أجل كرامته.
وهنا أصدر الأمير أمره الخطير:
ـ يحيى، من الآن عليك أن تغادر قرطبة، وأمنعك من الرجوع إليها، قم عن مجلسي يا قليل المروءة، يا منتهك أعراض أصفيائي، يا خبيث اللسان، ثم عني لا ردك الله... هيا يا حراس خذوا هذا الوقوح، من الآن، ودون أن تسمحوا له بأن يعرج على أي مكان، وضعوه خارج أسوار البلاد... لا أريد أن أرى وجهه.
وهنا، تنفس الموسيقار تنفسا عميقا، ورجع الهدوء شاملا إلى أنحاء نفسه، وتبخرت غضبته الكبرى، وعادت البسمة الساطعة إلى الشفتين، وافترت عن الإنسان الساطعة، وانطلق اللسان يرتل آيات الحمد والشكر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here