islamaumaroc

بين ولاة الحرم وحجيجه

  محمد الطنجي

3 العدد

إن مكارم السلف تنير طريق المجد للخلف وتحمل كل كريم المحتد على اقتفاء أثرهم واستكمال خصال مجدهم وشرفهم، وهذا ما حدا بي إلى الكتابة حول مواقف ولاة الحرم من حجيجه عبر التاريخ، إذ تلك النكت تكشف لنا عن التقاليد الإسلامية والعربية في هذا الموضوع، حتى نعلم ما يليق أن يعامل به حجاج بيت الله وفق ما توحي به التقاليد المجيدة، وبما أن الكتابة لمجلة سيارة لا تحتمل تسجيل كل مواقف ولاة الحرم، فسأكتفي بالإشارة إلى نقط بارزة في الموضوع، واللبيب تكفيه الإشارة كما يقولون.

من الأخلاق الشائعة في العرب قبل مجيء الإسلام سرعة الانفعال والأنفة من الضيم ومن كل ما يعد ماسا بالكرامة، حتى أن بعضهم كان يئد بناته خوف العار والفضيحة والسبي. ومن طبعهم تعصبهم للقبيلة التي ينتسبون إليها، ورغبتهم في نصرتها ظالمة كانت أو مظلومة، وكثيرا ما شبت الحروب بينهم لأتفه الأسباب نتيجة الدعوة القبلية، وقد نهاهم النبي عنها فقال: (دعوها فإنها منتنة)، إلا أنهم مع ذلك فيهم خصال الوفاء والكرم وحماية الجوار، ورغم أنهم لم يكن لهم نظام ثابت للحكم، فقد عظم الله في قلوبهم حرمة البيت حتى كان من التجأ إليه آمنا، وتعاهدوا في حلف الفضول على نصرة كل مظلوم في مكة، وزين الله في قلوبهم حرمة زمان اعتمار البيت وحجه، حتى جعلوا أربعة أشهر من كل عام أشهرا حرما لا تقع فيها حرب ولا يؤخذ فيها بثأر، ومن كان بعيدا عن الحرم وأراد اللجوء إليه في مدة الأشهر الحرم أمكنه ذلك، فكان الأمن عاما في هذه الأشهر، وحرية التنقل مضمونة بإقرار هذه القاعدة لكل فرد، وإقامة شعائر الحج في البيت العتيق -على ما كان فيها من الشرك ومجافاة الآداب- متيسرة لكل قاصد، بل كان ولاة الأمر في الجاهلية والإسلام يعتبرون حجاج البيت ضيوف الله نزلوا على أهل حرمه، فكانوا يسقونهم ويطعمونهم ويهيئون لهم المأوى للإقامة حتى يتفرغوا لإقامة شعائر الحج ومناسكه، وشأن طعامهم وشرابهم ومأواهم موكول إلى الولاة القائمين على أمر هذا البيت العتيق، قال عبد الملك بن هشام المتوفى بمصر سنة 213 هجرية في سيرته النبوية: (وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب (أحد أجداد النبي) ليصنع به طعاما للحاج فيأكله من لم يكن له سعة ولا زاد، وذلك أن قصيا فرضه على قريش فقال لهم حين أمرهم به (يا معشر قريش إنكم جيران الله وأهل بيته وأهل الحرم، وإن الحجاج ضيف الله وأهله وزوار بيته، وهم أحق بالكرامة، فاجعلوا لهم طعاما وشرابا أيام الحج حتى يصدروا عنكم)، ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم خرجا فيدفعونه إليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره في الجاهلية على قومه حتى قام الإسلام، ثم جرى في الإسلام إلى يومك هذا، فهو الطعام الذي يصنعه السلطان كل عام بمنى للناس حتى ينقضي الحج).                         .

أما فيما يتعلق بمأوى الحجيج زمن الحج فقد كانت في عهود الإسلام الأولى نفس دور مكة تمتلئ بالحجيج فيشاركون ساكني مكة في سكناهم مدة الحج، فقد قال أبو بكر بن العربي في كتابه (أحكام القرآن): روى علقمة بن نضلة قال: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وما نرى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن، وقد نقل ابن العربي حق المشاركة في هذه السكنى بواسطة ابن وهب وابن القاسم عن نفس الإمام مالك لما سئل عن التسوية في قول الله ?...وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ? [الحج: 25]، ثم قال ابن العربي: المسألة الخامسة في المعنى الذي فيه التسوية وفيه قولان: أحدهما في دوره ومنازله، ليس المقيم أولى بها من الطارئ عليها، هذا قول مجاهد ومالك كما تقدم وغيره، والثاني أنهما في الحق سواء والحرمة والنسك، والصحيح عموم التسوية في ذلك كله كما قال مالك، وعليه حمله عمر بن الخطاب، فقد روي أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء).

وهذا العمل أو الأمر من عمر قد ينافي حق الملكية المعترف بها في الشريعة ولوازمها من حق التصرف في كل منافع الرقاب المملوكة، إلا إذا ذهبنا على أن مكة فتحت عنوة فتكون دورها للمسلمين عامة. وقد اختار ابن العربي أنها فتحت عنوة إلا أن النبي من على أهلها في أنفسهم فسموا الطلقاء، ومن عليهم في أموالهم حيث أمر مناديه فنادى: من أغلق بابه فهو آمن، قال ابن العربي فتركهم في منازلهم على أحوالهم من غير تغيير عليهم، لكن الناس إذا كثروا واردين عليهم شاركوهم بحكم الحاجة إلى ذلك، وقد روى نافع عن ابن عمر أن عمر كان نهى أن تغلق مكة زمن الحاج وأن الناس كانوا ينزلون منها حيثما وجدوا فارغا حتى كانوا يضربون الفساطيط في جوف الدور.

فهذه الحاجة قد أباحت للحجيج أن يشاركوا أهل الدور في مأواهم الزائد عن حاجتهم بغير عوض يدفعونه عن منافع هذا المأوى، وقد يعتبر هذا العمل كصنيع بعض الحكومات التي تحجز حجزا مؤقتا سيارات أو أماكن لأجل المصلحة العامة، والحج في نظر المسلمين وحاجة الحجاج أولى بالاعتبار في نظر المسلمين من تلك المصالح التي تحجز من أجلها بعض حكومات العصر بعض الممتلكات حجزا موقتا.
وهذا العمل يوافق سماحة الدين وأخوته التي عقدها مع المسلمين، وما كان الدين الإسلامي الكريم الذي اختار الله رسوله من بين العرب الكرام إلا ليزيدهم تثبيتا لكرمهم ومواساتهم وإحسانهم، ويزيدنا يقينا باهتمام النبي بالمواساة، وبهذه التقاليد العربية المجيدة، أن جماعة من الأعراب سائحين حلوا بالمدينة زمن عيد الأضحى، فنهى النبي عليه السلام الناس عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، ففي صحيح مسلم عن عائشة: دف أهل أبيات من أهل البادية حضرة الأضحى زمن رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادخروا ثلاثا ثم تصدقوا بما بقي)، وقال فيما بعد: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا).

وكذلك كان الشأن في عمرة رجب عند أهل مكة يحتفلون ويطعمون. فقد ذكر الرحالة المغربي ابن بطوطة أن أهل مكة يحتفلون لعمرة رجب الاحتفال الذي لم يعهد مثله، ويسمون هذه العمرة العمرة الأكمية باسم أكمة يحرمون منها. قال: والأصل في هذه العمرة أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما لما فرغ من بناء الكعبة المقدسة خرج ماشيا حافيا معتمرا، ومعه أهل مكة، وذلك في اليوم السابع والعشرين من رجب، وانتهى إلى الأكمة فأحرم منها، وجعل طريقه على ثنية الحجون إلى المعلى من حيث دخل المسلمون يوم الفتح، فبقيت تلك العمرة سنة عند أهل مكة إلى هذا العهد (كان ابن بطوطة يعيش في القرن الثامن)، وكان يوم عبد الله مذكورا أهدى فيه بدنا كثيرة وأهدى أشراف مكة وأهل الاستطاعة منهم، وأقاموا أياما يطعمون شكرا لله تعالى على ما وهبهم من التيسير والمعونة في بناء بيته الكريم على الصفة التي كان عليها في أيام الخليل صلوات الله عليه.

ومما يؤيد استمرار عادة إطعام الحجيج وسقيهم أن ابن بطوطة، بعد إحرامه من رابغ، مر بعقبة تسمى عقبة السويق، قال: والحجاج يقصدون شرب السويق بها ويستصحبونه من مصر والشام برسم ذلك، ويسقونه الناس مخلطا بالسكر، والأمراء يملأون منه الأحواض ويسقونها الناس.

نعم كان في بعض ملوك المسلمين تجاه الكعبة وحجاج بيت الله شذوذ حملتهم عليه سياستهم الجموح التي تنكروا معها لما يقضي به العقل، بل تنكروا لما يفرضه الإسلام في أهم أسسه وقواعده، فهذا أبو جعفر المنصور كانت دعوتهم في الفرس قائمة على التشيع لآل البيت من غير تعيين، وكان بنو هاشم على ما قيل انتخبوا في أواخر دولة بني  أمية محمد بن عبد الله المعروف بالمهدي وبالنفس الزكية، وبايعوه بالخلافة، وكان من جملة المبايعين أبو جعفر المنصور، فلما جاءت الدولة العباسية لم يبايع محمد لأبي العباس ولا لأخيه أبي جعفر، فكان أمره شغل المنصور الشاغل، وحتى لا تتطلع نفوس الفرس إلى غير العباسيين زين له بعضهم إحداث بناء يكون الحج إليه بدل الكعبة، فبنى القبة الخضراء، ونكل ببني الحسن، فقام محمد النفس الزكية الذي كان مختفيا فاستولى على المدينة وقال خطبته: (أيها الناس إنه كان من أمرنا وأمر الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندا لله في مكة، وتصغيرا للكعبة الحرام). وقد استفتي الإمام مالك في الخروج مع محمد، وقيل له: في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: (إنما بايعتم مكرهين). وأكثر الرواة على أن مالكا ضرب في محنته بسبب هذه الفتوى. على أن هذه القبة الخضراء لم يتيسر لها حج وإنما سجل بها أبو جعفر تهوره وفساد مسعاه فيما يتعلق بركن من أركان الإسلام، وكأنه اقتفى طريقة أبرهة الحبشي الذي بنى الكنيسة المعروفة بالغليس باليمن، وأراد أن يصرف إليها وجوه العرب بدل الكعبة. فإن المنصور هو الذي باع أنقاض تلك الكنيسة حسبما سجله السهيلي في كتاب (الروض الأنف)، فأبطل الله سعي أبرهة وأبي جعفر جميعا، وصح القول بأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وإن كان ابن بطوطة ذكر أن المنصور أراد أن يعيد بناء الكعبة إلى بناء ابن الزبير بعد أن هدمه الحجاج، فنهاه مالك رحمه الله عن ذلك، وقال: يا أمير المومنين، لا تجعل البيت ملعبة للملوك متى أراد أحد أن يغيره فعل، فتركه على حاله سدا للذريعة. فلعله تاب مما كان صنع. وقد كان المنصور ضيق على أهل المدينة حتى قطع عنهم الميرة في البحر -أي المواد الغذائية- إلا أن ابنه المهدي تلافى تضييق أبيه فوسع المسجد الحرام، وبقي اسمه مكتوبا بهذا الإصلاح على جدارها حتى شهده ابن بطوطة أول القرن الثامن، وكان هذا التوسيع سنة 167 هـ. وكسا المهدي الكعبة كسوة جديدة وفرق من المال في أهل الحرمين حسب ما سجل في إحصاء تاريخ التمدن الإسلامي ثلاثين مليونا درهما وخمسمائة ألف دينار ومائة وخمسين ألف ثوب، واتخذ حرسا من الأنصار عددهم 500 رجل، حملهم معه إلى بغداد وأقطعهم الأرضين، وأمر بحفر نهر الصلة بواسط وأحيى ما عليه من الأرضين، وجعل غلته لصلات أهل الحرمين والنفقات هناك.

وهذا يبين لنا موردا هاما للطعام الذي يصنعه السلطان حسبما مر عن سيرة ابن هشام.

ومثل ما وقع للمنصور في شأن التنكر لبيت الله وقع لسليله المعتصم عندما اصطنع الأتراك واعتمد عليهم في تثبيت قدمه في الملك، فأراد أن يستغني عن بلاد العرب جميعا، وكان قد بنى سامرا بقرب بغداد وأقام فيها جنده، فأنشأ فيها كعبة وجعل حولها طوافا، واتخذ منى وعرفات نحر به أمراء كانوا معه لما طلبوا الحج خشية أن يفارقوه(1)

وإذا بلغ الشعور بدين الإسلام في نفس الملوك من الضعف إلى درجة العبث بالمقدسات ووجد في الوسط المنسوب للإسلام إمكانيات قبول هذا العبث فإن معنوية الأمة تتفكك أو على الأقل تفقد الثقة بالملوك الحاكمين باسم الخلافة الإسلامية، وهذا من العوامل المهمة مع العوامل الأخرى التي جعلت عصر المعتصم يتسم في التاريخ بأنه مبدأ عصر الانحطاط في الدولة العباسية.

أما العناية بحجاج بيت الله وسكان الحرمين -فيما عدا هذا الشذوذ- فكان في نمو وازدهار، ولم يزده مرور الأيام إلا تثبيتا، وإن كثرة الأوقاف على الحرمين الشريفين شرقا وغربا لأعظم دليل على ذلك، وقد كان ولا يزال من عادة الملوك والأمراء تقديم الهدايا كل عام إلى القاطنين بالحرمين، وبالأولى تقديم غلات أوقاف الحرمين، وكانت مصر تحتفل في تشييع ركب الحاج، وبعث المحمل وغلات أوقاف الحرمين، احتفالا يبلغ صداه إلى مختلف الأقطار. ومن آخر المبرات  في هذا المعنى وقف السكة الحديدية الحجازية وقفا إسلاميا خالصا لمساعدة حجاج بيت الله من طرف الشعوب الإسلامية وأعيان الأمة المحمدية، وبالخصوص تركيا التي كانت تتزعم الخلافة الإسلامية.

موقف الدول الإسلامية الآن من الحجاج:
ويجمل بنا بعد الإشارة إلى مواقف بعض ولاة المسلمين من حجاج بيت الله أن نشير إلى أن ولاة المسلمين اليوم إنما يعيشون في أعقاب مواقف أسلافهم من غير عناية جديدة ولا تنظيم لإكرام ضيوف الله وزوار بيته ولا تهييء مأوى لهم طبق التقاليد التي مر عليها أسلافنا الأولون، وهذا لا يجمل بعصر النهوض الحالي، فإن جميع ولاة المسلمين ينبغي أن يتعاونوا على تسهيل الحج على جميع المسلمين الضعفاء، لأن الحج ركن وقاعدة من أهم قواعد الإسلام.

وبما أن أوقاف الحرمين منتشرة في كثير من البلاد الإسلامية فالأليق أن يقع إحصاؤها والعناية بها، وتعقد الدول الإسلامية مؤتمرا عاما تقرر فيه تسهيل وسائل الحج وإطعام الحجيج وتهييء المأوى لهم في نفس البلاد المقدسة. وإذا كانت الخلافة العثمانية سعت بجد في مختلف الشعوب التي كانت تابعة لها حتى تم إنشاء السكة الحديدية الحجازية، ووقفها، فيجمل بالدول الإسلامية أن تهتم وتتم ما بدأه المسلمون في العهد الأول إلى إنشاء وقف السكة الحديدية.

هذه فكرة أرجو أن يعيرها ولاة المسلمين ومفكروهم نصيبا من عنايتهم، فإن التعاون عليها من أبرز مظاهر تعاون المسلمين، ومن أهم ما يقوي بينهم روابط التعارف الإسلامي.
ولا أستبعد إذا صاروا في هذا الاتجاه، ونظموا السكة الحديدية لفائدة الحجاج، أن يأتي يوم تقوى فيه الملاحة بين الدول الإسلامية وتعظم قواتهم البحرية، فيأتي دور تحبيس السفن على نقل الحجاج والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

 

(1) المقدسي بواسطة تاريخ التمدن الإسلامي

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here