islamaumaroc

مالك بن نبي ومشكلة الحضارة

  دعوة الحق

175 العدد

في أزمنتنا الحاضرة يبدو الحديث عن فكر ابن نبي كذلك الضياء المدل في الكلمة.
فلقد شاء الله لابن نبي أن يصاحب القرن العشرين في بدايته فيشهد ذروة الاتصال بين الشرق والغرب ويرقب انبلاج النهضة العربية الإسلامية وهي تواجه التحدي الاستعماري في وجهيه السياسي والثقافي.
فلقد تفاعل ابن نبي بفضل منهجه العلمي مع مشكلة التحدي هذه فإذا عين له في مقتبل الشباب على كتاب يقرأه في تعليمه المدرسي وعين له أخرى على ركود المجتمع الرازح تحت الاستعمار الفرنسي ووسائله المدمرة.
فلقد ولد مالك بن نبي في قسطنطينة الجزائر عام 1905 واجتاز مراحله الثانوية فيها ثم انتقل إلى باريس يدرس الهندسة حتى تخرج عام 1936 مهندسا في الكهرباء.
لكن القضية جذبته إلى حلبتها فإذا هو يبحث عن سبيل في الفعالية تنتظم في إطاره الوسائل والإمكانيات. فالجزائر والعالم الإسلامي في عمومه لا يحتاج إلى مهندس يمنح خبرته في إطار الأشياء بل إلى حركة في إطار الفكر تبدل المجتمع غير المجتمع.
كانت هذه منطلقات ابن نبي يطرح المشكلة في أعماقها، ولقد صرفته عن تخصصه الهندسي على التعمق في القضية يبحث عن وسائل نهوض العالم الإسلامي من كبوته وقد تسورته الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصتها.
انطلقت أفكار ابن نبي تعيد الثقة بتراث هذه الأمة بعدما كادت الحضارة الغربية تأتي على جذوته في النفوس.
فقد استطاع الفكر المهني أن يكبل المبادرات الفكرية لمسلمي القرن العشرين وأن يضع النظرات الإصلاحية في قوالب التجربة الغربية فإذا المسلم أمام فيض هذه الحضارة بين رجلين أما متهم منها أو متهم لها كما يقول ابن نبي.
وفي إطار الأزمة النفسية هذه دارت التجربة الإصلاحية في فراغ عقيم ملأ مكتبتنا الحديثة بالمؤلفات لكن المشكلة ما تزال تراوح مكانها وفي كل يوم تتفقد الحلول فتضع جيلنا الصاعد أمام استحالات الخروج من الأزمة.
بدأ ابن نبي إذن يبحث في الجذور.
فهذه الحضارة الحديثة ما كان لها ان تحتوي مسيرة العالم لولا ما تألف بين أبنائنا من روح مسيحية أو قدت حماس شارلمان. واستقطبت التعاون الاجتماعي في سائر الحقول والذين ينعمون النظر في ذلك العهد يرون ما كان للكنيسة من دور في توحيد ثم بعثت الطاقات الروحية لتطبع وجودها على سائر مظاهر الحياة فنية كانت أو اجتماعية.
لقد بدأ المجتمع منذ ذلك العهد يمتد خارج حدوده بما توفر له من روابط نفسية تطبع ثقافته على صفحة الارض وتلزمه بتطور يعيد التوازن إلى مسيرته فإذا الإنتاج الأدبي والعلمي والفني يرفد طاقاته بما يصحح مسيرته في كل طور. وما منهجية ديكارت ولا الثورة الفرنسية ولا العلمانية ولا الماركسية إلا مراجعة جماعية لذلك النسق الاجتماعي المترابط وقد امتلك العالم بثقافته.
ولقد تبدو هذه المراجعات يناقض بعضها بعضا في إطار التحليل إلا أنها تظل وليدة النمو المتطرف لذلك النسق الاجتماعي المسيحي تمنحه زحم المسيرة بوسائل جديدة.
من هنا لم تكن مشكلتنا فيما تباعد بيننا وبين التجربة الغربية عبر القرون. ولا هي كذلك فيما أورثنا الأجيال من عقيدة.
فهذه عقيدتنا ما تزال حديث التاريخ نفاخر بحضارتها في كل حين.
انها في ذلك الانبعاث يصلح الأمة بما صلح به أولها، ويمنح روابط المجتمع فعالية الإرادة الإنسانية وهي تنقد بحرارة العقيدة.
مشكلتنا إذن مشكلة حضارة تمارس وظيفتها.
«فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه».
آفاق جزائرية ص 38.
على أننا إذا حددنا الحضارة في صورتها الوظيفية تحتم علينا أن ندخل إلى أعماق تجربتها فنبحث .......... مكوناتها الأساسية والتي تبدو سنة ثابتة لا تتبدل في سائر المجتمعات.
فالمشكلة ليست في استيراد الرفاهية ولا هي في نمو اقتصادي بعيد عن دور الإنسان وفعاليته فهذه دول البترول تكتظ بمنتجات الحضارة الغربية بينما الإنسان فيها منعزل عن كل دور يمنح لهذا الازدهار دوامه.
«ولهذا فنحن عندما نريد أن نضع أصل النمو الاقتصادي للحضارة موضعه لا يتعين علينا أن نضع هذا الاختراع أو ذاك من مثل الآلة البخارية ولول «وجيكار» والبوصلة وآلة الطباعة باعتباره مصدرا لذلك الأصل، ولكن جميع الظروف التاريخية التي تخلقت فيها بذور كل الأفكار وكل ضروب الخلق والإنشاء وكل إنتاجات هذه الحضارة.
لابد إذن أن نفرق بين تكديس المنتجات الحضارية وبناء الوظيفة الحضارية في مجتمعنا. فالتفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة.
ولقد وقعت الحركة الإصلاحية الحديثة في منزلق السهولة حينما أهملت عمق البناء الاجتماعي فاتخذت لها مستحدثات الحضارة الغربية وسيلة تعبير عن حاجاتها فإذا هي «زبون مقلد دون أصالة لحضارة غريبة تفتح أبواب متاجرها أكثر مما تفتح أبواب مدارسها».
فالحركة الإسلامية الحديثة ليس لها في الواقع نظرية محددة لا في وسائلها ولا في أهدافها، فقد انطلقت من عقدة الاتهام تسوغ الإسلام في العالم الحديث بينما كانت القضية تحتاج إلى خطة في بناء الإنسان المسلم تسوغ دوره في مصير العالم.
«فبدل أن تترجم الجهود الذهنية عن نفسها في صورة مذهب دقيق للنهضة ومنهاج منسجم كانت تنطلق في صورة شعلات دفاعية أو جدالية وكان المؤلف المنهجي الوحيد الذي خلفه جمال الدين يتمثل في مجادلة ضد المادية أو الناشورية حسب تعبير كاتبه ـ وهو الكتاب الذي يتعين علينا أن نقرن به المجادلة المدوية لتلميذه «محمد عبده» ضد رينان ولكي نتمثل ما ينقص جميع هذه الجهود يجب أن نتصور أحد اعمال ماركس أو انلغز أو لينين في اقتصاره على مجرد نقد المجتمع الرأسمالي دون ما نظر إلى نواقص الطبقة العمالية أو انفتاح على بناء الاشتراكية».
لقد كانت الحركة الإصلاحية إذن بحاجة إلى منهج يطرح العوامل السلبية التي كبلت المجتمع الإسلامي عبر القرون وأسلمته إلى قابلية ومتفرقة دون أن تمس الثوابت النفسية والاجتماعية التي أورثت المسلم تخلفه.
«فبدل تناول الموضوع بطريقة «جبرية» تمكن من الإشارة إلى حل قابل للتطبيق على مستوى مجتمع تقوم فيه المشكلة نفسها كالمجتمع الغربي طوال عصر النهضة ثم تبني طريقة سير حسابية تعالج كل حالة على حدة: فعوض معالجة وضعية تاريخية عامة، تمت معالجة قضايا سياسية مختلفة بينما العوامل التي أثرت منذ قرون على وضعية البلدان الإسلامية لم تتشكل داخل الحدود الوطنية لبلاد معينة ولكن داخل المجال الذي تكتنفه رقعة الحضارة الإسلامية أي الرقعة التي يطلق عليها توينبى «حقل الدراسة».
لقد انزلقت نهضتنا في متاهات صوفية فإذا أولئك الذين انحرفوا نحو الفكر «التقدمي» قد وجدوا أنفسهم يحملون ثقافة منعزلة عن المجتمع لأنها لم تكن نابعة من ضرورات المجتمع بل من انتقال فيض الحضارة الغربية إلى الشرق.
ولقد كانت السلفية منطلقا ثوريا في نظرة الرواد الأول للنهضة إلى أنها جمدت في خطوتها الأولى فلم تمنح المسلمين رخم المبادرة في العصر الحديث
وهذا قرن من الزمان يطوى صيحة جمال الدين كما تكون في وادي سحيق، فقد مسست النهضة سطح المجتمع دون أن تبعث منهجا فاعلا في بناء الإنسان.
لقد انطلق ابن نبي من هذه الزاوية يطرح المشكلة فيدخل إلى أعماق السنين الاجتماعية وهي قد خلت من قبل وهي أيضا سبيل الغد المتطور في كل أمة.
ولقد كان احتجابنا عن صنع التاريخ الحديث يرجع إلى إرادة الحضارة في موقف الإنسان. وهي إرادة تشحذها عقيدة فاعلة تتصل بالفكر والروح معا.
فلو شئنا أن نعبر عن تلك الإرادة الحضارية بلسان الرسول صلى الله عليه وسلم، لقنا أنه ذلك المؤمن «الكيس الفطن»!.
وهذا يعني ارتباط النشاط الاجتماعي بالفكر المنهجي المنسق يمنح الإنسان قدرة السعي في مناكب الارض ليبني هنالك تاريخه.
«فلكل نشاط عملي علاقة مباشرة بالفكر فمتى انعدمت هذه العلاقة عمي النشاط واضطرب وأصبح جهدا بلا دافع. وكذلك الأمر حين يصاب الفكر أو ينعدم، فإن النشاط يصبح مختلا أو مستحيلا وعندئذ يكون تقديرنا للأشياء تقديرا ذاتيا، هو في عرف الحقيقة خيانة لطبيعتها، وغمط لأهميتها سواء كان غلوا في تقويمها أم خطأ من قيمتها. وهذان الشكلان من أشكال الخيانة يتمثلان في العالم الإسلامي الحديث في صورة نوعين من الذهان فإما أن يتمثل في صورة النظر إلى الأشياء على أنها سهلة وهو قائد ولاشك إلى نشاط أعمى (كما كانت الحال في قضية فلسطين) واما ان يأخذ صورة النظر إليها على أنها مستحيلة فيصاب بالشلل».
وجهة العالم الإسلامي
ذلك شلل أورث الركود الاجتماعي في سائر الحقول. فقد وجد المسلم نفسه أمام استفحالات نفسية عزلته عن التصرف بإمكانياته، فإذا هو قابل لاحتلال كل أمة ولاجتياح كل قوة والقابلية للاستعمار هذه قد وطأت للاجتياح الاستعماري في تاريخنا الحديث.
«ان هنالك نتيجة منطقية علمية تفرض نفسها هي انه لكي نتحرر من «أثر» هو الاستعمار يجب أن نتحرر أولا من سببه وهو القابلية للاستعمار.
فكون المسلم غير حائز جميع الوسائل التي يريدها لتنمية شخصيته، وتحقيق مواهبه: ذلك هو الاستعمار، واما الا يفكر في استخدام ما تحت يده ليرفع من وسائل استخداما مؤثرا وفي بذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته حتى بالوسائل العارضة، وأما ألا يستخدم وقته في هذا السبيل فيستسلم على العكس لحظة أفكاره وتحويله كما مهملا يكفل نجاح الفنية الاستعمارية فتلك هي القابلية للاستعمار».
وجهة العالم الإسلامي
فالقابلية للاستعمار وجه آخر للتخلف والأمر يتطلب انتصارا على تلك المعوقات لنواجه المستقبل بقوة ذاتية من أنفسنا.
فالمجتمع تواجد بين الأشخاص يربط بينهم قيم مشتركة وهذه القيم لابد أن تؤدي إلى نشاط مشترك في عالم الأشياء المحيط به. ولكي يكون النشاط المشترك فاعلا في عالم الأشياء لابد أن يمر في عالم من الأفكار تعطي لهذا النشاط فاعلية خلاقة.
ذلك تبسيط لمفهوم الحضارة يطرحه ابن نبي انها صنعة إنسان أحسن استخدام الأرض من حوله في إطار الوقت الضروري ولذا فهي في عناصرها الأولية.
الإنسان + التراب + الوقت.
هذا المفهوم الأولي للحضارة يضع الإنسان في المنطلق الأساسي نحوها بعد أن تكون قد تجردت أمامه عن كل بناء مائل يأخذ بالابصار كذلك البناء الغربي للحضارة الذي أدهش الشرق وواقعه في عقدة النقص.
وإذا كان الإنسان هو الذي يصنع العلاقة الفاعلة بين العناصر الأساسية لكل حضارة فلابد أن يكون صاحب قدرة على ذلك كله.
وهذه القدرة ليست قدرة ذاتية شخصية بل هي قدرة الجماعة حين تدفعها يد الله.
فلابد إذن من عالم للأشخاص يحسن الترابط بينه والتآلف الذي يتجاوز المصلحة الذاتية إلى المصلحة الاجتماعية.
ولابد إذن من عالم للأفكار يحسن استخدام الوسائل.
ولابد أخيرا من عالم للأشياء يمنح الأفكار إبداع ما تصنع والإنسان أمنه ورفاهيته.
والإنسان في عالم الأشخاص المترابط وفي عالم الأفكار القائم على المنهج في عالم الأشياء من حوله فأحسن النتيجة حين قدم لها أسبابها وكانت لديه مقاييس النقد والتصحيح.
فإذا حضارة دمشق وبغداد والأندلس تطبع قيمها وروحها على صفحة الحضارة الإنسانية.
وما أمرنا في مغرب حضارتنا إلا اختلال في عالم الأشخاص أورث التفسخ في المجتمع وانغلاقا في عالم الأفكار أجدب من خلاله عالم الأشياء وتلك الأيام نداولها بين الناس.
هذه السنة الاجتماعية تلزمنا بنظرة ثاقبة في عمقنا الاجتماعي. هذا الذي مايزال مختل العلاقة في عالم أشخاص تقوم فيه الفوضى على كل صعيد وتأخذ افراده الأثرة فلا يستقيم فيهم أمر.
وهو الذي اختل فيه عالم الافكار فجنح إلى تبديد إمكانياته وثروته وعجزت نظراته عن كل تحليل ذاتي فإذا هو الفكر الناقل في سائر الميادين العلمية وقد تخلى عن كل جهد مشترك يمتاز به ويؤهله في صنع العالم الحديث.
وهو الذي اختل فيه عالم الأشياء فلا انسجام بينه وبين عالم اشخاصه وإذا نحن غرباء عن احتواء ثروتنا.
ولا انسجام بينه وبين عالم أفكاره لأن الفكر عاجز في سائر الميادين.
فلابد إذن أن نعيد بنيتنا في هذه العوالم الثلاثة لترتفع عليها حضارتنا.
ولكي نعيد هذه البنية لابد أن تتوفر فيه إرادة حضارية.
والإرادة الحضارية هذه نقلة بالإنسان إلى مرتبة متقدمة. إنها تربية. ولذلك فهي علاقة اجتماعية سليمة. وهي مثل أعلى تشد الإنسان إلى بلوغه فهي إذن عقيدة في إطار المجتمع. وهي صلة مستمرة في عالم الأشخاص والأفكار والأشياء فهي إذن تعطي لهذه العوالم هذه صورتها المتقدمة المتطورة وتمنح جوها ولونها وذوقها وجمالها على رقعتها.
ولئن شئنا أن نميز مجتمعا عن سواه لامتاز في أسلوب ثقافته فهذه غربية وتلك صينية. وهذه يونانية وأخرى رومانية وثالثة إسلامية قد تميزت في الأسلوب والذوق والقيم الموحية الا أن عوالمها الثلاثة تفاعلت فيما بينها تفاعلا منح العبقرية للعالم والفنان والمبدع ولولا ذلك الإطار العام من الصلات لما وجد هؤلاء شروط تأثيرهم في منعطفات العلم.
فثقافة كل مجتمع تشتمل على فصول أساسية لابد منها.
انها المبدأ ـ الأخلاق ـ الذوق الجمالي ـ المنطق العملي ـ التقنية.
فهذه العوالم الثلاثة الأشخاص ـ والأفكار ـ والأشياء تجد تفاعلها في العناصر الأربعة هذه.
وحين تختل أو تنسحب واحدة من هذه العناصر تنسحب الثقافة عن دورها الفاعل في بناء الحضارة.
فبدون المبدأ الأخلاقي تنفجر الصلات في عالم الأشخاص ويفقد التعاون في كل صعيد أساسه.
وبدون الذوق الجمالي تفقد الصلات دورها الفاعل المنظم وتنسحب عن كل تأثير في صفاء المجتمع واحتواء العبقرية واندفاع الثقافة في صنع الحضارة.
وبدون المنطق العملي تنعقد الصلات وقد تتعارض نشاطاتها فتصبح حينئذ عمياء غير هادفة.
وبدون التقنية لا سبيل لاحتواء عالم الأشياء.
«فليست الثقافة سوى تعلم الحضارة اعني استخدام جميع ملكاتنا الضميرية والفعلية في عالم الأشخاص. وليس العلم سوى بعض نتائج الحضارة أي أنه مجرد جهد تبذله عقولنا حين تستخدم في عالم الأشياء. فالأولى تحركنا وتقحمنا كلية في موضوعها. وأما الثاني فإنه يقحمنا في مجاله جزئيا.
والأولى تخلق علاقات بيننا وبين النظام الإنساني والآخر يخلق علاقات بيننا وبين نظام الأشياء.
ميلاد مجتمع
من هنا لابد من تفريق جوهري بين الثقافة والعلم.
فالأولى تقحم الإنسان في مجالها على اختلاف درجات تحصيله العلمي. انها تمس العالم والفلاح والعامل على سواء لأنها تطبع وجودها على هؤلاء جميعا لتسلكهم في إطار واحد من الصلات الاجتماعية القائمة على المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي الذي يضبط السلوك العام للأفراد.
ولربما كان العالم أكثر إدراكا لطبيعة المجتمع وحركته.
ولربما كان العامل والفلاح أبعد ما يكون عن فهم دقائق هذه الحركة، لكنهما بإلزام من الثقافة الاجتماعية العامة يختار هذا وذاك نمطا واحدا من السلوك يمنح العمل اليومي فعاليته المؤثرة في التاريخ.
ولقد كان الإسلام من قبل ثقافة المجتمع في صورتها الباعثة تطبع روحها وذوقها في آثار ترامت إلينا عبر القرون. وحينما انسحب المسلمون عن وظيفتهم الاجتماعية أوت حقائق التربية الإسلامية إلى متون متوارثة محفوظة بينما فقد المجتمع الإسلامي كل إشعاع خارجي.
فقد شهدنا في فترات الاجتياح الصليبي للحضارة الإسلامية كثيرا من العلماء ولكن الإرادة الحضارية كانت قد انسحبت في ظلمة ليل.
وحينما أفاقت نهضتنا الحديثة على وقع أقدام الاحتلال الاستعماري وجد الرواد أنفسهم أمام حضارة مائلة في بنائها مترفة برفاهيتها فانزلقوا إلى غرام بتلك المستحدثات يستوردون سيارة هنا وبرلمانا هناك وديمقراطية في تنظيم سياسي وماركسية في ثورة اجتماعية دونما إدراك لطبيعة العوامل التي شلت مجتمعنا عن كل تحرك.
وبعد قرون من الزمان تبدو الانتهازية هي المنتصر الأكبر.
بينما قضايا التنمية تدور في فراغ عقيم، إذ الإنسان المسلم هو الإنسان منذ أقوال النهضة يتحدث بلغة العجز على كل صعيد.
فالحقائق السياسية والاجتماعية لا قيمة لها إذا لم تؤثر على الثالثوث الاجتماعي: الاشخاص والأفكار والأشياء.
«فكل حقيقة لا تؤثر على الثالوث الاجتماعي والأفكار والأشياء هي حقيقة ميتة.
وكل تربية «اجتماعية» تشترك في هذا المصير العام فهي لا تعني وسيلة فعالة لتغيير الإنسان وتعليمه كيف يعيش مع أقرانه وكيف يكون معهم مجموعة القوى التي تغير شرائط الوجود نحو الأحسن دائما وكيف يكون معهم شبكة العلاقات التي تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ.
وكذلك كلمة «ثقافة» ليست كلمة فارغة رنانة لو لم تخلع على التربية الاجتماعية المضمون الضروري الذي يتيح لها الاضطلاع بوظيفتها المغيرة، ومن الواجب أن نفكر مليا في هذه المصطلحات لا من طريق الاستعانة بقاموس تمسك به اليد بل من طريق الاستعانة برأس مستقر بين اليدين. فليس الأمر إذن أن نقول أن الثقافة تحتوي بصفة عامة عددا من الفصول هي:
الاخلاق والجمال والمنطق العملي والصناعة الفنية ولكن الأمر يقتضينا ان نتساءل: كيف ينبغي أن ندركها في صورة برنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يحضر بعد في ظروف نفسية زمنية معينة، أو لإبقاء الإنسان المتحضر في مستوى وظيفته الاجتماعية وفي مستوى أهداف الإنسانية.»
هذا إذن برنامج تربوي يتناول البنية التحتية للمجتمع يرتكز عليه بناء الحضارة. فمشكلتنا في عمومها مشكلة حضارة.
فمالك بن نبي تناول في كتبه المتعددة تناول قضية إعادة البناء الاجتماعي للإنسان المتخلف. وهو من هذه الزاوية لا يرى القضية في استيراد نمط ثوري أو ديمقراطي صنعته تجربة بعيدة عن عمقنا الاجتماعي وإلهامنا النفسي.
فهذه المستوردات بلبلت ولاتزال تبلبل التحرك الاجتماعي بما تغفل من معطيات الواقع التاريخي الذي يعيش فيه إنساننا المتخلف.
وإذا صمتت الأفواه عن التحدث بما تعتقد وجدنا سلوكا من الفوضى والتشتت ينتظم أصحاب الشعار التقدمي «والرجعي على سواء» وما ذلك إلا لأن التحولات الاجتماعية في نطاق العالم المتخلف قد انحشرت في قوالب بعيدة عن تجربتنا الخاصة.
تلك صورة نشهدها في كل يوم، وقد أضاء فكر ابن نبي جوانبها بما أعطى في مؤلفاته من تحليل دقيق لحركة المجتمع وتطوره.
وابن نبي يطرح الإسلام كقيمة قادرة على استعادة دورها في صنع الإنسان.
وهو من هذه الزاوية يضع الحلول في إطار من الفعالية الإسلامية القادرة على التغيير.
هذه الفعالية هي الأوثق في ضمير المسلم المتخلف لأنها تبعث في نفسه مسوغات لسلوكه ذات اتصال علوي. وهي ترهف حسه الاجتماعي بقدرة فاعلة تمنحه صلابة الإرادة وحكمة العلاقة الاجتماعية وعمق النظرة في أسرار الكون.
وهو من هذا الجانب يمنح الفكر الإسلامي نظرة في عمق التجربة الحضارية تقيله عثرات التقليد والتوقع في معطيات الحضارة الغربية.
وابن نبي من هذا الجانب يمتاز عن سائر ما ادلى إلينا القرن العشرين من كتاب ومكرين عربا ومسلمين، إذ انطلق من مسببات الحضارة الغربية المسيحية ولم ينطلق من نتائجها وقد أعطته ثقافته المنهجية وعقله الرياضي قدرة على التحليل والتقعيد.
وابن نبي إذ يختار الإسلام لا يجعل اختيارا آخر غير قابل للتطبيق إذا ما توفرت شروط الانبعاث الاجتماعي كما أوضحناه في هذا المقال.
فهذه شروط موضوعية تمس التفاعل الاجتماعي في كل بقعة من الارض. انها شروط التفاعل الاجتماعي في أمريكا وروسيا وأوروبا. واليابان وهي تبدو في الصين أكثر وضوحا حين يحتدم الجدل حول الثورة الثقافية.
ومن هذه الزاوية نرى في كتب ابن نبي قيمة عالمية لأنها تضيف إلى الدراسات الإنمائية في البلاد المتخلفة آفاقا فاعلة في حل مشكلة الإنسان التي هي أولا وقبل كل شيء مشكلة الحضارة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here