islamaumaroc

حقائق ومعجزات كونية في سورة الرعد -2-

  دعوة الحق

175 العدد

وأما الوجه الثاني الذي يختاره بعض المفسرين أن المراد من الزوجين الذكر والأنثى من كل صنف، أي أنه في كل ثمرة من الثمرات زوجان متقابلات، أزواجهما تتولد ثمرة أخرى، وهذا الوجه أسلم منم الوجه الأول، وإن كان أكثر المفسرين يرجحون الأول، والمعنى على هذا الوجه: أن الله مد الأرض، ومهدها، وجعل فيها جبالا راسيات، وجعل فيها أنهارا، منها يسقى الزرع والشجر، ومنها يكون الثمر، وجعل في كل تمرة من التمرات حياة، ومن هذه الحياة تتولد حياة أخرى لأن كل ثمرة فيها ذكر وأنثى. ومن ازدواجهما تتولد ثمرة أخرى جديد. فيها خواص سبحانه وتعالى ما وجه به الأنظار إلى السموات وما فيها من أجرام وأفلاك، والأرض وما فيها من جبال ووهاد ونهار وثمرات وشجرات ـ بعد أن ذكر كل هذا، ذكر أمرا يتولد عن علاقة الأرض بالسماء، وهو الليل والنهار فقال: يغشي الليل النهار، يغشي، يتعدى إلى مفعولين الأول فيها أيهما؟ الليل أم النهار؟ فلو جعلنا المفعول الأول هو «الليل» لكان هو الذي يغشى النهار. ولو جعلنا المفعول الأول هو: «النهار» لكان هو الذي يغشي الليل، وعلى كل يجوز تقديم المفعول الأول وتأخيره. وما الأنسب هنا؟ الأنسب جعل الليل مفعولا أول، ويكون في الكلام استعارة تمثيلية؛ والمعنى: شبه الله سبحانه وتعالى حال الليل مع النهار. من حيث أن الليل ظلمة تستر نور النهار بالثوب يغشى الشيء ويستره من حيث أن كليهما ساتر لما وراءه، وهذه الاستعانة تصوير للحالة الظاهرة التي يراها الحي ويدركها الإنسان ببصره، وليس فيه تعرض لطريقة التكوين ولا لأصله «إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون» الآيات معناها العلاقات، ومعنى التفكر ترديد الفكرة في النفس، والفكرة كما يقول الراغب الأصفهاني قوة تطرف العلم في النفس، فممن التفكرة ترديد الفكرة وإعمالها، وكلمة آيات جمع آية وهي العلاقة، وتعبير القرآن بـ «في» يدل بظاهرة على أن الآيات في هذه الأكوان، لا أن الأكوان هي الآيات، ولذلك قال بعض العلماء أن «في» هنا في معنى الزائدة والواقع أن «في» على أصل معناها. ثم نعم أن هذه الأكوان آيات ولكن لا يظهر كونها آيات إلا بإعمال الفكر فيها فالتعبير بـ «في» للدلالة على أن كونها امارات وعلامات والتي على قدرة الخالق وعلى عظمة لا تستبين لكل إنسان بل تستبين لكل من يتفكر فقط، ولذلك كانت ظرفا باعتبار أنها لو تكون إلا للمتفكرين، وأما الذين لا يفكرون ولا يفهمون فيها شيئا، والتعبير بـ «قوم» مع هذا التنكير فيه توبيخ للعرب الذين خوطبوا أولا بالقرآن وهم قريش، وكأن لله يشير إليهم بإيمان القول بأنهم لم يفهموا هذه الآيات ولم يدركوها، وهناك قوم آخرون يتفكرون فيها ويدركوها فهذا فيه توبيخ وتحريض للعرب. «وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد» وفي الأرض قطع متجاورات قطع جمع قطعة وهذا الجمع مع اقتران بوصف متجاورات يدل على المغاربة بين هذه القطع أي أن غير طيب وبعضها صحراء مقفرة وبعضها جنات مثمرة. الخ. ذلك الاختلاف مع التجاور يدل على أن هناك له منشئ أول أنشأ بإرادته واختياره، وانه إنشاء المعلول على العلة «جنات من أعناب وزرع ونخيل» بعد أن بين الله اختلاف الأرض مع تجاورها حيث أن بعضها خصب وبعضها غير خصب وبعضها فيه؟ وبعضها خلو منه الخ. بين اختلاف ثمراتها ثم ذكر من هذه الثمرات ثلاثة أنواع كانت كثيرة عند العرب وهي الاعناب. والزرع والنخيل، والمراد من الأعناب أو جناب أعناب هي هذه الكروم والمراد من الزرع الحبوب التي كان العرب يقتاتون منها، واختص الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة بالذكر لسببين: السبي الأول: انها هي التي كانت كثيرة عند العرب الذين كانوا أول من خوطبوا بالقرآن؛ السبب الثاني: لأنها تشير إلى أنواع ما تخرجه الأرض من ثمرات ونبات، فهي تشير إلى أن في الأرض فاكهة، وإلى أن مما تخرجه حبوب ومواد غذائية تجمع بين خواص الفاكهة «حبوب» ، صنوان وغير صنوان ـ الصنوان جمع صنو كنوات جمع قنو، والنخيل قسمان: قسم يقال له صنوان وقسم غير ذلك، والنخيل التي يقال لها صنوان هي النخيل التي تثمر في أصلها ثم تتفرع، وهذا يدل على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى «يسقي بماء واحد» أي أن هذا الذي ساقه الله وذكره أي أن هذا الخلق العظيم من الثمرات المختلفة والجنات من الأعناب والزرع والنخيل كل ها يسقى بماء واحد، والهواء والماء والثمر وغذاؤه، ومع ذلك تتعدد الثمار بين حلو ومر وغير ذلك، وهذا يدل على أن الخلق كله كان بإرادة مستقلة قادرة ولم ينشأ كما يقول الطبيعيون نشر والعلة مع المعلول وإلا لا تحدث الثمرات إذا اتخذ نوع الغذاء، فقد بين بالتفصيل بعض اختلافها اللامحسوس فقال «نفضل بعضها على بعض في الأكل» الأكل هي الثمرات التي تؤكل فمعنى الآية أن هذه الثمرات التي تأكلونها وتفضلون بعضها على بعض وتختلف حالاتها من حيث القبول والرغبة كلها يسقى بماء واحد، ويتغذى عذاءا واحدا وتنتج مختلفا من ها الغذاء، وهذا يدل على عظم قدرة الله تعالى ثم قال: «إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» ذكر هنا النظر فيه للمعنى الذي ذكرناه، وذكر كلمة قوم منكن لهذا المعنى أيضا، ومعنى الجملة أن في هذه الآيات التي ذكرها أن في هذا الكون الذي خلقه من اختلاف طبيعة الأرض مع تجاورها، وتنوع الجنات والزرع والنخيل أن تنوع ما تنتجه الأرض واختلاف الثمرات بحيث يفضل بعضها على بعض، كل ها فيه معلنة لقدرة الله. ولكن لقوم لهم عقول تدرك ويعلمون بمقتضى هذه العقول.
وهنا ملاحظة وهي أنه ختم الآية الأولى بقوله «لعلكم بلقاء ربكم توقنون» وختم الآية الثانية بقولهن «إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» أما الأولى فلأنها ابتدأت باسم الله وذكر لفظ الجلالة فناسب أن يذكر الإيمان ويختم الكلام باليقين والإيمان، لأنه المناسب للذات العلية، إن الآية الثانية لما كان أساسها ربط المحسوس بالمعقول أو ربط الحاضر بالغائب ناسبها أن تختم بالتفكير، أما الآية الثالثة فقد كان أكثرها محسوسا كان يغلب عليها توجيه النظر إلى المحسوس «وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد» قلنا ان الله سبحانه وتعالى صدر الكلام في الآيات الكونية التي ساقها ببيان قدرته التي كان مظهرا رفع السموات بغير عمد وتسخير الشمس والقمر، وان كلا منهما يجري بحسبان وأن تصريف هذه الآيات وبيانها وتفصيلها لكي يوقفوا بلقاء ربهم، ثم ساق المولى الآيات الدالة على كمال قدرته، وكمال القدرة يقتضي لا محالة أن الذي أنشأ هذه الأشياء أولا ليستطيع إعادتها بعد فنائها، فنحن معشر الإنسان يستطيع أن يعيدنا بعد موتنا «كما بدأكم تعودون» ثم بعد هذا ساق ما يدل على إيغال المشركين في الكفر وطمس بصائرهم فيما يتعلق بالبعث والنشور فقال: وان تعجب فعجب قولهم الآية أن تعجب أنهم كذبوك وجحدوا بآيات اله ولم يستيقنوا به فالعجب الحقيقي العظيم في أنظارهم أن يعودوا خلقا جديدا بعد أن يكونوا ترابا. أو نقلو أن نعجب من تكذيبهم للبعث وإنكارهم له. فالعجب في الحجة التي يسوقونها دليلا على ذلك الإنكار، وكان الكلام: أن تعجب من إنكارهم البعث والنشور وعدم إيمانهم بلقاء ربهم فالعجب العظيم في الحجة التي يسوقونها وعند الإنسان أن المراد ان كان من شأنه أن تعجب ما يفاجئونه به من أوال باطل، فالعجب كل العجب في هذا الذي يقولون في البعث فلا حجة إذن إلى تقدير مفعول محذوف وكأن معنى الآية على ذلك التخريج ان كان من شأنه أن تعجب لشيء فالعجب هو إنكارهم للبعث والنشور واستبدادهم له بسبب صيرورتهم ترابا. ويرشح لذلك المعنى التعبير «بأن» أي أنه ليس من ِشأنه أن تعجب لذي أمر يأتي منهم وإن كان هناك فالعجب له فهو إنكارهم للبعث والنشور لهذا الزعم الذي يزعمونه.
وابتداء الآية بهذا العجب لأنهم يسوقون قولهم هذا سياق الاستعباد والاستغراب فبين الله لهم أنه ليس بالغريب الإعادة، لأن الذي يعيد هو الذي بدأ انما الغرابة والعجب هو أن تستغربوا هذا والتنكير في قوله: فعجب للتعظيم. أي فعجب عظيم، وهذا الذي سوغ الابتداء بالنكرة إن جعلت كلمة «عجب» مبتدأ لأنه تضم التنوين لمعنى العظم. جمل هذه النكرة في معنى الموصوفة، وإذا كانت موصوفة فإنها تصح مبتدأة بالإجماع «أئذا كنا ترابا» قالوا إن «ذا» في موضوع النصب بفعل محذوف دل عليه قوله تعالى بعد ذلك «أئنا لفي خلق جديد» وتقدير الفعل على هذا المعنى انبعث إذا كنا ترابا؟ وهذا الكلام يتقيم مع ما نقرن النفوس أن «إذا» الشرطية خافضة شرطها منصوبة بجوابها، ولما كان قوله تعالى في موضع الجواب، وإن لم يكن الجواب قدر الناصر لا ذا في معناه وإنما جعل الجواب في موضع الاستفهام كالشرط تكرارا للاستفهام وللنص على موضع الاستعجاب والاستغراب وهو الخلق الجديد بعد التراب، والذي زيد قوله: هو أن أداء الاستفهام قد دخلت على أداة الشرط وكان يكفي هذا الدلالة على استعجاب أو استفراق ما بين الشرط والجواب. أي كان يكفي هذا لاستغرابهم واستعجالهم. ولكنهم كرروا ذكر الاستفهام، فأدخلها على الشرط وعلى ما هو في معنى الجواب. للدلالة على كمال استغرابهم واستيلاء العجب عليهم والاستفهام «لفي خلق جديد» والتعبير بفي خلق جديد بدل الخلق خلقا جديدا هذا التعبير بالجملة الاسمية يكون لتأكيد النسبة كأنه في مواضع استغرابهم أن محمدا يؤكد هذه الحالة. وهو أنهم يعودون في خلق جديد، فهنا ثلاث تعجبات: 1 ـ من مطلق العود بعد أن كان ترابا 2 ـ من أنهم يعودون شبابا 3 ـ من تأكيد هذه الشبة، «أولئك الذين كفروا بربهم» أولئك الذين قالوا هذا القول وتحملوا أكبرهم الذين كفروا بربهم، والإشارة إليهم إشارة إلى قولهم الذي قالوه متعجبين مستنكرين لقدرة الله، ويجعلون قدرة الله في موضع التعجب والاستغراب أولئك الذين اتصفوا بهذا هم الذين كفروا بربهم، والتعبير بالوصول لبيان سبب التعجب والاستنكار، أنكروا عظمة ربهم وهو الذي ذراهم وكونهم، ومن هذا نرى سر التعبير بـ «ربهم» إذ في ذلك نوع من التوبيخ لهم على كفرهم بآياته وعظمته «أولئك الأغلال في أعناقهم» الفعل هو ما يجس الجسم والأيدي عن الحركة، وليس المراد أن هناك أغلال ضعت في أعناقهم. بل المراد تشبيه حالهم في استغراق الضلال في نفوسهم،واستيلاء الأهواء والشهوات على عقولهم وقلوبهم فتمنعها من الإدراك السليم الصحيح، تشبيه هذه الحال بحال من غلت يده في عنقه فأصبح لا يستطيع تحركا ولا تصرفا كذلك هؤلاء لا يستطيعون التصرف قلم يدركوا شيئا، «وأولئك» الثانية فيها إشارة إلى استعجابهم الأول وإنكارهم الثاني وأولئك الذين اتصفوا بالأوصاف الثلاثة السابقة وهي:
1 ـاستنكارهم للبعث
2 ـ ثم كفرهم بآيات الله
3 ـ ثم استغراق الضلال في نفوسهم.
أي أولئك الذين يدخلون النار ويلازمونها ملازمة الصاحب لصاحبه. بعد ذلك بين الله أمره المشركين العجب من أنهم يعودون خلقا جديدا بعد أن يكونوا ترابا. مع أن الذي يعيدهم هو الذي أنشأهم من العدم، ثم بين أن الذين يكفرون به إنما هو ربهم.
بعد هذا بين حال من النبي وذكر بعض ما يطلبونه منه فقال «ويتعجلونك بالسيئة قبل الحسنة» السيئة في أصل إطلاقها تطلق على ما يسوء الإنسان، والحسنة في أصل إطلاقها تطلق على ما يستحسنه الإنسان ويستطيبه، ثم أطلقت السيئة على المعاصي. لأنها تسوء الناس في مجموعهم ثم تسيء لصاحبها في المآل في الدنيا والآخرة، وأطلق على الطاعات حسنات من حيث أن فيها إحسانا للناس وإحسانا إلى صاحبها وما المراد بها هنا؟ المراد الأصل اللغوي للفظهما أم المعنى الصرفي الأخير؟
أجمع المفسرون على أن المراد بالسيئة هنا ما يسيء ويؤلم. وهو المعنى اللغوي، يعني يستعجلونك العذاب الذي هددتهم به، من مثل قولهم «اللهم  إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم» ـ ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة ـ أي يتعجلونك بالأمر الذي يسيء قبل الأمر الذي يحسن. أي يطلبون أن تنزل عليهم الإنذار الشديد بدل الوعد والثواب. «وقد خلت من قبلهم المثلاث» المثلاث جمع مثله. والمراد منها العقوبات الشديد التي نزلت بالأمم السابقة بسبب عصيانهم النبيين وتكذيبهم لهم، كالذي أنزله الله بعاد وثمود ومن قبل ذلك بقوم نوح الخ، وإنما عبر عن هذه العقوبات «بالملات»
1 ـ لأنها كانت عقوبات مماثلة للجرائم.
2 ـ أو لأنها كانت من الشدة بحيث يضرب بها المثل
3 ـ أو لأنها كانت قصاصا لما اقترفوا، والقصاص يقال له «المثال» يقال أمثلت من فلان أي اقتصصت منه، والمعنى في التخريجات الثلاثة متقارب، وتوجيه الكلام على ذلك: أن أولئك المشركين يتعجلون السيئة قبل الحسنة لا لأنهم يرغبون فيما يسيء إليهم. بل مبلغة في الجحود والإيغال في عدم الإيمان بوعد الله ووعيده.
وتوجيه الكلام على هذا: أن أولئك المشركين ما كانوا يطلبون الأمر المسيء، ولكنهم لفرط جحودهم ينكرون وعيد الله ووعده، فكان ذلك الاستعجال منهم نوع من المحادة.
يحادون بها الله ورسوله، مع أنهم لو نظروا نظرة اعتبار لوجدوا عن أيمانهم وعن شمائلهم من عقوبات الله في الأمم السابقة وقد نزلت بهم لتكذيبهم النبيين.
ثم بين بعد ذلك أنه إن أمهلهم ولم يعجل بالشر كما يطلبون أو كما يتحثون ليس ذلك لأنه غير قادر على إنزال العقوبات الملائمة لجرائمهم. بل لأنه ذو مغفرة، ولماذا كان كون الله ذو مغفرة سببا في تأجيل أو إمهال عقوباتهم؟
إن ذا المغرفة الرحيم الذي يكون شأنه التجاوز عن السيئات يمهل المسيء حتى يكون لديه الفرصة المواتية الكاملة فيتوب أو يخرج الله من صلبه من يصيب حق عبادته فالله لم يرسل أنبياءه ليكونوا ذرائع تعذيب للناس بل أرسلهم مبشرين ومنذرين، أو يكون من أصلاب المشركين به والكافرين من يجيب دعوة الله، ويؤمن به، وقد قلت لكم أنه يجب علينا أن نعتبر بحال مشركي مكة والعرب فإن إمهال الله لهم وعدم إجابة لاستعجالهم العذاب إن كان من هؤلاء الجاحدين المنكرين الذين كانوا يتحدون الله ورسوله كانوا منهم من تاب وآمن وعمل عملا صالحا. وكانوا سيوف الإسلام والدعاة إليه، وكان من أصلابهم التابعون المهتدون. فكان من صلب أبي جهل «عكرمة» الصحابي ابن أبي جهل؟ وقال «على ظلمهم» التعبير بظلمهم فيه نوع من المبالغة. بين عفو الله ورحمته وغفرانه وظلم الناس لأنفسهم، فهؤلاء يؤذون أنفسهم ويظلمونها، والله الغفور الرحيم يغفر سيئاتهم إن تابوا وأنابوا.
والغفران درجتان: الأولى ستر الذنب وتمهيد للتوبة ومظهر ذلك أمر الله لا يأخذ الظالمين بما كسبوا، ولو أخذهم بظلمهم وقت أن وقع الظلم منهم ما بقي عليها من أحد «ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة» والدرجة الثانية للغفران وهي العالية قبول التوبة من التائب حتى أن الله ليفرح بتوبة التائب أكثر منه لأنه غفور رحيم، ثم بعد ذلك وصف نفسه بأنه شديد العقاب حتى لا يظن الظالمون أنه أهمل ظلمهم، فالغفران عند رجاء التوبة والرجوع إليه، والعقاب الشديد عند عدم التوبة وعند عدم الرجوع إليه والإصرار على المعصية.
وبعد أن ذكر الله .............. عن الجحود وهو أنهم كانوا يطلبون آية دالة على النبوة غير القرآن «ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه».
كانوا يطلبون أن يأتيهم النبي بآيات كآيات موسى أو عيسى، أو ينزل عليهم ملكا من السماء. كما حكى عنهم في آيات أخرى «وقالوا لولا أنزل عليه ملك. ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر. ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا. وللبسنا عليهم ما يلبسون».
وما كانوا يطلبون ذلك لأنهم طلاب إيمان يريد الحجة والبرهان. بل كانوا يريدون أن يستروا سبب كفرهم. فيدعوا أن النبي لم يجئ بحجة ولا برهان، وإنما يريدون برهانا من نوع يختارونه هم، فالجحود هو الذي دفعهم إلى طلب الآية لاش ولا نقص الدليل. ومن كان شأنه كذلك لا يجدب معه البرهان ولا الدليل، ولذا قال الله في شأنهم «ولو أنزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين» فهؤلاء لا يطلبون الدليل ليستندوا به، ولكنهم يطلبونه ليعجزوا النبي ولا يعجزوه، ولذا قال الله للنبي في الرد عليهم: «إنما أنت منذر ولكل قوم هاد» أي أن هؤلاء الذين كفروا وجحدوا بآيات الله ثم جحدوا بها لنقص في الدليل ولا لعدم وضوح الآيات ولكن الله طمس على قلوبهم، فلا تحبهم. فلكل قوم معجزة تناسبهم، فقومك من أرباب الله والبيان، فكانت معجزتك تتفق معهم، وبما أنك أيضا مرسل للناس أجمعين، ورسالتك نوع من العقل فكانت منفقة على الناس جميعا.
عن مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الله ابن عوف أن رجلا أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله علمني كلمات أعيش بهم ولا تكثر علي فأنسى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تغضب. وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن مسلم المسبب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here