islamaumaroc

إنها أزمة فكر لا أزمة نقد وشعر

  دعوة الحق

175 العدد

كثر الحديث وربما سيزداد كثرة وترديدا في المستقبل المنظور حول ازمة الشعر والنقد، وهو حديث أو هي احاديث شجون، وأحاديث اشجان أيضا، فمنها من يتناول قضية الشعر على أنها تعاني تعثرا متواليا انتابها ومايزال ينتابها، وأن أسباب هذا التعثر مردها إلى هذا وذاك من الأسباب التي تكون في أغلب الأحايين تحوم حول العرض والشكل، دون أن توفق إلى النفوذ نحو جوهر القضية، وبنفس المنهج وبعين الأسلوب يعنى بقضية النقد، ولا ادري هل أن هذه الكيفية التي يقع بها تناول قضيتي النقد والشعر يمكن تصنيفها ووصفها وتلخيصها في خطة يجانبها التوفيق بكل تأكيد؟ اما انها هروب من جوهر المشكل بواسطة التلصق بعرضه وشكلياته؟ وبمعنى أكثر وضوحا فإن الاهتمام الملحوظ يفضل ـ اما عن قصد أو بدونه ـ الانصراف إلى تقييم إطار الصورة وبعض اللمسات بدلا من الاهتمام بها وتمحيصها تمحيصا شاملا وعميقا ككل لا يتجزأ.
ويضاف إلى هذه الملاحظة انعدام الوضوح في أغلبية تلك الأحاديث التي تعنى بأمر الشعر والنقد، سواء من الوجهة المنهجية الصرفة، أو من الوجهة التقنية التي تمثلها أساليب تلك الأحاديث ولغتها كذلك.
وعلى ذلك فإنه يصبح لزاما وضع المشكل على حقيقته حتى يمكن تصوره على حقيقته وحتى يمكن تبعا لذلك أن تتضح الرؤيا لتيسير البحث عن الحلول المتطلبة واللازمة وهذه حتمية تفرض علينا فرضا أن نضع الأزمة وضعها المناسب ونسمي الأشياء بمسمياتها ونعلنها صريحة واضحة بأنها أزمة فكر لا أزمة نقد وشعر.
فمنذ سنوات وبعد الاستقلاا وضعت الحركة الفكرية فيما وضعت فيه شؤونا الأخرى.
وكان وضعها قتضي اختيار النوعية التي ينبغي أن تكون عليها عربة الثقاة في القطار العام، بلغة السكك الحديدية، وكيفية تسييره لتنطلق جميع عرباته نحو حد محدود في مسيرة منضبطة وعلى قضبان متينة ومضمونة وبقيادة وتوجيه يتطلعان إلى كل جديد دون أن يتنكرا لكل قديم.
فهل تحققت هذه الانطلاقة وهذه الكيفية؟ الجواب: وبصرف النظر عن باقي عربات القطار الأخرى، فهل عني بعربة الثقافة في القطار العام وهل وقع اعدادها وتطوريها خلال مسيرتها لهذا الأمد من السنوات؟
صحيح أننا لم نكن نتوفر قبل الاستقلال على ثقافة واسعة الأرجاء متعددة المشارب مطعمة الأبواب والفصول.
وصحيح أيضا ومنطقي تبعا لذلك، أننا كنا ............. على المادة الخام لثقافة قومية كان يمكن أن .......... أوسع وأكثر فسحة، إلا أن الظروف القاسية ........... كانت سائدة في عهد ما قبل الاستقلال لم تكن تسمح بإجراء عملية تحويل واسعة لتلك المادة، ............. مع ذلك فإن طليعة من المثقفين المناضلن استطاعوا أن يحولوا ما كان في وسعهم أن يحولوه من تلك ............ إلى ألوان من الثقافة كان ولابد من أن تطبع ............. الإبداع مضمونا وأسلوبا ولغة، وهو طابع كان .......... مرة أخرى أن يصورها في الكثير من .......... على أنها ثقافة لا تتمتع بكامل حريتها، ............ ذلك أنها لم تكن تستطيع الإبداع إلا في نطاق ............. محدود من الظروف والملابسات التي تحيط بها ............. أنفاسها وتتجسس على خطواتها، ومع كل ........... وما هو أكثر من ذلك وما كانت تعانيه الثقافة ............ تلك الحقبة.
فلقد استطاع مناضلون عصاميون أن ينزعوا .............. من ألوان الثقافة بمقتضى مضامنها ومفاهيمها ........ تلك الحقبة، وهي مضامن ومفاهيم كانت مقاييسها ........ وتقيم الإنتاج الثقافي بتلك المعايير التي كانت سائدة في ذلك العهد أي منذ ازيد من ثلاثين سنة .......... كان يستطاع «تهريبه» من منشورات الشرق ............ ومن واردات مصر بالذات، ولئن كانت بضاعة .......... من ألوان الثقافة يصح وصفها ونعتها .......... فإنها مع ذلك كانت تمثل شيئا وكانت الى جانب ذلك تتطور كيفا وكما بمرور السنوات بما ............ من وسائل التلقيح والتطعيم الواردة من بلاد ............ العربي، حتى انه ليمكن القول ويصح ان .............. «الانتفاضة» الثقافية التي كافحت طويلا في ........... البقاء لم تفتر منذ الثلاثينيات محققة ........ الفكر بين الجنوب والشمال في وقت كان فيه ............ التقسيم الترابي مفروضا ومعمولا به.
كان أدب المقالة الأدبية وطابع المقال السياسي ............ الدراسي في الأبحاث والدراسات ومحاولات ............. في القصة والأقصوصة وإنتاج شعري واضحا .............تجاهه وملامحه وأسلوبه ولغته كذلك، وتمشيا مع هذه الخطوات كانت هناك حركة نقد تستمد .............. هي الأخرى من الواقع المغربي.
وبالرغم عما كان يعانيه الوطن من ضيق فكري ........ الوسائل ومن مضايقة في حرية التعبير فإن عهد ........ قبل الاستقلال  تمكن من غنتاج بضاعة فكرية، ولو انها مزجاة فإنها عبرت عن وجود ومطمح وأهداف، وكانت في اغلبها ثقافة متجاوبة مع الجماهير موضوعيا ومفهوما وأسلوبيا ولغويا، وكانت بالإضافة على كل ذلك تعرف ماذا تريد وتعرف الطريق المؤدي إلى ماذا تريد، وكان من الممكن بل ومن الواجب تطوير هذه الحركة بالدعاية والعناية والسهر على تلقيحها وتطعيمها بما يجد في واقع البيئة المغربية وبما يجد خارجها من عناصر التطعيم والتلقيح، فهل حدث هذا؟
انه لم يحدث شيء كثير من ذلك مع مديد الأسف وتلك هي العقدة المزمنة في أصل الأزمة الفكرية التي عانى ويعاني منها مغرب الاستقلال.
وربما لم يكن بالشيء الجديد القول أن الوضع الثقافي لم ينل من العناية والرعاية في أوائل عهد الاستقلال ما كان يجب أن يناله، ومرد ذلك إلى أنه لم يدمج إدماجا ولم يستعمل كسلاح للتعبئة في مرحلة بناء الاستقلال، اما لماذا لم يقع ذلك، فتلك قصة أخرى تجرني إلى السياسة وتخرج بي عن موضوع الثقافة الذي حددته لنفسي في هذا العرض، وكنتيجة لهذه الهفوة فإن أمر الثقافة لم تجر عليه عملية ربط بين عهدين وحقبتين، ولم يعن فيه بالعربة الثقافية بالقدر الذي عني بعربات أخرى في قطار عهد الاستقلال، وبلغة السكك الحديدية مرة اخرى.
وساعدت «نشوة» الاستقلال، و«انتشاؤه» على الانصراف إلى أشياء اخرى ربما كانت أكثر نفعا وإيرادا من الثقافة.
وفي غمرة هذه النشوة ظهرت معايير ومقاييس لمجموع جوانب الحياة العامة في البيئة المغربية لعهد الاستقلال، وجاء ترتيب الثقافة في حاجياتها لا ليحتل المرتبة التي كان ينبغي أن يحتلها، فكان طبيعيا والحالة هذه الا يتحقق عنصر «الاستمرارية» في الثقاة حتى إذا خفت حدة «نشوة الاستقلال» وتحتم تصنيف عوامل النهضة العامة لعهد الاستقلال ظهر نوع ان لم أقل انواع من التجاذب والجاذبية في امر الثقافة وانتمائها واختياراتها في المضامن والمفاهيم وفي الأسلوب بل وحتى في لغة الكتابة والتعبير.
وبما أنه كان ولابد لثقافة عهد الاستقلال من أن تتطلع على مصب يمكنها أن تتأثر بمجرياته، فإنها أولت الاسبقية إلى الشرق العربي مثلما وقع وحدث لثقافة ما قبل الاستقلال إلا أن الوضع الثقافي العام في الشرق العربي كان هو الآخر قد دخل مرحلة قيل عنها أنها مرحلة تجديد حيث بدأ في أوائل الخمسينات يحاول أن يكيف نفسه تكييفا نعت بأكثر من وصف وحمل أكثر من شعار، بيد أنه سرعان ما زج به في بحر لجي من الاتجاهات والمذاهب التي آلت ببلاد المشرق العربي إلى وضعية دقيقة وخطيرة من المتناقضات الفكرية، كان من الطبيعي ان تطفو بسيماتها وعلاماتها فوق سطح المجتمعات العربية عموما.
ولذلك فإنه يحق القول أن الثقافة في المغرب بعد الاستقلال لم يكن لها في تطلعها نحو الشرق العربي نفس الحظ السعيد الذي حظيت به أختها قبل الاستقلال حيث كان الوضع الثقافي يتوفر على استقرار ملحوظ، واختيار واضح، وخط مستقيم، وقيادة فكرية واعية، وذلك بالرغم عما كان يرمي بها الوضع السياسي في الشرق العربي خلا تلك الفترة ـ تارة باللمز وأخرى بالغمز ـ من انحراف وفساد.
وتلك مميزات وخصائص كان لها ولابد من أن تكون ضمن ما يتوارد على ثقافة المغرب في عهد الاستقلال من مؤثرات خارجية بدأت انعكاساتها تبدو سلبيا وإيجابيا فيما يكتب وينشر، وكان الجانب السلبي فيها يتميز بالخلط والحيرة والارتباك والاهتزاز وعدم وضوح الرؤيا في الخط العام لثقافة عهد الاستقلال وهذا ما يبدو جليا في الساحة ليرسم ظلاله المشوشة على ما يظهر من إنتاج يشخص ويجسم أزمة في الكل لا أزمة في الجزئيات فحسب كما يراد وضعها وتصورها وتصويرها أيضا، فلا غرابة أن لاحظنا انعدام النمو في سوق الاستهلاك الثقافي بالقدر الذي كان يجب أن يكون عليه الوضع الثقافي في عهد الاستقلال.
فالإنتاج الذي يعد وينشر لم يستطع في أغلبيته أن يتجاوب مع الجماهير المغربية لأنه احيانا يتعمد التعالي عن تفكيرها وواقعها وبيتئها، وإمعانا في التعالي فإنه يستخدم في مخاطبتها لغة يصعب استجلاء أسرارها حتى على المتعلم ذي المستوى المتوسط فبالأحرى القارئ المبتدئ وهو بفعل كل ذلك لمجرد التعالي ومحاول منه للظهور بمظهر يمكن إضفاء أي نعت من النعوت عليه، إلا أنه إنتاج يعر مراتبه ويضبط وسائله.
ويعرف هو نفسه ليعرف الناس، إذ كل إنتاج فكري لا يحدد هويته لنفسه بكل ضبط وفي منتهى الدقة يكون غير قادر على أداء رسالته وخصوصا في بلد مايزال في مرحلة النمو الذي أثبتت التجارب أن التعقيد والتمييع يلحقان أفدح الأضرار بمسيرته في مختلف الميادين، وهما نقيصتان أثبتت الأوضاع والأحداث والتجارب كذلك أن أعداء تقدم البلدان النامية يستخدموها بعد أن يفلحوا في تسربهما كسلاح في محاولة منهم لعرقلة مسيراتها لمقاومة التخلف واستئصال أسبابه وجذوره.
وهكذا فإن ما تتعرض له الثقافة في البلاد العربية عموما وفي بلدان العالم الثالث بصفة أعم من ضحالة وحيرة وارتباك وانعدام في الهوية وضباب في الرؤية مرده أولا وقبل كل شيء إلى فقدان الذاتية الفكرية أو محاولة تكوينها من عناصر غريبة عن الجسم القومي الذي يعد رفضها له أمرا طبيعيا ومنطقيا.
ولئن كانت سنة التطور تقضي بالتجديد والتحويل والتطعيم والتفتح والتجاوب مع كل تراث إنساني فإن ذلك لا يعني مطلقا نسخ ثقافة بأخرى، والتعبير عن الأحاسيس والمشاعر لشعب بتقليد رسم صور غيره من الشعوب الأخرى، فلكل مقام مقال، ولكل بيئة مقوماتها وخصائصها ومعدنها الذي لا مفر من الاعتماد عليه في كل بيئة فكرية بمعناها الواسع.
وإذا كان الالتزام الثقافي يعتبر من بعض الوجهات ضرورة فإن الثقافة في بلدان العالم لن تكون غير ملتزمة بطبيعتها وبالنوعية الخصوصية في مهمتها، ومن ثم فإن قضية الالتزام غير واردة لأن كل ثقافة غير ملتزمة فإن عدم التزامها يرجع إلى أنها فاقدة لذاتيتها وشخصيتها ولانعدام الرؤيا في غايتها التي ينتج عنها طبعا ضعف الوسائل في الأداء وحسن التبليغ.
ولعل اصل أزمة الفكر في المغرب إنما تكمن أو لعلها تكمن في عدم الالتزام بالاستمرارية بين عهدين والابتعاد عما نسميه بالذاتية الفكرية المغربية ليتبلور في إطارها نمو ثقافي واضح المضمون، مستقيم الفكر سلس اللغة، منفتح المنافذ عن كل ما من شأنه أن يطعمه من دون أن يمسخه أو يحوله إلى ........ وكلمات متقاطعة وأشكال من اللوغارتم ثم يقال .......جماهير «هاكم اقرأوا ثقافيه».
ذاك هو أصل الأزمة بكل بساطة، وبالمقابل ........ بساطة فغان التغلب على هذه الأزمة هو نقض ......... الذي ما فتئت مغازل مختلفة تنسجه منذ .........، وفي تكاثف الجهود من أجل صياغة ثقافة ........... عربية إسلامية ذات هوية أولا، وتتمتع ب......... وقابلية للأخذ والعطاء ثانيا، وواضحة الرؤيا ثالثا، وقادرة على التجاوب مع الجماهير رابعا، ......... يقين فإن مراعاة هذه الأمور والتقيد بها لهما ........... الكفيلان بإبراز وإخراج الصور الحية لثقافة يمكن تصنيف ألوانها مثلما تصنع أنواع الزهور في المزهرية بلغة الشعراء.
وقعد: فتلك في نظري هي حكاية أزمة الفكر بمنتهى البساطة وبعيدا عن كل تعقيد يزيدها تعيدا كلما وضعت في غير هذا الإطار المبسط والبسيط.
وما أحوجنا إلى أن نقتنع ونعبر عن اقتناعنا بسلوك جدي يأخذ كل قضية من قضايانا الفكرية والاجتماعية والسياسية بمأخذ جدي وخصوصا في هذا الزمن الذي يلهث وراء زحفه المتخلفون. عسى أن يلحقوا به، أما العابثون فإنهم لن يلحقوا به، لأنهم عابثون.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here