islamaumaroc

مصير التيارات العقائدية وضرورة الاختيار

  دعوة الحق

175 العدد

بسم الله الرحمن الرحيم
«ولو كنت اعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ان انا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون»
صدق الله العظيم
الموضوع يتعلق بمصير التيارات وضرورة الاختيار.
من حيث المصير، لا يكون حديثي عنه إلا تخمينا وافتراضا، أو حدسا وتصورا وتوقعا، ويظل المصير وراء ما يكون من حدسنا وافتراضنا، غيبا في ................ الغد.
وطبيعي ان الذين يفكرون منا في مصير التيارات، يقيمون تصورهم له على تقدير لاتجاه سيرها، وحساب لاحتمال ابعادها. لكن الأحداث بطبيعتها متغيرة فليس من شأنها الثبات ليصدق توقعنا بالضرورة. وغير مستبعد في عالمنا الذي يتغير بين لحظة وأخرى، أن يحدث في أي وقت ما يخلف التقدير والحساب، ويتجه بمصير هذا التيار أو ذاك، إلى مصير غير الذي توقعه الحاسبون.
لا يعني هذا بطبيعة الحال، ألا نشغل بالغد ونعملل له حسابا، لكني أوثر أن أدع هذا المصير يتكلم فيه من يقفون في مراصد التيارات يرقبون مسارها. حسبي أن أتكلم عن واع الأمس واليوم:
عن ماضينا الذي كان، شهد فيه التاريخ أمتنا تحقق وجودها الكريم الحر تحت لواء عقيدتها، وتبدع حضارها الرائد التي قادت مسرى البشرية في ظلمات عصورها الوسطى، حضارة إسلامية الجوهر والروح والفكر والمنهج، عربية اللسان والقلم، شاركت فيها شعوب الأمة من أقصى المشر الآسيوي إلى أقصى المغرب الافريقي، وكان القرآن دليل هذه الحضارة الإسلامية الرائدة القائدة، ومنارها ولواءها..
عن ذرائع الغزو الفكري الضاري الذي تسلط علينا في ليلنا الطويل، وجعل من عقيدتنا هدفا لم يغب قط عن بصر الغزاة من كل جنس وملة، ليشوهوا الإنسان فينا ويفرغوه من جوهر ذاته ويمسخوا ملامح أصالته.
عن حاضرنا البائس التعس، الذي استعرنا فيه ثقافات الغرب وانتحلنا شتى مذاهبه، وتوزعنا فيما بينها طرائق قددا ذات اليمين وذات اليسار، فما أغنى ذلك كله شيئا، أي شيء، فيما تعاني أمتنا من هزيمة وهوان وتمز، ولا أعطتنا المذاهب التي انتحلناها والمدارس التي انتمينا إليها، أي عوض عن عقيدتنا التي نفرط فيها وأصالتنا التي هانت علينا
عن هذا الواقع مما كان بالأمس وما هو كائن اليوم، يمكن أن أتحدث. أما المصير في الغد فلا علم لي به، الله يعلمه، ولست إلا كما قال شاعرنا الجاهلي الحكيم «زهير بن أبي سلمى»:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
ولكني عن علم ما في د عم
وأتلو من كلمات ربي، ما تلا نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام:
«ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، ان انا نذير وبشير لقوم يؤمنون».
فماذا عن التيارات العقائدية؟
التيارات فيما أفهم، لا تنسب إلى العقائد ولا توص بها. وإنما هي مذاهب اقتصادية وسياسية واجتماعية محدثة، انتحلت في عصرنا اسم العقيدة التي لا تتعلق بغير الدين.
وقد يبدو من عجيب المفارقات، أن تنتحل هذه الصفة، مذاهب معادية للدين ملحدة به منكرة له، يبشر دعاتها في الناس باليقظة من تخدير ما سموه أفيون الشعوب، ففيم تعلقها بصفة العقيدة التي عرفها تاريخ البشرية للدين وحده؟
لكن هذا العجب يزول، إذا عرفنا أن التجربة الطويلة علمت قادة هذه المذاهب أن الإنسان لا يمكن أن يعيش في فراغ من العقيدة، فكان أن أعطوا المذاهب اسم العقيدة، في محاولة لملء الفراغ الذي ارادو عبثا أن يملئوه بتعاليم مذهب اقتصادي اجتماعي. وافضى بهم اليأس إلى أن يجعلوا من قادتهم آلهة معبودة على الأرض، لعلها تلبي ما في وجدان الشعوب من نزوع فطري راسخ، إلى التعبد.
وثبت عقم المحاولة لإحلال المذهب بديلا من العقيدة، وكانت وصية الفيلسوف «بالميرو تولياني» الزعيم الراحل للحزب الشيوعي الإيطالي، تلح على ضرورة تقدير الحزب لغلبة السلطان الديني، وتنصح لقادة المذهب بأن يتقوا أزمة عداء المذهب للدين.
ومضى «بالميرو» تاركا وصيته وثيقة تاريخية تحذر من خطر اصطدام المذهب بالعقيدة الدينية، فبدأ محاولات المصالحة مع الأديان، من منتصف القرن الحالي ـ أي بعد قرن من إعلان ماركس «المانيفستو) سنة 1848 ـ فسمحت روسيا لأفواج من مسلمي آسيا السوفياتية بالسفر إلى مكة لأداء فريضة الحج، ودعت عددا غير قليل من علماء الإسلام ومفكريه في المشرق والمغرب، لحوار مع أقطاب المذهب، قصدا إلى التعايش السلمي مع شعوب الأمة الإسلامية.
كما استقبل البابا الراحل «بول السادس» في الفاتيكان، عددا من أقطاب الشيوعية. وجرت مفاوضات بين ممثله «الكاردينال فرانز كوينج» ـ كردينال النمسا ـ وحكومات المجر ويوغسلافيا ثم تشيكوسلوفاكيا للاعتراف بحق الكنيسة في التوجيه الديني لرعاياها الكاثوليك، دون المساس بسلطة الحكومة.
تلك كانت تجربة الشيوعية في مقاومتها لما سمته «أفيون الشعوب» ومحاولتها أن تحرر الإنسان من سلطان العقيدة، ومضى قرن وبعض قرن، فما استطاعت أن تعطي عن العقيدة بديلا.
وقرن كامل ليس وقتا قصيرا في امتحان وتجربة، وبخاصة بالقياس إلى عصرنا في جرأة اقتحامه وسرعة تغيره وامتداد آفاقه.
ولا أدري مصير المحاولات المبذولة للمصالحة التي فرضها رسوخ التدين في فطرة الإنسان.
قصارى ما ادريه، والله أعلم، أن بين هذه المذاهب المعاصرة والدين، تناقضا أساسيا يصعب تلافيه والتغلب عليه.
واقول: المذاهب، بصيغة الجمع، لأن الرأسمالية منها كالشيوعية سواء، في تناقضها مع العقيدة الدينية، على ما يبدو في ظاهر الأمر من غرابة الجمع بين الرأسمالية والسيوعية في هذا السياق.
وبيان ذلك، أن الدين مع بالغ تقديره لبشريتنا يتعامل مع إنسانية الإنسان التي يفترق بها عن جنسه الحيواني العام.
العقيدة والإيمان، من خصائص الإنسانية. وكل تكاليف العبارات والشعائر والقيم الأخلاقية، أمور تتعلق بإنسانيتنا. فنحن بهذه الإنسانية لا بالحيوانية فينا، نؤمن ونتعبد ونتقي ونخشع ونخطئ ونتوب. وبإنسانيتنا نختلف ونتفاضل، فيكون منا المؤمن والكافر، المهتدي والضال، التقي والفاجر، الكريم واللئيم، الطيب والخبيث.
ولا شيء من هذا ومثله، يتعلق ببشريتنا المادية التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، ونتماثل فيها جميعا لا فرق بين مؤمن تقي، وكافر فاجر.
المذاهب الشيوعية والرأسمالية تتعامل مع ماديتنا البشرية التي ننتمي بها إلى عموم جنسنا الحيواني، وليس مع إنسانيتنا التي تحمل أمانة عقيدتها لا تكره عليها، ومسئولية سلوكها وسعيها، وتبعة إرادتها الكسبية فيما هو متروك لحرية اختيارها من قول أو عمل. وهي أمانة صعبة انفرد الإنسان بحملها دون سائر الكائنات التي تخضع للتسخير المطلق، فيعفيها التسخير من المسئولية والحساب.
المذاهب المعاصرة، الشيوعية منها والرأسمالية، تعطل أمانة الإنسان بفرضها الإكراه المذهبي. وتلغي ارادته الحرة بإخضاعه لتعاليم المذهب في القول والفعل، على وجه الإلزام والتسخير المطلق. وقد نعلم أن الدول الشيوعية لا تسمح لأحد من رعاياها بأن يميل إلى الرأسمالية، لكنا قلما نذكر أن أمريكا، قمة الرأسمالية، لا تسمح كذلك لأحد باعتناق الشيوعية.
والنظم الشيوعية تأخذ قوتها، ان لم تأخذ سبب وجودها، من تأمين الحاجات المادية للبشر، صادقة في ذلك مع نظريتها في التفسير المادي للتاريخ.
وفي الطرف المقابل، تقوم الرأسمالية، على المادية أيضا، لأنها رأسمالها، وتحاول كذلك أن تؤمن بقاءها في صراع المذاهب، بتأمين الحاجات لشعوبها، اتقاء تمردها وسدا لذرائع الدعاية الشيوعية.
فليكن أن هذه المذاهب وتلك، استطاعت حقا بوسيلة أو بأخرى أن توفر للناس الغذاء والمسكن والعلاج والدواء، هل يخرج هذا كله عن نطاق بشريتنا المادية الحيوانية؟
ما من حيوان، بشرا كان أو بهيمة أو وحشا أو حشرة، يستغني عما تقوم به حياته من ضرورات مادية. كل الحيوان يأكل ويشرب ويسكن ويتناسل، ويلتمس الدفء والراحة والسلامة من الأذى والمرض.
والإنسان وحده، هو الذي يصوم نسكا ومجاهدة، ويطيق الجوع الاختياري والحرمان الإرادي، ولا يطيق الذل والعار، وقد يبذل حياته فدية لشرفه وكرامته وعقيدته ووطنه.
والتدين فطرته، لأن الدين مع تقديره لبشريته، ينظر وراءها إلى إنسانيته التي يكابد بها معركته الأبدية بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الجمال والقبح.
ثم ان الدين يحمي الإنسان فينا، من لعنة العدم التي تجعل حياتنا الدنيا عبئا لا يطاق، وعبئا عميقا ينتهي بضجعة في القبر، للبلى والفناء.
وفي تقرير الدين للحساب والجزاء، يحمي الحياة الإنسانية من ضراوة المادية وفوضى العبثية.
والشيوعية صريحة الموقف من الحياة الآخرة. والرأسمالية على ما تدعى من تدين، تسلك سلوك من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، طاغوت المال يفتنها عن عبادة الله، ولا يصح في العقول أن تقيم الرأسمالية وزنا لأي حساب في الآخرة، مع فحش الاستغلال وضراوة الاحتكار وامتصاص عرق الكادحين واستنزاف أقوات الشعوب، بالربا والنهب والاغتصاب.
من ررؤيتي لهذا التناقض بين الدين والمذاهب الشيوعية والرأسمالية، كان التفاني إلى أن هذه التيارات لا تكون عقائدية إلا على وجه الانتحال أو الإيهام.
فماذا عن ضرورة الاختيار؟
في هذا أيضا فكرت أتساءل: من الذي يختار؟ أهو جيلنا نحن الآباء الكهول، أم جيل أبنائنا الشباب؟
بالنسبة إلينا، لا أرى الموقف يحتمل أي اختيار يضع عقيدتنا في ميزان المفاضلة تجاه التيارات المذهبية المحدثة، إذ لسنا مخيرين بين أن ننتمي إلى عقيدتنا أو إلى غيرها من تيارات ولو وصفت بالعقائدية. لسبب بسيط هو أن الإنسان لا يختار بين ان يكون هو ذاته أو غيره. بين أن ينتمي إلى أصله أو ينتمي إلى الغرباء دعيا بغير أصل.
بل لست أتصور لمكان الاختيار في مجال العقيدة التي هي من جوهر شخصيتنا الضاربة جذورها في أعماق وجود أمتنا: قانون الطبيعة لا يسمح بالبقاء لنبت شيطاني بغير جذور، وقانون الوراثة لا يعترف بإمكان التخلي عما نحمله جبريا من حيث ندري أو لا ندري، من ميراث صنع شخصيتنا القومية بكل خصائصها المميزة وعناصرها الأصلية.
وإذا كانت أمم أخرى تأخذ التفسير المادي للتاريخ، فإن العقيدة هي التي تعطي تاريخ أمتنا تفسيره ومنطقه، في مختلف مراحله وأدواره، ما بين تألق ورقي وسيادة وقيادة، وخمول وتخلف واستعباد وهوان، فلننظر أين نحن، بما فرطنا في عقيدتنا، وأين كنا حين لم نعرف غيرها دينا، ولم ندن لغيرها بولاء؟
ومن واقع تاريخنا، لا أجد لمثلي مجالا لهذا الاختيار بين التيارات التي تتجاذب إنسان العصر ذات اليمين وذات اليسار، من حيث أرى أن الإنسان لا يختار بين أن يكون أو لا يكون..
فهل الاختيار متروك لأبنائنا جيل الشباب بما هم أصحاب الغد؟
ذلك ما يبدو طبيعيا.
ولكن منطق حرية الاختيار في العقيدة والفكر والمذهب، أن يكون الإنسان على بينة مما يرفض أو يقبل.
ومع الجهل بالمرفوض أو المقبول، تتحدد زاوية الرؤية ومجال التفاضل، فتنتفي حرية الاختيار.
ومع الجهل بكليهما، يكون ضحية الاستهواء والانقياد الأعمى، لا يملك من أمره شيئا ولا يدري فيم السير إلى يمين أو إلى يسار.
وهذه هي مأساة شباب اليوم.
ضحايا الصراع المذهبي الذي استدرجهم من حيث لا يدرون، إلى الانتماء إلى غير أصولهم، وخايلهم بوهم الحرية في الفكاك من (روابط) العقيدة والتمرد على القيود والأغلال التي تنميهم إلى أمتهم وتنسبهم إلى أبنائهم.
وصراع المذاهب يعتمد أساسا على وسائل الدعاية، تمكن لها من منافذ السيطرة على العقل والوجدان والضمير. وتتسابق قوى العصر الماردة على مناطق النفوذ الإعلامي، بخطط بالغة التعقيد، تضعها أجهزة متفرعة يتفاوت نجاحها بمقدار ما تملك من مكر الحيلة وذكاء الدهاء ومضاء الوسيلة.
وعلى قدر ما يبدو صراع القوى والمذاهب رهيبا وضاريا، فإنه في الواقع محكوم بمنطق التواطؤ على الشعول المستضعفة، والتعادل في موازين القوى المسيطرة على عالم اليوم.
وقد دار علينا الزمان، فألقى بنا في دوامة هذا الصراع، بعد أن مكن له غزو فكري جائح، وزع انتماءنا الثقافي على مدارس متنافرة، ووزع ولاءنا على مذاهب متناكرة، وحجب عن شباب الأمة من ماضي تاريخها وقيام عقيدتها ما يحمي أصالتهم في مهب التيارات الغازية، ويحصنهم بمناعة ضد الاستهواء والتغرير والتخدير.
وباسم الحرية والعصرية، فرطوا في أصول شخصيتهم المميزة وجذور وجودهم العريق، عن جهل بقيمتها وعطائها.
وبالجهل تفقد حرية الاختيار منطقها، فلا يكون الاختيار إلا انقيادا أعمى لما يستهوي الشباب الجاهلين بتاريخهم وعقيدتهم الغرباء في وطنهم، من جواذب التيارات، ولا تكون الحرية إلا عبودية جبرية لما يتسلط عليهم من سحر الدعاية ومخدرات الاعلام.
في حوار لي مع بعض الماركسيين من شباب الجيل، قالوا:
«انني والملايين أمثالي مسلمون بالجبر والإلزام، ثم بالتبعية والتقليد. يولد أحدنا فيقرر له أبواه عقيدته وتسجل في شهادة ميلاده من قبل أن يفتح عينينه. ثم يشب عن الطوق ويتفتح إدراكه، ليجد نفسه مقيدا إلى دين لم يؤخذ رأيه فيه، ولا يملك أن يرتد عنه في مجتمع مسلم، دون أن تطارده لعنة الردة».
وعجبت لجبروت الإلزام المذهبي، يخيل إلي هؤلاء المفتونين أنهم الأحرار فيما ينتمون إليه، وما لأحدهم فرصة اختيار أو مجال تفكير وراي. وقدرت اني ان واجهتهم بما أعلم من فتنة الاستهواء وسحر التنويم بأفيون العصر، حملوه مني على محمل الغباء أو التعصب، فقلت أجادلهم بالتي هي أحسن:
ـ الذي اعمله من أصول ديني، أننا ببلوغ سن الرشد والتكليف، نحمل مسئولية عقيدتنا وأمانة إنسانيتنا، فليس أبواي بحيث يحملان عني تبعة أو جزاء: «ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى» وأعوذ بعقيدتي من ان اكون ممن يعطلون عقولهم واسماعهم وأبصارهم وأنا أتلو من كتاب ديني: «لهم لوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالانعام بل هم أضل، أولئك هم الغافلون» فماذا لديكم تقدمونه إلى إنسانيتي من قيم مذهبكم المحدث، في مقابل ما أعطاني الإسلام؟ هل يسمح لي مثلا بأن أكون من رعايا روسيا روسيا، ولا أعتنق الماركسية، التي جعلت عقيدة؟
قالوا: يقينا، لا.
قلت: فاعلموا إذن أن الإسلام يحظر الإكراه في العقيدة. وقد عاش النصارى واليهود وغيرهم في ديار الإسلام من عصر المبعث إلى يومنا هذا، يمارسون عبادتهم أحرارا، لم يكرههم أحد قط على حرمة كنائسهم ومعابدهم.
فافرضوا جدلا أنني في روسيا أنتحل الماركسية إلزاما، هل يسمح لي بأن آخذ فيما مثلا بتفسير ماوتسي تونج، أو العكس؟
ردوا: كلا، بالتأكيد.
قلت: فاعلموا إذن أن حرية العقل في الإسلام ليست رخصة يجوز لنا أن نمارسها أو نتخلى عنها، بل هي فيه من جوهر إنسانيتنا الناطقة، فإذا تعطل العقل بالغفلة أو المصادرة، مسخت إنسانيى البشر وهبط إلى دونية الدواب العجماء: «ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون».
فافرضوا مثلا أنني آخذ هناك أو هنالك بتفسير القوم، هل يباح لي أن ابدي رأيا مخالفا لسدنة المذهب وقادة الفكر؟
قالوا بعد تردد وحيرة: الأمر يتعلق بالرأي المخالف، هل هو في حدود المباح أو غير المباح.
قلت: فاعلموا إذن ان حرية الرأي والكلمة في عقيدتي الإسلامية فريضة ملزمة، توجب علينا الأمر بالمعروف والنهي عما نراه منكرا، وتحرم علينا كتمان الجهر بما نعتقد أنه الحقد، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
فافرضوا أنني تحت ضغط الإلزام المذهبي، كتمت كلمة الحق أو حيل قسرا بيني وبين الجهر برأي مخالف، هل يسمح لي مثلا بأن أختار لنفسي ما أقرأ من كتب العقائد والمذاهب دون أن أتعرض لاتهام واضطهاد، أو التمسها من وراء الحدود، دون مصادرة فكرية؟
فسكتوا لا يحيرون جوابا، وقلت: فاعلموا إذن أن الإسلام يوجب علينا الإقرار بأنه مصدق لكل رسالات الدين قبله، ويفرض علينا أن نطلب العلم ولو في الصين.
فافرضوا مثلا أنني في روسيا أو في الصين لا أقرأ سوى ما يفرض علي من كتب المذهب وثقافته، هل يسمح لي مثلا بحق الخطأ فيما أفهم وأمارس من تعاليم المذهب؟
قالوا: يمكن من الوجهة النظرية باعتباره خطأ فرديا، لكنه من الوجهة العملية مستحيل، لأنك لا تعيشين منفردة بمعزل عن المجتمع ولو في نطاق البيت والمدرسة والعمل، ولابد ان تري عدوى الخطأ إلى بعض من حولك من أفراد الأسرة والجيران والأصدقاء والرفاق.
قلت: ولكن جواز الخطأ على الناس جميعا أصل من أصول عقيدتي الإسلامية. التي لا تعترف بالعصمة من الخطأ لأي مخلوق، الكمل لله وحده، وله سبحانه المثل الأعلى.
فافرضوا جدلا أنني تحاشيت الظهور بالخطأ، وتظاهرت بالالتزام تقية ومداراة، هل آمن أخضع لمراقبة مرهقة تكشف عما أخفي، وأعرض على أجهزة مدربة، تستخرج مكنون سري ومستور امري؟
وتحيروا لا يدرون بم يجيبون.
وقلت: فاعلموا اذن أن الضمير في عقيدتي الإسلامية منطقة حرام لا يحل أن تنتهك ولا أن تستباح. الله وحده يعلم النوايا وأسرار القلوب وخفايا الصدور.
وفي عصرنا تنتهك هذه المنطقة الحرام، وتخضع افكار الإنسان وهواجسه وأسراره لأبشع ضروب المصادرة والعبودية التي لا يقاس بها ما كان يعاني الرقيق في الدهر الغابر: يكبل بالسلاسل والأغلال في رجليه ويديه وعنه، ويبقى له عامله النفسي مطلق السراح لا سبيل إلى اقتحامه، ولا سلطان لسيد على هواجسه وخواطره. وإنسان العصر قد أبدل بالرق الجسدي، استرقاق العقل والنفس والضمير.
وأعود فأسأل: ماذا يعرف أبناؤنا الشباب من عطاء دينهم وقيم عقيدتهم ليصح لهم اختيار حر؟
ان الأمر يتشابه عليهم فيلبسون ما هو من أصول الدين وجوهر العقيدة بما طرأ على المجتمعات الإسلامية من منكر البدع وشوائب الخرافات وزور التأويلات، وتعييهم الوسيلة إلى معرفة دينهم ووعي بتاريخهم والاتصال بتراثهم، بعد أن عطل لسان قوميتهم بدعوى بداوة العربية، ليظلوا في منطقة الجاذبية للثقافات الغازية والتيارات الوافدة، تفتنهم عن عقيدتهم التي أكرمت الإنسان بعزة التوحيد، وحملته أمانة إنسانية، فحررته من سلطة الكهنوتية ورفعت عنه أصرها والاغلال، ووضعته تحت رقابة ضميره الحر، وحساب نفسه اللوامة.
وهم يلقون أسماعهم إلى ما يقال عن رجعية الدين، لا يخطر على بالهم أن يسألوا فيم تشتد وطأة الحملة على ديننا برجعية الانتماء إلى القرن السابع بعد الميلاد، ولا يتعرض لمثل هذه الحملة، سائر الأديان التي سبقته بسبع قرون وعشرين وأكثر.
بل قلما يفكرون في مجال هذا التطور الذي يخايلهم: هل تتطور القيم والمثل العليا التي يستشرف الدين بالإنسان إليها، في سعيه الدائب لتحقيق وجوده الكريم الحر، وطموحه الأبدي إلى الحق والخير والجمال؟
مثلا، هل يتطور التوحيد، وهو جوهر الدين كله، فيدين الإنسان بالعبودية لغير خالقه وحده؟
أو يتطور مقياس التفاضل بين الناس، خلقهم الله من نفس واحدة، واكرمهم عند الله أتقاهم؟
أو يتطور مفهوم العقيدة الإسلامية لحرية العقيدة والعقل والفكر والرأي والإرادة من حيث هي تكاليف ملزمة وواجبات مفروضة وأمانة صعبة وليست حوقا يجوز أن تصادر، أو يحل للإنسان أن يفرط فيها ويتخلى عنها برضاه أو بالقسر والإكراه؟
أو تتطور دعوة الدين إلى التقوى والعفة والصدق والأمانة والتراحم والتكافل والأمر بالمعرو والتواصي بالحق والخير والتناهي عن المنكر، وتقريره تبعة القول والعمل، وحتمية الحساب والجزاء؟
كلا، إنما تتطور نظم الحياة ووسائل العيش ومراحل التقدم العلمي. والدين في ختام رسالاته، قد وضع أصول العقيدة وبين مبادئها الكلية الكبرى، تاركا ماعداها من تفصيلات لمقتضيات سير الزمن ودواعي تغير الظروف والأوضاع، وهذا هو منطق عالميته وخلوده، صالحا لكل مكان وزمان.
وحركة التطور مع التقدم العلمي، سنة من السنن الكونية الثابتة، والأصل في العقيدة الإسلامية ان علم الإنسان ............. ينمو ويتقدم. «وقل ربي زدني علما» ويكشف جديدا من مجاهل الوجود وآفاق الكون، تحقيقا لآية الله فيما سخر للإنسان: ما في السماوات وما في الارض جميعا.
لقد يحق لي أن أسأل عن موقف أبنائنا منا، ين يكشف الغطاء عن أبصارهم وبصائرهم، فيحملوننا وزر ما عرضناهم له من ذرائع المسخ والتشويه والغربة والضياع، ممزقين بين ما في ضميرهم من ولاء لامتهم عقيدة وقومية ولسانا، وما يتجاذبهم من شتى التيارات الوافدة عن يمين ويسار، وهم يواجهون بهذا التمزق عار إسرائيل وتكاليف معركة وجود أمتهم، وتحديات العصر.
وبعد وقبل فما ينبغي لي أن أنسى بعد هذا الحديث حول الموضوع أن أحتاط فأقول: لعل المقصود بالتيارات العقائدية غير ما فهمته من التيارات المذهبية المحدثة المعاصرة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here