islamaumaroc

تعاليم الإسلام ومقتضيات العصر

  دعوة الحق

175 العدد

تعاليم الإسلام إذا خلت من الجمود والجحود وبقيت على صفاتها لم تتلوث بالبدع المحدثة صالحة لكل زمان ومكان وكفيلة بسعادة الدارين للجنس البشري بأسره، وهي مبنية على ثلاثة أصول: توحيد الله تعالى واتباع رسوله (ص) والخلق الحسن.  فأما توحيد الله سبحانه فهو على ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وهو اعتقادنا أن الله هو خالق هذا العالم والمتصرف فيه والمدبر لشؤونه لا يشاركه في ذلك أحد كما قال تعالى في سورة الأعراف: «ان ربكم الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين». معناه: أن مالككم وسيدكم الذي أنعم عليكم بنعمتي الإيجاد والإمداد والذي بيده مقاليد أموركم وبيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله هو الله الذي خلق السموات والارض، أي أنشأها وأوجدها من العدم على غير مثال سابق في ست مدد ثم استوى على العرش الذي هو أعظم المخلوقات. يغشي الليل النهار أي يغطي الليل بالنهار، فيقصر الليل ويطول النهار، ويغطي النهار بالليل فيقصر النهار ويطول الليل، وسخر الشمس والقمر، بأن جعل لهما نظاما بديعا دقيقا في مشارقهما ومغاربهما وفي انتفاع عباده بهما، ثم قال تعالى ألا له الخلق والأمر، فهو خالق كل شيء وله وحده الأمر والتصرف في مخلوقاته وهي كلها خاضعة لإرادته تبارك وتعالى.
وقال تعالى في سورة فاطر: «والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر اولئك هو يبور والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ان ذلك على الله يسير وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح اجاج ومن كل ما تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلك الله ربكن له الملك». تضمنت هذه الآيات الكريمة من دلائل ربوبية الله تعالى أمورا أولها إرسال الرياح التي تثير السحاب وتسوقه لإنزال المطر حيث يشاء الله وثانيهما أن ذلك المطر يحيي الله به الارض بعد موتها فتخرج من خيراتها وبركاتها أنواعا كثيرة من المعايش والارزاق التي تقوم بها حياة الإنسان والحيوان، ثالثها ان الله الذي أحيا الارض بعد موتها قادر على إحياء الموتى ببعثهم من مراقدهم لتجزى كل نفس بما عملت وذلك مقتضى عدله وحكمته، أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم غلينا لا ترجعون، رابعها ان العزة بيد الله من أعزه فلا مذل له ومن أذله فلا معز له فيجب على من يريد العزة أن يطلبها بطاعة الله وامتثال أمره واجتناب نهيه وتحكيم شرعه باتباع كتابه ورسوله فبذلك تنال وبضده تنال الذلة لا مبدل لكلمات الله، خامسها أن كل كلمة طيبة وكل عمل صالح يقبلهما الله تعالى ويثيب عليهما وكل كلمة خبيثة وعمل سيء لا يرضاهما الله تعالى ويعاقب مرتكبيهما. سادسها أن المجرمين الذين يخادعون الله والمؤمنين، ويمكرون السيئات ويدبرون المكايد في محاربة الحق اتباعا لأهوائهم، لهم عذاب شدد في الدنيا والآخرة، ووبال مكايدهم لا يعود إلا عليهم، فيبور مكرهم، أي يبطل: كما قال تعالى «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين»، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله. سابعها أن الله خلق الإنسان من تراب ثم من نطفة في أطوار كثيرة حتى استوى إنسانا كاملا وجعله أصنافا مختلفة في الخلق والأخلاق مع أن أصلهم واحد. فسبحان الخلاق العليم. ثامنها أن ذلك يستلزم كمال علمه بكل دقيق وجليل من أحوال خلقه إذ كمال الصنعة يدل على كمال الصانع. تاسعها تفضله على عباده بان خلق نوعين من المياه أحدهما عذب ويلذ شرابه وثانيهما ملح مر طعمه مغاير للأول تمام المغايرة. عاشرها أنه خلق لنا في من المائين أسماكا طرية اللحم، لذيذة الطعم متشابهة مع تغاير مستقرها العذب والملح. حادي عشرها أنه خلق لنا في البحر الملح اللآلئ ومرجانا للزينة والتحلي. ثاني عشرها أنه سخر لنا السفن والبواخر تمخر عباب البحور وتنقل الناس والبضائع من بلد إلى بلد لتبادل المنافع والتوسع في المكاسب ولوجب علينا الشكر ووعدنا بالمزيد. ثالث عشرها وقد تقدم إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل وتسخير الشمس والقمر. ثم قال تعالى (ذلكم الله ربكم له الملك)، فالذي فعل ذلك وأمثاله هو المالك المربي وغيره عبد مملوك عاجز.
القسم الثاني توحيد العبادة: وهو التوجه إلى الله وحده بالدعاء والصلاة والاستعاذة والاستغاثة وهي طلب الحفظ من الشر، والتوكل، وهو الاعتماد عليه في جلب الخير ودفع الشر، والنسك وهو الذبح بقصد التعظيم، والنذر وهو الذي يسمى بالمغربية (بالوعدة) والخوف بالغيب والخضوع بالقلب وهو الإنابة والحلف والتصدق لوجهه والعبودية والتذلل له، والتحاكم إلى شرعه في كل شيء، ونبذ كل تشريع لا يستند إليه، والرضا بقضائه والصبر على المصائب لوجهه، والتحاب فيه والتباغض لأجله والموالاة والمعاداة من أجله إلى غير ذلك من أنواع العبادات كالصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المحرمات والشبهات والإحسان إلى خلق والرحمة والشفقة عليه، كل ذلك وما أشبهه لا يفعل إلا لله، ومن فعل شيئا منه لغيره فقد أشرك به (انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار).
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات وهو ان لا يوصف الله تعالى إلا بما يوصف به نفسه في كتابه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم في حديثه
الأصل الثاني اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيجب على كل مؤمن أن يحبه أكثر من نفسه وأولاده ووالديه والناس أجمعين لقوله عليه السلام: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) رواه البخاري ومسلم من حديث أنس، وعلامة صدق محبته محبة ما جاء به، واتباعه بتحليل ما أحل وتحريم ما حرم، وفعل ما أمر به، وترك ما نهى عنه، والتخلق بأخلاقه بقدر الإمكان. والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به. رواه البغوي وصححه النووي، ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل، قال تعالى في سورة النساء (65) «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما» هذا قسم مؤكد من الله تعالى، أنه لا يؤمن احد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في كل نزاع يقع بينه وبين غيره، ثم يرضى بحكمه، ويسلم لذلك تسليما تاما، حتى لا يقع في قلبه أدنى شيء من الاشمئزاز. ولو كان ذلك ذهاب نفسه وماله واحب الناس إليه، وتحكيم كتاب الله وسنة رسوله. ولا يمكن تحكيمهما إلا بالعناية بدراستهما ومعرفة ما فيهما، والتهاون في هذا الأمر هو سبب كل ما أصاب المسلمين. أفرادا وجماعات، من الشقاء الحسي والمعنوي، ولا يزول عنهم هذا الشقاء إلا بالرجوع إلى ما كان عليه أسلافهم.
والأصل الثالث. الأخلاق، وهذا الأصل هو ثمرة الإيمان والأعمال الصالحة. قال تعالى: «بسم الله الرحمن الرحيم. والعصر ان الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر». فكل إيمان وعمل صالح لا يبعثان صاحبهما على التواصي بالحق والتواصي بالصبر فهما باطلان لا خير فيهما، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان، أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة وانفرد مسلم بقوله عليه الصلاة والسلام: وأن صلى وصام وزعم انه مسلم.
ومعناه، أن من اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث منافق خالص ليس عنده شيء من الإيمان ولو قال أنا مسلم ونطق بالشهادتين وصلى وصام وحج وفعل كل ما أمر به. ويزيد وضوحا ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يجعها إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر، ومعنى إذا خاصم فجر إذا أكد الوعد بالعهد يغدر فلا يوفي بعهده وإذا خاصم أحدا كذب وجحد الحق واندفع في الباطل ليغلب خصمه بذلك.
ورب قائل يقول: ان كل ما ذكرته في هذا الحديث ينطبق على تعاليم الإسلام. فأين مقتضيات العصر الحاضر التي هي من صلب الموضوع الذي تتحدث فيه فأقول في الجواب: لعلك تريد التقدم الاقتصادي، والاجتماعي والسياسي والعلمي والحربي إلى آخر ذلك. فتيقن أيها القارئ العزيز أن ذلك لم يغب عن بالي، فاضمن لي وجود ما تقدم من الأصول الثلاثة: التوحيد، واتباع الرسول، والتخلق بالأخلاق التي جاء بها، أضمن لك التقدم والتفوق في جميع الميادين حتى القنابل الذرية والهيدروجية والصعود إلى الفضاء أكثر مما بلغت إليه أمريكا والاتحاد السوفياتي زيادة على الرفاهية في العيش واستتباب الأمن. أما إذا أهملت الأصول فالتخلف والشقاء التام والذلة والهوان كل ذلك مضمون للمسلمين والعرب، وان سعوا بكل وسيلة من الوسائل المستوردة والعقائد المجلوبة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
قال رجل لعمر بن عبد العزيز:
ـ متى أتكلم؟
قال: إذا اشتهيت أن تصمت.
قال:
ـ فمتى أصمت؟
قال: إذا اشتهيت أن تتكلم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here