islamaumaroc

كيف فهم المسلمون مبدأ النسبية؟

  دعوة الحق

175 العدد

من مضحكات (جولد تسهير) زعمه أن العقيدة النسبية تنفي فكرة (السببية) في كل صورة من صورها يقول بالحرف الواحد: (هكذا العقيدة النسبية المؤسسة على المبدأ الأشعري، تبعد فكرة السببية في كل صورة من صورها...)(1).
هذه بطبيعة الحال مغالطة سافرة وتمحك جلي على عادة (جولد تسهير) في كل ما تناوله عن شريعة الإسلام مدفوعا بحقده المعروف، ومدفوعا في الوقت نفسه من جهات استعمارية معينة أقول هذا ـ وأنا أعلم ما أقول ـ لأن الرجل جرد الإسلام من كل فضيلة ومزية في كتابه (العقيدة والشريعة في الإسلام)(2) كما لو كانت هذه الشريعة لم تتضمن حنة من الحسنات، لذا قررت غير ما مرة بأن بحوثه تخلو بتاتا من روح الإنصاف وصدق العالم.
وهو بهذا الحكم الصارم ينفي عن عقول المسلمين قدرة الملاحظة للظواهر، وعملها فيما بينها على روابط محكمة، ولأجل هذا سأبين بجلاء موقف المسلمين من قوانين الأسباب والمسببات دون الدخول في التعقيدات حول (مبدأ السببية) وفلسفتها، لأنه متعالم مشهور لا يحتاج إلى البسط والشرح وسأقتصر على ما فهمه بحق أجدادنا الأوائل عن الترابط بين الأشياء دون ما التركيز على الأشاعرة بالضبط لأن (جولد تسهير) اتخذهم منطلق ـ كما هي حيله دائما في التآمر على الإسلام ـ للطعن والتجريح.
ان المسلمين عبر عصورهم قد لاحظوا في الظواهر الطبيعية معجزات الله تعالى المتعددة، وفهموا تناسقها وأعمالها من خلال الأسباب والمسببات، ومن خلال التلازم المطرد بين العلة والمعلول، لذلك قالوا. ان النار تحرق، والماء يروي والارض تنبث، وغير ذلك وتوصلوا بملاحظاتهم إلى أن هذه القوانين لا تتخلف بل تسير على نسق معين محكم، لكنهم لم يغفلوا أمرا أهم من هذا هو أن التلازم بين الأسباب والمسببات تهيمن عليها المشيئة الربانية والقدرة الإلهية المطلقة، واعترافهم بهذه الهيمنة دفع (جولد تسهير) إلى أن يختلق أكذوبة ابعاد فكرة السببية من أجل الوصول إلى حكم مبتسر هو أن الإسلام يرفض المقررات العقلية الأولى.
إذا استعرضنا القرآن الكريم وجدناه يحفل بالحديث عن هذا المبدأ ويقدم لنا صورا شتى عنه قال تعالى (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا)(3). وقال تعالى (وتر الارض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتنا من كل زوج بهيج)(4).
فآيات عديدة تتضافر فيما بينها تلفت الأنظار إلى عجائب الكون، وتثير اهتمامنا إلى ما أودعه الله تعالى في الكائنات من نظام بديع جميل يعتمد في ظاهره على مبدأ السببية.
فكيف يغيب عن علم المسلمين الأوائل منذ عصر النبوة المضوع تلازم الأسباب والمسببات؟ لكن (جولد تسهير) غاظه أن يومن المسلمون بأن الظواهر الكونية منقادة إلى الله تعالى تسير وفق مشيئته لا تتخلف، وانه إذا أراد أن يخرق العادة فليس هناك من سيعوقه عن أن يفعل ما يريد تصديقا لقوله تعالى (افرايتم الماء الذي تشربون. انتم أنزلتموه من المزن ام نحن المنزلون. لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون)(5) وتصديقا لقوله تعالى (ان ربك فعال لما يريد)(6).
فهم المسلمون ـ ونفهم نحن اليوم ـ بدون فلسفات فارغة، أن الأسباب هي في ظاهرها مفاتيح منحها الله الإنسان يتوسل بها إلى ما يريد وليقوم النظام الكوني على قاعدة محكمة، غير أن في داخلها السر الإلهي المعجز به تترابط وتعمل عملها.
في الحقيقة ان المسلمين فهموا هذه الحكمة المدبرة للكون في وقت لم تكن فيه العلوم الفلسفية والتجريبية قد انتشرت، وأدركوا ما فيها من أسرار، فكتاب الله تعالى بينهم يتلونه ويتمثلونه في وجدانهم وحياتهم العلمية، والرسول عليه الصلاة والسلام بينهم يزودهم بالمعارف، ويبين لهم سنن الله في الكون، لذلك عملوا في الحياة ورفضوا التوكل بالمفهوم الذي عرفه بعض المتأخرين حين اصطلحت عليهم الظروف العصبية من الجهل بحقائق الدين، فاعتقدوا أن التوكيل هو الانزواء عن الحياة ظنا منهم أن ربهم كفل لهم الرزق دون أن يجدوا في اكتسابه مما ساعد على تخلف المجتمعات الإسلامية، وجعلها تخلد إلى الكسل، فقل حب العمل والرغبة في التعمير الرحبة وتستشرف مشارف المعرفة الوسيعة.
أقول ان المسلمين الأوائل علمهم كتاب الله ومعه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخذ بالأسباب وجعلهم يقتنعون بانه أمر ضروري حتى لا تتوقف عجلة الحياة وحتى يتابعوا المسيرة المباركة في معترك الحياة، لذلك عملوا بجد وكد وبروح حافلة بالحيوية والنشاط تشد من أزرهم كلمات الله المضيئة، وتنفخ في عزمهم إرشادات الصادق المصدور كلما أصبحوا، وكلما جنهم الليل ليحققوا إرادة الله في الحياة، تلك الإرادة التي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا صحبها التوسل بالأسباب، قال تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل)(7) وقال تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون(8)، لذا كان مفهوم التوكل عندهم ورسوله النتائج لله بعد القيام بالواجب والتهيؤ لمواجهة كل الصعوبات والسعي لإنجاز المطلوب، ثم تأتي مرحلة التوكل على الله، قال تعالى (فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين)(9).
هذا هو الفهم الجيد الحق الذي أدرك به المسلمون سر الحياة وعلاقات الأشياء في الترابط بين الأسباب والمسببات، فعملوا وتوكلوا، لأن التوكل لا يتنافى أبدا مع الإيمان بالسنن المطردة في الكون، وساروا في مشارق الارض ومغاربها يزرعون النور في كل بقعة، ويبذرون الخير في كل أرض متخذين في ذلك الأسباب مطية لما يريدون تحقيقه من آمال من أجل رفعة الدين وسيادة منهج الله تعالى.
فكيف ـ بالله ـ يتوقع (جولد تسهير) ويزعم هذا الزعم الصبياني مع أن المسألة واضحة؟ أم أن (جولد تسهير) بما جبل عليه من تعصب يريد ان يجردنا حتى من معرفة قانون الأسباب والمسببات، لكن الرجل يجهل أو يتجاهل لإلحاده أن المسلمين هم الذين أجادوا فهم العلاقات الترابطية بين السنن الكونية بفضل كتابهم وبفضل رسولهم حين آمنوا إيمانا راسخا بأن وراء الظواهر الكونية قوة مطلقة ـ هي قوة الله تعالى ـ تتصرف بحكمة عجيبة معجزة وتسير الوجود أحسن تسيير (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت)(10).
وقصارى الكلام أن ما افتراه (جولد تسهير) على الأشاعرة إنما هو لأجل أن يجرح المسلمين ليس الا، ذلك ان الأشاعرة حين جنحوا إلى إثبات المدخل الأهلي في كل أمر قصدوا من ذلك الرد على الخصوم الذين تطرفوا في مجادلاتهم عن الإرادة الإلهية فكادوا يؤلهوا مبدأ السببية ويعزلوا عنها القدرة الإلهية(11)
فتبين أخيرا أن (جولد تسهير) أراد أن يثير كعادته زوبعة ولكن التوفيق خانه ـ كما خانه في كل ما تناوله عن قضايا الإسلام، فلم تنطل هذه الحيلة على من له إلمام بشريعة الله.

(1) العقيدة والشريعة في الإسلام ص 132 – 133 ـ ترجمة د. محمد يوسف موسى ط. 2.
(2) أنظر حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتطور الفقه، ونمو العقيدة.
(3) سورة الأنعام، الآية 99.
(4) سورة الحج، الآية 5.
(5) سورة الواقعة، الآيات 68 – 69 – 70.
(6) سورة هود الآية 107.
(7) سورة الأنفال الآية 60.
(8)
(9) سورة آل عمران الآية 159.
(10) سورة الملك الآية 3.
(11) لا يتصور عقلا أن الأشياء قائمة بذاتها تنمو وتتولد، كما يقول دعاة المادية من ماركسيين وغيرهم لأجل إثبات قدم المادة ونفي الحالق تعالى، وهذه النظرية تدل على قصور في العقل لا محالة، ففي سنة 1959 أذاعت وكالة الأنباء السوفييتية (تاس) أن الكسندر أوبا رين رئيس معهد الكيمياء في روسيا بعد بحث 37 عاما قال أن أصل الحياة لا يمكن أن يبدأ من العدم أو بالتفاعل الكيمائي أو التوالد الذاتي، كما أن إيجاد الخلية الأولى عن طريق تفاعل كيميائي غير ممكن أبدا، لذلك فالعلم لا يمكن أن يخوض فيما وراء المادة، انظر كتاب كبرى اليقينيات للدكتور البوطي ص 103 ط. 2.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here