islamaumaroc

شمولية التشريع الإسلامي ومرونته

  دعوة الحق

175 العدد

مضى القرن الأول الهجري ولم يكن للدولة الإسلامية قانون سوى القرآن والسنة، فإذا وجد أهل الفتيا من الصحابة والتابعين وغيرهم نصا اتبعوه. وإلا اجتهدوا برأيهم، وما كانت تدون هذه الآراء الاجتهادية، ولا تعتبر قانونا ولا شرعا إلا باعتبار ان مستندها ومرجعها إلى القرآن والسنة، ولكن لما اتسعت دائرة الفتح الإسلامي وانتشر الإسلام في الممالك القاصية، وتفرق حفاظ الشريعة ورواتها في مختلف الأنحاء خيف من تشتت احكام الشريعة ودخول الفوضى في التشريع. فكان هذا باعثا على أمرين: الأول تدوين حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والثاني تدوين المجتهدين اجتهاداتهم وأصولهم التي استندوا إليها في الاستنباط مثل الأئمة المجتهدين كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، واحمد بن حنبل وسواهم من مجتهدي الأمة، ومن هذا المنطلق صار رجال التشريع يرجعون إلى القرآن والسنة والاجتهادات وما كان في هذا من حرج لأن الرجوع إلى اجتهادات الأئمة ما كان إلا للاهتداء إلى فهم القرآن والسنة، والاستعانة على الاستنباط. فإن من درس الأحكام الشرعية التي اشتمل عليها القرآن في مختلف نصوصه من عقائد وعبادات ومعاملا وعقوبات تبين له أن الحكمة في تشريع القرآن والسنة هي تحقيق مصالح الناس والعدل بينهم، لهذا يقول الله تعالى في وصف القرآن «ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم» الآية رم 9 الإسراء.
ويقول سبحانه في وصف رسالة محمد صلوات الله عليه (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال التي كانت عليهم) الآية 157 الأعراف.
وقد أدرك العلماء في الشريعة الإسلامية هذه الحقيقة، فهذا الإمام الشاطبي يقول في كتابه الموافقات: (ان احكام الشريعة ما شرعت إلا لمصالح الناس وحيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله)، ويقول الإمام ابن القيم في كتابه الطرق الحكيمة: (ان الله سبحانه ارسل رسله، وانزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الارض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه).
وعلى ضوء هذا نرى علماء الشرع الإسلامي استمدوا من القرآن والسنة مبادئ تشريعية عامة تعتبر الدستور التشريعي الذي يبني عليه المشرع تشريعه، والقاضي قضاءه، وكل مبدأ من المبادئ التي تذكر ولا نراها تمت بسبب صحيح إلى تحقيق مصالح الناس وإقامة العدل بينهم، وتصلح للتطبيق في كل زمان ومكان. من هذا المبدأ المبادئ الخاصة بدفع الضرر التي استمدها العلماء من قول الرسول الأعظم عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار» وهي:
1) الضرر يزال شرعا من فروعه ـ ثبوت حق الشفعة للشريك، ووجوب الضمان على من أتلف مال غيره، ووجوب الوقاية والتداوي من الأمراض.
2) الضرر لا يزال بالضرر من مشمولاته ـ لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق ارض غيره وأن يحفظ ماله بإتلاف مال غيره.
3) يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام ـ منه، يقتل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم، يهدم الجدار الآيل للسقوط في الطريق العام.
4) يرتكب أخف الضررين لاتقاء أشدهما ـ من أمثلته تطلق الزوجة من زوجها للضرر والإعسار.
5) دفع المضار مقدم على جلب المنافع ـ من ذلك يمنع أن يتصرف المالك في ملكه إذا كان تصرفه يضر غيره.
وهناك المبادئ الخاصة بسد ذرائع الفساد. وهي من القواعد الهامة في التشريع الإسلامي كما يقول فقهاء النفس:
(وعندهم سد الذرائع الحتم
كمثل الامتناع من سب الصنم)
تلكم المبادئ التي استمدها العلماء من قوله تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) الآية رقم 108 الانعام، حرم الله تعالى سب آلهة المشركين مع كون السب غيظا وحمية لله وإهانة لآلهتكم، لأن ذلك ذريعة إلى سب المشركين الله تعالى، ويقول عليه السلام في سد ذرائع الفساد (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، الا وان لكل ملك حمى الا وان حمى الله محارمه)(1) وعلى هذا النموذج استمد العلماء تلك المبادئ التي صاروا في التشريع على ضوئها وهي ما يفضي إلى المحظور فهو محظور ـ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ـ ما ضر كثيره حرم قليله.
وقد تنزل لشرح مبادئ سد ذرائع الفساد العلامة ابن القيم في الجزء الثالث من كتابه (أعلام الموقعين) وذكر 99 مثالا على ذلك، مما أمرت به الشريعة ونهت عنه، من ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حرم الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها في الزواج، وقال: انكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم حتى لو رضيت المرأة بذلك لم يجز، لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة، ومن ذلك أن الشريعة منعت قبول شهادة العدو على عدوه ليلا يتخذ ذلك ذريعة إلى بلوغ غرضه من عدوه بالشهادة الباطلة، ومنها أن النبي نهى أن يبيت الرجل عند امرأة إلا أن يكون زوجا أو ذا رحم محرم عليه زواجها، فالمبيت عند الأجنبية ذريعة إلى الزنى، ومن ذلك أن النبي نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه الإنسان، أو يبيع على بيع أخيه، وما ذلك إلا أنه ذريعة إلى التباغض والتعادي بينه وبين أخيه الإنسان.
ومن المبادئ الخاصة في التشريع الإسلامي ـ رفع الحرج والمشقة وجلب التيسير المستمدة من قوله الله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الآية 78 الحج، وقوله (يريد الله بكن اليسر ولا يريد بكم العسر) الآية 185 البقرة، وقوله جلت قدرته (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) الآية 186 البقرة. ويتفرع عن هذا ما يأتي:
1) المشقة تجلب التيسير من ذلك أن الشريعة أباحت للصائم أن يفطر في السفر وعند المرض وقصر الصلاة في السفر، وأسقطت فريضة الحج عن العاجز والمريض.
2) الحرج شرعا مرفوع، منه قبول شهادة النساء وحدهم فيما لا يطلع عليه الرجال من عيوب النساء وشؤونهن:
«وفي اثنتين حيث لا يطلع
إلا النساء كاللمحيض مقنع»(2)
3) الحاجات تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحظورات، ويتفرع عن هذا المبدأ كثير من عقود المعاملات وضروب الشركات التي تحدث بين الناس وتقتضيها إدارتهم. فإذا قام البرهان الصحيح على أن نوعا من هذه العقود والتصرفات صار ضروريا للناس بحيث ينالهم الحرج إذا حرم عليهم هذا النوع من التعامل أبيح لهم ما يرفع الحرج منه ولو كان محظورا.
4) الضرورات تبيح المحظورات استمده العلماء من قول الله تعالى: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) الآية 173 البقرة، وذكر سبحانه الذين يتجاوز عنهم إذا تلفظوا بالكفر بقوله: (ألا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) الآية 106 النحل. وقد أبيح للمكره أن يتلفظ بالكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وأبيح أكل الميتة المحرمة، وشرب الخمر المحرم عند الضرورة، وأحل أكل مال الغير دفعها للهلاك عند بني كثير من الاحكام، وهناك البراءة الأصلية التي تعد في صف المبادئ الخاصة في التشريع الإسلامي وقد استنبطها العلماء من قول الله تعالى (هو الذي خلق لكن ما في الارض جميعا) الآية 29 البقرة. وقوله عليه السلام (كل مولود يولد على فطرة) والمبادئ المستنبطة في هذا الباب تجعل الأصل في الأشياء الإباحة، والأصل في الإنسان البراءة.
تلكم نبذة من المبادئ التي قام عليها التشريع الإسلامي التي لا يرتاب منصف في أنها مبادئ عادلة لا تتنافى مع أي مبدأ تشريعي عادل. هذا وان مبنى الفقه الإسلامي وجماعه يدور على أصول أربعة كما يقول القاضي الحسين: اليقين لا يرفع بالشك، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكمة، قيل والأمور بمقاصدها. ومن بين هذه السطور يتضح لنا أن القوانين الشرعية الإسلامية لم تضق عن حاجة، ولا وقفت عقبة في سبيل مصلحة أو عدالة بل وسعت مصالح الناس على اختلافهم، فقد كانت الدولة الإسلامية في عصورها الذهبية ممتدة رقعتها من بلاد الصين شرقا إلى المحيط الغربي، وكان البحر المتوسط بحيرة إسلامية تخفق الراية الإسلامية على ممالكه، وكانت هذه الولايات المختلفة تضم أمما متباينة الأجناس والعادات والأديان والمصالح من عرب وفرس وروم وغيرهم، وقد دبرت الدولة الإسلامية شؤون هذه الأمم والشعوب بقوانين من شريعتها، وما حدثنا التاريخ ان المسلمين في عصر من تلك العصور استمدوا قانونا من تشريع غيرهم أو استقدموا مشرعا أجنبيا لتشريع قوانينهم، بل كما فتح الله لقواد الجيوش ولايات فتح العلماء للتشريع أبوابا من الاجتهاد والاستنباط حتى كانت حركتهم التشريعية مسايرة حركة الفتح، وما ضاقت القوانين التشريعية عن حاجة، ولا قصرت عن مصلحة، ولا تنافت مع مصالح مسلم أو يهودي أو نصراني أو وثني، بل عاشوا في ظل عدالتها وتسامحها عيشة راضية.
والتشريعات الإسلامية التي كانت تطبق آنذاك سبقت المدنية الحاضرة بكثير من أصول العدل، واحتوت كل ما يدعو إليه كل مجتمع كامل صحيح، وقد اعترف بهذا علماء القانون ممن لا يدينون بالإسلام وها بعض شهاداتهم ناطقة بهذه الحقيقة يقول العلامة ـ سانتيلانة ـ(3) (ان في الفقه الإسلامي ما يكفي المسلمين في تشريعهم المدني إن لم نقل أن فيه ما يكفي للإنسانية كلها).
ولقد عقد البحاثة الأمريكي (هكنج) أستاذ الفلسفة بجامعة هارفورد، فصلا مستفيضا عن (مصير الثقافة الإسلامية) في كتابه (روح السياسة العالمية) المطبوع سنة 1932، فبعد أن تلكم بإسهاب عن أصول الفقه الإسلامي، وعن المذاهب الأربعة قال (ان سبيل تقدم الممالك الإسلامية ليس في اتخاذ الأساليب الغربية التي تدعي أن الدين ليس له أن يقول شيئا في حياة الفرد اليومية وعن القانون والنظم السماوية وإنما أن يجد المرء في الدين مصدرا للنمو والتقدم، واحيانا يتساءل البعض عما إذا كان نظام الإسلام يستطيع توليد أفكار جديدة، وإصدار أحكام مستقلة تتفق وما تتطلبه الحياة العصرية؟ فالجواب عن هذه الأسئلة هو أن في نظام الإسلام كل استعداد داخلي للنمو، بل هو من حيث قابليته للتطور يفضل كثيرا من النظم المماثلة).
والصعوبة لم تكن في انعدام وسائل النمو والنهضة في الشرع الإسلامي، وإنما في انعدام الميل إلى استخدامها، وإننا نشعر بكوننا على حق حين نقدر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادئ اللازمة للنهوض.
وهذا ما حفز لتكوين هيئة علمية من خيرة العلماء ورجال القانون (بظهير شريف ريقم 1.57.190 مؤرخ بـ 22 محرم 1377هـ موافق 19 غشت 1957م مما كانت نتيجته وضع المدونة) تكون مهمتها وضع قانون وفق ما جاء به القرآن والسنة الصحيحة، وأن ترجع إلى أقوال المجتهدين في ما يوافق مصلحة الأمة؛ وما لا يوجد نص فيه من القرآن والسنة من معاملات الناس: يوزن بميزان المصلحة، وينظر فيما يجلبه من نفع للأفراد والجماعات. وبعد هذا الوضع الذي كان حسنة من حسنات المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه لا مانع من إعادة النظر مرة أخرى وتجديده فيما يكون حدث من نوازل وقضايا في هذه الحقبة تستدعي بطبيعتها الاندماج في نظائرها وأشباهها للكشف عما يمكن أن يعلونها من غموض يقفها موقف الحيرة والاضطراب، وليس هذا بعزيز على رجال القانون طالما التشريع الإسلامي منشرح الصدر، واسع الأفق يضم إليه ما يبدو بعيدا (في نظر القاصر) عن مبادئه السمحة الطبعة لكل تطوير وتجديد.
وما هذا على همة جلالة الحسن الثاني بغريب وهو الملك المثقف المتفتح أيده الله وحفظه في سمو ولي عهده سيدي محمد وباقي الأسرة.

(1) في البخاري ومسلم عن أبي عبد الله النعمان بن بشير.
(2) ابن عاصم في تحفته.
(3) سانتيلانة (Santtilana) 1845 – 1931 ولد في تونس، مستشرق إيطالي، درس في روما ووضع القانون المدني والتجاري اعتمادا على قواعد الشريعة الإسلامية ونسقهما على نسق القوانين الأوروبية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here