islamaumaroc

أيامنا الخضراء (تقديم ديوان للمؤلف)

  دعوة الحق

175 العدد

أصدر الشاعر الأستاذ احمد عبد السلام البقالي ديوان شعر تحت عنوان: «أيامنا الخضراء» عن المطبعة الملكية بالرباط. ويضم قصائد وطنية ووجدانية كتبها الشاعر خلال الثلاثين سنة الأخيرة.
وقد قدم الشاعر ديوانه بكلمة تحليلية جاء فيها:
«هذا الديوان ليس لي وحدي..
قصائده كتبت في بحر الثلاثين سنة الماضية .. وربما كتبها عشرة او عشرون شخصا معنويا سكنوا جسدا واحدا، ثم غادروه لساكنه الجديد.. هذا الساكن ـ الذي هو أنا الآن ـ والذي ورث ركاما هائلا من تجارب سابقيه، يختلف عنهم في السن الزمني، والعقلي، والعاطفي.. ويخالفهم الرأي في بعض ما كانوا يومنون أو يكفرون به.. إلا أنه لا يحاكمهم على ما اجترحوه من آثام، ولا يقسو عليهم فيما يصدره من أحكام.. لأنه أقرب الناس إليهم، وأعرفهم بحقيقتهم، واكثرهم تقديرا لظروفهم، وفوق ذلك أقواهم إيمانا بأنهم صدروا في كل ما كتبوه، عن شاعرة حقة، ونقاء في الضمير، وصدق في الوطنية وجهاد من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية، وإيمان بمبادئ الحق والخير والجمال.
ولا يعني هذا أنني أتنصل من مسؤوليتي على ما كتبته في أي مرحلة من مراحل حياتي، إلا أنني أومن بأن قصائد الشاعر ينبغي أن ينظر إليها كلوحات الرسام، كل واحدة على حدة.. لأن منها وليد ظروفه، ومعاناته ومخاضه..
وهناك شبه آخر بين قصائد الشاعر وألواح الرسام، فالقصائد تزداد قيمتها التاريخية والاجتماعية بقدر ما تزداد القيمة التجارية للألواح الزيتية بتقادم عهدها أو بموت صاحبها..
وقد ترددت طويلا قبل أن أقبل، شاكرا، عرض أخي الكبير، مؤرخ المملكة، الأستاذ عبد الوهاب بن منصور، الذي يعمل على جعل المطبعة الملكية باعثا بتراثنا القديم والحديث، لطبع هذا الديوان.
هل ما يزال للشعر قراء في غير النوادي الأدبية، وخلف جدران الجامعات؟ وهل بلادنا في حاجة إلى دواوين؟.
وماذا سيكون رأي النقاد الموضوعيين والمغرضين فيه؟
وبحثت عن الأجوبة من حولي، وفي داخلي، فخرجت بالنتائج التالية:
ـ نعم .. مايزال للشعر سوق وقراء رغم التزييف والتشويه الذي طرأ عليه في جميع أنحاء العالم.. ولن يزال.. بل سيتسع وينمو في وقت....... فيهالمادة تضيق خناقها على الفرد، وتثير....... حاسة الهروب والانعتاق.. وهناك دليل على .......... فيما تزخر به الصحف والمجلات من محاولات شعرية لعديد من الشباب الناشئ ليس هذا مكان مناقشاتها..
ـ نعم.. بلادنا في حاجة إلى كل ما يمكن أن ............ به المواهب من دواوين. فيكفي أن ينظر المثقف إلى الوراء، ليجد أننا فقط بدأنا الخروج من صحراء شاسعة الأطراف من القحط الثقافي، ......ـجذب الفكري، والفني، والإبداعي، بحيث لا يرى .............. مد البصر إلا سرابا.. فكل قطرة من سحائب ........... ستجد أرضنا في أشد ما يكون الظمأ إلى ........شافها.. وكلما كثرت القطرات زاد الارتواء، ............ الأعشاب والاخضرار والثراء الثقافي..
وكل إنتاج فني أو أدبي لا ينبغي أن يشترط فيه إلا الجودة والإبداع.. فبلادنا في حاجة إلى ........... الداعية للإصلاح، والقصيدة الثائرة على ...............، بقدر ما هي محتاجة إلى قصة الطفل، .............. النشيد المدرسي، والقصيدة الغزلية، والرواية الخيالية العلمية.. والمسرحية التاريخية..
هذا هو الالتزام في نظري..
الالتزام بالعطاء الثر في كل ميدان، حتى نستطيع اللحاق بركب الحضارة.. وحتى لا نبقى .............. وقوارض تعيش على فتاتها، وتقف على .......................
أما الذين يضيقون دائرة العطاء الفكري والفني باسم الالتزام، ويفرضون عليه السير في خط معين يدوران في فلك طائفة أو طوائف ذات طموح ................... محدودة العمق، مجهولة القيمة والمصير ............. التاريخي، فهم يساهمون في خنق حرية ............... والأديب الذي لا يستطيع الإبداع داخل ما ............. من أقفاص، ولا يعرف السير على .............. من جمال..
وليس موقفهم هذا ظلما للفنان والأديب الذي يحسن إنتاج ما يفرضون فقط، بل وحرمانا للوطن............ والأكبر من مواهب هؤلاء المبدعين الذين .......... يقول (الفين طافلوا) في كتابه (صدمة المستقبل):
«ان التقدم الذي حدث في العالم في مدى خمسين سنة الماضية يعادل ما حدث في بحر الخمسة آلاف سنة التي سبقتها..».
ةيضرب أمثلة عديدة لذلك منها:
«أن التسعة والتسعين في المائة من الأطباء الذين عاشوا على الأرض منذ آدم حتى الآن، ما يزالون على قيد الحياة».
ويصف سرعة التغير المذهلة التي يعرفها العالم اليوم بقوله:
«ان سكان الارض حاليا عبارة عن مسافرين في قطار يجري بسرعة مذهلة في منحدر حاد، بدون سائق في ظلام دامس، وأوجههم إلى الخلف، وأعينهم معصوبة».
هذا العالم الذي يعنيه (طافلر) ما هو في الحقيقة إلا بلاده، الولايات المتحدة، التي تمثل رأس السهم في هذا الانطلاق العجيب. فهي تزخر بآلاف مختبرات البحث العلمي في سائر ميادين المعرفة.. وبمآت الآلاف من العلماء العاكفين على كشف أسرار الكون، يدقون على أبواب المستقبل الغامض ويحاولون فك ألغاز المجهول..
وقد كتب لي أن أعيش في هذا المجتمع الذي يصفه (طافلر) أزيد من عشر سنوات من حياتي ـ طوال الستينات، وبعضا من السبعينات ـ وعشت كثيرا مما تحدث عنه من (عبورية) و(تغير) و(سرعة زوال) سواء بالنسبة للوجود المادي للأشياء كالآلات والأدوات اليومية والمخترعات، أو بالنسبة للعادات، والتقاليد، والقيم الروحية، والمبادئ الأخلاقية، والمقاييس الحضارية، والاجتماعية، والجمالية.
فسيارة العام القادم تنزل إلى السوق في منتصف هذا العام.. وبذلك تصبح سيارة هذا العام قديمة.
ومجلة هذا الأسبوع تحمل تاريخ الأسبوع القادم ليعيش القارئ في وهم أنه يقرأ أخبار المستقبل.
ومشاهير الفنانين، والممثلين، ومعبودي الجماهير، يشار إليهم بأنهم (نجوم سابقون) لأنهم لم يظهروا على الشاشة الصغيرة طيلة الأسبوع الفارط.
والعذرية لعنة على العذارى.
إلى غير ذلك مما لا يتسع له المجال هنا..
وقد عشت في رعب دائم من القنبلة، والتلويث، والحرب الثالثة..
وشعرت في كثير من الأحيان بأنني كأس من ورق سأسحق ويلقى بي في سلة المهملات حال الاستغناء عني.
وككاتب وشاعر، وقفت مبهورا أمام السيل الجارف الذي تفرزه آلاف المطابع من الكتب في كل ميدان في اليوم الواحد.. وشعرت بتفاهة ما أكتب، وما يمكن أن أكتب أو أقرأ في جميع السنوات الباقية من حياتي وأحسست بأنني قطرة في بحر.. لا حول لها ولا طول.
وحمدت الله على أنني لم أولد في مدينة كبيرة .. والا كنت أصبت بالعقم من عامي الأول.. فالمدن الكبيرة تسحق سكانها بضخامتها وكثرة ما تتطلبه من انتباههم ووقتهم، بحيث لا تترك لهم مجالا للاختلاء والتأمل والخلق والإبداع.. بعكس القرى والمدن الصغيرة، فهي توجي للفرد بالثقة بالنفس، والقدرة على استيعاب محيطه، وبالتالي تكسبه جرأة الجاهل على اقتحام ما يتهيبه ابن المدينة الكبيرة.
وبعودتي إلى المغرب، عاد الأمن والطمأنينة إلى نفسي.. وبدأت أنظر إلى ما كتبه (طافلر) عن المجتمع الغربي على أنه وصف للحياة على كوكب آخر..
ورتبت قيمي ومقاييسي وأسبقياتي بحيث تتيح لي التكيف السريع مع مجتمعي.. ووجدت أن هناك مبادئ وقيما لا تتغير.. وأن جوهر الحياة أبقى من أن تعفى عليه تيارات التغير والتطور العارضة.
وبتأملي الحياة الأمريكية من بعيد، أدركت أنه رغم جنون السرعة، وتدفق التقاليع، وتعاقب الأضواء والألوان والأصداء بشكل يبهر العائمين على سطح الحضارة، ويفجر عقولهم، فإن ردود فعل الفئة الواعية كثيرا ما كانت تفاجئ مصممي الأنماط السلوكية، والنماذج المستقبلية بثورتها على ضحالة الحضارة الورقية العابرة..
ويبدو ذلك بوضوح في إقبال الشباب والشيوخ على السواء على روائع الأدب والفن الكلاسيكيين في المسارح، ودور الاوبرا، والمعارض، والمتاحف الكبرى، في عواصم الغرب..
الموهبة الحقة ترفض الفناء.. فالمتنبي وشكسبير لم يتوقف تأثيرهما لتوقفهما عن الإنتاج .. والتراث الثقافي مثل روح الزهر، أو ماء الورد، أو عسل الشهد.. يتجمع بالقطرات.. ويحتاج إلى وقت..
وهو كالدوحة الفارغة، لا يمكن انباتها في ساعات، ولا في شهور أو سنوات، بل تحتاج إلى عشرات السنين.
ولو كان في استطاعة دولة ما أن تسرع في إنتاج تراثها الثقافي لكانت الولايات المتحدة، بما لها من إمكانيات هائلة، وما تشعر به من نقص أمام الشعوب ذات التراث الثقافي العريق، أول من حاول ذلك.
وصدورا عن هذه الفلسفة، وبدافع من الشعور بالمسؤولية الأدبية والواجب الوطني، واستجابة لغريزة حب البقاء، رأيت أن أقدم هذا الديوان الذي اعتبره جزءا لا يتجزأ من حياتي إلى المطبعة.. ذلك الجهاز الذي سيضمن له التعدد والبقاء المادي، على الأقل، إذا لم يضمن له الشهرة والخلود..
فإذا كنت قد أضفت، بعملي هذا، إلى تراثنا الثقافي قطرة واحدة، فسأذهب قرير العين بأن وجودي لم يكن سدى».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here