islamaumaroc

عن الظاهرة الجزائرية

  دعوة الحق

175 العدد

لعله لم يكن هناك من يتصور قبل خريف سنة 1963، أن الجزائر هذا البلد الذي كان لم يمض عليه إلا سنة وبضعة أشهر، حينما أحرز على استقلاله، سيشتبك في مواجهة مسلحة قوية ـ وان كانت قصيرة الأمد ـ مع أشقائه وجيرانه المغاربة، الذين كانت دماء شهدائهم من أجل القضية الجزائرية بالذات، لاتزال لم تجف بعد، وكانت معالم التدمير الواقع في أقاليمهم الشرقية، نتيجة لغارات القوات الاستعمارية على تلك الأقاليم، تحت ذريعة حق المتابعة، مازالت مائلة للعيان، كما لم تكن قد طويت حينئذ، صفحات المعاناة الطويلة التي تحملها المغرب في مجموعه، سواء على الصعيد العسكري أو الديبلوماسي أو الإداري، أو السيكولوجي، في نطاق مساندته ـ لقضية أولئك الإخوة، الذين وجد نفس مشتبكا معهم.
كانت مواجهة 1963 ـ بحق ـ مفاجأة لجميع أولئك الذين لم يكونوا مستعدين لتوقع تقلب درامي. مثير وسريع في العلاقة بين أخوة القرابة والجوار، ورفقاء السلاح، مثل ذلك التقلب الذي جعل الجزائريين يحولون فوهات بنادقهم مباشرة من ساحة المعركة مع الاستعمار، إلى ديار أشقائهم، وجيرانهم، مطلقين النار على نفس الدير التي كانت مأوى أمينا لهم ساعة معركتهم مع الخصم الاستعماري، ومركز استعداد وتحرك وكر وفر وحرية مطلقة في العمل والتصرف.
على أن من كان من المراقبين الدوليين، قد لاحظ قبل تلك المواجهة، عنف السلوك الجزائري في مناطق الحدود الجنوبية الشرقية مع المغرب، غداة إعلان استقلال الجزائر مباشرة، ربما لم يندهش كثيرا من المواجهة التي حدثت سنة 1963، لأن ذلك السلوك كان في حد ذاته أكثر من مفاجأة بالنسبة للمغرب نفسه، الذي كان قد أقر أثناء حرب الجزائر المؤقتة يعترف فيه الأشقاء الجزائريون بمبدأ المشاكل الترابية التي احدثها الاستعمار في مناطق الحدود بين البلدين، وحق المغرب في المطالبة بتصفية تلك المشاكل، مع إرجاء البت في الأمر، إلى ما بعد استقلال الجزائر.
ويبقى السؤال قائما لأمد طويل: من كان المسؤول عن تلك التوترات المبكرة التي وقعت في فجر استقلال الجزائر على الحدود الجنوبية الشرقية للمغرب؟ وعلى من تقع مسؤولية البادئ في المواجهة المسلحة، التي شهدتها الحدود المغربية الجزائرية على طولها سنة 1963؟
غير أن السنوات التي تلت المواجهة، قد قللت ـ بالتدريج ـ من أهمية الجواب على السؤال، بعد أن دخلت العلاقات المغربية الجزائرية ـ طوال الستينات وأوائل السبعينات، في طور من الهدوء والسكينة، جعل الكثير من المراقبين ينظرون ساعتئذ إلى الشمال الإفريقي، على أنه واحة مسالمة واعتدال، بالنسبة لما كانت تعرفه العلاقات العربية في المشرق من تواترات ناجمة عن الخلافات بين دول المنطقة.
لكن، ماذا كان في خلفية ذلك الهدوء الذي خيمت مظاهره على جو العلاقات المغربية ـ الجزائرية؟
ان واقع العلاقة بين الأقطار المغربية في الوقت الحاضر، كفيل بالإجابة ـ ضمنيا ـ عن هذا السؤال لارتباط الحاضر على صعيد المنطقة بالماضي القريب، وتداخل العوامل وتشابكها فيما بين ـ فترة سابقة، وفترة لاحقة:
فما هو واقع العلاقة الآن بين المغرب وشقيقتيه تونس وموريطانيا؟
بديهي أن هذه العلاقات تقوم مثالا نموذجيا لما يجب أن يربط بين الاخوة من صلات التفاهم والتواد والتآخي والصفاء، وكذلك كان ـ قبل الآن ـ حال العلاقات بين الأقطار المغربية الثلاث، تفاهما وتواد وتآخيا وصفاء.
أما الموقف الجزائري من المغرب في الوقت الراهن، فقد تجاوز ـ كما يعرف الجميع ـ نطاق التوتر، والمواجهة المحدودة مثلما وقع سنة 1963 ليتخذ الآن صبغة عداء صاخب ومرير، ملأت أصداؤه، الآفاق الدولية، وشغل لمدة طويلة، المحافل الأممية والمنظمات الجهوية، وكافة أوساط الرأي العام العربي والإسلامي والافريقي.
وقد يظهر غريبا أن يتخذ التناقض بين المغرب والجزائر فجأة هذه الصورة الراديكالية بعد سنوات الهدوء الطويلة في علاقة البلدين، وبعد أن تعددت والتناسق بينهما سواء في الإطار الثنائي، أو في إطار المغرب العربي؟
الحقيقة أن الأمر، ولو أنه يبدو غريبا من أول وهلة، فإنه قد يفقد هذه الغرابة في أعين المراقبين إذا ما تجاوزوا سطحية الهدوء الذي كان موجودا من قبل، ونفذوا إلى عمق الخلفيات التي كانت قائمة وراء ذلك الهدوء، وفي هذه المحافل، سيجدون أنه كان يكمن وراء ذلك الهدوء عاملان متناقضان، ألا انهما متفقان في كونهما كانا يساعدان على تجميد عوامل التوتر عند حد، وإطالة أمد المسالمة القائمة عندئذ، أطول فترة ممكنة.
العامل الأول، عامل الرغبة التي ما برحت تراود المغرب في تجاوز دواعي الخلاف بين الأشقاء، وامتصاصه، وذلك عن طريق مد جسور التفاهم بينهم، والتماس صيغ للتعاون، باعتبار ان ذلك مؤد إلى تذويب التناقضات بين البلدين الشقيقين، في غمرة المؤالفات والموافقات التي تكون نشأت لديهما في ظل ذلك التعاون، وهذا ما كان يدعو المغرب إلى الاغضاء ما أمكنه عن كل ما يبدو له من عدم تلاؤم الجزائريين معه، متشبثا بالحرص على رعاية مظهر الوفاق الظاهري القائم حينئذ بينه وبينهم وتعهد ذلك المظهر، وتلميع نصاعته ما وسعه الأمر.
العامل الثاني، وكان مضادا للأول، ويتمثل فيما سار عليه الجانب الجزائري من سلوك يتراوح بين التظاهر بالوفاق والتعاون، وبين العمل على تجميد أية مبادرة تعاونية حقيقية، واستهلاك الوقت وتمريره في ظل أقوال تطلق حول المغرب العربي، مع استبعاد كل تناسق بين المجموعة المغربية، سواء في مضمار العلاقات الاقتصادية بين وحداتها وفي نطاق علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع مناطق العالم الأخرى.
ومهما كان الحال، فقد ظل الهدوء مع ذلك مخيما على جو العلاقات المغربية الجزائرية طوال معظم نصف العقد الماضي، وأوائل العقد الحاضر، وكان ذلك ـ في حد ذاته ـ مظهرا طيبا، وغن يكن بلا فاعلية، في تطوير حالة المسالمة القائمة حينئذ، إلى حالة تقدم على طريق بناء المغرب العربي، أو بعث إرهاصات مبشرة بالشروع ـ على الأقل ـ في ذلك البناء.
                                                               ***
وشهدت سنة 1974، دخول قضية النضال القومي المغربي من أجل تحرير الصحراء مرحلتها الحاسمة.
وقد كان طرفا الصراع الوحيدان في القضية، هما المغرب وموريطانيا من جهة، وإسبانيا من جهة أخرى، وكان أكيدا حتى في أحرج ساعات ذلك الصراع، أن القضية ستجد حلها الطبيعي بتراجع القوة الاستعمارية مثلما يحدث دائما في مثل هذه الأحوال عندما تشعر قوى الاحتلال، بأنه لم يعد أمامها سبيل سوى تسليم الأمر لأهله والعودة من حيث أتت.
وذلك ما حصل بالفعل.
لكن ما حصل أيضا، هو ظهور الجزائر في نفس الظرف كتيار مضاد، يسير في اتجاه تأخير ساعة جلاء الأجنبي الدخيل، والعمل على خلق أوضاع بالمنطقة، يتعرقل بها تحرير الصحراء، واستكمال المغرب لوحدة ترابه.
لقد كان الموقف، موقف الجزائر هذا غريبا بحق، لكن يتعين على المراقب أن يرجع إلى الوراء، إلى تلك الفترة من الهدوء في العلاقات المغربية الجزائرية ليجد جذورا لذلك الموقف، تتجلى في أن ذلك الهدوء ـ كما ذكر من قبل ـ لم يكن يعكس أية حالة مسالمة حقيقية، وانه لم يكن إلا عبارة عن فترة من الترقب والتربص التكتيكي، ريثما تحين المناسبة للاشبتاك مع المغرب في نزاع جديد، إذا ما ظهر أن هذا المغرب، سيخطو خطوة واحدة إلى الأمام في طريق استكمال وحدته.
لقد تعلل الحكم الجزائري بغير ما تعلة، لتبرير الموقف الذي اتخذه من المغرب غداة دخول بلادنا في المرحلة الفاصلة من أجل تحرير الصحراء، إلا أن تلك التبريرات لم تستقر أبدا على قرار مقبول، واستمرت تدور في دوامة من التناقضات لا حد لها، إلى ان اخذ يظهر أن الجزائر قد استغنت في النهاية عن تلك التبريرات، لتتمسك أخيرا بموقفها ضد وحدة التراب المغربي، دونما اعتماد على تبرير.
وكان من المقولات التي روجوا لها عند البداية في تفسير موقفهم، كثير من الكلام أطلقوه حول دول، «مهتمة» بالصحراء إلى جانب الدول المعنية بالقضية، وما درى أحد في الحقيقة بوجود دول «مهتمة» بالمنطقة، إلا ما كان من الجزائر التي أرادت أن يكون لها هذا الاهتمام، كما لم يدرك أحد كذلك أسباب الاهتمام الجزائري بالموضوع، ولا المنطق الذي تقوم عليه قاعدة اهتمام من هذا النوع.
ثم انتقلوا في مرحلة تالية إلى الترويج لأسطورة التهديد الموجه للثورة الجزائرية دون أن يكتشف أحد معنى هذا التهديد؟ ولا كيف حصل؟ وما وسائله ومسوغاته؟ ومن غير أن يدرك لماذا لم يقع الشعور بهذا التهديد إلا بعد رحيل وات الاحتلال الأجنبي عن الصحراء، لا قبل ذلك؟
وفي مناقضة لمقولتهم هذه، ذكروا عن المغرب أنه ضعيف، ولم يفهم الناس كيف يوفقون بين وصف بلد بالضعف، والخشية منه كقوة مهددة.
ثم روجوا بعد ذلك أو أثناءه، لأطروحة «شعوب المغرب العربي» طاردين في نفس الوقت عشرات الآلاف من أبناء الشعب المغربي من الجزائري.
وأوردوا أقوالا كثيرة، حول المؤامرات الاستعمارية عليهم ومحاربة الاستعمار، وفي خلال ذلك، كانت استراتيجيتهم في مناوأة المغرب بالصحراء، تنبني كلها على التواطؤ مع غلاة الاستعماريين بالمنطقة، وتنسيق الخطط معهم، والسعي الحثيث لتأجيل تصفية الاستعمار في عين المكان.
وبينما كانوا يرددون ـ في أطروحاتهم حول السياسة الدولية ـ القول عن ضرورة تطهير حوض البحر الأبيض المتوسط من عوامل التوتر الدولي، واستبعاد مظاهر النفوذ الأجنبي في المنطقة، كانوا منهمكين ـ عن طريق مناوأتهم لقضية المغرب بالصحراء ـ في خلق بؤرة للتوتر الدولي في غربي البحر المتوسط، تنعكس على مناطق أبعد مدى في الحوض المتوسط، ويسهل بها انفتاح مجالات واسعة لتسرب التدخلات الأجنبية في المنطقة.
ولم يفتهم في حملاتهم هذه وقبلها، أن يلوحوا بما يعتقدونه من أنهم طليعة العالم الثالث، والحال أنهم لم ينسجموا لا مع العالم العربي ولا الإسلامي ولا الآسيوي ولا الإفريقي في موقفه المؤيد للمغرب في قضية الصحراء، ولا مع العالم الثالث ككل، أو عالم عدم الانحياز كما تجلى ذلك في مؤتمر «كولومبو» الأخير.
تناقضات شتى، مما أوقع الحكم الجزائري فيه نفسه حول الصحراء، دون أن يكون له في الأمر طائل.
تناقضات لا داعي لاستهلاك الوقت فيها، وهناك من القضايا المصيرية التي تشغل العالم العربي والإسلامي والافريقي، ومن حدة المنعطفات التاريخية التي تمر بها حياة الشعوب في كافة العالم الثالث، ما يكفي لصرف الطاقات المتوفرة كلها، وبذل الجهد المذخر جميعه، اسراعا بوتيرة العمل على حل مثل هذه القضايا، واجتياز مثل هذه المنعطفات:
قضية فلسطين المتأرجحة بين الحل السلمي، وحل الحرب.
مشكلة الاستعمار الاستيطاني، والنظم العنصرية في القطاع الجنوبي من القارة الافريقية.
المعضلات الخاصة بالأمن الدولي، واشتداد حدة التناقض ـ في أزمة الشعوب المستضعفة ـ بين حاجتها لتكريس مواردها المحدودة لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبين الاضطراب الذي يقودها إلى تخصيص جزء هام من هذه الموارد لأغراض الدفاع، نتيجة لتصاعد مخاطر التسلح في العالم، وازدياد الاتجاه لاستعمال القوة في حل المنازعات الدولية.
وعلى صعيد المغرب العربي:
البناء الاقتصادي والاجتماعي للشعوب المغربية تنسيق السياسة التجارية الخارجية، ومما يتعلق بها، لتأمين قدرة المغرب العربي في مجابهة المنافسات الدولية على الصعيد التجاري، وإقامة جبهة متماسكة ومؤهلة لتحقيق مزيد من الرخاء والازدهار لشعوب المنطقة.
مواجهة انعكاسات التضخم العالمي، واختلال الموازين الاقتصادية في العالم ـ على المنطقة ـ
فهلا وجد الذين يبذرون الوقت والجهد تبذيرا مأساويا فيما يعتبرونه قضية الصحراء، داعيا، لصرف الإمكانيات التي يبذرون، نحو العمل على مواجهة مقتضيات البناء والإنماء، متضافرين في الأمر مع جيرانهم ومع كافة شعوب العالم الثالث التي يرتبط مستقبلها في الواقع بما تحققه من منجزات، لا بما يصطنع بينهما من خلافات ومنازعات؟.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here