islamaumaroc

بديل البديل (لعلال الفاسي )

  دعوة الحق

175 العدد

ضمن منشورات دار الكتاب بمدينة الدار البيضاء صدر كتاب «بديل البديل» للأستاذ المرحوم علال الفاسي وهو عبارة عن الرد خص به الفقيد العلامة الفرنسي روجيه جارودي.
والكتاب بالرغم من صغر حجمه يعتبر دراسة مفيدة جدا بذل فيها الفقيد جهودا علمية مضنية لاستجلاء الحقيقة الإسلامية وتحديد معالمها عندما اتجه بالمقارنة والمقابلة بين المبادئ الإسلامية وبين المواقف والآراء التي أبداها جارودي في الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية.
ولاشك ان من شأن هذه المقارنات التي اشتمل عليها «بديل البديل» أن تحدد المفهوم العام للإسلام في بناء الاقتصاد والمجتمع وتمييزه عن غيره من المفاهيم الوضعية التي كثيرا ما تختلط به أو تشوه من قواعده، كما أن من شأن هذه المقارنات التي أقامها المرحوم علال أن تبرز أهمية الاقتصاد الإسلامي، وتدفع كل شك وتردد حول جدوى مبادئه السامية وإمكانية تطبيقها في العمل.
                                                         *
من هو روجيه جارودي الذي اختار الأستاذ علال الفاسي الرد على كتاباته، إنه من الشخصيات الفرنسية الملتزمة سابقا في الحزب الشيوعي الفرنسي، لبث عضوا رسميا فيه مدة ثمانية وثلاثين عاما، قضى العشرين عاما الأخيرة منها في عداد قادته الممتازين إلى جانب طوريس واراجون وغيرهم من رجال الفكر الفرنسي.
وهو أيضا من الكتاب الفرنسيين الذين قرأ لهم الأستاذ المرحوم علال الفاسي كل ما كتبوه سواء في لغتهم الأصلية أو الترجمة العربية...
وجارودي من الذين كتبوا عن الحضارة العربية بإعجاب واطمئنان وإقرار بأن التراث العربي الإسلامي فيه ما قد لا يحتاج معه العرب لغيرهم، إذا أرادوا البحث عن جذور لفكر يساري عربي، فهو من هذه الجهة يتفق مع لوبون في تقدير حضارتنا وتاريخنا.
وكتابة جارودي منسجمة واضحة تجذب القارئ إلى الاستمرار في مطالعتها بالفرنسية دون سأم أو ملل وكأن قارئها يتلو رواية متصلة الحلقات، ومع الانقلاب الذي حصل له في تفكيره فإن أسلوبه لم يتغير، وإنما تغير منطقه التاريخي وحبه في الاجتهاد والتأويل.
وقد سبق للمرحوم علال أن تعرف على جارودي مرتين زاره في إحداهما وتناقشا عن الوضع الاستعماري للمغرب أثناء الحماية، فكان من الشيوعيين الذين يبحثون عن التوفيق بين مقاومة الاستعمار والإبقاء على نوع من الرباط مع فرنسا.
                                                         *
لقد بقي روجيه جارودي متعلقا بالحزب الشيوعي طيلة ماضيه، ولو أنه بدأ ينظر إلى مقولات الشيوعية الارثوذوكسية بعين الشك منذ أن بدأت الوطنيات تطغى على الدولية في نظر معظم المفكرين الماركسيين اللينينيين وفي ممارستهم، لقد كان تيتو اول منذر بالخطأ الستاليني في تطبيق ثورة أكتوبر وأفكار ماركس وأول محاولة لجعل الممارسة في شكل تسيير ذاتي يشترك فيه الكل. ولكن ضمن القيادة العليا للحزب وللرئيس التاريخي للثورة اليوغسلافية، ولكن هذه المحاولة الجادة  اصطدمت بالمعارضة القاسية من الستالينية ومن حالة التخلف الاقتصادي والاجتماعي التي كانت فيه يوغوسلافيا، فبرز التناقض الأصيل بين الفكر والممارسة ضمن الشيوعية الوطنية كما هو ضمن الشيوعية الدولية، وبقيت ثنائية الحكم والشعب، والحزب، والقادة تفعل فعلها في إعاقة التطور الذي بدأته المحاولة التيتوية الكبرى، وكان صدور كتاب جلاس (الطبقة الجديدة) إنذارا بالخطر الذي يهدد الشيوعية من ممارستها، ثم ظهرت الانتفاضات الأخرى في الديمقراطيات الشعبية، وظهر كما يقول جارودي أن هناك فرقا أساسيا بين الشيوعية كحركة وممارسة وبين الشيوعية الروسية، فلا غرابة ـ يقول ـ ان تحاول الصين المتحررة من كثير من رواسب الحضارة البورجوازية الغربية صنع حضارة بديلة من حضارة روسيا وأوروبا معا.
                                                            *
يتساءل جارودي: هل تستحق الاشتراكية أن توضع في عدل واحد مع الرأسمالية؟
فيجيب: أن لا! والفرق في نظره أن هذا الشكل التعسفي في الاشتراكية هو لأسباب تاريخية فقط ـ قيامها في أقطار متخلفة ـ تداخل مشكل بناء الاشتراكية ومشكلات النضال ضد التخلف ـ فأصيبت الاشتراكية بعدوى الرأسمالية، أما الرأسمالية فإن لها تلك الوصمات من ماهيتها.
ويلاحظ الفقيد علال على جارودي هنا بالذات أنه إذا كانت العدوى قد فعلت فعلها في الاشتراكية حتى أصبحت وصمات الرأسمالية نديدا لها، الا يتحقق المثل القائل: العادة طبيعة ثانية، ان الأسباب التاريخية لا تغير من واقع الأشياء.
ولعل جارودي يشعر بهذا حين يرجع ليقول:
ان الثورة التي ننشدها اليوم لا يمكن أن تتشبه بثورة الماضي، انها هدم الثنائية وبنائية اشتراكية التسيير الذاتي، لا رأسمالية ولا بيروقراطية ستالينية.
طبعا أن هذه المواقف التاريخية التي تأتي متسلسلة كأفكار جديدة في كتابات جارودي تجعله خارج الفكر الشيوعي كما يفهمه الحزب في روسيا وفي فرنسا فلا غرابة أن نرى القرار التاريخي بإخراج جارودي من الحزب يعلن بكل بساطة ضد قائد من قادة ذلك الحزب.
                                                            *
هل تحول جارودي حقا إلى رجل لا شيوعي، غير ماركسي؟
سؤال طرحه المرحوم علال ثم يجيب عنه بأن جارودي ينفي آلاف المرات عن نفسه خروجه عنهما، ولكنه وجد حرية كاملة في أن يقدم الماركسية كما يتأولها هو وكما يرى وجوب فهمها من الجميع في هذا العصر، ان تحدى الشبيبة التاريخي ورفضه للثنائية في الحكم وفي الحزب في فرنسا وفي العالم الاشتراكي، وان ظهور آراء ماركوز التي وافقت في تحليلها تحليلات ماركس نفسه هي بين أشياء أخرى التي شجعت جارودي لأن يعلن رأيه الصريح، بل لأن يعلن أنه اكتشف الماركسية الحق والمسيحية معا حين اكتشف نفسه.
ويبدو أن جارودي كان أمينا مع نفسه ومع رفاقه عندما تحرر من أسرار المذهب ونفض عن عقله تلك الغلالة السوداء التي حالت بينه وبين جلال الحقيقة. فانطلق في أثرها غير عابئ بعقاب الحزب الشيوعي الفرنسي ولا بنقمة الدول الشيوعية. ولا بالبيروقراطية الستالينية، لأن هذين أديا إلى ولكنه اوضح تغيير البنى لا يكون بالرأسمالية، تحلل مجتمعي وإنساني، لفعل سؤدد السوق الملتهمة في آلاتها العمل والارض والمال.
وفي هذا الصدد يقول المرحوم علال: «وكم نحن سعداء أن نرى مفكرين في مستوى جارودي يصلون إلى إدراك حقائق بعد تجارب الرأسمالية والستالينية التي ما تزال قائمة في كل الأقطار الاشتراكية ولو بغير اسمها... حقائق نعتبرها نحن في مقدمة المبادئ التي نؤمن بها كمسلمين، والتي هي إحدى أسس البنى الاقتصادية الإسلامية:
1) فاستنكار مبدأ المشروع الحر الرأسمالي الذي يجعل من المال بضاعة يتفق مع القاعدة الأساسية في الإسلام ألا وهي اعتبار المال وسيلة لا غاية، والتي يستنبطها الغزالي من الحديث الشريف: «الدراهم والدنانير خواتم الله في الارض»
2) أما آلية تراكم الرساميل التي يعبر عنها جارودي بإتاحة إمكانية تحويل كل ما هو ضروري للحياة ولاسيما وسائل الإنتاج والتبادل إلى ملكية خاصة، كما يتيح إمكانية حصر احتكار هذه السلطة بعدد متضائل بأفراد من الأشخاص، فهذا عمليا ما علل به القرآن الكريم ضرورة قسم الغنائم التي كانت في عهد نزول القرآن إحدى أسباب التملك الأساسية وذلك بقوله تعالى «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم»
ومما يجعل الأستاذ علال الفاسي في وفاق مع جارودي ذلك الإحصاء الذي قام به هذا الأخير والذي يسجل ظاهرة التملك في العالم الرأسمالي حيث يذكر فيه بأنه في انجلترا كان 5% من السكان عام 1960 يملكون 75% من الملكية، و96% من الأسهم، و1% منهم يملك 81% من الأسهم، وحسب تقرير اللجنة الفرعية لمجلس الشيوخ (حول النضال ضد الترسنات) في الولايات المتحدة فإن 200 شركة كانت تحوز في عام 1950 على 49% من مجمل الأسهم، وفي عام 1957 على 57% وتتلقى 86% من مجمل الأرباح، وقد تكهنت صحيفة «الايكونوميست» الانجليزية في عددها الصادر في 13 يوليوز 1968 استنادا إلى رأي اقتصاديين «ثقات» بأن 300 شركة دولية لا أكثير ستهيمن في غضون عشرين عاما على الحياة الاقتصادية في العالم الرأسمالي.
3) يقرر جارودي كنتيجة لمبدأ المشروع الحر ـ أن تصبح القيم الإنسانية قيما بالمعنى البورصي للكلمة، أي السباق الأعمى على الربح للربع والنمو للنمو، وهي حقيقة ثابتة قطعا، أصبحت بها المسلمة المقدسة والضمنية في آن واحد لمجتمعنا هي: كل ما هو ممكن تقنيا مرغوب وضروري، وليس كمثل هذه المسلمة اذية ومضرة اليوم، ولكن هذه المسلمة ليست فقط من صفات العالم الرأسمالي بل تشمل حتى العالم الاشتراكي الذي يبيح صرف مدخولاته العظيمة فيما يعطيه الأولوية من السباق للتسلح، أو تسخير البحث العلمي لما يضر بالإنسانية، ولذلك فإن الإسلام حينما يبيح مبدأ الملكية الخاصة أو عامة إنما يريد منها أن تكون إدارة التوازن بين الوحدات الإنسانية، فلها وظيفتها الاجتماعية، وهي خاضعة للمصلحة العامة.
4) ويصل جارودي إلى حقيقة إسلامية خالدة حينما يعلن أن الثورة (التغير) لا يمكن أن تتحدد اليوم بتغيير البنى فحسب، وليست المشكلة الأساسية مشكلة عنف التغيير أو مشروعيته، بل مشكلة مضمونه واتجاهه، إذ الثورة الأصيلة الوحيدة هي تلك التي تتيح للجميع أن يحيوا حياة أغنى، أي أكثر خلقا وإبداعا، ويقول بعد: ان الاشتراكية والحرية غير الممنوحين (من الخارج) والمنتزعين من قبل الشعب انتزاعا: تقتضيان أن يترافق تغيير البنى بتغيير الضمائر.
والمرحوم علال يورد تعقيبا على هذا القول بما جاء في الآية الكريمة «أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، ويقول بأن النفس هنا تعني الضمير وهو الباعث الإنساني على العمل.
                                                            *
ان جارودي يعترف بعجز المسيحية والماركسية معا عن الوفاء بوعودهما: المسيحية لأنها جردت الإنسان من مسؤوليته التاريخية، ومن مسؤولية خلقه وإبداعه، والماركسية لا تستطيع هي الأخرى مادامت مشوبة بالمادية الميكانيكية وبالوضعية، أن تتيح للإنسان إمكانية الانسلاخ عن قدره ليصبح مبدع تاريخه وخالقه. غير ان الإسلام بجعله الإنسان مكلفا أعطاه مسؤوليته التاريخية الناتجة عن حريته في اختيار أحد النجدين واقتحام العقبة التي تجعله صانع تاريخه.
ويؤكد جارودي بأن الإلحاد ليس الأساس الضروري للعمل الثوري، وليس من الصحيح تاريخنا بادئ ذي بدء أن المادية التاريخية والإلحاد كانا مرتبطين بالعمل الثوري برباط داخلي.
                                                      *
من خلال ما تقدم نرى بأن الحلول التي توصل إليها جارودي عبر بحثه الطويل عن الحقيقة ليست في الواقع سوى فروعا من أصول اختطتها الشريعة الإسلامية في جميع جوانب الحياة، فاعتبار المال بضاعة ومنع احتكار الثروة وتقييد حق الملكية.
وقد أبرز العلامة الفقيد علال الفاسي هذا التقابل بين حلول جارودي وأصول الشريعة في صورة أخاذة تشكل بحق اجتهادا رائدا في هذا الباب... وارتسمت من خلال تحليله الرائع «للبديل» ملامح المجتمع الذي استهدفه الإسلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here