islamaumaroc

أحاديث موضوعة

  دعوة الحق

175 العدد

راج بين كثير من أهل العلم، في المشرق والمغرب، أحاديث تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يذكرونها في مناسبات مختلفة، ومنهم من يوردها في معرض الاستدلال والاحتجاج، مع أنها مكذوبة لا يجوز ذكرها على الإطلاق إلا لبيان حالها، لئلا يغتر بها من لا يعرفها. ومن تلك الأحاديث، ما ليس له أصل، أي ليس له إسناد في كتب الحديث، وأنا أورد جملة منها، نموذجا لسائرها.
1 ـ في الموطأ: وحدثني يحيى عن مالك: أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اني لأنسى أو أنسى ـ بالبناء للمجهول ـ لأسن». وروى كما قال عياض بلفظ «اني لا أنسى ولكن أنسى لأسن» ال ابن عبد البر: لا أعلم هذا الحديث، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا ولا مقطوعا من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي في الموطأ التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة، ومعناه صحيح في الأصول اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح، عن هذا الحديث: لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة، بعد البحث الشديد اهـ.
قال الزرقاني في شرح الموطأ: معنى قوله: أنه لا أصل له أي ما نتج به، لأن البلاغ من أقسام الضعيف، وليس معناه أنه موضوع معاذ الله، إذ ليس البلاغ بموضوع عند أهل الفن، لاسيما من مالك، كيف وقد قال سفيان: إذا قال مالك: بلغني، فهو إسناد صحيح اهـ.
وبلاغ مالك تعليق، والتعليق لا يحكم عليه بشيء حتى ينظر هل له إسناد أولا؟ فإن وجد له إسناد، حكم عليه بمقتضى حال رجاله، من ثقة أو ضعف وان لم يكن له إسناد، كهذا البلاغ الذي تتكلم عليه، اعتبر من قبيل ما لا أصل له يضاف إلى ذلك مخالفة لما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «انما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني».
نعم ترتب على نسيانه صلى الله عليه وسلم، احكام سجود السهو في الصلاة. وإلى هذا يشير ابن عبد البر بقوله: ومعناه صحيح في الأصول.
2 ـ في الموطأ أيضا عن مالك: انه بلغه: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إذا نشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة» قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أعرفه بوجه من الوجوه في غير الموطأ إلا ما ذكره الشافعي في الام عن ابراهيم بن محمد بن أبي يحيى عن اسحاق بن عبد الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أنشأت بحرية ثم استحالت شامية فهو امطر لها» اهـ.
وروى الطبراني في الأوسط عن عائشة قالت «إذ انشأت بحرية ثم تشاءمت فهي عين غديقة»، قال الطبراني: تفرد به الواقدي.
غديقة بالتصغير، وهي التي يقال لها بالمغرب: الغديكة.
3 ـ اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، لا أصل له. وروى ابن أبي الدنيا بغسناد ضعيف مجهول عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: احرث لدنياك كانك تعيش أبدا. وروى البيهقي في السنن بإسناد ضعيف عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبدا واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدا».
وهذا الحديث أخرجه البيهقي في الحض على الاقتصاد في العبادة، والبعد عن قربان المعاصي، خوف مفاجأة الموت.
ومعنى اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا: أنك تعمل لدنياك في مهل وتؤدة، من غير حرص ولا استعجال. لأن من يعيش أبدا لا يفوته شء، ان لم يدركه اليوم، يدركه غدا أو بعد غد، بخلاف عمل الآخرة، فإنه يستعجل به، خوف الفوات بموت قريب.
ولشقيقنا الحافظ أبي الفيض رحمه الله جزء اسمه «اياك من الاغترار بحديث اعمل لدنياك».
4 ـ إذا وقفتم في الصلاة فلا تقبضوا أيديكم فإن ذلك تكفير اليهود. ذكره القاضي النعمان الشيعي الامامي في كتاب دعائم الإسلام. وهذا حديث مكذوب لوجوه:
منها: ما رواه الطبراني بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انا معشر الأنبياء امرنا بتعجيل فطرنا وتأخير سحورنا وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة» وروى في الاوسط والصغير نحوه من حديث ابن عمر.
ومنها: ما رواه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف عن يعلى بن مرة الثقفي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاث يحبها الله، تعجيل الفطر وتأخير السحور وضرب اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة» ومنها: تواتر وضع إحدى اليدين على الأخرى في الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وقوله.
ومنها أن الصلاة فرضت على اليهود، وهي تكفير أي تعظيم لله تعالى، والتكفير بالركوع والسجود فيها أعظم. فلم خص هذا الحديث التكفير بالقبض فقط؟ لأن الامامية لا يقبضون في الصلاة، فاخترع أحدهم هذا الحديث لتأييد مذهبه.
وهذا كما اخترع بعض المالكية حديثا عزاه لكتاب البدور الملتمعة في أدلة الأئمة الأربعة، نقلا عن مسند الاوزاعي عن ابن مسعود، قال: ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم القبض في صلاة الفريضة قبل أن يفارق الدنيا بستة وثلاثين يوما.
وهذا كذب مضاعف، فكتاب البدور الملتمعة لا وجود له في كتب الحافظ العراقي، ولا في كتب غيره، والازاعي لا مسند له، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك القبض في الصلاة قط.
فالامامي اخترع حديثا ينهى عن القبض في الصلاة، فرضها ونقلها؛ لأن مذهبه كذلك.
والمالكي اخترع حديثا يفيد ترك القبض في الفريضة، لأن مذهبه يفرق بين الفريضة والنافلة.
ولو صح حديث المالكي، لأفاد عدم وجوب القبض، لا نسخه كما هو مقصود واضعه، لأنه مندوب، والمندوب فضيلة، والفضائل لا تنسخ وإنما ينسخ الواجب، والمحرم، والمباح. فقيام الندب وزيارة القبور كانت محرمة، ثم نسخت إلى الندب أيضا.
ونكاح المتعة كان مباحا، ثم حرم.
ولا تجد مندوبا، نسخه الشارع، في آية أو حديث أبدا.
ودعوى بعض العلماء، نسخ بعض المندوبات غفلة منهم عن هذه القاعدة.
وسبب غفلتهم أنهم رأوا الشارع أمر ببعض المندوبات أو فعلها، ثم تركها، فظنوا الترك نسخا لها وليس كذلك، بل هو بيان لعدم وجوبها. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الضحى، وحض عليها وفعلها، ثم تركها، اشعارا بأنه لا تجب وأمر بركعتين قبل المغرب، وصلاهما، ثم تركهما، ورأى الصحابة يصلونهما، فلم ينههم عنها. وما ذاك إلا أن ترك المندوب. لا يقتضى نسخه.
5 ـ اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا. كنت اسمع هذا الحديث من بعض شيوخنا بفاس، أيام قراءتي بها.
ووجدت الطحاوي، عقد بابا في مشكل الآثار، للكلام الريح، ماذا يراد بها في القرآن مفردة أو مجموعة؟ وروى عن أبي عبيد، قال: القراءة التي سمعتها في الريح والرياح، ان ما كان منها من الرحمة، فإنه جمع. وما كان منها من العذاب فإنه على واحدة. والأصل الذي اعتبرنا به هذه القراءة: حديث النبي صلى الله عليه وسلم انه كان إذا هاجت الريح قال: «اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» وتعقبه الطحاوي بقوله: فكان ما حكاه أبو عبيد من هذا عن رسول الله صلى عليه وسلم، مما لا أصل له. وقد كان الأولى به، لجلالة قدره، ولصدقه في روايته غير هذا الحديث: ألا يضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما لا يعرفه أهل الحديث عنه. وذكر قول الله تعالى (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف) وقال:
فكانت الريح الطيبة من رحمة الله، والريح العاصف منه عز وجل عذابا، ففي ذلك ما قد دل على انتفاء ما رواه عبيد.
ثم أسند أحاديث تفيد بطلان ذلك الحديث:
منها: حديث الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور».
ثم قال: فكان في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم  نصر بالصبا وهي ريح واحدة، وأن عادا أهلكت بالدبور، وهي ريح واحدة.
ومنها حديث مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا عصفت الريح قال: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به» وذكر أحاديث أخرى في هذا المعنى.
لكن قال الشافعي في الام: اخبرني من لا اتهم، قال: حدثنا العلاء بن راشد عن عكرمة عن ابن عباس قال: ما هبت الريح إلا جثا النبي صلى الله عليه وسلم على ركبيته، وقال «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» قال: قال ابن عباس: في كتاب الله عز وجعل (انا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا.. إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم.. وأرسلنا الرياح لواقح.. وأرسلنا الرياح مبشرات).
ورواه البيهقي في المعرفة من طريق الشافعي.
قال الحافظ ابن حجر: هذا حديث حسن، وشيخ الشافعي ما عرفته، وكنت أظنه ابن أبي يحيى، لكن لم يذكروه في الرواة عن العلاء بن راشد،  والعلاء موثق. كذا قال في أمالى الاذكار، وخالف ذلك في تعجيل المنفعة حيث قال: العلاء بن راشد عن عكرمة وعنه ابراهيم ابن أبي يحيى، لا تقوم بإسناده حجة، قال الحسيني، كذا قال. وعكرمة مشهور، وحال ابراهيم معروف اهـ. ورمز لهذه الترجمة بحرف (فع) وهو رمز الإمام الشافعي. وهذا يعين المبهم في إسناد الام بأنه ابن أبي يحيى، وحاله معروف بالضعف. ولذلك استبعد تحسين الحافظ للحديث. لكنه استند إلى اعتضاده بما رواه مسدد في مسنده الكبير، ومن طريقه الطبراني في كتاب الدعاء عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هاجت الريح، استقبلها وجثا على ركبتيه وقال: «اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عذابا، اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا، اللهم إني أسألك من خير ما ترسل به وأعوذ بك من شرها وشر ما ترسل به» وإسناده ضعيف، لضعف جبر بن عبد الله حفيد عبيد الله بن عباس «وفي نسخة من مسند مسدد: عن حسين بن قيس الرحبي عن عكرمة عن ابن عباس، وحسين ضعيف متروك. وروى البخاري في الأدب المفرد وابن حبان في صحيحه عن سلمة بن الاكوع، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا اشتدت يقول «اللهم لقحا لا عقيما» لقا، بفتح اللام، والقاف تفتح وتسكن: حاملة للسحاب فيه الماء.
6 ـ جاءكم الطهور، يعنى رمضان، لا أصل له بهذا اللفظ.
وروى الديلمي في مسند الفردوس، ومن طريقه ابن عساكر في التاريخ عن عائشة مرفوعا «شهر رمضان شهر الله وشهر شعبان شهرى شعبان المطهر ورمضان المكفر، وإسناده تالف، والمتن موضوع. أما حديث «رجب شهر الله وشعبان شهرى ورمضان شهر امتى» فمصرح بوضعه في كتب الموضوعات.
والثابت في هذا الباب ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»
7 ـ لكل بلد رؤيته، ليس بحديث. ولكنه متداول بين الشافعية، بناء على مذهبهم.
وقال الترمذي في سننه: باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم، وهذه الجملة قالها استنباطا من حديث ابن عباس الذي رواه في هذه الترجمة عن كريب ـ بالتصغير ـ انه قدم الشام، واستهل رمضان، فسأله هناك، ثم رجع إلى المدينة في آخر رمضان، فسأله ابن عباس: متى رأيتم الهلال؟ قال كريب: رأيناه ليلة الجمعة، قال: أنت رأيته؟ قلت: رآه الناس فصاموا وصام معاوية. فقال: لكن رأيناه ليلة السبت، فلانزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما أن نراه. فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال المباركفورى في تحفة الاحوذى: هذا بظاهره يدل على أن لكل أهل بلد رؤيتهم.
قلت: ترجم النووي في شرح مسلم بهذه الجملة ايضا، فظنها بعض أهل العلم حديثا، وليس كذلك.
وأهل الحديث لا يستدلون، ولا يقرون الاستدلال على ورود حديث أو ثبوته، بأن حافظا جعله عنوانا لباب من أبواب كتابه.
وقد ناقش الشوكاني في نيل الأوطار، استدلال الشافعية بحديث ابن عباس علي ان لكل أهل بلد رؤيتهم، ورجح مذهب المالكية انه إذا رأى الهلال أهل بلد، لزم أهل البلاد كلها.
8 ـ لا تكرهوا الفتن فان فيها حصاد المنافقين.
روى أبو الشيخ في الفتن، ومن طريقه الديلمى في مسند الفردوس عن علي عليه السلام مرفوعا «لا تكرهوا الفتن فإنها تبير المنافقين» إسناد ضعيف جدا.
وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح بلفظ «لا تستعيذوا بالله من الفتن فإن فيها حصاد المنافقين. وقال: قد سئل ابن وهب قديما عنه؟ فقال: انه باطل.
قلت: قد صح في احاديث كثيرة: التعوذ من الفتن، من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأمره.
9 ـ إذا أراد الله عذاب أمة أعقم نساءهم خمس عشرة سنة قبل أن يصابوا لئلا يصاب الولدان الذين لم يجر عليهم القلم.
قال الحافظ في الفتح: ليس له أصل، وعموم حديث عائشة يرده، يعني ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العجب أن ناسا من امتي يؤمون هذا البيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم» فقلنا: يا رسول الله ان الطريق قد تجمع الناس، قال «نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله على نياتهم».
وفي القرآن الكريم (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة).
10 ـ الدين المعاملة، ليس بحديث. والواقع ان الدين يتألف من ثلاثة أشياء:
عبادة، ومعاملة، وسلوك فيهما، فالصلاة عبادة، والسلوك فيها الا يلتفت المصلى يمنة ويسرة، ولا يعبث بيده.
والتجارة معاملة، والسلوك فيها: أن ييكون التاجر سمحا في شرائه، سمحا في قضاء ما عليه، سمحا في اقتضاء ماله.
وعلى هذا القياس.
11 ـ لا تنزلوهن الغرف ولا تعلمونهن الكتابة ـ يعني النساء ـ وعلموهن المغزل وسورة النور، رواه البيهقي في الشعب عن الحاكم في المستدرك من طريق عبد الوهاب بن الضحاك عن شعيب بن اسحق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به مرفوعا.
وهذا الحديث موضوع، كما قال الذهبي، عبد الوهاب بن الضحاك هو الحمصى، كذاب، يسرق الحديث.
نعم روى سعيد بن منصور في سننه عن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «علموا رجالكم سورة المائدة وعلموا نساءكم سورة النور» أما سورة المائدة فإنها تشتمل على ثمانية عشر حكما لا توجد في سائر السور. وأما سورة النور، فإنها تشتمل على أدب السلوك بجانب ما فيها من الاحكام.
12 ـ من قال لا إله إلا الله ومد بها صوته هدمت له أربعة آلاف ذنب من الكبائر. رواه الديلمي، وهو حديث موضوع.
13 ـ اختلاف امتي رحمة، ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وقال ما نصه: نصر المقدسي في الحجة، والبيهقي في الرسالة الاشعرية، بغير سند. وأورده الديلمي والقاضي حسين وإمام الحرمين، ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا اهـ.
قلت: سلك السيوطي طريقة الفقهاء الذين يكتفون في ثبوت الحديث، بكونه مذكورا في كتاب فلان وفلان من العلماء.
وأهل الحديث لا يعترفون بهذه الطريقة، ولا يعولون عليها، وانما يعتمدون على البحث عن سند الحديث، والكشف عن حال رجاله. فان لم يجدوا له إسنادا كهذا الحديث، حكموا بأنه لا أصل له.
ويؤيد حكمهم هنا ما رواه احمد في المسند بإسناد لا بأس به عن النعمان ابن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب»، الفرقة هي الاختلاف.
وروى الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما اختلفت أمة بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على أهل حقها».
وتأول بعض العلماء حديث اختلاف امتى رحمة، على فرض ثبوتها، باختلافهم في الفروع الفقهية. لكن هذا معنى مستحدثـ،  ينبغي حمل كلام الشارع عليه.
14 ـ أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.
رواه نعيم بن حماد عن عبد الرحيم بن زيد عن ابيه عن سعيد بن المسيب عن عمر، وربما رواه عبد الرحيم عن ابيه عن ابن عمر.
وعبد الرحيم بن زيد، هو العمى ـ بفتح العين وتشديد الميم ـ البصرى كذاب. ورواه حمزة بن أبي حمزة الجزرى عن نافع عن ابن عمر، وحمزة، قال ابن معين: لا يساوي فلسا، وقال ابن عدى: عامة ما يرويه موضوع.
ورواه الحارث بن غصين عن الاعمش عن أبي سفيان عن جابر. والحارث، قال ابن عبد البر: مجهول. وقال الحافظ: ذكره الطوسي في رجال الشيعة، و قال: روى عن جعفر الصادق، وذكره ابن الشيعة، وقال: روى عن جعفر الصادق، وذكره ابن حبان في الثقات. وروى البيهقي في المدخل بإسناد ضعيف منقطع عن ابن عباس مرفوعا «مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به لا عذر لأحد في تركه فغن لم يكن كتاب الله فسنة مي ماضية، فان لم تكن سنة مني فما قال أصحابي أن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم واختلاف أصحابي لكم رحمة».
ورواه آدم بن أبي اياس في كتاب العلم عن الحسن مرسلا.
قال البزار: هذا الكلام لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو منكر عنه. وقد روى عنه بإسناد صحيح «عليكم بستني وسنة الخفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ» وهو يعارض هذا الكلام، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يبيح الاختلاف بعده من أصحابه اهـ.
وقال المزني: ان صح هذا الخبر، فمعناه فيما نقلوا عنه، وشهدوا به عليه، فكلهم ثقة مؤتمن على ما جاء به، لا يجوز عندي غير هذا. وأما ما قالوا فيه برأيهم، فلو كان عند أنفسهم كذلك، ما خطأ بعضهم بعضا، ولا أنكر بعضهم على بعض، ولا رجع أحد منهم إلى قول صاحبه اهـ.
وقال ابن عبد البر: الاقتداء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منفردين، إنما هو لمن جهل ما يسأل عنه. ومن كان هذا حاله، فالتقليد لازم له. ولم يأمر أصحابه أن يقتدي بعضهم ببعض، إذا تأولوا تاويلا سائغا جائزا ممكنا في الأصول، وإنما كل واحد منهم نجم جائز أن يقتدى به العامي الجاهل بمعنى ما يحتاج إليه من دينه، وكذلك سائر العلماء مع العامة. وللحديث طرق أخرى واهية، ذكرتها في كتاب «الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج» للبيضاوي في علم الأصول.
15 ـ توسلوا بجاهي فان جاهي عند الله عظيم. لا أصل له، وقد عزاه بعض العلماء بمصر، إلى حلية ابي النعيم، وهو خطأ. بل لا وجود له في الحلية، ولا في غيرها من كتب الحديث.
ويغنى عنه حديث توسل الضرير، وهو حديث صحيح.
ولفظه: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لهم فشفعه في. وهذا التوسل وما في معناه جائز، لا ينبغي أن يختلف فيه.
لكن العوام توسعوا فيه، حتى صاروا يستغيثون بالأولياء والصالحين، ويذبحون على قبورهم الهدايا والعار، وذلك كله حرام لا تقره الشريعة، فالاستغاثة لا تكون إلا بالله، والهدايا لا تكون إلا للبيت الحرام، ولا تذبح إلا عنده. وكان مولانا الإمام الوالد رحمه الله ينهى عن الأكل من الذبائح التي تذبح عند قبور الأولياء.
16 ـ من قلد عالما لقى الله سالما، ليس بحديث. وليس معناه بصحيح على الإطلاق. فإن من عرف الحكم بدليله، لا يجوز له العدل عنه إلى التقليد. فإن ما تقلد مع علمه بمخالفته للدليل، كان آثما غير سالم.
17 ـ الجمعة لمن سبق، ليس بحديث، وان ذكره كثير من الشافعية، بناء على قاعدة مذهبهم. ذلك أن الجمعة لا يجوز تعددها عندهم، كسائر المذاهب الأربعة. لكن حدث تعددها ببغداد في أواخر المائة الثانية للهجرة، والناس في المشرق يصلون الجمعة في جميع المساجد وقفة واحدة، عند أذان الظهر، على خلاف ما عندنا بالمغرب. وقرر الشافعية أن الجمعة الصحيحة هي التي يسبق إمامها بتكبيرة الإحرام، وما عداها باطل. ولم يعتبروا الجامع العتيق، كما اعتبره المالكية، فلهذا قالوا: الجمعة لمن سبق أي بتكبيرة الإحرام. ومع أن تعدد الجمعة بدعة، دعت إليه الحاجة، أو الضرورة. أضيف إليها بالمغرب بدع أخرى.
منها: صلاتها بالمساجد مرة بعد مرة، على التعاقب والتوالي.
ومنها: الاذان ثلاث مرات، عند صعود الخطيب على المنبر. وهذه البدعة أنشأها ابن حبيب، بسبب غلطه في فهم الحديث، كما قال ابن العربي.
ومنها: قراءة القرآن أو دلائل الخيرات في المساجد جهرا، وفيه تشويش.
ومنها: رواية الحديث، بين يدي الخطيب.
ومنها: الشخص الذي يمشي أمام الخطيب، ويناوله العصا بعد الاذان.
ومنها: قعود الخطيب في المقصورة، ويحرم نفسه من ثواب المكث في المسجد، وهو تواب كبير.
ومنها: أن بعض الأئمة، يخطب الجمعة، ويصليها مرتين، في مسجدين. وهذه البدع لا توجد في البلاد الإسلامية غير المغرب.
18 ـ من تعلم لغة قوم أمن مكرهم، ليس بحديث. لكن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود، لأنه لا يأمنهم على كتبه.
وتعلم اللغات الأجنبية، واجب كفاية، لأنه وسيلة إلى واجبات كفاية، وما أدى إلى الواجب، فهو واجب:
ومنها: تبليغ الدعوة الإسلامية إلى غير المسلمين.
ومنها: معرفة ما يكتبه المستشرقون من مطاعن في الإسلام، والرد عليهم.
ومنها: معرفة ما استحدث عند الأجانب من علوم وصناعات نافعة في شؤون الحياة المختلفة، لكن مع المحافظة على اللغة العربية، والتمكن منها، وجعلها لغة رسمية لكل بلد إسلامي، لأنها لغة القرآن، وكان عمر إذا سمع شخصيا يرطن، أخذ بعضده، وقال له: ابتغ إلى العربية سبيلا، وأحيانا يعلوه بالدرة. ذلك أن الرطانة بين مسلمين، في إسلامي، لا معنى لها إلا الاستخفاف باللغة العربية، ونقص قدرها، وتلك خطة سوء، يستحق صاحبها التاديب.
19 ـ الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها، رواه الرافعي في تاريخ قزوين عن أنس، وهو حديث موضوع.
20 ـ من عرف نفسه فقد عرف ربه، كلام يحيى بن معاذ الرازي، وليس بحديث. وللحافظ السيوطي، جزء اسمه «القول الاشبه في حديث من عرف نفسه عرف ربه» بين فيه أنه ليس بحديث، وذكر في معناه أقوالا.
21 ـ الناس هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا العاملون والعاملون هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر عظيم. ذكره الكفرواي في شرح الآجرومية، وهو كلام سهل بن عبد الله التسترى، وليس بحديث ونصب المستثنى بعد الكلام التام الموجب، واجب في اللغة الفصحى، ويجوز رفعه على الاتباع كما هنا. ومنه قراءة ابن مسعود وأبى والأعمش (فشربوا منه إلا قليل منهم) بالرفع، وهي قراءة شاذة.
22 ـ علماء امتى كأنبياء بني اسرائيل، حديث موضوع، وان ذكره ابن العربي الخاتمى، في الفتوحات المكية.
23 ـ ذكر الصالحين كفارة، ذكره الديلمي في الفردوس، وهو موضوع.
24 ـ من قرأ القرآن معكوسا ألقى في النار منكوسا، لا أصل له. لكن لا يجوز قراءة آيات القرآن، على عكس ترتيبها في المصحف، كما يفعل كثير من القراء، فإن أحدهم إذا أراد أن تقضى حاجته فورا، يقرأ يس من آخرها بأن يقول: فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون، غنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، ويستمر في تنكيسه حتى يختم بقوله تعالى (إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم، يس والقرآن الحكيم).
يزعمون أن قراءة يس بهذا التنكيس، تسرع بإهلاك العدو وبقضاء الحاجات، وكذبوا فيما زعموا. ويظهر أن الشيطان أوحى إليهم بهذه الفكرة الخبيثة، ليحرفوا كلام الله، ويفسدوا نظمه ومعناه. ومن المقرر بإجماع المسلمين: ان ترتيب الآيات في كل سورة، بأمر من الله تعالى، لنبيه صلى الله عليه وسلم.
فمن نكس سورة يس أو غريها، اتى بكبيرة من الكبائر لأنه حرف ما أمر الله بترتيبه، وأفسد معنى السورة، وتقرب إلى الله بعبادة باطلة، وأوهم من يعلم أن السورة أنزلت منكسة.
وحديث يس لما قرئت له، ليس له أصل، وان اشتهر بين الناس.
25 ـ المومن حلو يحب الحلاوة، ليس بحديث.
هذا ومن الكتب التي تكثير فيها الأحاديث الموضوعة:
كتاب احياء علوم الدين للإمام الغزالي، لأن بضاعته في الحديث مزجاة، كما قال عنه نفسه.
ولقد خرج أحاديث الحافظ العراقي، غير أنه كثيرا ما يطلق الضعيف الموضوع، باعتباره نوعا منه فيشتبه الأمر على من لا يعرف ذلك. وعقد التاج السيكى في طبقات الشافعية، فصلا أورد فيه الأحاديث التي لم يجد لها إسنادا، وهي في الإحياء.
وكتاب الكنز المدفون والفلك المشحون، للشيخ يونس السيوطي المالكي، من تلامذة الذهبي، ونسبته للحافظ السيوطي غلط، كما نسب إليه كتاب الرحمة في الطب والحكمة غلطا. وليس هو له، بل هو تأليف الحكيم المقرى مهدى الصبرى.
وكتاب نزهة المجالس للصغورى، وقد أنكر المحد برهان الدين الناجي، على مؤلفه إيراد تلك الأحاديث الموضوعة في كتابه، وبعث بها إلى الحافظ السيوطي يسأله عنها؟ فخرج واحد وأربعين منها، وهي ما بين واه وموضوع، ثم قال:
وما عدا ذلك من الأحاديث المسؤول عنها، فمقطوع ببطلانه.
وكتاب الروض الفائق في المواعظ والرقائق. للشيخ شعيب الحريفيش.
وكتاب نور الأنصار، للشبلنجي نسبة إلى شبلنجة بكسر الشين، وسكون الموحدة وفتح اللام وسكون النون، قرية بمحافظة القليوبية بمصر، وفي هذا الكتاب مما يجب التنبيه عليه:
الحكاية المنقولة عن الشيخ احمد الرفاعي انه لما حج وزار الروضة الشريفة، وأنشد البيتين المشهورين في حالة البعد روحى كنت ارسلها.. الخ
خرجت اليد الشريفة من القبر، فقبلها والناس ينظرون.
وحكى  صاحب الكتاب رواية تقول أن هذه الحكاية وقعت للشيخ على الرفاعى دفين القاهرة، وهو مشهور بين العامة بأبي شباك استنادا إلى هذه الحكاية. وهي حكاية باطلة مكذوبة، لا يجوز ذكرها إلا مع التنبيه عليها، وهي مندرجة في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. ورأيت رسالة منسوبة للسيوطي في تأييد وقوع هذه الحكاية الباطلة، وكتاب التحفة المرضية، وقد خرج أحاديثه شقيقنا أبو الفيض رحمه الله.
وكتاب قصة الإسراء المنسوبة لابن عباس، وهي مكذوبة عليه، وكذلك التفسير المنسوب إليه، لأنه من رواية محمد بن مروان السدى عن الكلبى، وكلاهما كذاب.
والكتب المؤلفة في قصة المولد النبي، جلها يشتمل على روايات مكذوبة، وفيها مع ذلك مجازفات، يجل مقام النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وقراءتها في ليلة المولد لا تجوز، لأن فيها مدح الجناب النبوي بالكذب، وهو حرام.
وكتاب دقائق الأخبار في ذكر الجنة والنار، ليس فيه صحيح، إلا البسملة في أوله.
وكتاب ينابيع المودة، في فضل أهل البيت، مملوء بالموضوعات، وكتاب خزينة الأسرار، كذلك.
وبقيت كتب أخرى، ننبه عليها، في مناسبة تالية، بحول الله تعالى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here