islamaumaroc

تفجير من الداخل

  دعوة الحق

175 العدد

قال صديقي، وهو يمد لي كأس النعناع والشيبة:
«سمعت قصتك، هدية رأس السنة، وأريد أن أحكي لك قصة واقعية مثلها، الا إنها في نظري، أقوى وأفصح عن إرادة الله.. وقد وقعت في نفس الفترة الزمنية.. أي في نهاية الأربعينات ومنتصف الخمسينات.. وعشت أحداثها وأنا طفل صغير، فعلقت بذاكرتي، وبقيت صورها ناصعة حية لا تبليها الأيام.. فقد كانت تلك اول مرة أرى فيها رجلا يموت.. يموت أمامي وأنا أنظر إليه يلفظ أنفاسه الأخيرة.. منظر لن أنساه ما حييت..
كان رجلا قويا، فارع الطول ممتلئا.. رأيته يخرج من المحكمة يتمايل ويتأرجح كدوحة توشك على السقوط.. لابد أنه كان يعاني من ضيق شديد في صدره، فقد كان يتنفس بصعوبة كبيرة.. ولم يكد يصل امام باب الجامع حتى هوى على وجهه، وكأن انفجارا حدث بداخله كأن قنبلة فتتت أحشاءه، ففار من فمه دم خاثر أسود..
كانت دار جدي لاصقة بالمحكمة الشرعية، وكان جدي رحمه الله، أحد العدول بها، فكنت أصعد إلى السطح وأطل بداخلها من خلال قبتها الزجاجية فأجدها كشهدة نحل تعج بالمتداعين والمتقاضين من رجال القرى المجاورة ونسائها، وخصوصا يوم امتلاء سوق المدينة، يوم الخميس..
وكنت، وأنا طفل في العاشرة، أقضي عطلتي الأسبوعية، وهي مساء الخميس وصباح الجمعة بدار جدي استنشق نسيم الحرية بعيدا عن جو الرقابة والانضباط بدار والدي، التي كانت عبارة عن معسكر (اسبرطى)، فقد كانت مسيدا قرآنيا بدون توقف..
وكنا أحيانا أقف على عتبة الساب أتفرج على البدو وهو يملأون مدخل الجامع المواجه للدار يأكلون أو يعدون فلوسهم، أو يتبادلون (جوزات طابة) ـ علب النشوق ـ فيفرغون منها على ظهور أيديهم، ويستنشقونها في التذاذ تدمع له عيونهم، وهم يتحدثون ويتضاحكون.. حتى إذا نادى باسمهم عون القاضي اكفهرت الوجوه، وانقلب الحديث الهادئ إلى صراخ وجدال وتبادل للتهم حتى يختفون في داخل المحكمة، والعون يحاول تهدئة الهياج بالنصح أحيانا وبالتهديد اخرى..
واذكر اول مرة رأيت فيها قاضي المدينة بوجهه الوردي في غير احتقان ولحيته الحمران وكأنها محناة، وعينيه الشهلاوين، وهو مجلل بالبياض من قمة راسه إلى جواربه، فبهرني منظره الملائكي.. كان خارجا من الجامع يتقدمه عونه ليخلي طريقه، ويضع بلغته على عتبة الباب..
ورأيته بعد ذلك في احتفال ليلة المولد بالجامع الكبير يلقي درسا في شرح الهمزية، وقد تربع على
.............. الخضراء، واصطفت أمامه ثلاثة شمعدانات ............. الشموع، انعكس ضوؤها على وجهه فزاده .............. وجلالا .. وتصاعد دخان العود من المباخر، .............. رائحة الند من أعواده المركوزة بحيطي الحصير ................ باغصان الرحان والعطرشة وكان يتكلم بصوت خافت مما جعل الصمت يخيم على المسجد الكبير .............. اكتظاظه الناس..
وصعب علي بعد ذلك أن أتخيل وجوه الملائكة ........قديسيين دون استحضار ذلك الوجه المنور ............... حتى ذلك اليوم المشئوم، يوم الخميس، ........... شاهدت فيه ذلك المنظر المروع الذي هزني ............... غلام صغير، من أعماقي، وأزعج رقادي ليالي ............. كثيرة..
خرج الرجل القروي يترنح من باب المحكمة، ......... قلت لك، يتبعه غلام في مثل سني، عرفت فيما بعد انه ابنه، وسقط على باب الجامع يتخبط في ........... وكأنه ذبيحة أو قربان..
وتجمع الناس حوله، فتعاونوا عليه، وحملوه ............... داخل حوش المسجد حيث مدوه على حصير .......... مايزال يهتز، وشفتاه ترتعشان..
والقى الغلام بنفسه على صدره، وقد امتقع ......... من الذعر، وراح يحركه من كتفيه ويناديه ..............، والناس لا تدري ما تصنع، فقد كان منظره يفطر الأكباد..
وفي هذه اللحظة خرج من الجامع حيث ..........يصلي الظهر، فافسح الناس له لينظر إلى الرجل .............. ودون أن يقول شيئا أسرع إلى الدار ........... بصلة، وشقها نصفين، وأسرع نحو الحلقة، ........... بالغلام من تحت إبطيه وأبعده برفق عن صدر ............، وجثا إلى جانبه يشممه شق البصلة، ويجس ......... ورسغيه، وورديه.. ثم بدا يقرأ آية من القرآن حتى إذا أتمها انحنى على أذن الرجل وهمس ............. الشهادتين عدة مرات..
وبعد أن تأكد من صعود روح الرجل إلى بارئها، ......... يده الرحيمة الناعمة، فأسبل جفنيه وأرسلني في ............. ازار من الدار، فعدت به في الحال، فغطاه، ........... إلى الطفل المذعور فامسك بكتفيه وضمه إليه ......... على ظهره مصبرا، وهو يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون.. لا حول ولا قوة إلا بالله..».
ودخل الجامع أحد الوكلاء المعروفين فتقدم للسلام على جدي، ووقف يتبادل معه الحديث في همس:
ـ قتله المجرم.. عدو الله، يا سيدي.. اشهد بها أمام الله يوم القيامة.. ذبحه، بدون سكين، من تحت الجلد، وطعنه في القلب، دون أن يريق قطرة دم..
وحين استفسره جدي قال:
ـ دخل هذا البرئ المسكين على القاضي.. خشبة جهنم، دون أن يعرف لماذا أرسل في طلبه من السوق، فوجد العصيدي في مكتبه..
فرفع جدي سبحته تعبيرا عن فهمه للموقف. فاستأنف الوكيل:
ـ ويظهر أن الضحية لم يكن يعرف العصيدي، ولا سمع بأفاعيله التي سارت بها الركبان في سرقة الأملاك عن طريق تزوير الملكيات وعقود البيع.. وفاجأه القاضي بالتوبيخ والتهديد بالحبس والغرامة إذا لم يخرج للعصيدي من أرضه. وبهت الرجل وهو ينظر إلى القاضي يقرأن عليه عقد بيع جميع ما يملك من أرض للعصيدي، وأسماء العدول والشهود و(خربوشاتهم) على العقد. وخرج في الحال من مكتب القاضي مطعونا ينزف من الداخل.. الله يأخذ فيه الحق!
وأمن جدي على دعائه.. ثم فطن إلينا، أنا والغلام ابن الضحية، فأمسك بيدينا وادخلنا الدار في انتظار الإجراءات الرسمية.
***
ومرت عشر سنوات..
وجاء الاستقلال.. وتعاقبت الأحداث بسرعة، فغادرت قوات الاحتلال المدن والقرى ونزل المجاهدون من الجبال للإشرافف على الأمن في مدينتنا.. وكان على راس الجماعة التي نزلت بالمدينة شاب فارع الطول، قوي البنية بدا لي وجهه مألوفا جدا، فاستوقفته للسلام عليه فعرفني هو الآخر، وعانقني بحرارة، وحين طلبت منه، وأنا محرج، أن يذكرني باسمه، وأين تعارفنا، أجاب:
من الطبيعي ان تنسى، لأنك لم ترني إلا لمدة ساعتين منذ عشر سنوات، وفي ظروف جد قاسية.
وذكرني بقصة موت والده، أو اغتياله على يد قاضي المدينة، وأضاف:
ـ انا لا يمكن أن أنسى أبدا موقف جدك النبيل.. فقد كانت يداه الرحيمتان، ووجهه النوراني مصدر عزاء كبير لي في ساعات يتمي الأولى.
وقال لي ان اسمه عبد السلام الرملي..
ودعاني إلى زيارته في معسكرهم بظاهر المدينة، فلبيت مسرورا، لرغبتي الشديدة في سماع أخبار معارك رجال التحرير ضد قوات الاحتلال من جهة، ولشوقي لمعرفة قصة حياته الشخصية بعد أن أصبح يتيمعا وفقيرا في أقل من خمس دقائق..
وعلى مائدة العشاء افاض في الحديث عن جولات القتال والكر والفر بينهم وبين عدو يمتلك أحدث آلات الفتك والتدمير وجميع وسائل الإغراء والتهديد، وهم لا يملكون إلا إيمانهم برسالتهم وعزمهم على طرده من بلادهم..
وكان يتحدث كرجل عاش في فترة قصيرة عمرا كاملا، وجمع عددا هائلا من التجارب، وصقله الاحتكاك بالناس، وأيقظ حواسه حضور الخطر الدائم.
وسألته عن مشاريعه بعد انتهاء معركة الاستقلال، فأجاب بأنه سيذهب إلى الجزائر، كبقية المجاهدين، لإتمام تحرير البلاد.. فمادام الاستعمار دخلنا من جهة الجزائر، فلابد أن نخرجه منها حتى نأمن خطر عودته..
وحين سألته أن يقص علي ما جرى له شخصيت بعد وفاة والده المأساوية، اكتفى بأن تنهد وقال:
ـ أخرجونا من دارنا التي كانت تتوسط ارض الوالد، فذهبت أنا وأمي إلى دار جدي وعشت هناك حتى بدأت حركة التحرير، فانضممت إليها..
ولمست من اختصاره الحديث بهذا الشكل انه يطوي نفسه على جرح لم يندمل بعد.. وان هناك بداخله ركنا مظلما لا يريد الكشف عنه، فاحترمت مشاعره، وغيرت الموضوع..
وتركته وخرجت، وقد أوجست خيفة من أن يكون عبد السلام يعد خطة انتقامية شرسة ضد القاضي القاتل الذي كان مايزال يزاول مهنته بالمدينة، دون حماية سلطان الاستعمار هذه المرة.
وفكرت في ابنائه وبناته الأبرياء.. وأعيتني الحيلة، ففوضت الأمر لله، وتركت له تصريف الأمور كما يشاء.
وصد حدسي..
فلم تكد تمر يومان حتى بدأت بوادر العدالة الإلهية تأخذ مجراها.. كان اليوم يوم جمعة.. وكان الجامع الكبير ممتلئا بالمصلين يقرأون القرآن بصوت واحد..
ودخل القاضي من باب إلى جانب المحراب، فسكت الناس.. وتقم هو في جلبابه وسلهامه الابيضين وصعد درجات المنبر، وجلس على درجته العليا.. وما كان يستلم العصا من المأموم حتى قام رجلان في ملابس عسكرية من الصف الأمامي فوقف أحدهما يخاطب المصلين:
ـ أيها الناس.. ليبق الجميع جالسا في مكانه.. لقد جئنا لنقبض على القاضي لنقدمه للمحاكمة.. فقد وصلت قيادتنا شكاو كثيرة بمظالمه منذ تولى القضاء في هذه المدينة.. ونعدكم بأنه سحاكم بتمام العدل وبأنه سيعطى حقه كاملا في الدفاع عنه نفسه.. فمن أراد منكم الإدلاء بشهادة له أو عليه، فليصعد إلى قيادة المجاهدين غدا في الساعة الثالثة مساء. وسيصلي بنا اليوم الفقيه سيدي عبد الله..
ونزل القاضي من فوق المنبر بمشقة كبيرة.. فقد كان يبدو جليا أن ركبتيه تصطكان بعنف، مما جعل الرجلين المسلحين يساعدانه على النزول، ويرفلعانه من تحت ابطيه ليسلماه لمسلحين آخرين كانوا ينتظرون خلف الباب الذي يدخل منه القاضي.
وما أقفلت خلفه الباب الخضراء الصغيرة حتى فقد قواه، وسقط على الأرض على وجهه يلهث، وقد امتقع وجهه، وحال لونه إلى زعفران.. فاضطر الرجال إلى حمله بينهم من يديه ورجليه كخروف مذبوح، والخروج به من الممر الطويل المعشب إلى الشارع حيث كانت سيارتهم تنتظر..
وذهل الناس داخل المسجد فلم يدروا كيف ..............، كان بعضهم لا يكاد يخفي امتعاضه لما حدث، لمجرد مبدأ إخراجه من المسجد في تلك اللحظة المقدسة، وبتلك الطريقة المزرية.. وكان .......... لا يكاد يخفي سروره بما حاق بالقاضي الظالم ............. كان ينتظر تصفية حسابه معه مدة طويلة..
وترددت أنا في أن أذهب لحضور المحاكمة.. ...... أن يستقر رأيي طرق باب داري أحد رجال عبد السلام الرملي، وأبلغني تحيته ورغبته الأكيدة في .......... المحاكمة كأحد الشهود..
ولم املك إلا أن أذهب..
وفي الطريق إلى المعسكر لحقت بطائفة كبيرة من الرجال والنساء والأطفال يقودهم الوكيل العجوز الذي حضر مقتل والد عبد السلام على باب الجامع، ......... عشر سنوات خلت.. كان السرور باديا على وجهه وهو يوزع النصائح والتعليمات على موكليه ............ الذين حول القاضي الظالم مجرى العدالة .........، فعاشوا طاوين انفسهم على انتظار يوم الثأر الموعود..
اجلسه الجنديات فوق حصير على الأرض جانب المنصة، وهو صامت لا يبدو عليه انه راى أحدا من الحاضرين.. وأشار القاضي إلى الوكيل فقام هذا، واخرج من قب جلبابه ورقة فتحها، ثم رفع أطراف الجلباب عن سرواله ودس يده في جيبه وأخرج حقا فتحه و اخرج منه نظارة بالية وضعها على عينيه وثبت خيوطها على أذنية، ووقف يتلو صكا طويلا من الاتهامات ضد القاضي، ويشير إلى ضحية كل قضية على حدة، فيقوم هذا أو هذه للمثول أمام المحكمة، ويدعى الشهود فيدلون بشهاداتهم، ثم يواجه القاضي الجبلي العجوز المتهم، ويطلب منه الرد، وهو صامت منكس الرأي لا يدري أحد امن الذهول أم من الخجل والعار.
واقتربت امرأة كان يبدو عليها أنها تمقت القاضي القاتل بشكل جنوني، اقتربت منه وأخذت تردد أسئلة المحكمة له:
ـ أجب.! أجب.! أجب أيها القاضي الظالم الملعون! حين حرمتني من أولادي، ورميتني في الشارع بدون رحمة ولا شفقة، ولا نفة.. إرضاء لزوجي القاسي، وما قدمه لك من رشوة، كنت أحمر الوجه قويا مرفوع الرأس. والآن ماذا أصابك؟
وارتمت عليه فأمسيكت بتلابيته وطرحته أرضا، وغرزت أظفارها في وجهه، وانقضت بأسنانها على حنجرته كذئبة جائعة.. وقفز عبد السلام الرملي بين المدعين، فأمسك بالمرأة ورفعها عن وجه القاضي المتهم الذي أيقظه هجومها من ذهوله، فتحول تعبير وجهه إلى رعب، ثم إلى استسلام، وابتعد عبد السلام بالمرأة وهي تصرخ وتندب، وهو يحاول تهدئتها:
ـ اهدئي ياللا.. سـتأخذ المحكمة، بعد الله، حقك، وحقوق جميع المظلومين..
وانفجرت المرأة باكية بحرقة شديدة، وهي تقول:
ـ مهما فعلت المحكمة فلن تستطيع رد شبابي الضائع، وحب أولادي الذين كرهني أبوهم إليهم.. ورماني بكل ساقط من التهم.. لم يبق لي إلا الانتقام..
فصبرها عبد السلام:
ـ أقول لك أن المحكمة ستاخذ حقك..
وما عليك الا أن تنتظري..
ـ ماذا تعرف أنت عن حقي؟ ماذا تعرف عن كية الظلم والباطل الذي أنزله علي عدو الله هذا؟
فأمسك عبد السلام بكتيها بقوة وهزها بعنف وعطف وقد ظهر التأثر على وجهه:
ـ اسكتي.. واسمعي.. لا تقولي ذلك. فأنا أعرف حرقة الظلم، ربما أكثر منك... فقد قتل ذلك القاضي المجرم والدي.. وأيتمني في صباي ونزع جميع أملاك أبي وأعطاها لمزور معروف من معارفه..
وأخرج من حزاما مسدسا رفعه لتراه ثم قال:
وأنا معي هذا.. وقد قتلت الكثير من النصارى وحلفائهم من الخونة والجواسيس.. ولكن بعد ثبوت التهمة.! تذكري، أن المغرب خرج من عهد السيبة إلى عهد النظام والحضارة.. فعودي إلى مكانك، وانتظري الحكم مثل الآخرين..
ويبدو أن مفعول كلام عبد السلام كان أقوى من غضب المرأة، فهدأت نفسها، وتحولت ثورتها إلى انتحاب متقطع، وعادت تقعد في مكانها..
وطالت الجلسة إلى ما بعد اذان المغرب.. واشعل الجنوج المشاعل وركزوها حول هيأة المحكمة، ووضعوا أمام القاضي فنارا.. ووقف جندي يحمل فنارا آخر إلى جانب الوكيل المدعي الذي كان تعب واقفا فجلس على كرسي في مواجهة هيأة المحكمة حتى يتمكن من قراءة لائحة اتهاماته.. وكان جميع من له دعوى بين الحاضرين قد أدلى بها أمام المحكمة.. وفي النهاية طوى الوكيل العجوز الورقة على يده، وقال:
ـ هذا قليل من كثير من مظالم هذا الرجل.. وهناك فظائع لا أذكرها لكثرتها، وهناك ما أذكره ولا أستطيع أن آتي بضحاياه أو شهوده..
وهنا رأيت من واجبي أن أقف وأؤدي واجبي، فرفعت يدي، وقلت للوكيل:
ـ إذا سمحت لي المحكمة، فهنالك قضية أود تذكيركم بها..
والتفت الجميع إلي، وأشار لي القاضي بالاذن، فقلت:
ـ انها قضية رجل اسمه الرملي، دخل المحكمة يوم خميس منذ عشر سنوات وخرج منها يرمي الدم من جوفه.. وكنت أنت هناك حاضرا حين لفظ أنفاسه الأخيرة.. هل تذكره؟
فخلع الوكيل نظارته، وقال:
ـ أذكره جيدا.. وأشكرك على شهادتك.. فتلك إحدى قضايا أهل البادية الكثيرة وهي أضعاف قضايا المدينة التي عرضناها اليوم.. وللأسف لم يتقدم أحد من المدعين لو الشهود، ربما لعدم وصول الخبر إليهم بعد.. وسوف يصل..
وكنت أتوقع أن يقوم عبد السلام لعرض شكواه، ولكنه لم يفعل، ولم أرد انا التنبيه إليه.
وبعد انتهاء العرض، تنهد القاضي الجبلي العجوز، والتفت إلى مساعديه وتبادل معهما بعض الكلمات ثم رفع رأسه وقال:
ـ بسم الله الرحمن الرحيم.. حسب ما تقدم من شكاوي، وما وجه للمتهم من اتهامات مدعمة بالأدلة والشهود، وبما أن المتهم الحاضر لم ينف أيا منها، فقد قررت المحكمة أن المتهم مذنب ومعترف بجميع ما وجه إليه من تهم..
وتوقف القاضي وتنهد وهو ينظر إلى المتهم المسبل العينين، وقال:
ـ وقبل أن تعلن المحكمة نوع العقوبة التي ستوقع على الجاني، أود أن ألقي عليه بعض الأسئلة..
وانتظر القاضي أن يقف المتهم فلم يفعل، فقال له بصوت آمر:
ـ قف..
ولم يبد عليه أنه سمع، فأشار القاضي إلى الحارس المسلح الواقف خلفه، فأمسك به هذا تحت ابطيه وأوقفه، فسرت ضحكات وقهقهات بين الحاضرين أسكتها القاضي الجبلي بنظرة جدية من عينيه الحادتين المدفونتين تحت حواجب كثيفة، ثم اتجه للمتهم، وقال:
ـ هل أنت مسلم؟
وفوجئ الجميع بالسؤال.. ويبدو أن وقع المفاجأة كان أقوى على المتهم، بحيث جعله ينتفض ........... من ذهوله واستسلامه، وينظر إلى القاضي مندهشا غير فاهم القصد من سؤاله فأعاد القاضي:
ـ أجب يا هذا، هل انت مسلم؟
ولأول مرة سمعنا صوت المتهم يخرج من حلق .......... جعله يتنحنح وبعيد:
ـ ماذا تعني هل أنا مسلم؟ طبعا مسلم.
فقال القاضي:
 أعني هل تؤمن بوجود الله، وملائكته وكتبه واليوم الآخر؟ هل تؤمن باليوم الآخر؟
فأجاب القاضي المتهم بغضب مكبوت:
ـ طبعا أومن بكل ما قلت..
فكرر القاضي:
ـ تؤمن بالله وباليوم الآخر؟
ـ نعم أومن بالله وباليوم الآخر.. يوم الحساب..
ـ ولكن أفعالك لا تتطابق مع أقوالك. ان .......... يؤمن بالله وبيوم الحساب لا يمكن أن يقترف هذه الجرائم.. فأما أنك كافر أو منافق أو مرتد، ............ انك لا تؤمن بوجود الله ولا بيوم الحساب.
فانفجر المتهم باكيا وهمهم:
ـ أنا مسلم.. أنا مسلم عاص.. واطمع مغفرة الله..
ـ (ان الله لا يغفر أن يشرك به) وقد اشركت بالله، وأنكرت وجوده بأفعالك الإجرامية! الدين المعاملة. ومعاملاتك مع عباد الله كانت ............ رجل لا دين له. انت مدسوس على الإسلام والمسلمين..
ثم اتكأ إلى الخلف، وأخرج من جيبه منديلا ............ به آثار الانفعال عن وجهه، ثم توجع نحو المتهم وقال بصوت هادئ:
ـ حكمت المحكمة حضوريا على المتهم القاضي السابق، محمد الحالمي، بأقصى عقوبة ين عليها الشرع والقانون، وهي الموت! تنفذ فيه بالطريقة التي تسمح بها ظروف رجال الأمن.
ثم أضاف، ويداه ترتعشان فوق الورق:
وللأسف ليست هناك عقوبة، مهما كانت قاسية، تستطيع إصلاح ما أفسده هذا الشيطان المريد، وتجفيف ما أراقه من دماء ودموع، وإرجاع ما أضاع من سعادة، ومحو ما خلفته مسيرته اللاإنسانية من شقاء ويتم، وثكل، وفقر وحرمان.. الله وحده قادر على أخذ حق المساكين من ضحاياه، الأحياء منهم والأموات.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإنا لله وإنا إليه راجعون..
وجمع أوراقه ووقف، وتعالت من الحاضرين هتافات بحياة الملك، وعودة العدالة للبلاد.. وبكت بعض النساء، وتفرق الجمع تحت جنح الظلام..
وحين خلال المعسكر، شرع أحد المجاهدين بندقيته، ووجهها إلى المحكوم عليه يريد تنفيذ حكم الإعدام فيه، لولا أن عبد السلام الرملي، قائد المعسكر أسرع إلى اختطافها منه، وتوبيخه بعنف.
كان الرجل يدعى (جبيلو) وكان قصيرا حليق الرأس، يطبع تصرفاته العنف.. وكان طوال المحاكمة يعض على لسانه ويصيح كالمطعون كلما سمع تهمة او شهادة عن جرائم القاضي المتهم... وكأنما فوجئ بتصرف قائده فأخذ يصيح ويضرب رأسه بقبضته:
ألم تسمع حكم الله في هذا الظالم..؟ فماذا تنتظر لتنفيذه؟
فنظر إلي عبد السلام دون انفعال وقال:
ـ هدئ أعصابك أو تدخل الحبس.. انتهى عهد السيبة.. وسينفذ الحكم في المذنب بالطرق القانونية فاذهب إلى شغلك..
وأشار إلى رجلين وأمرهما بحمل القاضي إلى غرفته، وإطعامه. فحملاه من ذراعيه كثلة واهنة ومضيا به وهو يجر قدميه على الأرض..
وجاءته الطباخة بعشائه، وحاولت تشجيه على الأكل فلم تفلح وبجهد كبير، وكثير من عبارات الأمل ارغمته على شرب ليل من المرق أنعشه قليلا، وأدفأ عظامه الباردة، وجعله يستلقي طلبا للنوم..
وبات تلك الليلة يعاني من كوابيس مفزعة.. كان شريط كامل من التهم التي وجهت إليه يمر حيا في ذاكرته كما حدث من سنين، وكما لم يتذكره قط من قبل، فكان يستيقظ فزعا صارخا يستغيث من شر ما فعل، ليجد نفسه في أسوأ حال مما كان..
وفي الصباح دخلت عليه طباخة المعسكر السمينة الطيبة القلب فوضعت فطوره أمامه، وأخذت تشجعه على الأكل:
ـ كل آ لمسكين.. الله لطيف بعباده.. افطر حتى تقوى على حمل مصيبتك..
وغمست الخبز في القوة والحليب ووضعتها في فمه، وهي تقول:
ـ كل لتقوى على الصلاة والاستغفار.. باب الله دائما مفتوح.. وانت طالب فاقرأ القرآن..
وكانت هذه الكلمات قوتا لقلبه الملكوم، وروحع المثقلة بالذنوب ورغم ذلك لم يجد رغبة في فتح فمه لغير اللقمة الأولى.. فنظرت المرأة حواليها لتتأكد من خلو المكان، وابتسمت له، وانحنت عليه وهمست في أذنه:
ـ كل.. سمعت أن لجنة تحقيق آتية من العاصمة لتأخذك.
وانفتح قلب القاضي ودق بسرعة وعنف، وكان دما جديدا تدفق فيه، فأمسك بيد المرأة وسأل وكله يرتعش:
ـ حقا؟
فهمست له:
ـ سمعتها من ساعي البريد. فاطمئن.. وربما جاء مع اللجنة أحد يعرفك.. قدمت له خدمة، أو أحسنت إليه..
وكان هذا بمثابة يد إنقاذ تمتد إليه من السماء.. فأحس بالرغبة في الوقوف، ووجد في ركبتيه القوة على التمشي بضع خطوات في ضوء الأمل الذي حملته إليه الطباخة الطيبة..
وفي تلك اللحظة دخل عليهما القائد عبد السلام.. وأشار للطباخة ان تخرج، ووقف ينظر إلى القاضي، ويلعب بقضيب في يده.. ثم فاجأه بالسؤال:
ـ لماذا؟
فرفع الرجل عينيه يستفسر..
ـ لماذا هذا الشريط الهائل من المظالم؟ متى مات ضميرك؟ كيف فقدت الحاسة الإنسانية البسيطة؟ حاسة وضع نفسك مكان غيرك؟
فحرك القاضي رأسه قائلا:
ـ لا أدري.. يحدث ذلك بالتدريج.. ويبدأ القاضي ينظر إلى الناس وقضاياهم كما ينظر الطبيب العام إلى المرضى وأمراضهم.. بدون مشاركة وجدانية.. بدون عاطفة أو انفصال.. ومن هنا تتسع الهوة، ويدخل منها الشيطان.
وانتقل القائد إلى موضوع آخر بنفس الطريقة التي ألقى بها السؤال الأول، فسأل:
ـ هل تعتقد أن الشر وراثي؟
فاستفسر القاضي بنفس النظرة، فأضاف القائد:
ـ هل كان أبوك شريرا مثلك؟
فاحتقن وجه القاضي ولم يجب. فقال القائد:
ـ هل كان هو الآخر قاضيا؟
فحرك القاضي رأسه بالنفي، فقال عبد السلام:
ـ لو كان قاضيا لكان نسخة طبق الأصل منك.. هكذا يقول العلماء..
ورن جرس حاد في مخ القاضي، وهو يتوقع النتيجة التي سيصل إليه القائد من استجوابه فصدق حدسه.. قال عبد السلام بعينين باردتين:
ـ علينا إذن أن نضع حدا لانتشار شرك.. سنقطع نسلك.
وفتح المتهم فمه غير فاهم، فأضاف القائد:
ـ سنتبع بك جميع أبنائك وبناتك حتى لا يبقى بعدك وارث.
وانهار الرحل لسماع هذا، وغامت عينيه فسقط مغشيا عليه..
وفي تلك الليلة أسل القائد في طلب أبناء وبنات القاضي.. وأمر مبعوثه أن ينفذ المهمة بكامل السرية ........... ما يمكن من الرجال..
وجيء للمعسكر بالأولاد الخمسة والبنات الثلاث في سيارتين مدنيتين.. وكان أبوهم منذ ........... من إغمائه وهو يعاني من ألم حاد في معدته، ............ حامية في حلقه، وضيق شديد في صدره ............. يتمنى على الله أن يبدأوا بإعدامه هو حتى ............... عليه مشهد شن أولاده أمام عينيه..
ومن خلال حلكة يأسه الدامسة كان بريق أمل ................ تتلاعب به رياح اليأس العاصفة، في أن تأتي العاصمة لجنة للتحقيق في أمره.. وكان أعلم .......... بثقل حركة جهاز العدالة في البلاد، وبطئه ..............، حسا ومعنى، هذه المرة. ولم يبق له إلا ........ ان تكون الأحوال قد تغيرت بعد ذهاب سلطات الاستعمار..
وكان يطلمن نافذة الغرفة المربعة حين وقفت سيارتان وخرج منهما أبناؤه وبناته في ملابس ............، وهم خائفون يرتعشون وقد أحاط بهم الرجال المسلحون من كل جانب..
وجاء القائد ففحص وجوه الشباب الثلاثة، .........................، ثم نظر في وجوه الطفلين والطفلة الصغار، ............. بإدخالهم على أبيهم لتوديعه قبل تنفيذ حكم الإعدام فيه..
ولأول مرة سمع الأولاد بحقيقة ما يراد بهم ............. قيل لهم أن اباهم أرسل في طلبهم ليراهم.. ............. البنات بالهياج والهستيريا.. وامتقع وجه .............. البكر الذي كان يقدر الوضعية بواقعية.. وتأثر ......... الأوسط وهم بالهروب فأمسك به أحد الرجال.............. إلى الصف..
وفتح باب الغرفة، وأدخل الجميع على أبيهم، ارتمت البنات في حجره يقبلنه ويبكين ووقف الأولاد ينظرون.. وخرج الأوسط من بينهم ليواجه ............:
ـ ماذا فعلنا نحن؟ ما ذنبنا؟ لماذا ......قتلوننا؟ أنت سبب هذا كله.
والتفت للقائد قلائلا:
ـ المحكمة حكمت عليه هو.. فما ذنبنا ...........؟ نحن أبرياء. وما ذنب الأطفال الصغار؟ ........ ذنب البنات؟
وانفجر الأب باكيا، فتدخل الجنود لإبعاد البنات والأطفال عنه، أخرجوهم إلى الحوش ثم ادخوهم اصطبلا كبيرا مضاءا بمصباح كهربائي ساطع، وأقفلوا الباب خلفهم.. ووقف الأب ينظر من النافذة الصغيرة بلهفة نحو الإصطبل الذي كان يتدلى من سقف حبل في نهايته أنشوطة عرف من شكلها وحجمها انها مشنقة.. كان يستطيع أن يميزك من خلال نافذة كبيرة ذات زجاج سميك ظل وأشباح الموجودين داخل الإصطبل..
وفي تمام منتصف الليل رأى ما كان قد تخيله مرة ودعا الله بحرارة ألا يقع، رآه وهو يحدث امام عينيه وكأنه كابوس رهيب يستحيل الاستيقاظ منه.. رأى ابنه الأصغر يرفع نحو حبل المشنقة، وتوضع الأنشوطة حول عنقه ثم يتدلى بعنف، ويتأرجح بدنه ويداه مربوطتان خلفه..
وكأنما اطبقت تلك الأنشوطة حول عنقه هو، فلم يستطع الصراخ الذي كان في أشد الحاجة إليه، فسقط فاقد الوعي.
وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الغرفة، وتقدم القائد عبد السلام الرملي بفنار كهربائي نحو الرجل الطريح فسلط ضوءه على وجهه، فإذا الدم الأسود يفور خاثرا من فمه ومنخريه، وصوت حشرجة ثقيل يصدر عن صدره، وهو يتخبط كالحيوان المذبوح..
وفجأة وقع شيء غريب، جعل عبد السلام يطرف بعينيه ويقترب من الرجل المحتضر.. بدأت ملامح وجه أبيه هو ـ ذلك الوجه الذي ارتسم في مخيلته ساعة مفارقته الحياة، ولم يفارقها بعد ذلك أبدا ـ يدأت ترتسم على وجه القاضي المحتضر.. وتسمرت عيناه على وجه أبيه الذي فتح عينيه، وابتسم له في سعادة وارتياح.. ثم اختفى ليعود وجه القاضي إلى الظهور مكانه..
وابتسم القائد عبد السلام في سره، وأطفأ الفنار، وقد وقد تأكد من أن روحم والده قد ذهبت إلى مستقرها الأخير راضية مرضية..
وذهب إلى الاصطبل حيث كان جميع أولاد وبنات القاضي جالسين على حصير على الارض فأخبرهم بوفاة والدهم وفاة طبيعية، واعتذر لهم عن كل ما حدث لهم، وهم ينظرون في صمت إلى الدمية القماشية المحشوة بالتبن، والمعلقة بالحبل وهي تتأرجح مدلاة من السقف.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here