islamaumaroc

الكتاب المنزل عن مقاصده وتوجيهاته

  دعوة الحق

175 العدد


حدود العقل:
يميل الإنسان، ولاسيما في هذا العصر، إلى إخضاع كل شيء لمقاييس العلم التجريبي أو النظري أي لسلطان العقل الفاحص.
وبديهي أن هذا المسلك سليم في حد ذاته ولا يمكن بحال أن يؤاخذ عليه الإنسان، كما أنه ليس للإسلام أن يتخوف من محك العقل والنظر لأن ذلك من مميزات رسالته كما سنرى. إلا أنه من حقنا أن نلاحظ في البداية أن العقل الإنساني له حدود لا يتجاوزها، وأن العلم بسبب ذلك قاصر عن إدراك كثير من أمور النفس والمادة، وأنه مهما اجتهد سيبقى موسوما بالقصور لا يتخطى في عديد من مسائل الكون والحياة حدود نظريات قابلة للمراجعة والتصحيح أو البطلان المجرد.
نقرأ في مقدمة كتاب (الصدفة والحاجة) للعالم البيولوجي المعاصر جاك مونو هذه الخاطرة: «ان العالم الحي لا يشكل إلا جزءا تافها ومتميزا جدا من الكون المعروف حتى ان دراسة الكائنات الحية تبدو وكأن ليس في مقدورها قط أن تكشف عن نواميس عامة قابلة للتطبيق خارج عالمنا الحي»، فإذا كان هذا هو الشأن بالقياس إلى الكون المعروف لدينا فإلى أي حد يصل عجزنا حينما يتصل الأمر بالأكوان الأخرى التي نجهلها؟
هذا وحينما يعجز العلم عن تفسير بعض الظواهر ذات الصلة بالإنسان والكون أو يقصر عن فهم أعماق النفس البشرية وصلتها بالعقل المطلق والتزامها، نتيجة لذلك، بالخضوع للقوة المبدعة التي تدبر شؤون الكون يعمد بعض الناس، عن جهل أو عجز، إلى قطع الصلة بالدين بدعوى أنه يتنافى مع العلم أو أنهما لا يتلاءمان ولا يتلقيان، ومن هنا تنفتح أبواب يلج منها كثير من المغالطات التي تفسد على الإنسان مسالك الطمأنينة الروحية وتمهد للمادية سبل العبث بالنفوس بما تبذره من شك وتبثه من حيرة.
ولا يقل عن هذا الموقف تطرفا ما يتمسك به بعض «رجال الدين» من معاداة صريحة للمعرفة العلمية الكونية ومجافاة لكل تدبر أو نظر عقليين في المسائل المتصلة بالعقيدة الدينية.
ومن هنا يحدث الصراع بين العلم والدين، وهو نزاع قديم وصل في عصرنا الحاضر إلى القطيعة لاسيما في المجتمعات الغربية حيث يقوى استعداد الإنسان لتقبل سلطان المادة، واتخاذ موقف ميكانيكي من الحياة بسبب التقدم التقنولوجي المذهل الذي تعرفه هذه المجتمعات.

الدين والعلم:
ويمكننا ان نقول أنه لا يوجد، من وجهة نظر الإسلام، تعارض بين الدين والعلم، ذلك أن العلم ليس في الواقع إلا جزءا من الحقيقة الكلية التي ينطوي عليها الإسلام وتقوم في جملتها على التوفيق بين المادة والروح بما تبينه للناس من مبادئ وشرائع تهديهم سبل الحياة على هذه الارض لتنتظم شؤونهم فيها بالعلم والعمل وتقوم الأمور بينهم على الإيمان والاستقامة وما يترتب عنهما من عدل وإحسان وبر ومعروف. ولعل هذه الآية الكريمة «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليه ولا تبغ الفساد في الارض» (القصص/77) تلخص أبرع تلخيص روح الشريعة الإسلامية بما ترسمه للمسلم من نهج في السلوك يدخل فيه صحة الاعتقاد، والقيام بالشعائر، والاستمتاع الحلال بأطايب الدنيا، وطلب العلم، والسعي في النفع العام.
وانطلاقا من هذا المفهوم الإسلامي يمكننا أن نقول بأن الدين نظام إنساني متكامل يعنى بشؤون الروح والمادة معا، ويقيم الأمور بينهما على أساس التوازن والتعادل. وحينما أقول بأن الدين «نظام إنساني» فأنا أقصد أنه سلوك في الحياة ونمط في التفكير والتصرف يلتزم بهما الناس في الدنيا على المنهج الذي رسمه الله لتنظم شؤونهم في حدود الإيمان بوجدانيته وقدرته المطلقة. فالدين لا ينظم شؤون الآخرة بل انه يعد لها بما شرعه الله للناس من عبادات ونظم خلقية واجتماعية واقتصادية، وما هداهم إليه من عقائد تستقيم بها أحوالهم في الدنيا وتزودهم للحياة الأخرى. ومعنى هذا ان الله لم يفرض الدين لصالحه، لأنه تعالى غني عن أعمالنا وعباداتنا، بل فرضه لصالح البشر.
والعلم شأن من شؤون الدنيا، وهو بذلك يدخل في مشمولات الدين الإسلامي، فلا محل إذن للتعارض.
والإسلام، في حقيقته، لا يقيم الحدود بين العلم والدين، بل ان عبارة رجال الدين لم يكن لها مكان في حضارة الإسلام، فهي من مقتبسات هذا العصر.
ومعلوم أنها ترادف في البلاد المسيحية عبارة «رجال الكنيسة»
ويبدو لي أن بعض المتعلمين المسلمين الذين تشربوا فكريا روح الثقافة الغربية تختلط في أذهانهم أحيانا مدلولات الألفاظ التي تعبر عن بعض القيم فيتعسفون في ترجمتها حرفيا وفهمها على غير حقيقتها. و«الدين» من تلك الألفاظ التي تنطوي على ابعاد نفسية وفكرية وخلقية تتصل بتراث الأمة التي تستعملها، ولا يلعب المعنى اللغوي والاشتقاقي في ذلك إلا دورا ثانويا.
فإذا كان من معاني كلمة الدين في اللغة العربية الالتزام بالطاعة والانقياد، أو الحكم والضبط، أو الحساب والجزاء. فإن مدلولها الفكري والنفسي يذهب أبعد من ذلك بكثير. فنحن، مثلا، حينما نتلو قول الله تعالى: «ان الدين عند الله الإسلام»، يبعث لفظ الدين في أذهاننا معاني عميقة تشمل عقيدة التوحيد وما يتبعها من بعث وحساب، وثواب وعقاب، وجنة ونار، كما تشمل جملة العبادات والمعاملات التي شرعها الإسلام بما أوحاه الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم واشتمل عليه القرآن الكريم والسنة الشريفة. وليس هذا بالتأكيد هو ما يفهمه الفرد المسيحي أو البوذي أو البراهمى من لفظ الدين بأبعاده التي ذكرناها.

القرآن مصدر الأفكار الإسلامية:
من هذا المنطلق نقول: ان القرآن الكريم هو المرجع الأول للمسلمين في شؤون العقيدة والأخلاق والتشريع والسلوك الاجتماعي والاقتصادي، وهو بهذه الصفة كان المصدر الأول للأفكار الإسلامية في ميادين الفقه والتصوف وعلم الكلام والفلسفة واللغة والبيان، كما أنه كان العامل الرئيسي في تقدم العلوم الطبيعية والرياضية والطبية وغيرها، كما أنه حرك العقول وشحذ الاخيلة وأثار تيارات البحث والنظر والتأليف والترجمة في شتى ميادين العلم والفكر.
وفضلا عن هذه الميزة التي جعلت من القرآن الكريم محركا للأفكار والعقول في اتجاه المعرفة والعلم، وحافزا قويا من حوافز الدرس والاطلاع والتفاعل مع ثقافات الأمم المختلفة واستيعابها بشكل يتلاءم مع روح الإسلام ومنهجه، أحدث الكتاب المنزل وعيا خلقيا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا جديدا في حياة المجتمع الإسلام وفي سلوك أفراده ومعاشهم.
ذلك أن القرآن جاء دعوة إلى افصلاح فرسم للناس منهجا قويما في العقيدة والسلوك والتفكير والعمل، وخاطب عقلهم وقلبهم وخيالهم جميعا ببيان واضح، ومنطق سهل، وحجة قائمة، ودعاهم إلى التعامل بالحسنى وتسخر الارض لما فيه خير البشر وفقا للمبدأ الإسلامي المعروف: لا ضرر ولا ضرار.
فالقرآن أولا كتاب موعظة وإرشاد، وهذا ما تدل عليه آيات بينات كقوله تعالى: «يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكن وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. (يونس/57) وقوله عز وجل «ان هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا» (الإسراء/9).
والقرآن مع ذلك، هو الأصل الأول من أصول التشريع الإسلامي «وما أنزلنا إليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه» (النحل/64à) «انا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله» (النساء/105) «ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء (النحل/89) والسنة النبوية هي الأصل الثاني للتشريع الإسلامي ويليها الاجتهاد وما يتصل به من قياس ومصالح مرسلة. ومعلوم أن الاجتهاد في الإسلام من الأصول التي تفتح للعلم والعقل الإنساني الرصين أبوابا واسعة من البحث والنظر والاستنباط.
هذا وقد اختط الله للقرآن منهجا يحفز على التدبر والتفكر ويحث الإنسان على إمعان النظر في نفسه وفي سائر مخلوقات الله ليدفعه إلى البحث والدرس والاستكشاف قصد بلوغ غايات منها: تصحيح الإيمان بوحدانية الله، والسعي لعمارة أرضه التي استخلف فيها الإنسان فحمله بذلك أمانة عظيمة الشأن جوهرها التوحيد وقوامها الكدح والعمل لإقامة العدل والمساواة بين الناس، وتنظيم شؤون معاملاتهم وعباداتهم تنظيما يضمن لهم حسن المعاش في الدنيا، والنجاة في الآخرة.

تدبر النص القرآني:
والقرآن الذي حث على التدبر والتفكر في أمور الحياة والكون، أمر المسلمين أن يتدبروا، في المقام الأول، نص القرآن نفسه ليفهموه ويستوعبوا معانيه، لأن العلم لا يحصل إلا بالفهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته» (ص/29) ويقول: «أفلا يتدبرون القرآن؟» (محمد/24).
نقرأ لتقي الدين بن تيمية في كتابه (مقدمة في أصول التفسير): «يجب أن يعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقول الله تعالى: «لتبين للناس ما نزل إليهم» يتناول هذا وهذا ـ أي المعنى واللفظ ـ وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل... فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا».
ويعلق بن تيمية على هذه الرواية بقوله: «فالعادة تنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم، كالطب والحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم».
ولقد كان من أسباب تأخر المسلمين، بعد النهضة الكبرى التي عرفتها دولهم، أنهم فرطوا في تدبر آيات الله البينات، واقتصروا على الحفظ والاستظهار دون التعمق والفهم، ووقفوا عند حد التقليد الجامد، وقصر باعهم عن الاجتهاد، جهلا وركونا، فتخلفوا عن ركب العلم، ووقفوا عن التقدم.
واننا لنحمد الله على أن الهمم انصرفت في هذا العصر، بعد يقظة الشعوب الإسلامية. إلى الاجتهاد في طلب العلم، والاتجاه إلى الدرس والبحث، فقامت بينهم طائفة من العلماء أتيح لهم نصيب وافر من علوم العصر فجعلوا ينظرون في القرآن نظرة المستبصر المستنير يتدبرون آياته على سنن السلف الصالح وبفكر متفتح على معارف العصر، فظهرت تفاسير ودراسات علمية قيمة تكشف جوانب عديدة من أسرار القرآن وعلومه، وأنشئت كليات جامعية وهيآت علمية إسلامية تخدم البحث العلمي النزيه، وتوجه إليه بأسلوب يناسب علوم العصر وحضارته.
وجدير بنا أن ننوه هنا بحسنة من حسنات جلالة ملك المغرب الحسن الثاني تتجلى في تأسيس دار الحديث الحسنية بظهير شريف صادر عام 1385 الموافق لسنة 1965، وهي مؤسسة جامعية علي للتدريس والبحث في ميادين العلوم الإسلامي، وفي مقدمتها علوم القرآن والسنة النبوية. وإننا لنتمنى بل ندعو أن تتجه هذه الكلية العلمية ـ التي قطعت أشواطا هامة في ميدان التدريس ـ إلى البحث، وأن تذيع في الناس نتائج بحوثها وأن ننشر الكتب والرسائل الجامعية، فذلك هدف رئيسي من أهدافها كما جاء في ظهير تأسيسها.

منهج القرآن في الدعوة إلى العلم:
لقد بينا أن القرآن الكريم قد دعا المسلمين إلى تدبر آيات الله البينات الواردة في نص الكتاب مما أدى إلى نشوء حركة علمية واسعة ازدهرت بها علوم التفسير والقراءات، والعلوم الفقهية والبلاغية والبيانية وغيرها، ونشرت آلاف الكتب والمصنفات التي درس فيها مؤلفوها القرآن الكريم من جميع جوانبه. وينبغي أن نشير الآن بإيجاز إلى الجانب الآخر للدعوة التدبرية التي وجه القرآن الكريم الأنظار والعقول إليها.
نعم، يزخر كتاب الله المنزل بإشارات تثير الأذهان وتوجهها إلى التفكر في خلق الإنسان والأكوان لغايتين جوهريتين: إحداهما: الإيمان اليقيني بوحدانية الله وقدرته، والثانية تمكين الإنسان من تسخير الطبيعة بوسائل علمية لتحسين الحياة على الأرض بما يتفق وروح الشريعة وأهدافها.
فمن الآيات ما يدعو الإنسان إلى التدبير في أمر نفسه كقوله تعالى: «أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين؟» (يس/77) وقوله عز وجل: «يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فأنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم...» (الحج/5) فالإنسان خلقه الله من ماء مهين وسواه بشرا وجعل له السمع والبصر والفؤاد، وهداه النجدين: اما شاكرا واما كفروا. وإذ جعله الله متوفرا على جميع مقومات النظر العقلي والاهتداء الشعوري فإنه صار مدعوا بالضرورة إلى التفكير الدائم والبحث المستمر لأن الذي يبحث عن نفسه بالعقل والفؤاد، أي بالعلم والمعرفة، يجد الله في نهاية الأمر فيطمئن قلبه ويسخر العلم الذي وصل إليه في سبيل الخير والنفع العام.
وقد أحاط الإنسان في هذا العصر بكثير من العلوم وحقق اكتشافات رائعة ومخترعات مدهشة فتمكن من فلق نواة المادة وإطلاق الطاقة الكامنة فيها كما توصل إلى اكتشاف أصغر ذرات خلاياه ووقف على عوالمها الكيماوية المذهلة حتى أن علماء البيولوجيا المعاصرين أخذوا يعتبرون الكائنات الحية ـ وفي مقدمتها الإنسان ـ بمثابة آلات كيماوية إذ أن نمو الأجسام وتكاثرها يتطلبان حدوث آلاف التفاعلات الكيماوية التي تتكون بفضلها مقومات الخلايا. وبالرغم من ذلك فإن الإنسان ما يزال في حاجة شديدة إلى تدبر أمر نفسه من الظاهر والباطن لمعرفة مكانته وعلاقته بالكون الواسع الذي يدبره الله بحكمة وإتقان.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق» (فصلت/53) وهو سبحانه ما يزال يرينا آياته في «الأكوان وفي أنفسنا منذ ظهور الإنسان على الأرض، يرينا ذلك بما ييسرنا له من علم وما يهدينا إليه من معرفة، وما أقل ما رأيناه وما أكثر ما يزال محجوبا عن أفهامنا! والأمر المهم هو أن توصلنا المعرفة إلى اليقين الذي يثبت الإيمان، وألا تجعلنا نرى في فتوح العلم والتقنولوجيا مجرد وسيلة لإرضاء الفضول أو لتأكيد سلطان المادة. فهذا الاختيار القاصر ان لم يؤد في الآجل إلى تدمير الحضارة الروحية والمادية المتوازنة التي بناها الإنسان جيلا عن جيل فإنه سيقود لا محالة إلى تفويض القيم الروحية والخلقية التي أصبح الإنسان بفضلها كائنا متميزا بعد أن كان في أوائل ظهوره على الأرض من جملة البهائم التي تدب عليها.
وإذا كان التفكير العلمي قد انتهى ببعض المفكرين إلى القول بأن الإنسان مجرد آلة تنتج أدوات العمل بقصد التأثير في الطبيعة وتحويلها، وان العالم مادي وأنه لا وجود فيه لغير المادة وقوانين حركتها وتغييرها، فغن هذا مما يدل على وجود تهافت خطير في فكر بعض الأقوام كما يدل على أن دعوة القرآن ماتزال قائمة بكل جدتها وقوتها تنتظر رجالا يتولونها عن علم وايمان حتى يثبتوا للماديين الضالين أن الله سبحانه وتعالى يتنزه عن العبث وهو القائل عز وجل: «وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لاعبين» (الأنبياء/16) وكان الفيزيائي المعاصر أينشتين قد استلهم هذه الآية الكريمة حينما قال متحدثا عن قاعدة التأكد: «لا أستطيع أن أعتقد أن الله يتصرف في الكون تصرف من يلعب بالنرد»(*).
ونعود لمسألة الدعوة القرآنية إلى التدبير لنرى ان كتاب الله العزيز لم يقتصر على دعوة الإنسان إلى التفكر في نفسه بل لفت يقتصر كذلك إلى آيات الله الكونية بكيفية تثير في نفسه حب الاستطلاع العلمي، والرغبة في البحث والكشف ليكتمل بذلك إيمانه ويطمئن قلبه، ذلك أن المعرفة اليقينية التي يشترك فيها العقل والقلب والحواس ويعاينها البصر والبصيرة تؤدى حتما إلى الإيمان الثابت.
ونلاحظ أن القرآن الكريم كثيرا ما يخاطب الناس بكلام يبدأه بمثل قوله: «ألم تر...) «أو لم يروا..» أفلا ينظرون إلى..» ولاشك أن هذه المخاطبة لا يقصد منها مجرد التنبيه ولفت النظر، بل الدعوة إلى التدبر الطويل والتفكر العميق وكلاهما من وظائف العقل والحواس.
يقول الله تعالى: «أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي؟» (الأنبياء/30) وواضح أن في هذه الآية تقريعا للذين لا يتدبرون آيات الله الكونية فيؤدي بهم الجهل إلى الكفل، والآية بعد هذا تثير الفضول العلمي وتنبه غريزة حب الاستطلاع في الإنسان، ذلك أن البشر لا يستطيعون أن يدركوا بحاسة البصر وحدها، حقيقتين تشير إليها الآية الكريمة: 1) فتق السموات والارض بعد أن كانتا رتقا. 2) علاقة الحياة بالماء. وهما موضوعان يتطلبان دراسة طويلة وتأملا عميقا، فالناس مدعوون أولا إلى الإيمان والتسليم مادام الله سبحانه وتعالى هو الذي يخبرنا بذلك بواسطة رسوله الكريم، ثم نتابع البحث والنظر لتطمئن قلوبنا باليقين. وهذا هو منهج القرآن في تشجيع العلم والدعوة إليه.
وسنلاحظ في آيتين كريمتين أخريين كيف ربط القرآن وجدان العلماء بالتفكر في آيات الله الكونية لاستخلاص النتائج الاعتقادية والعقلية منها: يقول الله تعالى: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء» (فاطر/27 – 28) فالآية الأولى زاخرة بإشارات واضحة تحث على التدبر والبحث والاستكشاف، والآية الثانية تقرر أن العلماء الذين يبحثون ويكتشفون الحقائق هم أكثر الناس خشية لله، والخشية مرتبة سامية من مراتب الإيمان الذي يثبته العلم.
وما أكثر ما يدعو القرآن إلى النظر بالعقل قبل البصر: «انظروا إلى ثمره وينعه، أن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون» (الأنعام/99) «ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل» (لقمان/29) «أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج» (ق/6) «ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا» (الفرقان/45) «أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن» (الملك/19) ان كل هذه الآيات الكريمة تدعونا إلى النظر بالعقل والجوارح في ظواهر بيولوجية وطبيعية شتى تتصل بالكائنات الحية وبالأفلاك.
ترى هل كان الإنسان يستطيع، لو انه لم يكل النظر في الطيور المحلقات في جو السماء، ان يتكشف الطائرة في يوم من الأيام؟ ان التأمل البصير هو بداية العلم وهو تمام الإيمان.
ويحق لنا أن نلاحظ بعد هذا أن القرآن قد استعمل لفظ «آية» للدلالة على معنيين: أولا: على الجمل القرآنية المتصلة بعضها ببعض مثل قوله: «ليدبروا آياته». ثانيا: على الدلائل الكونية مثل قوله: «وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون» (يس/37) فكلمة الآية هنا معناها العلامة الظاهرة التي يتبين منها الوجه الخفي من الأشياء، فالمسألة تتطلب الملاحظة والاستكشاف والتثبت.
فالقرآن، إذن، دعوة واضحة إلى العلم واعمال النظر بقصد معرفة الظواهر وكشف الحقائق ليصح الإيمان باليقين وتحصل المنفعة العامة التي فيها خير الناس في المعاش والمعاد.

العلم والإيمان:
ويمكننا أن نستنتج من هذا المقصد الأسمى أن العلم الذي لا يؤدي إلى الإيمان والمنفعة العامة مما ضرب من الفساد في الارض.
قرأت في كتاب (القوة والضعف)(*) للأستاذ جان همبور جير، الطبيب الباحث الفرنسي ما ترجمته: «شاهدت يوما على شاشة التلفزيون صحافيا يسأل عالما نابها من علماء الفيزياء. قال الصحافي:
ـ هل تفكر أحيانا في عواقب مخترعاتك؟ فأجاب العالم:
ـ انني لا أفكر في ذلك قط، فالمسألة ليست من شأني، وعلى الآخرين أن يفعلوا ذلك مكاني» وعلق جان هامبور جير على هذا الحوار الغريب بقوله:
«لاشك أن عددا كبيرا من النظارة قد اقشعرت أبدانهم في تلك اللحظة مثلي وهم يستمعون إلى رجل يحدث الصاعقة فلا يشغل باله بما يمكن أن تتسبب فيه».
ان الله لا يحب الفساد. والعلم الذي لا يصحبه الإيمان ونفع الناس عبث لا يقبله الله وفساد يؤدي إلى سوء العاقبة في الدنيا قبل الآخرة.

العقيدة والأخلاق:
إذا كان هذا هو موقف القرآن من العلم فإن توجيهاته السامية في مسألة العقيدة والأخلاق تتلخص في منطوق هذه الآية الكريمة وروحها: «ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة إلا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون» (فصلت/30) ويتكرر نفس هذا المعنى في سورة الأحقاف (الآية 13). وفي حديث عن أبي عمرة سفيان بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم.
فالإيمان بالله يقتضي بداهة الإيمان بوحدانيته المطلقة التي تتجلى في عدد من الحقائق التي ينبهنا إليها القرآن الكريم ومنها:
أولا: انفراد الله بالخلق والإبداع «ألا له الخلق والأمر» (الأعراف 54) «بديع السموات والارض، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون» (البقرة 117) «وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والارض» (الروم/27).
ثانيا: علمه المطلق الشامل: «وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه» (فصلت/47) «ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلما الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين» (الانعام/59) ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه. ونحن أقرب إليه من حبل الوريد» (ق/16).
ثالثا: مطلق تصرفه في الكون والخلائق: «هو الذي يسيركم في البر والبحر» (يونس22) «انه هو يبدئ ويعيد» (البروج/13) «والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه» (الزمر/67).
رابعا: خضوع المخلوقات والأكوان لإرادته خضوعا تاما: وله اسلم من في السموات والارض طوعا وكرها وإليه يرجعون» (آل عمران/83) «وما أنتم بمعجزين في الارض ولا في السماء» (العنكبوت/22).
خامسا: تجلى الكمال الإلهي في مبدعاته: «ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور» (الملك/3) «أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج» (ق/6) «وأنبتنا فيها من كل شيء موزون» (الحجر/19).. «وصوركم فأحسن صوركم» (التغابن/2) «الذي أحسن كل شيء خلقه» (السجدة/7).
هذا ويترتب عن الإيمان بوحدانية الله أمور عملية تطبع خلق المؤمن وسلوكه، ومن ذلك الإحساس بانتماء البشر إلى أصل واحد وتساويهم في الحقوق والواجبات؛ وفي هذا يقول الله تعالى: «ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة» (لقمان/28) ويقول: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أقربكم عند الله اتقاكم» (الحجرات/13). ومن ذلك أيضا: الالتزام بوحدة الاعتصام والصف: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» (آل عمران/103) «أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه» (الشورى/13) «إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء» (الانعام/159).
وهكذا يجب أن تتجلى وحدانية الله تعالى في وحدة البشر واجتماعهم حول عقيدة واحدة، وسعي مشترك للخير والصلاح. ولحكة ما عند الله سبحانه وتعالى الشرك من أكبر الكبائر فقال: «ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (النساء/48)، والشرك أنواع منه عبادة الأصنام والظواهر الطبيعية، ومنه عبادة الأشخاص وتقديسهم من دون الله، وهذا النوع من العبادة هو السائد في بعض المجتمعات المادية المعاصرة، ويطلقون عليه (Le culte de la personnalité) ومن قبيل الشرك أيضا عبادة الهوى، وفي هذا يقول الله تعالى: «أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (الفرقان/43) ويقول «ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله» (القصص/50) وقد طغى هذا النوع من العبادة في عصرنا.
وننتقل الآن إلى مسألة «الاستقامة»  التي هي من جوامع الكلم وتعنى في الدرجة الأولى طاعة الله في كل ما يأمر به، وحسن العمل والإخلاص فيه. والطاعة تقتضي ترويض النفس وتقويم السلوك بالعبادات والتربية والتهذيب والقدوة الصالحة. وغاية الاستقامة ثبوت الإيمان بالعمل ومجاهدة النفس، وتغلب الخير لمنفعة الفرد والجماعة.
لذلك فغن الاستقامة تستوجب العدل والأمانة وحسن المعاملة وبذل الجهد في سبيل الصالح العام.
فالذي لا يعدل لا يمكن أن يكون مستقيما، ومثله الذي يخون الأمانة أو يغش في قول أو عمل، في سعى أو وظيف.
والذي يفتن الجماعة عن دينها وعقيدتها، ويعمل لتفريق صفوفها لا يمكن أن يكون مستقيما، ومثله الذي يسعى في الارض فسادا بترويج العقائد الضالة والمذاهب الملحدة التي تزيغ عن طريق الله وتقيم لسلطان المادة دولة ورجالا.
ومن مقومات الاستقامة: البذل والتعاون والسعي في خدمة المجموع لكي تتحقق العدالة والمساواة في الواجبات والحقوق جميعا.
فالاستقامة إذن سلوك خلقي واجتماعي متكامل يبيح للفرد بربه على أساس الطاعة والبر والتقوى كما يحدد علاقته بالجماعة في دائرة الموالاة والتعاون وإقامة العدل «والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (التوبة/71).

العدل قيمة كلية:
والعدل قوام التعامل في الإسلام وهو قيمة كلية لا تتجزأ، فليس هنالك عدالة اجتماعية وأخرى سياسية واقتصادية. وقد دأب مروجو بعض المذاهب في هذا العصر على تجزئة العدل بما يوافق نظام الطبقات الذي يدعون إليه، والواقع أن الإسلام الذي لا يقر نظام الطبقات ولا يقول به لا يستسيغ ولا يقبل تجزئة العدالة وتوزيعها بحسب نظام الطبقات. فالله سبحانه وتعالى «يأمر بالعدل والإحسان» ويقول في كتابه العزيز: «وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون» والعدل قوامه الحق وبه تستقيم أحوال الجماعة في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فهو إذن كل لا يتجزأ.
ويحق لنا بعد هذا أن نقول بأن كثيرا من المسلمين المعاصرين قد تسربت إلى أذهانهم بعض المغالطات المذهبية فأوقعتهم في ضلال فكري بعيد جعلهم يتوهمون أشياء جافية عن حقيقة الإسلام ورسالته العظمى.
وهكذا أخذنا نسمع هنا وهناك مصطلحات من أمثال: الاديولوجية الإسلامية، والاشتراكية الإسلامية، وجدلية الإسلام وغير ذلك من الأوهام التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ولو تأمل هؤلاء المغرورون، ولو قليلا، في أصول هذه المصطلحات ومقاصدها لما نسبوها إلى الإسلام.
فالاديولوجية، مثلا، مصطلح ظهر أول ما ظهر في القرن الثامن عشر بأوربا وكان يدل في البداية على علم يعنى بدراسة الأفكار وطبيعتها وقوانينها. وحينما انتشرت الفلسفة الماركسية في القرن التاسع عشر تناول مروجوها لفظ اديولوجية فأعطوه مدلولا جديدا يفيد جملة الأفكار والعقائد والمذاهب الخاصة بمجتمع أو بطبقة من المجتمع. وواضح أن الإسلام بعيد كل البعد عما يؤديه لفظ الاديولوجية في أصله أو تطوره. فالإسلام شريعة الله أوحى بها إلى نبيه، وهو ليس علما للأفكار ولا اتجاها في تيارات المذاهب الاقتصادية والاجتماعية.
والإسلام ليس اشتراكية ولا شيوعية ولا رأسمالية ولا ليبرالية، وهو أبعد ما يكون عن الجدلية بجميع أصنافها وضروبها بما فيها المادية الجدلية التي تخالف عن أمر الإسلام وتقول بأن لا شيء في العالم غير المادة وقوانين حركتها وتغيرها، فهذه كلها آراء افتراضية من وضع البشر تصلح لزمان محدود ومكان معين وطبقة مخوصة وتقبل الدحض والتفنيد والأخذ والرد، والإسلام شريعة الله لا يحدها زمان ولا مكان تصلح للبشرية كافة وتستمد أصولها من كتاب الله وسنة نبيه وتفسح المجال لاجتهاد علماء الإسلام بما لا يخالف القرآن وأقوال الرسول الثابتة بالسند الصحيح، وبما يتفق ومصالح الجماعة الإسلامية في كل عصر ومكان.
هذا بعض ما يسره الله على قلبي ولساني(*) من حديث عن توجيهات الكتاب المنزل ومقاصده، هذا الكتاب الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، «هو الفصل ليس بالهزل، من تركه على خيار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه».
فاللهم اهدنا بهدى القرآن، وثبت قلوبنا وخطانا على الحق في سبيله، واجعله امامنا ورائدنا إلى العزة والتقدم والفوز بخير الدنيا ونعيم الآخرة.

(*) ملاحظة قرأناها في بحث للدكتور ميلر بروز منشور في كتاب «الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة» جمع وتقديم محمد خلف الله.
(*) Jean Hamburger, la puissance et la fragilité – Flamarion, Paris.
(*) محاضرة ألقيت بدعوة من وزارة الدولة المكلفة بالشؤون الثقافية يوم 12 ربيع النبوي 1397 (3 مارس 1977).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here