islamaumaroc

خطاب عيد العرش (هدفنا بناء صرح المغرب لمدى أجيال وقرون)

  دعوة الحق

175 العدد

قال جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في خطاب العرش يوم 3 مارس المنصرم: «ان الدول الإسلامية أحرى الدول وأولاها بالديمقراطية لأن لفظ الجماعة في نصوص الكتاب والسنة التي تقوم عليها حياة المسلم المؤمن، فإرادة الجماعة مستمدة من إرادة الله، ولهذا فإن النظام الديمقراطي سيعلمنا الخضوع لإرادة الجماعة، وسيقي بلادنا أن يصبح أمرها بين أيدي أقلية متعسفة تنفرد برأيها وتفرضه على الجماعة بالإكراه والبغي». وتعتبر هذه الفقرة من الخطاب الملكي السامي بمثابة تلخيص مركز للنظرية السياسية في الحكم التي يؤمن بها المغرب ويتحرك ـ بوعي كامل وحضور دائم ـ في إطارها. وقد أوجز جلالة الملك معضلة العصر وأوجد لها حلا من تراثنا الحضاري، ذلك أن «فرض الأمر بالإكراه والبغي» مشكلة الأنظمة المتنكبة لطريق الحق والعدل والمشروعية، باعتباهر مدخلا إلى الإرهاب السياسي والفكري واحتقار الإنسان الذي كرمه الله تعالى.
بهذا المعنى الواضح تناول جلالة العاهل شؤون البلاد وقضايا العصر في خطاب عيد العرش الذي وافق هذه السنة ذكرى ميلاد رسول الله الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وءاله وصحبه
شعبي العزيز
في مثل هذا اليوم من كل عام نلقاك وتلقانا على عهد ألفنا تجديده وتوكيده منذ ستة عشر عاما ملأنا حقيقتها بكل قصد وطيد وكل عمل مجيد، وفي غمرة أفراحنا وأفراحك وبهجة احتفائنا واحتفائك بهذا اليوم الذي أردناه نحن وإياك أن يكون موسوما معلوما يهدي إلى أجل معاني الوفاء وأكمل آيات الإخلاص وأدل دلائل الائتلاف دأبنا على عادة مخاطبتك بما ينير لك السبيل ويريك القريب والبعيد من المطامح والأهداف ويظهرك على ما هيأ الله من يانع القطاف ويفتح لأمانيك الأبواب على أوسع الرحاب.
وها نحن نتوجه إليك اليوم، بخطاب في هذه الذكرى السادسة عشرة لتلاقينا على الصدق والصفاء مستظلين بظلال عيدين تواردا مقترنين على ميعاد متملين لمسرة تواصلهما متيمنين بطالع توافقهما أحدهما عيد المولد النبوي الشريف الذي تتوهج به في نفوسنا ذكرى أقدس الدعوات وأعظم الرسالات وأقوم الهدايا، وأعز ما نعتز به، من انبلاح نور الشريعة، وإشراق وجه السنة، والآخر عيدك الوطني الذي اتخذناه موعدا للاحتفال بما وثف الله بيننا وبينك من أواصر وأنعم به علينا من فضل التآزر والتناصر ووفقنا له من مقاصد متناسقة وأعمال متكاثفة متلاحقة.
وإذا كانت عناية الله قد أضفت علينا من آلاء اجتماع الكلمة والتئام الصف واتحاد العزم والمشيئة ما كفل لمساعينا المختلفة ما نشدناه بثقة مطمئنة وإيمان راسخ من حميد الآثار وجميلها في متعدد ميادين التفكير والتدبير، فإن هذه العناية الموصولة قد أمدتنا، وليس العهد ببعيد بأسباب استرجاع ما كان مفصولا من أراضينا يوم أتاحت التألق الأصيل من مزايانا والمكين من فضائلنا واسمحت بحادث انسانك الاشم ملأ الدنيا وشغل الناس ورصع الغر من صفحات التاريخ كحادث مسيرتنا الخضراء، ولم يمض على استقرارنا بأرض الصحراء إلا مدة قضيرة حتى بادرنا إلى تنظيم أقاليمنا الجديدة وشرعنا انطلاقا من هذا التنظيم ومما أخذناه على أنفسنا من عهد في بذل رعايتنا لترابنا المستعاد وأرض الآباء والأجداد ورعايانا ساكني الصحراء من كل حاضر وباد.
وهكذا طفقنا بحمد الله نواصل على اتساع ساحة البلاد جهودنا التي نصرفها قياما بما علينا من واجب الرعاية لجميع أراضي ترابنا الوطني ولجميع أفراد شعبنا حيث ما كانوا من أنحاء مملكتنا، لا نؤثر بالحدب اقليما على إقليم ولا نخص بالاهتمام جانبا على جانب.
لقد قر عزمنا واستحكم، على مد الوسائل والأسباب الكفيلة بإرساء ما يعتلج في طول مغربنا الجديد وعرضه من حاجات ومتطلبات حتى صار من أوجب الواجبات أن ينتظم المغرب كله من أقصاه إلى أقصاه ذلك الدأب الذي التزمنا بأن يؤثر احمد التأثير ويفضي أحسن الإفضاء إلى انتشار النور والازدهار والرخاء واليسار ومضاهاة الجنوب للشمال وموازاة الشرق للغرب.
بيد أن تحقيق هذه الأهداف المتسمة بسمة الطموح والموصوفة بصفة التحدي يضع على عاتقها مزيدا من التكاليف ويضيف أعباء حديثة إلى أعبائنا القديمة، وذلك أن أقالمنا في الصحراء يتطلب ما وطدنا العزم على إنجازه بها من مشاريع أن يتوافر لدينا رصيد من مال نستطيع بفضله أن نجهز ما هو مفتقر إلى تجهيز ونقيم المدارس والمستشفيات ونشق الطريق ونربط الأطراف بمختلف أنواع المواصلات ونجري الماء في أنابيب الري والارتواء، ونمهد للفلاحة سبل النماء والازدهار ونعني بالتنقيب عن المعادن والاستثمار، ولنضطلع بهذه الأعمال كلها على النحو الذي نبتغيه ونرتضيه، أهبنا بك شعبي العزيز أن تسهم اسهاما يدل على مالك من اهتمم بالصحراء المستعادة ومالك من تضامن مع سكانها اخوتك الأشقاء، فطلبنا منك أن تقرض الدولة حظا من مالك وقسطا من وفرك يرتفع قدره الإجمالي إلى مائة مليار سنتيم تخص بها مختلف وجوه النمو في أقاليمنا بالصحراء.
ومرة أخرى سارعت إلى تلبية النداء، وأبنت عن كريم طباعك وسجاياك وأدليت بالبرهان على أنك واع أقوى ما يكون الوعي مدرك واسع الإدراك لأبعاد ما ندعوك إليه من خطوات، مستعد لكل عمل بناء متأهب لكل مسيرة غراء فأقبلت على صناديق الإيداع إقبال المؤمن الثابت الإيمان، بجميل عواقب إقباله وبادرت مبادرة الحريص على بلوغ وطنه عزيز أوطاره وآماله، فأتت مسيرتك هذه طيب ثمراتها ونالت صناديق الدولة في ظرف وجيز ما أربى على مطلبها المنشود ويسر وسائل الشروع في الوفاء بالوعد الموعود.
وهكذا استطعنا شعبي العزيز بفضل اهتمامنا واهتمامك وجهودنا وجهودك، أن نبث على امتداد صحرائنا المصالح اللازمة لانطلاق الأعمال في كل مجال من مجالات التجهيز والوقاية والعلاج، والتكوين والإعداد، والتثقيف والتنقيب والإنتاج الفلاحي وتربية المواشي، وغرس الأشجار، فأنشأنا ببوجدور وحدة لاعذاب ماء البحر، وأخذت مصالحنا في استخدامها وفق ما رسمناه لها من غابات، كما أخذت في حفر كثير من الآبار وكسح الرمال المتراكمة على محاور الطرق الكبرى واستصلاح المحطة الكهربائية في مدينة العيون، وجهودنا الآن مصروفة إلى القيام بدراسة مشاريع كبرى كتشييد الطرق وإحداث ميناءين أحدهما في العيون والآخر في بوجدور وتوليد الكهرباء، وجلب المياه، وليس بخاف عليك شعبي العزيز، أننا قررنا تجسيدا للوحدة المستعادة في أجزاء ترابنا الوطني مد خط للسكة الحديدية بي مدينتي مراكش والعيون، وقد فرغت مكاتب دراسة هذا المشروع الضخم من اعمالها وقدمت عروضا تعكف عليها الآن مصالحنا المختصة بالنظر الفاحص.
وحينما كنا نولي عناية كبيرة لكل ما يتصل بهذا النمط من التجهيز كنا مهتمين بالغ الاهتمام بتوفير أسباب الوقاية والعلاج لرعايانا بالصحراء وتوطيد هذه الأسباب وتوسيع شبكتها وتكوين ممرضين من سكان أقاليمنا الجديدة ووضع المشاريع لتكثير عدد الأسرة بالمستشفيات والمستوصفات وتنظيم الطب المتنقل حتى تمتد فاعلية الوقاية ويتسع نطاق الاستفادة من العلاج.
وفي أثناء هذا كله، كان تعليم أبنائنا وبناتنا، في الصحراء مناط الرعاية ومعقد الاهتمام لتأمين المعرفة الابتدائية والثانوية لهم، وتيسير قاعات الدرس، وسد الحاجة إلى المعلمين، ونشر المطاعم المدرسية في جميع الأقاليم، وبذل المنح للمستحقين ووضع الخطط لبناء أكثر ما يمكن من المدارس واستيعاب أوفر عدد من التلاميذ وتنظيم الضروري من الداخليات.
وسنظل موالين لاهتماماتنا لمجال التثقيف والتكوين والإعداد حرصا منا على أن تزود أقاليم الصحراء نفسها، وغيرها من أقاليم مملكتنا، بالكفاية من الإطارات الخليقة بالإسهام في جميع ميادين الرقي الذي تتوق إليه البلاد.
ولم تنسنا هذه المجالات التي أردناها متحركة نشيطة تعج بصالح التدبير أو مستهدفة ما نتطلع إليه من تغيير وتطوير مجالا آخر نعقد به واسع الآمال، ذلك هو مجال الزراعة وتربية المواشي وغرس الأشجار، وقد بادرنا فور استرجاعنا الصحراء إلى مباشرة تجربة لإنتاج القمح والشعير بذلنا لها البذور والآلات الفلاحية، فأسفرت على محمود النتائج، ثم واصلنا التجربة على مساحة ألف هكتار، واننا لنرجو ان تفضي هذه التجربة وشقيقتها الخاصة بالمواشي والأشجار إلى ما نتوخاه ن نمو للصحراء، وثراء للأفراد والجماعات وتبدل لملامح الأرض ووسامة لطلعتها.
أما استغلال ثروتنا من الفوسفاط، وتنقيبا عن المعادن الأخرى الكامنة في بطون الأرض، فإن جهودنا فيمت يتصل بهما جهود دائبة مبذولة باستمرار، وجدير بالذكر ان ثروتنا من الحديد في أقاليم صحرائنا تحتل من حيث الأهمية حسبما أدت إليه الأبحاث الحالية المكانة الثانية بعد الفوسفاط، وعلى الرغم من أن أعمال التنقيب في صحرائنا المستعادة مازالت في أوائل عهدها فإن بعض المناجم كمنجم ـ صفريات ـ لتسمح بالأمل الكبير فيما يتصل بتعدينها واستغلالها.
ومن جهة أخرى فإن مناجم الأحجار النفطية المكتشفة بمنطقة طرفاية ممتدة فيما يبدو إلى إقليمي العيون وبوجدور.
وان الرجاء لمعقود باستخدام هذه الثروة من الأحجار كمصدر للطاقة ومنبع للغاز الصالح في صناعة الحديد عن طريق الاختزان المباشر، وتمتاز ثرواتنا بالصحراء بميزة ذات شأن كبير ألا وهي وقوعها قريبا من سواحل البحر.
اننا نوزع اهتمامنا العظيم، شعبنا العزيز، على هذه المجالات كلها وعلى غيرها في مختلف أنحاء صحرائنا تحت من حيث الأهمية حسبما ادت إليه يقوم على طريقنا حاجز واثقين بان الله عقد الخير بناصية مسعانا وكتب الإشراق لمغربنا الجديد.
وإذا كنا قد وقفنا مستئنين هذا الوقوف عند طائفة من شؤون صحرائنا فإنما قصدنا إلى أن نوضح ان مفهومنا للسيادة الشاملة لجميع أطراف البلاد مفهوم يمتلئ بمشاريع وأهداف مرسومة ومدروسة وسياسة جلية المعالم ظاهرة القسمات تتولى عزيمة جادة وهمة طماحة تحويلها بالإنجاز والتحقيق إلى واقع ملموس وحقيقة بارزة وخير مستفاد.
وان من دواعي الأسف الشديد، أن تتمادى بعض دول قارتنا منحرفة عن الطريق السوي معرضة عن الموضوعية منقادة إلى حكم الشهوات والأهواء مغتنمة كل فرصة سانحة لمحاولة خلق المصاعب لبلادنا والاعتداء على حقوقنا وسيادتنا، ولو كان في ذلك خرق سافر للمبادئ المتفق عليها، والمواثيق المبرمة الصريحة.
وكثيرا ما واجهنا المواقف العدائية والمحاولات التعسفية التي ظهرت على مسرح العديد من المستويات بالصرامة التي أحبطتها وردتها على أعقابها خاسرة، وآخر هذه المحاولات مناورة قامت بها خلال اجتماع مجلس وزراء الخارجية الأفارقة المنعقد منذ أيام قليلة بعاصمة الطوغو ثلة ضاحلة تعمدت لسبب مكشوف الاعتداء على بلادنا والاستخفاف بسمعتنا وحرمتنا، فلم يسعنا إزاء المخالفات المتكررة والانتهاك المتجدد لميثاق منظمة الوحدة الافريقية، وإزاء التهم الملفلقة الكاذية، الموجهة لبلادنا وبلاد صديقة، وبعد ان طم الماء وبلغ السيل الزبى ابينا إلا ان نتخذ قرارا بالكف عن المشاركة في اعمال أجهزة المنظمة ريثما تستقيم الأمور ويفيء الجائرون عن القصد المنكبون عن الجادة إلى محجة الصواب وسواء السبيل.
وان من بوعث الدهشة والاستغراب أن يتصدى للقيام بمثل هذه المحاولات والمناورات عدد قليل بين عدد كثير يسعى الأولون سعيهم الأثيم ويكتفي الآخرون بالمشاهدة والسماع والإمساك عن الكلام.
أنا موقفا نحن حيال ما تتخذه بعض دول منظمة الوحدة الافريقية من أشنع المبادرات فاوجز وأصدق ما يوصف به أنه موقف تنديد واستنكار واباء ورفض لما يصم النفس ويقدح في الضمير.
إننا ـ شعبي العزيز ـ من المؤسسين الأولين لمنظمة الوحدة الافريقية المسارعين إلى التفكير في إحداثها والتيسير لأسباب وجودها فقد انعقد على عهد والدنا محمد الخامس رضي الله عنه وأرضاه، أول مؤتمر للدول الافريقية بالدار البيضاء سنة 1961، ويعز علينا أن يعبث العابثون ويستخف المستخفون بصرح المنطقة الذي أردناه وطيد الأركان ومحكم البنيان وتعمد إليه معاول المفسدين بالتضليل والتقويض.
فإذا اضفت إلى هذا ـ شعبي العزيز ـ اننا تولينا رئاسة هذه المنظمة، بعد إنشائها، وأجرينا اعمالها طيلة تسييرنا وإشرانا في مجال التفاهم والوئام منطلقين من الروح التي سادت المؤتمر المنعقد بالرباط حز في قلبك ـ ولا ريب ـ أن تضل الاحلام ضلال يسيغ الاعتداء على وطنك زورا وبهتانا واستغربت ان تعلو أصوات طائفة موجهة مقتادة بأخس خطام وأملنا وطيد أن يهيب أشقاؤنا رؤساء الدول الافريقية لتدارك الفساد المستشري في المنظمة بالإصلاح وينقذوا هذه المؤسسة المهددة بالاندثار والانهيار بتقويم الاعوجاج وتصحيح الأوضاع.
هذا وأن بلادنا ستظل عاملة على تقوية وتعزيز أواصر المودة والتعاون، الرابطة بينها وبين الأشقاء الأفارقة الذين يقدرون عاطفة المودة ويدركون ما يعود به التعاون المخلص من عظيم العوائد وجميلها.
وننتقل شعبي العزيز بعد هذا الاستدراك الذي كان لابد منه إلى الموضوع الثاني الذي يرتكز عليه هذا الخطاب.
شعبي العزيز:
لقد كانت الصحراء خلال العام المنصرم قطبا طافت حوله الخواطر واحذقت به الأفكار، إلا أنه لم يكن بالقطب الوحيد الذي اتسعت له الرعاية وانتشر على جوانبه الاهتمام، ذلك أننا عنينا بشأن من شؤوننا الوطنية، مشدود إلى قلبنا بأوثق الصلة، وأخذنا نعد العدة، ونمهد السبيل لجعل حقيقة من حقائقنا التي لا جدال فيها ولا مراء وهذا الشأن هو إحلال الديمقراطية، بأوسع وأصح معانيها وتنظيم الملكية الدستورية، على أحسن القواعد وأثبت الدعائم.
انك تعلم ـ شعبي العزيز ـ أن بلادنا، خاضعة منذ سنة 1972 لدستور تطبق بعض مقتضياته وبعضها الآخر، مرهون تطبيقه بإقامة جميع المؤسسات، التي تنص عليها أحكام الدستور وحرصا منا على أن نكفل للمجالس البلدية والقروية وهي قاعدة الهرم اختصاصات واسعة ومسؤوليات كبيرة وجهنا الجهود إلى اعداد نص جديد تسطر فيه هذه الاختصاصات والمسؤوليات فلما فرغنا من وضعه وأصدرناه في الصورة التي توخينا أن تكون مطابقة لرؤيتنا أتحنا للمنتخبين أن يختاروا أحرارا في اختيارهم، أعضاء يمثلونهم في المجالس الجماعية وتم بعد هذا الاقتراع اقتراع آخر لتاليف المجالس الإقليمية وستتلو هذه الإجراءات إجراءات لاحقة بعد المراحل التي يحددها الدستور رامية على انتخاب مجلس النواب.
وبجميع هذه الانتخابات وغيرها، مما سيفسر عن إقامة المؤسسات الدستورية، ستكون بلادنا إن شاء الله، قد أرست في الأيام القريبة، دعائم المنطلق، للعمل النيابي الذي نأمل أن يعود على الوطن بأجل العوائد وأحسنها.
ان التجربة التي نحن مقبلون عليها ليست بالتجربة الأولى، فقد باشرنا قبل اليوم تجربة لم تبلغ بنا الاغراض التي كنا نتطلع بحماسة وشوق كبيرين إلى إدراكها، ولذلك، فإن حرصنا شديد على ان تكلل التجربة التي نسير لها أقوى الأسباب، في ظروفنا الراهنة، بأكاليل النجاح الذي يبعث على كامل الرضى وخالص الارتياح.
إن الهدف الذي يترامى إليه طموحنا ليس بالهدف الذي نبتغي من ورائه سد حاجة عابرة مرحلية، وإرضاء مطلب جيل أو جيلين، وإنما هو هدف بناء صرح المغرب لمدى أجيال وقرون، وتثبيت أركان الاستقرار الاقتصادي والسياسي ببلادا تثبيتا يتحدى العصور والأزمان، ولا سبيل فيما نعتقد إلى بلوغ مقاصدنا من الاستقرار المنشود، إلا إذا أحس كل فرد حظي باختيار المواطنين أياما كان موقعه من مستويات الثقة والاختيار، إلا إذا احس كل فرد حظي بالاختيار بأعباء المسؤولية الملقاة على كاهله وأخذ على نفسه النهوض بهذه الأعباء نهوضا يشيع في قلبه اليقين، بأنه يلابس مشاكل وطنه ويعيش في خضمها، ويسعى مخلصا نزيها لإيجاد أجود الحلول وأجلبها لخير مواطنيه.
انك شعبي العزيز، شعب المسيرة الخضراء وانك لتستحق كل تدير وكل اعزاز، وانك لصاحب الوعي الذي لفت الأنظار وهز المشاعر، ودوى ذكره في الآفاق، فأنت لهذا كله ولغيره من الأسباب جدير بأن يلقى إليك زمام أمرك في المجال الرحب الذي خطه وابانه دستور وطنك. ولكنك ـ شعبي العزيز ـ ستطرأ في طريقك قضايا عويصة وتتواصل أمامك بتواصل الأيام مشاكل لن يكون لك عن ابتكار الحلول لها مندوحة ولا محيص، ولكنك من جهة أخرى ستلمس حاجات متعددة متباينة وتتمرس بواقع يتخذ أشكالا من نمط جديد قد تدعو ضرورة بلادك إلى ترشيح الصالح من أفرادك، المجلي من أبنائك الفائز بعد الابلاء والامتحان لخوض عبابها واحتمال أبعادها.
وستمارس ـ شعبي العزيز ـ عن طريق منتخبيك وممثليك طائفة من الحقوق كفلها القانون وضمنها الدستور، وسيكون لك من النفوذ ومن الانفراد بالتسيير في الميادين المحددة، ومن مراقبة تصريف المسؤولين عن الشؤون الموكولة إلى أنظارهم، فحذار أن تزل الأقدام، وتركب مراكب الشطط والجموح وتختل بسوء الاستعمال موازين القصد والقسط، وأخشى ما نخشاه على ديمقراطيتنا المبنية على أسس تعايش السلط وتعاونها وتفاهمها أن يحاول أحد الجوانب من هذه السلط التطاول والطغيان على الجانب الآخر ويصاب بالإهمال في غمار الصراع، على الغلبة والرجحان أمثل أهدانا وأفضل أغراضنا ألا وهي صيانة المصلحة العليا للبلاد وحماية المصالح المشروعة للأفراد.
وأن أشد وأعظم استدعاء لمسرتنا، واجتلابا لبواعث افتخارنا واعتزازنا، أن نرى القائمين بالأمر في مؤسساتنا الدستورية جارين على السند المستقيم متمادين على نهج لا شطط فيه ولا جموح ولا اقتياد.
هذه مسيرة أخرى، شعبي العزيز، ستسيرها ثابت الخطى إن شاء الله، وعليك المعول أن تمتد هذه المسيرة، بامتداد عمر وطنك الطويل، وأن يشيع بفضلك الاطمئنان في النفوس إلى أن شعب المسيرات المظفرة التي يخصها التاريخ بأنصع وأروع الصفات ولنا اليقين بأن الله سينير لك الطري ويلهمك الهداية ويكتب لك التوفيق.
شعبي العزيز: أن الدول الإسلامية أحرى الدول وأولاها بالديمقراطية لأن لفظ الجماعة في نصوص الكتاب والسنة التي تقوم عليها حياة المسلم المؤمن، فإرادة الجماعة، مستمدة من إرادة الله، ولهذا فإن النظام الديمقراطي سيعلمنا الخضوع لإرادة الجماعة، وسيقي بلادنا أن يصبح امرها بين أيدي أقلية متعسفة تنفرد برأيها وتفرضه على الجماعة بالإكراه والبغي.
اقتصرنا ـ شعبي العزيز ـ عل موضوعين أساسيين أوليناهما خلال السنة الفارطة ما رأيناه خليقا بهما من عناية سابغة، وقد اكتفينا بالحديث عنهما ليقيننا بانك تعلم أن استرجاعنا للصحراء كان العامل الذي رسم معالم مغربك الجديد وأن أخذنا فيما أخذا فيه من تأسيس الملكية الدستورية ناتج عما ترتبط به مشاعرنا ويتعلق به حرصنا منذ زمن بعيد وكلا المغرب الجديد ونظام الملكية الدستورية حري بان تستفرغ من أجله ألوان من جليل الجهود ويبلى في سبيله اشكال من جليل البلاء.
أما غير هذين الموضوعين الهامين فجمال متعدد الجوانب مليء بالكثير من الأعمال الإيجابية، ذات المردود الذي ينبئ بأن المغرب والحمد لله يضطرد نموه وازدهاره على ما لهما من صلات بسياق اقتصادي عالمي لا يستقر على قرار.
وخليق بك أن تعلم ان توسع بلادك الاقتصادي كان توسعا ملحوظا إذ بلغ حجم الإنتاج أثناء السنة الماضية نسبة عشرة في المائة وهي نسبة مرموقة نحمد الله سبحانه على نعمة ارتفاعها، ولك ـ شعبي العزيز ـ ان أردت فضلا من إيضاح ومزيدا من التفصيل أن ترجع إلى ما تنشره وزارتنا في الاعلام من احصاء لمساعي الدولة واستقصاء لما انتهت إليه من نتائج في ظرف العام المنصرم فإنك واجد فيما تبسطه من وصف وتورده من تعداد ما هو كفيل بدلالتك على المبذول في مختلف القطاعات والمحصول من يانع الثمرات.
لقد تيسر ـ شعبي العزيز ـ الوصول إلى أهدافنا لأننا صرفنا مخلصين إلى بلوغها الهمم غير متوجسين بخيفة ولا مشفقين من نائبه تنوب أو خطب يلم على ما منينا به من حسد الحاسدين ولقيناه من طمع الطامعين فطفقنا نصون سيادتنا ونحمي حمانا مستعدين لصد كل عدوان متأهبين للذود عن الكيتان وبقيت قواتنا المسلحة الملكية واخواتها القوات المساعدة، وقوات الدرك والشرطة وطيدة العزم قوية الشكيمة ثابتة الإيمان، وان ملك البلاد القائد الأعلى لجميع قوات وطنك ليغتنم فرصة هذا اليوم الأعز الأغر الميمون، للتنويه بما تقدمه راضية مرضية من خدمات جليلة لصالح الأمة وللإعراب باسمك ـ شعبي العزيز ـ عما يكنه المواطنون كافة لجميع أفراد قواتنا المرابطة من مشاعر المحبة والتقدير والإكبار.
واننا لنسال الله أن يبارك رباطها ويؤيد إصرارها ويديم مآثرها ومفاخرها.
شعبي العزيز، في هذا اليوم الذي نحتفل فيه بعيدين يرتبط كل واحد منهما بمقوماتنا كشعب توثقت عراه بالإسلام، منذ فجر إشراقه وسار مستنيرا بنور هداية الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة الوضاحة، وتأصل نظامه الملكي الموغل في أعماق السرائر والضمائر، في هذا اليوم المشرق بأحب الأنوار إلى قلوبنا وعقولنا تتجه أفكارنا وذكرياتنا إلى بطل التحرير والاستقلال ومؤثل المكارم والأمجاد صاحب الجلالة والدنا محمد الخامس رضوان الله عليه.
وفي هذا الظرف الذي نؤكد فيه اهتمامنا بالصحراء حاضرها ومستقبلها، وحرصنا على توثيق الملكية الدستورية في بلادنا، نهفو بقلوب خاشعة ممتلئة بالإجلال والإكبار إلى عاهلنا الراحل الذي نحقق مطمحين عظيمين من مطامحه وىملين عريضين من آمله، طيب الله ثراه، وجعل جناب الخلد مأواه وأحله مقام الصديقين والأنبياء والشهداء والصالحين وأبقى ذكره متألقا في العالمين ومجده وضاء للغادين والرائحين.
أسأل الله ـ شعبي العزيز ـ ونحن مبتهجون باقتران العيدين واتفاق الذكريين أن يديم علينا نعمة الائتلاف والتصادق والتآزر والتناصر لما فيه ساب \غ رضاه وما هو جالب لواسع نعماه ويزيد الآصرة الجامعة بيننا قوة تهدينا إلى خير الدارين ومتانة تقينا مكاره الزمن.
اللهم إني متمسك بكتابك المجيد وسنة نبيك الأمين، فيسر لي أمري وهيئ لي رشدي في أخذي وردي، واكلأ وطني بحفظك وبوئه بين الانام مقاما عليا ومقعدا سنيا، واجعله على الدوام لائذا بكرمك عائدا بجاهك مسترشدا بهديك معتصما بحبلك مؤمنا بالكريم من قولك.
(ومن يغتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) صدق الله العظيم.
والسلام عليكم ورحمة الله.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here