islamaumaroc

كيف استلهم جلالة الملك المسيرة الخضراء من كتاب حياة محمد

  دعوة الحق

174 العدد

كان الملك يعيش سيرة رسول الله، وقد اختزل الزمن في ذاكرته، فربط بين الحديبية، وعمرة القضاء، والفتح معا.. كان مؤمنا أنه سيدخل الصحراء، وبقدر ما كان يفكر في سلامة رعاياه المغاربة الذين سيتوجهون إلى الصحراء في المسيرة الخضراء كان مشغول الباب بنفس الدرجة على رعاياه المغاربة داخل الصحراء. لقد اتخذ كل الاحتياطات التي تكفي سلامة الذاهبين للصحراء، والحمد لله لم يصب أحد بسوء، كما لو كان الأمر قد تم بمعجزة أو سلسلة معجزات.. تحدت القوانين الطبيعية كلها.. ثلاثمائة وخمسون ألف مواطن تنقلهم القطارات، فلا ينقلب قطار ولا يصطم، ولا يحتك بقطار آخر فيصاب الركاب المطلين برؤوسهم، مخرجين أيديهم للهتاف، ثم عشرة آلاف شاحنة تنقلهم فلا تتعطل واحدة من كل ألف أو تتحطم فتسد الطريق.. ان سيارات الجيش الروسي أو الأمريكي ليست بهذه الكفاءة المطلقة..
ثم يتجمعون أكثر من ثلاثة أسابيع فلا يقع وباء أو حتى حالات وفاة ملفتة للنظر أو أمراض بسبب الحر والعواصف وتغيير البيئة. ومع ذلك فإن الحسن لم يركن لقانون البركة وحده. بل اتخذ جميع الاحتياطات ابتداء من القوات المسلحة التي كانت مستعدة لرد العدوان إذا ما وقع اعتداء على مواطن مغربي.. إلى البعثة الطبية التي كانت ترأسها شقيقة الملك..
ولكن ماذا عن رعاياه في الصحراء؟..
غنهم مواطنون يحمل مسؤوليتهم. وكانوا في أسر المستعمر، وخضعوا للإرهاب والترغيب، وقد رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهت عليه.. واللحظة الحاسمة تقترب والذين اقترفوا الخطأ، إذا ما يأسوا من التوبة، تمادوا فيه، والقوى المصرة على فصل الصحراء تلعب على مخاوف هؤلاء الذين تورطوا في المخططات الانفصالية سواء بالتعاون المكشوف مع السلطة الإسبانية أو بخدمة هذه المخططات باسم العمل الثوري..
المحركون يهمسون لهم أن السلطة المغربية إذا دخلت الصحراء فلن تغفر لهم ما ارتكبوه ضدها، وهذا الإحساس بالذنب واليأس من الغفران، قد يدفعهم إلى ارتكاب خطأ أكبر هو التصدي للمسيرة أو السلطة المغربية. وهو أمر لا يشكل خطورة في حد ذاته. بل يمكن التغلب عليه بسهولة، لكن الأب الشفوق للشعب كله في الصحراء المحررة، وفي الصحراء المحتلة، لا يردي أن يصاب مغربي واحد بشوكة يمكن أن ينزعها الملك ولو بيديه..
تذكر الحسن موقف جده عندما دخل مكة..
 ماذا تظنون أني فاعل بكم.. قالوا أخر كريم.. وابن أخر كريم..»
ولكن الملك الذي يهتدي بسنة الرسول مع الوعي الكامل بظروف الزمان، يجب أن يقول كلمته هذه قبل أن يدخل العيون، لكي يتيح الفرصة لأكبر عدد من رعاياه، لكي يدخلوا في الطاعة قبل الفتح..
وهكذا كان خطاب الملك يوم 23 أكتوبر 1975 (1)أو بعد أسبوع واحد من إعلان المسيرة، والدنيا كلها منشغلة بالمسيرة. وما يمكن أن ينتج عنها من احتمالات، ما بين مشفق ومتربص.. يفاجئ الحسن الجميع من موقع علوي ملكي من موقع السيادة، فيوجه الخطاب لرعاياه الأوفياء في الصحراء.. بل ويعلن العفو عن مذنبهم والإحسان لمحسنهم..
أي ثقة بالله..
وأي يقين بالنصر..
وأي سمو فوق حسابات الأقزام وتهديداتهم..
وأي يقين تبعثه هذه الكلمات في نفس الجماهير الزاحفة إلى الصحراء؟
وأي رعب تنزله بالذين ظلموا أنفسهم..
أي باب للرحمة وللوطنية والعودة تفتحه أمام الذين أخطأوا عن جهل أو جهالة..
وفي هذا الخطاب تحدث الملك لأول مرة بصراحة عن الحديبية واستشهد بآيات سورة الفتح التي نزلت بعد عودة النبي صلوات الله عليه من الحديبية وعقده الصلح مع قريش.. وأعلن الملك أنه اقتبس من السورة الكريمة اسم العملية فسماها «عملية الفتح».
ولابد هنا لفهم الخلفيات الفكرية لعملية المسيرة في تفكير الملك، من نقل بعض الفقرات التي لاشك في أنها عاشت في وجدان الحسن الثاني عاما كاملا من اكتوبر 1974 إلى اكتوبر 1975 ... ولنحاول أن نفكر بما أوحته هذه العبارات لأمير المؤمنين وهو يفكر في الحاجز الذي فرضه الاستعمار بين الصحراء ورعاياه الصحراويين المبعدين عن وطنهم. عن بوجدور والعيون والسمار..
يقول الدكتور هيكل: والمسلمون أثناء ذلك يذوقون ألم الحرمان من أداء هذا الواجب الديني المفروض عليهم. كما كان مفروضا من قبل على آبائهم. والمهاجرون منهم يذوقون إلى جانب ذلك هما واصبا وألما لذاعا: ألم النفي وهم الحرمان من الوطن ومن أهلهم فيه. وهؤلاء وأولئك كانوا في ثقتهم بنصر الله ورسوله ونصره إياهم وإعلاء دينهم على الدين كله، يؤمنون بأن يوما قريبا لابد آت يفتح الله لهم فيه أبواب مكة ليطوفوا بالبيت العتيق. وإذا كانت السنة تمر تلو السنة. فتساجل الغزوة الغزوة. فإن هذا اليوم الذي يؤمنون به لا يب آت. وما أشدهم لهذا اليوم شوقا وما أشد ما يشاركهم محمد في شوقهم ويؤكد لهم أن هذا اليوم قريب.
«والحق أن قريشا ظلموا محمدا وأصحابه بمنعهم من زيارة الكعبة فلم يكن هذا البيت العتيق ملكا لقريش ولكنه كان ملكا للعرب جميعا».
«وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إ المتقون»(2) .
ولكن قريشا خافت ان جاء محمد وحوله المؤمنون بالله. وهم من صميم أهل مكة، أن يتعلق سواد المكبين بهم وأن يشعروا بما في بقائهم بعيدين عن أهليهم وأبنائهم من ظلم. فيكون ذلك نواة حرب أهلية، انقضت ست سنوات منذ الهجرة والمسلمون يتحرقون شوقا يريدون زيارة الكعبة ويريدون الحج والعمرة.. وإنهم لمجتمعون بالمسجد ذات صباح إذ أنبأهم النبي بما ألهم في رؤياه الصادقة: إنهم سيدخلون المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون. فما كاد القوم يسمعون رؤيا رسول الله حتى علا بحمد الله صوتهم. وحتى انتقل نبأ هذا الرؤيا إلى سائر أنحاء المدينة في سرعة البرق الخاطف. ولكن كيف يدخلون المسجد الحرام؟ أفيحاربون في سبيله؟ أفيجلون قريشا عنه عنوة؟! أم ترى تفتح قريش لهم طريقه مذعنة صاغرة؟!
«كلا لا قتال ولا حرب بل أذن محمد في الناس بالحج في شهر ذي القعدة (نفس الشهر بل لعل ذلك يفسر لماذا تأخرت المسيرة إلى السادس من نوفمبر. فلم يعطها أمير المؤمنين الأمر بالدخول إلا يوم الخامس من نوفمبر المصادف أول ذي القعدة، وهو نفس اليوم الذي أمر فيه الرسول صلوات الله عليه المسلمون بالتحرك لدخول مكة عام الحديبية).
نتابع ما كتبه هيكل في كتابه «حياة محمد».
«وأرسل النبي رسله إلى القبائل من غير المسلمين يدعوهم إلى الاشتراك وإياه في الخروج إلى بيت الله آمنين غير مقاتلين، وحرص محمد في نفس الوقت على أن يكون معه من غير المسلمين أكبر عدد مستطاع وحكمته في ذلك أن تعلم العرب كلها أنه خرج في شهر الحرام حاجا ولم يخرج غازيا فإذا أصرت قريش مع ذلك على مقاتلته لم تجد من يؤيدها في موقفها ولا من يعينها على قتاله.. وما عسى أن تقول قريش لقوم جاءوا محرمين، لا سلاح معهم إلا سيوفهم في غمودها. أذن محمد في الناس بالحج، وطلب إلى القبائل من غير المسلمين الخروج معه فأبطأ كثير من الأعراب، وخرج في أول ذي القعدة أحد الأشهر الحرام بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب».
«وبلغ قريش أمر محمد ومن معه. أنهم يسيرون إليهم حاجين فامتلأت نفس قريش بالمخاوف وجعلوا يقبلون هذا الأمر على وجوهه ويحسبونه حيلة أراد محمد أن يحتال بها على دخول مكة فقرروا الحيلولة دون ذلك، بالغا ما بلغ الثمن الذي يدفعونه لتنفيذ قرارهم هذا. «أما محمد فتابع مسيرته حتى إذا كان بعسفان لقيه رجل من بني كعب سأله النبي عما يكون لديه من أخبار قريش، فكان جوابه: قد سمعت بمسيرتك فخرجوا. وقد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا.» فقال رسول الله ما تظن قريش؟ فوالله لاأزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» (الموت). «ثم وقف يفكر أنه لم يخرج غازيا، وإنما خرج محرما. وهو لم يتخذ للحرب عدتها. فلعله إن حارب فلم ينتصر جعلت قريش من ذلك موضع فخارها بل لعلها إنما أوفدت ابن الوليد وعكرمة (قائدا الجيش) قصد إدراك هذه البغية حين علمت أنه لم يخرج مقاتلا. وبينما كان محمد يفكر كانت فرسان مكة تبدو على مرمى النظر، يدل مرآها على أنه لا سبيل للمسلمين إلى إدراك غايتهم إلا أن يقتحموا الصفوف اقتحاما وأن تدور معركة تقف منها قريش مدافعة عن كرامتها وعن شرفها.. معركة لم يردها محمد، وإنما حملته قريش عليها حملا وألزمته خوض غمارها إلزاما.. إن المسلمين ممن معه لا تنقصهم الحمية. وقد تكفيهم سيوفهم إذا جردت من غمودها لدفع عدوان المعتدي. لكنه يفوت بذلك قصده. وقد يجعل لقريش عند العرب حجة عليه. وهو أبعد من هذا نظرا وأكثر حنكة وأدق سياسة.. إذا.. نادى في الناس قائلا: من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟ وكذلك ظل مستقرا على رأيه على سلوك سياسة السلم التي رسم منذ خرج من المدينة ومنذ التزم الذهاب إلى مكة.. وخرج رجل يسلك بهم طريقا وعرا بين شعاب مضنية. وجد المسلمون في سلوكها مشقة أي مشقة حتى أفضت بهم إلى الحديبية من أسفل مكة. بركت ناقة النبي».
وتوقفت المسيرة..
«نزلوا ولكن قريشا بمكة لهم بالمرصاد. وهي تؤثر الموت على أن يدخلها محمد عليهم عنوة.. وقف المعسكران يفكر كل في الخطة التي يتبعها. أما محمد فظل على خطته التي رسم منذ أعد للعمرة عدته. خطة السلم والجنوح عن القتال إلا أن تهاجمه قريش أو تغدر به وهنالك لا يبقى من انتضاء السيف مفر.. «لا تدعوني قريش إلى خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها».. أما قريش فترددت ثم رأت أن توفد إليه من رجالها من يتعرف قوته من ناحية. ومن يصده عن دخول مكة من ناحية أخرى.
واقتنع كل الذين جاءوا بمشروعية تحرك المسلمين فعادوا بهذا الرأي إلى مكة.. ويقع الخلاف في قريش فريق يطالب بالسماح له بدخول مكة وفريق يقول: والله لا يدخلها علينا عندة لدا. ولا تتحدث بذلك عنا العرب.» بل ينشق عن قريش الأحابيش الذين كانت تعتمد عليهم في محاربة النبي، لما رأوا من سليمة قدومه».
وآخر رسل قريش بهرته المسيرة المحمدية لا في عددها ولا في سلاحها بل في طاعتهم وحبهم لرسول الله وتفانيهم في التعبير عن هذا الحب وعاد يعبر عن ذلك بمفاهيمه:

 1) النص الكامل موجود في كتاب «حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل وننصح بالرجوع إليه باعتباره كان المعلم للحسن الثاني بفكرة المسيرة!
 2) سورة الأنفال.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here