islamaumaroc

تحية وإكبار

  دعوة الحق

174 العدد

إن من نعم الله تعالى على هذه الأرض أن خصها بعرض مجيد يجسم إمارة المؤمنين والسيادة والوطنية ويعبر بصدق عن إرادة الأمة وينطق بلسانها ويرمز إلى عزتها ووجودها المعنوية والحضاري، ولم يكن العرش في المغرب نظاما سياسيا تقليديا جامدا يتخلف عن ركب التطور ويقصر عن ارتياد آفاق المستقبل بل كان على العكس من ذلك يتفاعل ويتجاوب مع التاريخ ويؤثر في أحداثه وتطوراته ويوجه الأمة نحو السمو والرفعة والنصر، ويقودها إلى البناء والتشييد وإثراء الحضارة الإنسانية، وبذلك ارتبط تاريخ العرش المغربي منذ الفاتح الأكبر المولى
 ادريس الأول رضوان الله عليه بملاحم الجهاد ومواقف الشجاعة والإباء ومعارك الشرف والكرامة وهو بهذا الاعتبار عرش مجاهد سواء اتخذ هذا الجهاد شكله الطبيعي المتمثل في حماية الوطن من الغزاة والطامعين ورد غارات المغيرين عليه، أو اصطبغ بصبغة المقاومة العنوية والذوذ عن القيم والمقومات والانتصار للحق الخالد والإسهام في البناء الحضاري. وسيبقى العرش مستمرا إلى أن يرث الله الارض ومن عليها لا يفتر ولا ينقطع يتوارثه الخلف عن السلف جيلا بعد جيل لا يزيده مر العصور وكر الدهور إلا فتوة وشبابا.
وإذا كان العرش المغرب ينهض بالمسؤولية التاريخية على هذا النحو ويخلص لقضايا الشعب بهذا القدر الرفيع من الأمانة والتفاني فإن الأسرة العلوية الشريفة التي قيضها الله تعالى لهذا الأمر واصلت العمل على هذا النهج مجددة شباب الأمة ومضيفة إلى تراث العرش أمجادا عظيمة مع المحافظة على الشعلة المقدسة في قلوب الشعب تنفخ فيها روح الإيمان والعزم والتحفز الإنسان المغربي المسلم للبذل والعطاء تحت راية الإسلام والعروبة.
لقد تقلدت الأسرة العلوية مسؤولية الحكم في ظروف تاريخية دقيقة تعرض فيها المغرب لأطماع الطامعين الغزاة الصليبيين فانصرف اهتمامها منذ أول عهدها بالملك إلى توحيد البلاد ولم شتات الأمة والسير بها إلى الاجتماع على كلمة سواء وقد مكن الله لها في الارض فأعاد ـ سبحانه ـ على يدها القوة والمناعة وذيوع الصيت لهذه البلاد ورفع مكانتها وإعلاء شأنها بين الأمم والشعوب بفضل إخلاص ملوكها ويقظتهم وشعبيتهم وأخذهم الأمور بالحزم والتبصر وسهرهم الدائب على تحقيق الازدهار العام، والرخاء الشامل.
وبفضل ذلك الالتحام ظل العرش العلوي المجيد رمزا لوحدة البلاد وحصنا منيعا من حصون الحرية ودعامة من دعائم الأصالة والذود عن الحمى والحفاظ على المقدسات وردع البدع والضلالات، وهو إلى جانب ذلك محور الشخصية المغربية وركيزة الكيان الوطني والضمانة المؤكدة ضد الانحراف والزيغ، فلا غرو أن يتمسك المغاربة منذ ثلاثة عشر قرنا بعروة العرش الوثقى ويتشبثوا بأهدابه ويدافعوا عنه ويفتدوه بالمهج والأرواح، فهيأ الله جل شأنه من هذا التجاوب والالتحام أسباب القوة وعوامل النصر والفوز في تسلسل تاريخي متواصل تعتبر المسيرة الخضراء المظفرة أقرب حلقاته إلينا.
هذا الإرث الحضاري الضخم، الذي تسلمه مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله كان بالتأكيد أقوى حافز للاستمرار والانتصار، وأوفى مصدر للاعتزاز والافتخار وأصفى منبع للاقتباس والامتداد.
ولقد أثبتت لنا تجربة الكفاح الوطني أنه بقدر ما يتعلق الشعب بالعرش ويلتف حوله تتحقق المعجزات وتفشل كل مخططات العدو التي تستهدف المس بالوطن والمواطنين، حدث هذا في أيام الكفاح من أجل الحرية والاستقلال في عهد جلالة المغفور له محمد الخامس وعشناه بالأمس القريب مع جلالة الملك الحسن الثاني المؤيد بالله أيام مسيرة التحرير والوحدة المظفرة.
وإن احتفالنا اليوم بالذكرى السادسة عشرة لجلوس صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله على عرش أجداده المنعمين الذي صادفت في هذه السنة ذكرى مولد جده المصطفى عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم. ليعبر في الواقع عن متانة الوحدة الوطنية وسلامة الرأي العام المغربي واستقامة الخط السياسي الذي يسلكه المغرب في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ العالم، وبهذا الاعتبار فإن الاحتفال بهذه الذكرى العظيمة يتعدى مجال المراسيم والشكليات إلى أعمق المعاني والدلالات من حيث انها تأكيد وتجديد للعهد على مواصلة السير نحو تحقيق أهداف الوطن العليا.
لقد استطاع المغرب أن يخرج من معركة الصحراء منتصرا ظافرا مرفوع الرأس عزيز الجانب بفضل التحام الشعب بالعرش. ولو كان عرشنا العلوي من نوع الأنظمة التي تؤثر السلامة وتنشد النجاة وتنأى عن تحمل أعباء المعارك وتكاليفها الباهظة لما كان ليدعو إلى تلك التعبئة الشعبية من أجل التحرير واستكمال الوحدة الترابية للمملكة ولكن جلالة الحسن الثاني المنصور بالله ـ وهو المؤمن الواثق بشعبه ـ أبى إلا أن يوحد البلاد ويدرأ عنها الخطر ويؤدي الأمانة كأشرف ما تؤدى الأمانات.
لقد سار عاهلنا المفدى على نهج آبائه وأجاده وأخذ بناصية الحق وآثر شعبه على نفسه في صوفية عاقلة مدركة، وما عرف عنه إلا السعي المتواصل والدأب المستمر وما عهد فيه إلا التفكير والابتكار والتجديد والانفتاح على ما ينفع وطنه وشعبه بالدرجة الأولى، حتى اجتمعت بقيادته الأمة والتفت حوله القلوب وتوج الله سبحانه وتعالى جهاده وجهوده باسترجاع الصحراء على يده واستكمال الوحدة التي تركها ملوكنا الأماجد أمانة في أعناقنا.
وإذا كانت ست عشرة سنة من عمر الزمن لا تكاد تذكر في تاريخ الشعوب فإن الأعمال والمنجزات والانتصارات الاقتصادية والاجتماعية التي حقها جلالة الحسن الثاني المؤيد بالله خلال هذه الفترة القصيرة تفوق بدرجات عالية ما أنجزه غيره في أضعاف هذه المدة، وليس مرد ذلك إلى شيء بقدر ما يرجع إلى شخصية جلالته وتكوينه وما يتحلى به من عبقرية سياسية وخلقية ومزايا عقلية وثقافية وقدرة على العمل في مختلف الظروف، وهي جميعها مميزات تقوي غرادة التحدي وتزكيها وتنفخ فيها روح الحزم والعزم والمثابرة وهذا هو السر ـ بعد توفيق الله ولطفه في النجاح المطرد الذي تتوج به أعمال جلالة الحسن الثاني.
لقد أعد جلالته نصره الله لقيادة أمة عظيمة الشأن، وكان اعداده في مستوى عظمتها حتى إذا ما تسلم زمام الأمر انبسطت أمامه السبل وانفتحت الآفاق...
وتقمصت شخصية جلالته الفذة روح الاستمرار والمثابرة: يقطف ثمار كده وعمله وينشر ألوية الخير والمحبة والسلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here