islamaumaroc

وثيقة تاريخية عن زيارة جلالة الملك لتونس سنة 1949

  دعوة الحق

174 العدد

نشرت جريدة (الإرادة) التونسية التي كان يصدرها الزعيم الدستوري المرحوم الأستاذ المنصف المنستيري في عددها 778 السنة السادسة عشرة يوم الثلاثاء 9 رمضان 1368 هجرية الموافق 5 جويليه 1949، مقالا قيما زاخرا بالعاطفة الأخوية الصادقة التي تعززها وشيجة القربى بين البلدين الشقيقين تونس والمغرب، والتقدير البعيد المدى الذي كان يحظى به سمو الأمير ولي العهد مولاي الحسن الثاني لدى إخوانه الأبرار من أقطاب الوطنية والكفاح في تونس الخضراء، مع الاحتجاج الصارخ على ما قامت به آنذاك الإقامة العامة من ضرب حصار على سموه والحيلولة دون أي اتصال من أي تونسي به، كبتا لمشاعر الشعب التونسي نحو سموه والوطن الشقيق الذي يمثله في هذه الزيادة، وخوفا من نتائج اتصال أمير مغربي مناضل مع إخوانه المناضلين بتونس، والمقال تحت عنوان «زيارة ولي العهد المغربي ـ تحية إخلاص وإجلال لسموه، صادرة من أعماق النفس التونسية العربية» وبمناسبة عيد العرش المجيد أرفع هذا المقال لجلالة القائد المفدى كهدية متواضعة على يد مجلة (دعوة الحق الحبيبة) مصورا طبق الأصل عن جريدة (الإرادة) الغراء ـ مع خالص التهاني والإكبار والإجلال، لجلالة الحسن الثاني المعظم، رائد الأبطال. ومعجزة الرجال، وملهم الأجيال.
                                                                                             مفدي زكرياء
«يوم السبت 6 رمضان 1368 ـ 2 يوليو 1949 حظيت البلاد التونسية بشرف زيارة منتظرة بشوق عظيم قام بها حضرة صاحب السمو الملكي المعظم مولاي الحسن أكبر أنجال صاحب الجلالة الشريفية عاهل القطر المغربي الشقيق وولي عهده.
وصاحب الجلالة الشريفية كما يعرف الجميع باعث النهضة في القطر العزيز الشقيق ونافخ روحها لذلك حاز في أقطار المغرب العربي خاصة وفي العالمين الإسلامي والعربي مكانة سامية جعلته في طليعة ركب الملوك الصالحين الموفقين العاملين للخير العام الساعين في خدمة أمتهم وتعزيز أواصر الأخوة بينها وبين شقيقاتها القاصية منها والدانية.
والشعب التونسي ـ شقيق الشعب المغربي وجاره القريب ـ يدرك هذه الحقيقة ويقدرها حق  التقدير. ويعلم أكثر من ذلك أن عاهل المغرب الجليل كثيرا ما كان في تصرفاته وفي عمله في سبيل أمته اسوة كريمة وقدوة صالحة لهما أثرهما الطيب في بعث عمل موفق جليل وسعي وطني رائع هنا.
لأجل هذا شاع الاستياء العظيم في النفوس بصورة عامة لما رأى الناس سلوك سلطات الحماية في أعداد قبول دون ما يجب أن يكون لنجل العاهل العظيم. فقد وضع برنامج إقامة سمو الأمير المغربي المحبوب على قاعدة «احتكار استعماري» منع الشعب التونسي من القيام بواجب التكريم اللائق بما لسموه من مقام عظيم في النفوس.
ولقد كنا نتمنى أن تتمكن مؤسساتنا القومية والعلمية والأدبية من شرف المشاركة في الترحيب بسمو الأمير المغربي الجليل وأن تحظى بزيارة كريمة منه تكون فرصة مناسبة يظهر فيها الشعب التونسي عاطفة الأخوة التي تربطه بالشعب المغربي الشقيق وتزيد في تمتين العلائق الوثيقة التي لا انفصام لها ولا تزيدها الأحداث إلا قوة.
لكن اليد الاستعمارية خيبت أملنا هذا ونجحت في «احتكار» إقامة الأمير المعظم «وحمايته» من التكريم الشعبي الأخوي. وإذا كانت غايتها من صنيعها الممقوت أن تبلغ هدفا استعماريا يرمي إحداث فرجة في بناء الوحدة العربية الشامخ الذري الذي تستظل به شعوب المغرب العربي، وإلى إرخاء روابط الأخوة والتضامن بين الشعبين الشقيقين: فإننا نؤكد لها أنها خابت في سعيها على طول الخط. ذلك أن ما جمعته يد الله العلي القدير لا يمكن أن تبدده يد الشيطان ولا أن تهدمه يد الاستعمار البغيض. والشعب التونسي والشعب المغربي سواء في الإيمان بهذه الحقيقة والحرص على التمسك بها والتأثر بنتائجها والسير في هذه الحياة، حياة الكفاح والنضال، على هداها ونورها القدسي الذي لا تطفؤه الأفواه.
ومن أغرب الأمور وأشدها إيلاما للنفوس أنهم حين «احتكروا» لأنفسهم الأمير الملكي المعظم وخصوا دعايتهم باستثمار إقامته في قطرنا لم يقوموا نحو سموه الملكي بما يجب من الإجلال والتكريم بل إن التقصير كان واضحا في كل خطوة وفي كل مرحلة من مراحل الزيارة. حتى ليلوح أن في الأمر شيئا مقصودا يراد به «وباحتكار الإقامة» الوصول إلى هدف معين وإحداث تأثيرات في نفس الأمير المعظم وفي أواسط الشعبين الشيقين والقصرين الملكيين.
ومما يؤسف له أنهم بذروا إشاعات هنا وهناك ساعدتهم على ترويجها أناس من أدعياء الوطنية، صوروا فيها الزائر الملكي المعظم في صورة العوبة، أو آلة مطيعة وقعت عليها يد الاستعمار فهي تستعملها في تحقيق أغراضها وتحركها نحو الاتجاه الذي تشاء. وهو أمر يتنزه عنه مقام ذلك الأمير المعظم ابن ليث الكفاح الوطني الطاهر. فأي عقلية مريضة استطاعت أن تقبل هذه الصورة الشوهاء مع أن النبعة المصفاة التي تحدر منها سمو الأمير والبيئة التي ولد وعاش فيها والنشأة التي أنشأه عليها جلالة والده المعظم التي أبهرت الأنظار ولاتزال تبهرها وتهز المشاعر وتحرك أحاسيس المجد والفخار في النفوس ـ نقول أن هذا كله، بل ان بعضا منه ليحول دون تسرب مثل هذا التزييف للحقيقة اللهم إلا عند من لا يعرف هذه المقاييس الخلقية الكريمة أو لا يحسب لهذه الاعتبارات جلالا وخطرا في حياة الفرد وحياة المجتمع.
وكان من نتيجة أثر تلك الإشاعات أن مرت إجراءات الاقتبال واعداد برنامج الزيارة سواء للعاصمة أو للقصر الملكي العامر بدون أن تلقى ما يجب من الاهتمام وبدون ان تثير اعتبارات التضامن والتعاطف والصلات الأخوية بين القطرين الشقيقين. حتى إذا انكشفت الحقيقة وتمزقت الغشاوة ظهر أن الذي تسبب بصنعه في عدم إثارة الاهتمام اللازم إنما أساء في الواقع إساءة لا تغفر إلى مقام القصر الملكي العامر وإلى الشعب التونسي الذي يجعل من مقام العرش الجليل مناط عزه وفخاره ومبعث شرفه ومجده فلا يرضى أن يساء إلى هذا المقام الجليل إساءة موجعة.
وما لنا أن لا نفزع إلى ساحة مولانا المليك الجليل المعظم أبقاه الله وسدد خطاه ونلوذ بأبوته السامية لشعبه المخلص الوفي من أحاسيس وعلى ما يضطرب في نسه من أمان وآمال ـ نقول ما لنا أن لا نفعل ذلك في إخلاص وإجلال وتعظيم ونصارح ذلك المقام السياسي القول؛ إن الشعب التونسي جميعه شعر بالحزن والأسى حين مرت هذه الزيارة من الأمير المغربي المعظم ولم تقابل بما يجب. وانه أن أنة موجعة حين علم أن أكبر أنجال الحضرة العلية لم يخف إلى استقبال سمو الزائر الكريم ممثلا للجانب العالي أبقاه الله كما جرت به العادة في استقبال كل من هب ودب من مختلف الشخصيات الفرنسية وغيرها ممن يزور عاصمتنا بين حين وآخر ومعظمهم لا يداني مقامهم مقام الأمير المغربي الجليل.
وأن كذلك أنة موجعة حينما رأى أميرا مسلما يزور عاصمتنا أثناء شهر الصوم المبارك ويقوم بأداء واجب الزيارة لمقام المليك المفدى في صدر المساء ثم يخرج من هناك ليتناول طعام الإفطار على مائدة السفارة الفرنسية. ثم يذهب من هناك ليشهد حفلة ساهرة أقامها له الكاتب العام للحكومة أو سيدها المطلق العنان مسيو برويي. بدل أن يقيمها كبير الوزراء التونسيين. ومن بعد ذلك يعود لا إلى ضيافة القصر الملكي كما جرى به العرف الدولي. بل إلى ضيافة السفارة العامة حيث تناول طعام السحور إن لم يشأ سموه التمتع برخصة الفطر لأجل السفر.
نعم ساءنا أن نرى القصر الملكي وهو مصدر التقاليد الكريمة لا يتبصر المسؤولون المضطلعون بالأمر فيه؛ في حقائق ما يشاع وما يقال حتى يظهر في هذا المظهر ويحقق للاستعمار ما كان يرغب فيه وما يسعى إليه من طريق المكايد وبواسطة أعوان يلبسون لبوس الصداقة والإخلاص والوفاء وما هم إلا أدعياء يقود خطواتهم الطمع وحب النفس إن لم يكونوا من المأجورين.
فإذا ما أرادت السفارة العامة أن لا يذهب لاستقبال الأمير الملكي في المطار إلا موظفو الدرجة الثانية أو القائمون بالنيابة. وأن ينأوا بمقام السفير عن هذا الاستقبال وعن شرف تقديم الزائر لمليكنا العظيم مع أنا نراه يذهب لاستقبال كثير من الموظفين الفرنسيين وبعض الشخصيات الأجنبية ممن لهم مقام مساو لمقام سمو الأمير أو دونه أحيانا ممن لهم مقام مساو لمقام المليك بنفسه ـ إذا ما أرادت السفارة هذا فلها شأنها وليس لنا أن نجاريها فيه فلا يحضر كامل الوزراء بل ويتخلف شيخ المدينة الذي يجب عليه أن يمثل العاصمة التونسية ذلك التمثيل الذي اعتاد الحرص الشديد عليه وعلى أدائه بدقة كلما كان الزائر من أفراد الصنف المحظوظ أو من بني عمومة الصنف المحظوظ أو ممن يرضى عنهم أو يتبناهم الاستعمار صاحب القوة والسلطان ومن إليه الخفض والرفع والقبض والبسط والاغضاء عن العيوب. بل كثيرا ما تبرع بإقامة حفلات الرقص ومآدب التكريم الخاصة وبإحياء ليال حمراء نبهج نفوس السادة وترضيهم تمام الرضا.
الحق أن هذه الأمور لما يثير الوجع في النفوس إلى بعد مدى. ولو أننا وجدنا بعد تسلية في لفتة كريمة صدرت من صاحب العرش المفدى حينما تبدت النوايا واضحة فأصر حفظه الله  على أن تجري مراسيم الاستقبال دون مراعاة لاعتبار الصبغة غير الرسمية التي تكتسيها الزيارة وقدم لسمو الزائر هدايا ملكية قيمة. ولكم كنا نود مع ذلك أن يستقبل الزائر حرس شرف كامل وأن تؤدى له التحية الملكية اللائقة المناسبة لمقامه السامي بالموسيقى والعلم وأن تصدح الموسيقى بالسلام السلطاني. وأن يقلد سموه نيشان البيت الحسنى فيكون ذلك تحية ملكية أخوية رائعة تربط البيتين المالكين في القطرين الشقيقين بأوثق رباط من الاتصال والمجاملة والتكريم. أما الشريط الأكبر من نيشان الافتخار فيكاد يمنح بصورة عادية الآن لكل من يحظى بشرف المقابلة الملكية من الزوار الأجانب بينما الزوار الممتازون يمنحون وساما أرفع درجة منه فمنح الأمير الملكي الوسام الذي له المقام الرابع بين الأوسمة التونسية لا يضفي على هذه الزيارة الملكية الصبغة الأخوية الممتازة التي تحرك المشاعر الطيبة في نفوس سكان القطرين.
هذه كلمة أملتها الدوافع الوطنية وبعث الكاتب عليها الوفاء والإخلاص ونرجو أن يشفع هذا في صراحتها وأن يكون لها التأثير المطلوب فتحدث في البيئات السامية الجو الذي نريده ونتمنى وجوده».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here