islamaumaroc

عرش التحدي

  دعوة الحق

174 العدد

يتميز تاريخ الدولة العلوية بالصراع المحتدم بين عوامل الإحباط والانتكاس، وأسباب الغزو والاحتلال، ونوازع السيطرة والتحكم، وبين إرادة الخير والبناء، والنزوع إلى الاستقرار والاطمئنان، والميل إلى السلم والأمان، وإيثار مصلحة الشعب في المقام الأول، والتطلع إلى الرقعة والعزة والكرامة.
وقد تقلد العرش العلوي مسؤولية الحكم في ظروف بالغة التعقيد، ومناخ سياسي مضطرب، وكلمة الأمة مشتتة، والأطماع محدقة بها، والوحدة الوطنية مهددة، والعزم كليل، والعزيمة خائرة، والإيمان ضعيف، والجهل منتشر، والخلود إلى الراحة وإيثار السلامة مطمح النخبة الواعية بله السواد الاعظم من الشعب. بينما يقف على مرمى البصر عدو لدود، حاقد ماكر، يحركه الحقد الصليبي، ويحفزه الثأر من الهزائم الشنيعة التي مني بها في عشرات المواقع والمعارك الفاصلة، ويتيحن الفرص للانقضاض على المغرب، وإذلال أهله واحتلال شواطئه. في الجناح الشرقي من الوطن الإسلامي تعاني دولة الإسلام والعروبة سكرات الاحتضار، وتطوى الصفحة الأخيرة من حضارتنا الباذخة، بعد أن فشا التكالب على السلطة، وانتشر التآمر بين الأشقاء وساد الاضطراب السياسي حتى لم تعد بقعة من العالم العربي الإسلامي الفسيح الأرجاء تنعم بهدوء نسبي يمكنها من إعداد العدة لرد العدوان وصد الهجوم الزاحف من أوروبا.
 قامت الدولة العلوية الشريفة في هذا الجو المشحون بالاضطراب وإرهاصات الانهزام الفكري والحضاري وتحملت العبء الثقيل وأرست لنفسها قاعدة متينة للانطلاق منذ أول عهدها بالحكم مستأنفة بذلك دورة حضارية جديدة للإسلام والعروبة في المغرب بعد أن أوشك أن يفتك بهما الحقد والمكر والتآمر والخيانة والإعراض عن الجهاد والإغراق في الفساد.
واتضح مسار الدولة الجديدة القائمة على الحق والعدل والإحسان، الملتزمة بالتقوى والورع والصلاح، المتطلعة إلى القوة والوحدة والتضامن. وانبسطت أمام الملوك العلويين الأشراف آفاق العمل الإسلامي الجاد لرأب الصدع، ولم الشمل، وتجديد حماس الشعب، وإشاعة الأمن، ورفع لواء السلام الاجتماعي، وحشد همم العاملين وطاقات المجاهدين. ولم يمض وقت طويل حتى استرجعت البلاد وحدتها وهيبتها وسطوتها وقوتها، واطمأنت الأمة على استقرارها ورخائها ورفعة شأنها، واستعادت النفوس أملها وثقتها ويقينها، وكان العرش من وراء ذلك كله الرائد والقائد والذائد عن حق المغرب المسلم العربي في الحياة الحرة الكريمة.
وتوالت البطولات الطافحة بالعبر والموعظات، وتدعم الوضع الدولي لبلادنا، وذاع صيتها، وسمت سمعتها، بين الأمم والشعوب، حتى أن مخططات الدول الاستعمارية الأوروبية عقب ما يسمى بعصر النهضة كانت تركز على دولتين عربيتين إسلاميتين من العالم العربي والإسلامي: المغرب ومصر، لما كانا يقومان به من دور قيادي فريد في حماية الحضارة العربية الإسلامية والحفاظ على استقلالهما والنهوض بشعبيهما. وعاشت الدولة العلوية عصورها الزاهرة في عهد المولى اسماعيل والمولى محمد بن عبد الله والمولى سليمان والمولى محمد بن عبد الرحمن والمولى الحسن الأول الذي تعرض لضغط شديد من الاستعمار المتحفز وصمد في شجاعة نادرة وحافظ على مناعة المغرب واستقلاله في الوقت الذي كانت البلاد العربية والإسلامية كلها ـ باستثناء الجزيرة العربية ـ قد وقعت ضحية في يد الاحتلال من الهند إلى الجزائر.
وإذا كان العرش العلوي قد عرف بعض الهزات العنيفة في عهد الملوك الأشقاء المولى عب العزيز والمولى عبد الحفيظ والمولى يوسف ـ رضوان الله عليهم ـ من جراء ارتفاع درجة التآمر الاستعماري ضد بلادنا، فإن الله ـ والمؤمنين والتاريخ يشهد أن المقاومة الباسلة التي أبداها أبناء المولى الحسن الأول كان لها دورها الفعال الذي لا ينكر بحال في التخفيف من آثار الوطأة التي أصابت المغرب من يوم 30 مارس 1912 إلى يوم 18 نوفمبر 1955 وهي فترة الحماية التي قال عنها جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده أنها لم تكن إلا بمثابة حادثة سير، وان كان هذا لا يمنع من القول أن ما أظهره العرش العلوي من تضحية وصبر وقوة احتمال وشدة شكيمة ورباطة جأش خلال هذه الفترة الوجيزة لا يعادله إلا ما بذله مؤسس الدولة العلوية رضي الله عنه، بحيث يحق لنا أن نقول ـ مطمئنين إلى صحة وقوة حجتنا ـ أن مصير المغرب، ومصير العرش والإسلام والعروبة في هذه البلاد قد تقرر خلال تلك المرحلة الحاسمة والفاصلة من تاريخنا الوطني. فلولا إيمان المغاربة بدينهم، وتمسكهم بشريعته، وتعلقهم بعرشهم، وإيثارهم سلامة البلاد ووحدتها على سلامتهم الشخصية ولولا ارتباط العرش بهذا الشعب ارتباطا شرعيا أولا ثم وطنيا ثانيا، ولولا التحدي العظيم الذي واجه به جلالة المغفور له محمد الخامس دهاقنة الاستعمار وإلى جانبه عضده الأيمن ووارث سره جلالة الحسن الثاني ـ أطال الله بقاءه ـ لتغيرت الخريطة المغربية لا قدر الله.
• والحق إننا مدينون للعرش العلوي بوجودنا الوطني بقدر ما نحن معترفون له بالفضل الأكبر في الحفاظ على كياننا المعنوي ونقصد به بالدرجة الأولى ديننا ولغتنا وتراثنا وثقافتنا وحضارتنا وأصالتنا المميزة.
لقد كانت فترة الحماية البغيضة امتحانا صعبا للعرش العلوي اجتازه بتفوق باهر مبرهنا أصدق ما يكون البرهان عن قوة تمثيله لإرادة الشعب المغربي وصدق تعبير عن رغباته ومطامحه وتطلعاته وأحقيته لقيادة معركة الحرية والاستقلال ومؤكدا بتضحياته وصموده ومقاومته وفاءه العميق بالعهد والتزامه القوي بالدفاع عن مقومات الوطن وكيانه الحضاري وتفانيه في خدمة جماهير الشعب واستعداده لمواجهة أسوأ الاحتمالات حفاظا على الشخصية المغربية من أن تمس في جانب من جوانبها.
ولقد خرج العرش العلوي من هذه المعركة مرفوع الرأس مهاب الجانب قوي البنيان شديد الاعتزاز بجهاده الملحمي الصامد.
وترعرع جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في هذا الجو النضالي الشريف فما أن شب عن الطوق حتى رأيناه في طليعة المقاومة إقداما وشجاعة وصبرا وإباء ورفضا للمناورات الاستعمارية بأشكالها وطرقها وإسهاما في الحركة الوطنية المتحمسة الأمر الذي قوى من التحام الشعب بالعرش وزكى تلك العلاقة المقدسة التي تربط الملوك العلويين الأشراف بأبناء المغرب الأشاوش مما جعل أنظار سلطات الحماية تتجه نحو الأمير المناضل وتسعى جاهدة لتفت في عضده وإضعاف حماسه واندفاعه واستغراقه الكلي في العمل الوطني الموحد.
فالعرش ـ إذن ـ لم يكن منعزلا بأي وجه من الوجوه عن الأحداث الجسام التي عرفتها بلادنا طيلة النصف الأول من هذا القرن، وإن كان الاستعمار سعي منذ البداية إلى انعزاله والحد من فعاليته وتأثيره البالغ في نفسية الشعب ليخلو له الجو فينفذ خططه في مأمن من كل خطر أو تهديد. ولذلك لم يكن محمد الخامس ملكا كالملوك ولكنه كان مناضلا عزيز النفس قوي الشكيمة وطيد العزم شجاع القلب، ولم يكن الأمير مولاي الحسن (جلالة الملك الحسن الثاني) كالأمراء ولكنه كان وطنيا مقداما ثائرا منضبطا وموجها للتحركات النضالية كأقوم وأكم ما يكون التوجيه في ظروف الحصار والتطويق والإرهاب البوليسي والعسكري، وعرف فيه المقربون إليه من رفاقه في الدراسة وخلانه أبناء الشعب ومعارفه من رجال القصر ـ بما في ذلك قلة من الأجانب الذين لم يكونوا على وفاق مع سلطات بلادهم ـ صفات وطنية وثورية قلما تتوفر في أقرانه الأمر الذين كون في أعماق نفسه بذورا أخصبت مع توالي الأعوام وتعاقب أشواط المعركة إلى أن أتت أكلها بإذن ربها يوم قيضه الله تعالى للإمارة والحكم واختاره الشعب عن بكرة أبيه ملكا وإماما وقائدا وزعيما يدين له بالولاء والسمع والطاعة.
ولقد كانت السلطات الاستعمارية تأخذ حذرها من جلالة الملك الحسن الثاني وهو بعد شاب يافع يتفتح عقله ووعيه على مغرب مكبل بالأغلال وتضيق نفسه بالجو الخانق المحيط به من كل جانب، واعتبرته حجر عثرة في طريقها إلى تنفيذ مخططاتها العدوانية، وكانت تضرب حوله حصارا رهيبا لئلا يختلط بالشعب تحسبا من أن تسري منه عدوى الوطنية المؤمنة إلى شباب البلاد الناهض. وهو أسلوب سخيف في القمع والعنف الاستعماري عرف العرش والشعب كيف يتجاوزانه ويبطلان مفعوله بحيث لم تنفع الاستعمار إجراءاته المشددة ومواقفه المتطرفة وانتصر المغرب في الأخير لأنه استمسك بالعروة الوثقى:
ـ الإسلام
ـ العروبة
ـ العرش
ومن هنا نبع التحدي الحسني القاهر الذي قصم ـ بتوفيق من الله وعونه ـ ظهر أعداء المغرب سواء ممن وفدوا علينا غازين من وراء البحار أو من أبناء جلدتنا الذين لم يرعوا للعقيدة والدم والجوار حرمة فتطاولوا على النيل من سيادتنا فرد الله كيدهم في نحرهم.
التحدي الحسني المعزز بمدد من الله سبحانه وتعالى والمدعم بولاء من الشعب لن تنقطع أسبابه هو وحده الذي مهد لنا السبيل إلى الحرية والوحدة والعزة تحت راية القرآن.
• لقد تجلى التحدي الحسني بصورة واضحة في اختيار طريق وسط بين الاتجاهات السياسية والاقتصادية المعاصرة حفظ على المغرب كرامته واستقلاله ووقاه شر الانزلاق في مهاوي سحيقة والارتماء في أحضان المعسكرات والمذاهب وصراع القوى الدولية. وهي تجربة ليست هينة على كل حال، خاضها المغرب ـ ولايزال ـ بوعي وتفتح وإدراك كامل لطبيعة العصر. وهذا هو السر في المناعة الذاتية للعرش المغربي بالإضافة إلى الولاء الشعبي العميق الجذور.
وهذا الاعتدال المنضبط أكسب المغرب قوة ونفوذا ووضعا دوليا متميزا، وجعل دول العالم تتعامل معه على قدم المساواة ومن غير ضغط أو إكراه أو إرهاب سياسيا كان أم اقتصاديا أو اديولوجيا، في الوت الذي تتزايد فيه الضغوط الأجنبية على مجموعة العالم الثالث وتشتد المناورات الاستعمارية للنيل من استقلالها وإخضاعها للتبعية الذليلة. 
هذا الانتماء المغربي المحض.. وهذا الارتباط العضوي بعقيدة الشعب وقيمه ومقوماته ومقدساته وتقاليده.. وهذا التجاوب الصوفي بين العرش والشعب هو القاعدة العريضة الراسخة للتحدي الحسني.
فهو ـ إذن ـ تحدي من أجل الخير والنماء والسلام، وإذا أردت الدقة والتعبير الجامع المانع قلت عنه أن تحدي من أجل إرساء حكم الله في الارض ومحاربة الطواغيت التي تسعى لتستبد بالأمر وتعيث في الارض فسادا.
وحينما يقول المغرب: لا للتبعية، ولا لاستيراد المذاهب والايديولوجيات، ولا للتكتلات العسكرية المشبوهة، ولا لليمين الرجعي المحنط، ولا لليسار المتطرف المنفلت من كل الضوابط الإيمانية والأخلاقية والمتنكر للتراث والأصالة.. فإنما يرفض في الواقع ذوبان الشخصية المغربية الحقة ويبقى على كياننا الوطني قويا متينا حرا مستقلا.
وهذا منطق الإسلام...
وليست رجعية أو انعزالا أو تقوقعا أو انكفاء على الذات..
إن استيراد التكنولوجيا واقتباس أحدث النظريات العلمية لن يكونا على حساب العقيدة والأصالة.
ان تخلفنا في جوهره مادي تكنولوجي وليس تخلفا فكريا أو ايديولوجيا..
اننا نعرف الله ـ سبحانه وتعالى ـ ونؤمن به ـ جلت قدرته ـ وتأخذ بالإسلام طريقا ومنهجا وأسلوبا ونجتهد ونكدح لنكون في مستوى إسلامنا العظيم، وفي نفس الوقت نعتز اعتزازا حارا بالعرش العلوي المجيد وندين بالولاء الشرعي العميق الجذور لرائد المسيرة الخضراء ومحرر الصحراء.
وولاؤنا نابع من عقيدتنا.. ومستوحى من تقاليدنا وأعرافنا.
ومن هنا ـ أيضا ـ ينبع التحدي الحسني...
فليدم عرش التحدي..
وليحفظه الله ذخرا للمغرب.. 
وبعد، فإن اقتران الذكرى السادسة عشرة لجلوس جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله على عرش أجداده المنعمين بمرور أربعة عشر قرنا وخمسين سنة على ميلاد سيد الخلق أجمعين مولانا وحبيبنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرمز في الواقع إلى مغزى عميق له ارتباط باللطف الإلهي الخفي الذي يشمل هذا العرش المجاهد وصاحبه المنصور بالله.
وأن شعب المغرب المؤمن ليسعه إلا التفاؤل والاستبشار خيرا بهذا التوافق الذي ترتاح إليه النفوس وتقر به العيون ويثلج الصدور.
وهذا برهان جديد من الله تعالى على تطابق سياستنا واتجاهاتنا وخطواتنا لما جاء به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هداية وشريعة ومنهج حياة متكامل.
إننا إذ نحتفل بالمولد النبوي الشريف في هذا اليوم الأغر ـ يوم عيد العرش السعيد ـ لنستشعر عظمة هذا الدين القويم الذي ارتبط به العرش العلوي وسار على نهجه لا ينحرف ولا يزيغ. وهذا ما يملأ قلوبنا إيمانا وولاء وطاعة لله ولرسوله ولأمير المؤمنين سبط رسول الله الأعظم عليه الصلاة والسلام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here