islamaumaroc

يد جلالة الملك الحسن الثاني وزمام السياسة الدولية

  دعوة الحق

174 العدد

حبا الله سبحانه وتعالى المغرب طبيعة غناء، ومناخا خلابا، ومناظر ساحرة، وموقعا جغرافيا له مكانته الاستراتيجية سواء من الناحية التجارية، أو من الناحية الحربية، هذه المكانة العظيمة لا تفتقد مهما تقدمت وسائل التنقل وآلات الحروب، أجل أن هذه المكانة كلما تطورت وسائل الحضارة وسرعة الاتصال تزداد أهمية، وتتعاظم قيمة.
كما أن الله سبحانه وتعالى منح المغرب قائدا ملهما جمع بين النسب العريق، والذكاء النادر والوعي العميق وقوة الشخصية التي تواجه أحداث العصر المضطربة، والتي استعصي حلها على القادة والمفكرين، فيبتسم لها، قبل أن تصل حدوده، فما أن تصلها حتى تتلاشى على صخور الشواطئ المغربية وترتد مع الأمواج الكليلة الحسرى.
ودخل الإسلام هذه الأرض فأصبحت بفضله مدرسة يفد إليها قصاد الحكمة ورواد المعرفة من العالم الإسلامي ومن العالم الأوروبي، وبدأت موجات العالم تنداح نحو أوربا وغيرها، واحدة تلو الأخرى، وانه لمن العقوق والتنكر للفضل أن لا ينظر العالم الأوربي إلى المغرب على الخصوص نظرة التلميذ إلى أستاذه في التقدير والتبجيل والإجلال. وقد سجل التاريخ صفحته التي ستبقى منشورة على مائدة الحقيقة حين هاجمت أوربا ـ على اختلافها ـ أرضا بزيوت مشاعلها استنارت، وشعوبا بفضل بنات أفكارها ارتقت وسمت، وجعلها وصمة عار في جبين المهاجم مدى الدهر، وطبق عليه المثل القائل:
أعلمه الرماية كل يوم
فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي
فلما قال قافية هجاني
ففي مطلع هذا القرن بسط المستعمر سلطانه على البلاد الإسلامية، شرقها وغربها على السواء، وقسمها مزعا مزعا حتى يسهل عليه سرطها واحدة تلو أخرى وحاول جاهدا تمزيق روابط أوصالها الوثيقة.
لكن عوامل الحياة في الأمة الإسلامية رغم ركودها وسكونها كانت وماتزال قوية صالحة تستطيع الخلاص من طغيان هذا المستعمر الباغي، هذه الروح تتمثل في شعور الأمة الإسلامية بالعزة، التي يفرضها عليها دينها وقرآنها، فهبت الثورات على المستعمر في كل صقع إسلامي ضده يحدوهم إما النصر على الأعداء أو الشهادة في سبيل الله، وأدرك المستعمر هذا فخطط للقضاء على هذا العامل الذي ألب عليه الشعوب الخاضعة لسلطانه.
 وعندما كان يعيش المستعمر أيامه الأخيرة عمل بنشاط أكبر على ترك أفكاره. آثاره التي تبقى على الأمة الإسلامية موردا ثرا لحاجات صناعته، وسوقا قائمة لتصريف بضاعته. كما أنه من أول يوم حط فيه رجله، عمل لإنشاء الأجيال على مفاهيمه وتربيتها على تبعيته، فما أن خرج حتى أفسد عقول كثيرين، وشوه الحافز الذي كان يدفع الشعوب إلى مناصفته وعدائه ألا وهو الإسلام.
وهبت علينا من جهة أخرى سحب كثيفة رآها بعض منا، فقالوا: هذا عارض ممطرنا!. وانتظروا غيث هذا العارض ورحمته، وخرجوا بزينتهم للقائه وحشروا إليه  الناس ضحى. لكنه: «هو ما استعجلتهم به، ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء.. وبدت عوامل التفرقة في أنحاء الأمة الإسلامية بلون جديد، ويا لها من فرقة، جرب الحروب والدمار على كثير من أطراف أمتنا وكم فجعت من أصقاع بخيرة مفكريها، وزهور رياضها من الشباب الناهض وعدنا من جديد نتلمس دربنا بين عدو لدود عشنا قوته وويلاته، وعدو حديث يطلق بخور السياسة، وطلسمات المشعوذين، فيغطي مخططاته بدخان فيه رائحة، ولكنه قاتل على أي حال، واستحال أمره سرابا. ولكن أعظم أثر كان له زرعه التمرد والانفجار في نفوس الشباب وعقلياتهم، والتمرد على كل شيء حتى على آبائهم وأمهاتهم. وما أن جاءت الأربعينات والخمسينات من هذا القرن حتى بدا في الأفق السياسي خطان متميزان بالنسبة لعالمنا الإسلامي عموما والعربي خصوصا، خط متطرف في انطلاقته يثور على كل قدير ولو كان التراث والقيم ومجد الآباء والجدود، وخط أكثر رزانة وهدوءا، يعتز بالماضي ويحاول العيش في الواقع فاتهم بالرجعية، والجمود والتحجر.
ودولاب الحياة يسير بسرعة لا ترحم ولا تتوقف وشعوب الأرض تعيش تحت تأثير دعاوتين متعارضتين، وكل دعاوة تدعو شعوب الأرض إلى حقها وإلى ايديولوجيتها، وكل منها تحاول اكتساب العالم الإسلامي والعربي على الخصوص لشيئين رئيسيين، لثرواته التي يحتاجها وتظهر قيمتها كل يوم أولا، ولمكانه الطبيعي وموقعه الجغرافي من العالم، والذي يتحكم في مسيرة اتصال القارات جميعها ثانيا.
واحتدم الصراع بين القوانين على هذا العالم في الخمسينات والستينات، ولكن الشعوب الإسلامية وإن لم تكن قادرة على مقاومة أية قوة منهما، كانت تدرك بعض واقعها إن لم نقل كله. وتدرك أن انجرافها إلى أي معسكر من المعسكرين ضياع لشخصيتها، وفقدان لهويتها، في هذه الأثناء انطلقت دعوة ذاك أوانها ووقتها في الحقيقة ألا وهي دعوة الشعوب الإسلامية ـ عن صح التعبير ـ إلى التضامن فوقف في وجهها عدد من القادة الذين جرفوا بلادهم في الخط الاشتراكي وشوهوا الفكرة، وسخروا جميع رسائل الإعلام لمسخها، وتنفير الناس منها، ولفظت الفكرة أنفاسها الأخيرة أو كادت.
يحق لنا هنا أن نتساءل ما قيمة الأمة الإسلامية على العموم والعربية على الخصوص في ميزان القوى العالمية، وما هو دورها في مسرح السياسة الدولية؟
أقول: حتى هذه الفترة كانت لا دور لها إلا كإنسان عاجز تنهب خيراته وتقتطع أطرافه، وينال اللكمة بعد الأخرى، ويعلو صراخه ولا راحم ولا مغيث.
وهنا يبرز دور جلالة الملك الحسن الثاني في تغيير اتجاه خط هذه السياسة الظلوم الغشوم. والمغرب في تاريخه كله ـ تقريبا ـ عاش امبراطورية موازية للإمبراطورية الإسلامية في الشرق يواجه أوربا من جهته وكانت الحرب بينه وبينها سجال، ولما نال استقلاله اعتمد على السياسة الخارجية التي تقوم على الصراحة والود لكل من لا يعادينا، والاستفادة من كل من يريد إفادتنا.
وفي عام تسعة وستين وتسعمائة وألف، وكانت قيمة العالم العربي قد بدت في أنظار العالم هزيلة وذلك بعد ما يسمونه بحرب الخامس من حزيران، قامت إسرائيل بعملها الجريء، فأحرقت جانبا من المسجد الأقصى وارتج العالم الإسلامي من أقصاه في الفلبين شرقا إلى أقصاه في شواطئ الأطلسي غربا وهاج وماج ووزن نفسه وعرف حقيقته في ميزان القوى العالمية.
وهنا بدأ التحول الخطير في حياة الأمة الإسلامية، وانحرفت خطوط السياسة العالمية عن زواياها المرسومة لها. وأعلن الملك الحسن الثاني تدشين عهد جديد في السياسة الدولية ووضع الحجر الأساسي الذي قامت من منطلقه غالبية الأحداث من بعده. ودعا لمؤتمر القمة الإسلامي الأول الذي عقد في الرباط بين 22 و25 سبتمبر 1969 ولبى النداء ست وعشرون دولة إسلامية وكان منها دول ينص دستورها على أنها علمانية مثل تركيا، وهو بداية تحول جديد في حياة الدول الإسلامية والتقى هؤلاء القادة في رباط الفتح، وأعلن الملك الحسن افتتاح المؤتمر وأن هؤلاء القادة المجتمعين لم يأتوا ليتدارسوا شؤون وحدة وعلى أي أساس تقوم؟ بل ان وحدتهم قائمة. ورابطتهم أوثق رابطة أنها رابطة العقيدة الإسلامية، وشعروا جميعا بجو الأخوة، وأدركوا مقدار عظمتهم ومكانتهم في العالم. وتناقلت الدنيا أصداء المؤتمر، والآثار الإيجابية التي خلفها. وخصوصا ما يتصل بالقضية الفلسطينية. وكان عهد جديد أسفر فيه كثير من القادة والزعماء عن شخصيتهم الإسلامية بعد أن تنكروا لها، وبرزت على مسرح الأحداث كتلة جديدة كتلة الشعوب الإسلامية، وكان هذا هو المسمار الأول الثابت في نعش السياسة الاستعمارية العابثة بمقدرات الأمم.
وفي عام 1970 كان مؤتمر القارة السمراء في رباط الفتح، وكان عدد القادة الذي حضره قياسيا فلم يتخلف أحد تقريبا. وذلك لعلاقات المغرب الطيبة مع جميع الدول، ومده يد المساعدة لها وحكمة الله الحسن الثاني السياسية.
ونقلت الجلسة الافتتاحية لمؤتمر القمة الإفريقي في الخافقين، وأسفر هذا المؤتمر عن نتائج طيبة ما شهدها مؤتمر قبله سواء على العلاقة العربية الإفريقية، أو التصالح والتعاون الإفريقي، ومن أينع الثمار التي قطفها العرب خصوصا من ثمرات هذا المؤتمر قطع العلاقات الدبلوماسية في 1973 مع إسرائيل من أكثر الدول الإفريقية، ثم اعتماد افريقيا السمراء على العالم العربي بدلا من أوربا وأمريكا وروسيا و...
وتزعزع بنيان السياسة الذي أشيد على أشلاء ودماء الأبرياء فما أن دعى داعي النفير في العاشر من رمضان سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة وألف 6 أكتوبر 1973 حتى انهار صرح هذه السياسة ووقف العالم الإسلامي برمته، والافريقي بكامله صفا واحدا فكتب الله له نصرا مؤزرا، جعل هذه الكتلة السياسة تتكلم من موقف القوة والعزة قوة في المال والثروة تتحكم في مصير العالم وإن شاءت خنقته رويدا رويدا، وعزه الإسلام التي رفع الله سبحانه وتعالى بها المستضعفين وأعلى شأنهم. وظهرت هذه الكتلة على حقيقتها.
وبدأت الدول العظمى تخطب ودها تارة، وظهر ما يدعى بالحوار العربي الأوربي. وتراوغها بأساليبها السياسية التي تمرست بها تارة أخرى، وبارك العالم الإسلامي فجر هذه السياسة الدولية الجديدة على مائدة الإسلام في (لاهور) حيث انعقد مؤتمر القمة الإسلامي الثاني الذي كان لبنة أخرى على أساس من مؤتمر الرباط الإسلامي. وكان له دوره الفعال الذي جعل شاه إيران ـ مثلا ـ يعلن منذ فترة ليست بالبعيدة (إن إسرائيل إذا دخلت حربا جديدة مع العرب فلتعلم أنها ستخوضها مع العالم الإسلامي كله).
وأصبحت الكتلة الجديدة توجه السياسة العالمية وتملي شروطها، وتتحكم في أمرها، رغم الوسائل الكثيرة التي تبيت لها لتعود متناحرة فيما بينها من جديد، ولتفرط عقد المحبة والوئام الذي نظمته مع أخواتها الدول الإفريقية، ودول عدم الانحياز.
وما المؤتمرات المتتابعة المختلفة المقاصد والأهداف كمؤتمرات دول عدم الانحياز والطاقة والمواد الأولية وغيرها إلا تأكيدا لهذين الأساسين اللذين أرسيا في بناء السياسة الدولية بعد عام 1970، على يد جلالة الملك الحسن الثاني لأنها أخذت صبغة جديدة وحيوية جديدة لم تكن معهودة من قبل. ولقد كتب أحد المستشرقين الذين يعنون بشؤون العالم الإسلامي كلمة في آخر مقال له وذلك في مارس 1968I: (إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام، فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى).
وكان توقعه مصيبا، وقد تحقق بعض ذلك والحمد لله بفضل قيادة جلالة الملك الحسن الثاني ـ رعاه الله ـ الذي آتاه الله سبحانه الحكمة والهمة السداد، فكان تأثيره على السياسة خطيرا جدا وجهها وجهة جديدة، فأربك بتؤدته وثباته وبعد نظرته، ودقيق معرفته بالتخطيط السياسي، العملاقين العالمين ووضعهما أمام كثير من العقبات التي تحفظ أمتنا من خطرهما وطوى صفحة قائمة في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة العالمية وفتح صفحة جديدة لم تكن بحسبان عماليق السياسة.
أما الحديث عن مؤتمر القمة العربي السابع في الرباط وآثاره فذاك له شأن آخر، ولكني أقول: إن النتائج الباهرة التي حققها لم تكن سطحية الجذور، قريبة الغور، وليدة يوم وليلة، بل إنها تضرب أوتادها في أعماق التاريخ الإسلامي، وتسير بجانب السياسة الخارجية للملك الحسن الثاني وفقه الله الذي يقول الكلمة المناسبة في وقتها المناسب، فتجد التأييد والرضى من الجميع، وما هو إلا من نتائج مؤتمر القمة الإسلامي الأول، ومؤتمر القمة الإفريقي، حفظ الله أمير المؤمنين لهذه الأمة الإسلامية، وللشعوب المستضعفة يقودها نحو السيادة ولتأخذ مكانها الصحيح في إنسانية الإنسان، وليعيد الكرة للإسلام وسلطانه ومكانه (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكره المشركون).
                                                ـ 2 ـ
ولقد ظهر في آفاق السياسة الدولية اتجاهات متعددة تتفق تارة وتختلف تارة أخرى، ويبرز من خلال هذه الاتجاهات خطان واضحان:
1 ـ تعاظم الدعوة إلى الوفاق، والسعي في سبل الوئام لحل المشاكل والأحداث، خصوصا مخلفات عهود السيطرة الاستعمارية، والنزعة الحربية، وتصفية ركام العلاقات الدولية المتوترة التي خلفتها الحربان العالميتين (ومن الضعيف والقوى حد سواء).
حتى أن هذه الدعوة نزلت إلى ميدان المساومات السياسية في دول المعسكر الرأسمالي كما استخدمت طلاء براقا لنشر الأفكار الماركسية في بلدان العالم الثالث وغيره من قبل المعسكر الشيوعي، وهذا أوضح دليل على أن اهتمام الشعوب في شتى بقاع الأرض بالسلام ومؤيداته ووسائله في تزايد وتصاعد، وكأني أشعر أن اليوم الذي يخلد فيه ذكرى أوائل الهاربين الأمريكان من حرب الفيتنام وغيرها أو الرافضين الذهاب إلى ساحة المعركة، وكذلك الضباط الروس الفارون خارج الستار الحديدي يحملون معهم عميق أسرار الصناعة العسكرية المدمرة لكشفها للعالم، أشعر أن فجر ذاك اليوم قريب، وعندها سيحملون أكاليل الغار ويدخل هؤلاء وأولئك سجل الأبطال السلام في تاريخ البشرية الحديث، لأنهم بحق أول من تمرد على نزعة البطش والطغيان وأن عملهم هذا حفر أخدودا في الفكر الاجتماعي والرأي العام الدولي لأن أمل الإنسان السوي أن يعيش باطمئنان وسلام.
ولقد تكررت في السنوات الأخيرة اللقاءات بين الدول العظمى في هلسنكي وغيرها على مائدة الوفاق ونزع السلاح وجرت المفاوضات العديدة التي ماتزال مستمرة ولما تسفر بعد عن شيء عملي.
ولا يخفى على متتبع للأحداث أن تخفيض القوات في وسك أوربا مثلا كان موضع بحث طويل ومناقشات شائكة، ولئن توصل الخصوم على ذلك فهل حققت أو أزيلت! أو هل بالإمكان أن تخفض في المستقبل القريب!
كما أن هناك أصقاعا في أطراف الأرض مازالت تعاني قسوة المستعمر الذي يدعي أنه وصي السلام الحديث، والمؤتمن على السعادة البشرية فهي معه في جلاد وقتال وركبت متن الخطر. وعرضت أرواح بنيها وشبابها للتفتيل والتنكيل ـ ولها أن تختار ما تشاء ـ لكن رفع الحيف، واسترداد الحقوق لم يتعين بطريق واحدة هي سفك الدماء وإزهاق الأرواح. بل هي طريق العقل، ولا يجدي التفكير، ونسأل الآن: أما أن للإنسانية الرشيدة!! التي استنارت ـ كما تقول ـ بالعلم واهتدت بالمعرفة، وتسلحت بالمناهج الحديثة أن تستفيد من ذلك كله فيتنازل الظالم عن ظلمه، ويسعى المظلوم إلى حقه بالثبات والحكمة؟! ويدرج الجانبان في بحبوحة السلام والطمأنينة وفي ظلال الأخوة والتعاون؟! وتطوى بذلك صفحات دامية قانية لاتزال اطرافها منشورة؟ كل عاقل يجيب بنعم!
وإننا نقول بكل إنصاف محفوف بالفخر والاعتزاز: أن البلد الأول في العالم الذي طالب بحقه جادا، وسلم سبل السلام والوئام هو «المغرب»، وما نهج هذه السبيل عن عجز وضعة، بل عن إيمان بالحق والكرامة الإنسانية وتعلق بالمثل العليا الإسلامية ـ وذلك حين أبز ما يجول بخاطر الشعوب ويستأثر باهتماماتها مثالا واقعيا كان الكثير يحسبه وهما وخيالا «فانبلج صبح المسيرة الحنسية الخضراء من فجاجه ووهاده» محققة ما يعجز عن تحقيقه دوي المدافع وفرقعة القنابل وقصف الطائرات، وهدير المدرعان.
ونقلت فكرة السلام «بتصميم وعزيمة» وأصبحت مشاهدة ملموسة، فتهافت الناس عليها من كل حدب وصوب، وغدت نبراسا هاديا وقبسا منيرا، وخفقت لها القلوب، وانتشت بشذاها الأرواح وذابت بجانبها. وبشعاعها وسناها الغوغئيات الجوفاء، وانكشفت عوار الأفكار الرعناء التي تعرف الهدم ولا تهتدئ للبناء، وتحسن التخريب ولا تعرف الوفاء!!
وليس عبثا أن تحظى المسيرة باهتمام كافة طبقات الناس على اختلاف أجناسهم وأصقاعهم ونحلهم وأديانهم. لأنها تصادف في قلوب الجميع مشاعر أصيلة وغرائز عميقة.
ولقد كانت أعظم خطوة قلبت مفاهيم الحرب في العصر الحديث، ولنا أن نقول كأي شاهد على أحداث العصر: «وانتصر الإسلام في السادس من نوفمبر 1975» وتلتها خطوة لا تقل عنها بل تستتبعها وتلازمها وتؤكدها، ألا وهي تحويل آلات الحرب والدمار من ميادين القتال إلى ساحات الأعمار والازدهار، فالإنسانية تقطع جزءا غير قليل من أقواتها للحرب وأدواته ـ أنظر ميزانيات جميع الدول ـ، ومن أخطر ما توصل إليه الإنسان. وأغلاه ثمنا، وأكبره كلفة السلاح النووي الرهيب، وسعي الدول جميعها غنيها وفقيرها... إلى خزنه والحصول عليه. فأقدم المغرب على أعقل خطة في تاريخ القوة والإنتاج الحربي حينما أعلن جلالة الملك عن عزم المغرب على تملك هذه القوة النووية، ولكن... لتكون في ميادين الإنماء والبناء وقدم خطته المعروفة إلى المنتظم الدولي الذي تلقاها بإعجاب وإذعان فأصل لهم بذلك في خضم البحر الهائج العاتي طريقا يبسا يسلكونه براحة وأمان. ولنا كبير الأمل أن يتنادى عقلاء البشرية لولوجه ففيه نجاتهم لأن كلمة الخالق، وشهادة التاريخ تؤكدان الحكمة الباقية «على الباغي تدور الدوائر».
2 ـ وأما الخط الآخر فيتجلى واضحا جليا ببروز الكتلة الدولية الثالثة التي تتكون من العالم الإسلامي، والقارة الإفريقية، أو ما يسمونه شعوب العالم الثالث فلقد أصبحت هذه الكتلة حقيقة موجودة ـ مع التذكير بأن كثيرا من الحقائق قد لا يعمل به أحيانا ـ فلرأيها الأثر الكبير في الأحداث الدولية سياسية كانت أم اقتصادية وأصبحت تضغط بقوة على الكتلتين الكبيرتين فضلا عن إحداهما، وترضخهما للكثير من مطالبها خصوصا عندما تكون كلمة دول هذه الكتلة متحدة متفقة، لذلك نرى كلتا الكتلتين تعملان باتفاق أحيانا وبانفراد أحيانا لتفريق الكلمة، ونشر الضباب في طريق رؤية المستقبل وزرع التناحر والتداحر، وكم من مرة خرجت بعض الدول الكبرى عن رزانة الذئب المتربص، وتخطت إطار اللياقة الدبلوماسية نتيجة وقوف بعض دول الكتلة الثالثة في وجهها مطالبة بحقها!!
وإن هذه الكتلة التي تسفر عن وجهها يوما بعد يوم كانت تحمل أعظم نفس من رباط الفتح من عبق المؤتمرات التي أشرت إليها سابقا، ولولا إغراق البعض وهبوطهم إلى مستوى المساومات والمزايدات لكان من الممكن أن ينقلب سير التاريخ رأسا على عقب.
كما أن المؤتمرات التي دعا إليها جلالة الملك أو عقدت في المغرب كانت تنطلق من مبادئ إنسانية عامة لا من اعتبارات شخصية فردية، وشتان شتان بين المنطلقين، ولهذا فستبقى آثارها بعيدة ورؤاها المستقبلية مديدة، وان ما حصلت هذه الكتلة من مكاسب وما ستحصله في المستقبل مدين في غالبه إلى حكمة جلالة الملك وسديد فكره.
ولأي مثقف أن ينظر اتجاه السياسة الدولية في الستينات وما قبلها وينظر إليها ليتبين له كيف أصبحت وجهتها الآن ويتوقع المستقبل على ضوء ذلك؟!!
وأدعو الله عز وجل أن يوفق جلالة الملك الحسن الثاني لمتابعة خطواته الناجحة الآخذة بيد الأمة الإسلامية من كبوتها، وأن يلم به شعتها ويرفع عمادها، ويعيد لها أمجادها إنه سميع مجيب.

I مجلة التايمز اللندنية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here