islamaumaroc

نضال المغرب الدبلوماسي من أجل مركز للصيد

  دعوة الحق

174 العدد

بالرغم من أن الصحراء المغربية تعد منطلقا لأحداث جسام في تاريخ المغرب وتطوره فالدراسات الجادة والهادفة حولها لا تزال ضئيلة محدودة جلها كتابات عابرة تصف سفرا أو اتصالات بهذه البيئة أو تلك، ومن البيئات القبلية التي تعمر هذه المنطقة الشائعة. فجل الدراسات أذا كتبها أجانب أغلبهم له ارتباط أو هدف سياسي.
وأن الذي يعود إلى الوثائق التي لم يسبق نشرها حول المناطق الصحراوية والتي تعد فريدة في نشرها حول المناطق الصحراوية والتي تعد فريدة في أهميتها ومحتواها ليعجب من هذا التشبث المستمر بحق المغرب في ترابه المغتصب والذي يبرز جليا من تنايا هذه الوثائق التي يطلع عليها القارئ الكريم في هذه الدراسة، فلم يكن دفاع المغرب عن مراكزه النائية وليد الساعة ولا الصدفة ولا المصلحة، وإنما هو دفاع يوضع في نفس مستوى الدفاع عن أي مدينة داخلية كفاس أو الرباط أو الدارالبيضاء، أي أن هناك إطار جغرافيا لهذه البلاد لا ينتهي إلا حيث يبدأ شخصية جغرافية أخرى بكل مقوماتها الوطنية والتاريخية.
على أن المراكز الساحلية المغربية تعتبر أول حلقة في سلسلة الفتوحات التي قام بها كل من البرتغال والاسبان عبر السواحل العالمية.
وبالرجوع إلى أحداث التاريخ نجد أول محاولة للتدخل في التراب المغربي من قبل الدولتين تبتدئ من عهد  المرينيين، وبالذات من عهد يعقوب المنصور المريني حيث حاولت مجموعة من الإسبان الذين رست مراكبهم بصورة مفاجئة بميناء سلا، ثم اتفقوا مع بعض التجار المسيحيين المتواطئين في عين المكان على الانقضاض على المسلمين وهم يؤون صلاة الجمعة في المجسد الجامع. لكن لحسن الحظ تم إحباط المكيدة على الفور .
ولما كانت سبتة أول مدينة تتجه إليها عادة أطماع الغزاة من الخارج، بالإضافة إلى أنها أقرب مركز مغربي إلى التراب الايبيري فقد استغل البرتغال الفرصة للاستيلاء عليها سنة 818 / 1415 في الوقت الذي كانت الدولة المرينية قد أصبحت تعاني من الضعف والأزمات ما منع بني مرين من رد الهجوم البرتغالي عليها.
واستولى البرتغال بالتوالي على عدد من المراكز الساحلية الأخرى ومنها:
- قصر الجواز ( القصر الصغير) سنة 1458م
- أنفا 1468
- أصيلا 1471
- أكادير 1505
- أسفي 1508.
- أزمور 1513
- البريجة ( الجديدة ) 1514
- حلق الوادي ( المعمورة أو المهدية)1515
ولم يكن الاحتلال البرتغالي ولا لاسباني للشواطئ المغربي ليمر دون رد شديد وصامد من السلطة المركزية الممثلة في الوطاسيين والمقاومة الشعبية التي تولى كبرها جماعة من الصلحاء والصوفية وسائر الأطراف الوطنية، وكل هذا في الوقت الذي كان المغرب يعاني فيه من التمزق والتفكك السياسي ما زاد من طمع الاسبان والبرتغال فيه، وتدل الفترة الطويلة التي قضاها التدخل المزدوج المذكور، على مدى أهمية الكفاح الذي خاضه المغرب من أجل الدفاع عن ترابه جزءا جزءا.
ولن نعالج هنا مراحل المقاومة المغربية على الصعيد الرسمي والشعبي لهذا التمركز المتسلسل، لأن ذلك يحتاج إلى حيز أضخم من هذه الدراسة  التي نركزها فقط حول نقطة معينة كثر حولها الخلاف بين اسبانيا والمغرب وتردد الرسل طويلا من الجانبين بشأنها وأثارت مع هذا كبير اهتمام في دوائر الحكومتين المتنازعتين إلى سنة 1934 .
ويتعلق الأمر بمركز ساحلي للصيد ادعت اسبانيا ملكيته وحدث خلاف الأمد حول اسمه ومكانه الضبط. وكان الاسبان والبرتغال قد احتلوا هذا المركز وبنوا به برجا سنة 1476 وبقي إلى 1524  حين استعاد السعديون المنطقة، لكن البرج اختفى بعد ذلك ولم يعثر على مكانه، وكان شاطئ وادي نون، أو قرب أكادير حسب ادعاءات السلطة الاسبانية أحيانا.

المعاهدات:

في عهد محمد الثالث عقدت معاهدة بين المغرب  واسبانيا بتاريخ 28 مايو1767 وهي تتعلق بالأمن والعلاقات التجارية، وبموجبها بتنازل المغرب لاسبانيا عن حق الصيد في المياه الإقليمية ابتداء من «سانتا كروز» شمالا. وفي عهد مولاي سليمان جددت هذه المعاهدة سنة 1977، لكن لا يوجد في المعاهدتين ما ينص على تنازل ترابي. وفي عهد محمد الرابع انتزعت اسبانيا من المغرب بناء على اتفاقية تطوان 1860 حق الحصول على مركز للصيد  بما يسمى «لا سانتا كروز لا بيكينيا» على أن يقوم الطرفان بتحديد المنطقة بواسطة ممثليهما.
وكان الاسبان قد بنوا  في الوقت سابق، بناء على المعاهدات الماضية مركزا في «سانتا كروز» المذكورة، وكانت بريطانيا تخشى أن تضع اسبانيا أقدامها في أكادير فيؤدي ذلك إلى تغلغلها في التراب المغربي شيئا فشيئا، حتى طلبت رسميا على لسان سفيرها بمدريد أن يتم التأكيد من طرف الدولة المغربية على أن الأمر لا يتعلق مطلقا بأكادير. كما أن  السر « هاي» الذي يتظاهر بالصداقة للحكومة المغربية أنهم الاسبان بأنهم حاولوا أن يحدثوا الخلط بين «سانتا كروز لا بيكينيا» وسانتا كروز أكادير (أي أكادير كما كان يسميها البرتغال)، ذلك أن عدة مراكز شاطئية بالجنوب حملت اسم «سانتا كروز» .
وهكذا أصبحت نوايا الاسبان لا أن يحصلوا على مجرد مركز بسيط للصيد، بل:
1- أن يكون المركز تجاريا وفي ذلك تضييق  بالاقتصاد الوطني.
2- أن يكون استراتيجيا يسمح بتحويله إلى ميناء عسكري حقيقي.
3- أن يكون قريبا أكثر ما يمكن من منطقة العمران شمالا لإعداد خطة للتغلغل العسكري.
لكن الحكومة المغربية أمام ضغط الأحداث وأمام التكالب على ثروات المغرب وترابه من قبل عدد من الدول الطامعة بما فيها اسبانيا، لم تريد من الاستناد بشكل مستمر إلى الوسائل الدبلوماسية سواء في علاقاتها الثنائية مع اسبانيا أوفي علاقاتها الدولية مع سائر الأطراف التي تهتم بقضية المغرب.

موقع « سانتا كروز لا بيكينيا »:
قبل أن نشرع في تحديد مراحل الخلاف حول المركز الذي أشارت إليه معاهدة 1860 دون تحديد دقيق نعود إلى التأكيد هنا بأن التفاوض من الجانب الاسباني  بدا على أساس مركز كان به ما يشبه برجا اسبانيا فيما مضى ثم لم يبق من هذا البرج إلا آثار سفلية تختفي عند مد الرمال وتنكشف عند جزرها.
على أن مكان هذا المركز المحتمل حول أكويدير. 
(تصغير أكادير، لأنه مجرد حصن صغير) وهو يقع عند مدخل مضيق صغير حول منطقة خنيفيس فيما بين طرفاية وطنطان. وقد تعرفت بعثة من المعهد الجغرافي المغربي على هذا البرج أو بقاياه على الأصح في أبريل 1962 وهو مربع الأركان يبلغ عرض كل من جوانبه 8.30 م وعرض جدرانه حوالي مترين، وكان الصعود إلى أعلاه بواسطة سلم حجري، ويبلغ ارتفاع البرج ما بين أربعة أمتار وخمسة. وقد أقيم هذا البناء من الحجر الصلب المنحوت.
وقد كان اكتشاف المكان بمساهمة أستاذ فرنسي سابق بمعهد العلوم الاجتماعية هو يول باسكـــون Paul Pascon الذي ضمن نتائج أبحاثه دراسة صغيرة بعنوان «أطلال أكويدير خنيفيس».
وقد أعتقد هذا الأستاذ نظرا للاسم المصغر الذي أطلق على البرج «أكويدير» أنه يمكن أن يكون هناك حصنان أو أن هذا الحصن الصغير أقيم مقام حصن  كبير. والواقع أن لفظ التصغير أطلق على عدة أبراج من هذا النوع فلا مجال إذا للافتراض على هذا الأساس، وإنما البناء صغير فأخذ أسما مصغرا؛ ومع هذا فلا مانع من قبول وجود حصنين في المنطقة، أحدهما أكبر من هذا الذي نتحدث عنه.
أن المنطقة التي يوجد بها هذا الأثر لا تخلو من مزايا سياحية فضلا عن ثروتها السمكية التي أغرت الاسبان مدة بضعة قرون حتى شق عليهم بعد استقلال المغرب أن يتخلوا عن الصيد بها خصوصا وهي بعيدة عن مناطق التلوث. ومنذ معاهدة تطوان 1860 تهافت على المنطقة عدد كبير من السفن والتجار فيهم فرنسيون واسبان وبرتغال وانجليز وبلجيكيون. وبعضهم كالكومندان جونيس تعرف بالفعل على حصنين أحدهما شمال فم أكويدير والثاني جنوباً.
فهل المكان الذي يوجد به برج «أكويدير» هو المقصود «بسانتا كروز لا بيكينيا» والذي أشارت إليه معاهدة تطوان؟ هذا ما تعالجه فيما يلي:

قضية تحديد « سانتاكروز لا بيكينيا» ومضاعفاتها.
بالرغم من أن المغرب قبل مكرها، على إثر معاهدة تطوان، التنازل عن مركز للصيد لاسبانيا، فقد فضل التريث في تطبيق البند الثامن المتعلق بهذه القضية حيث عرض على الحكومة الاسبانية مبلغ  ثلاثة ملايين ريال سنة 1862 كتعويض عن المركز المذكور حتى لا يضيع للمغرب مزيد من الأراضي المغتصبة. وقد رفضت اسبانيا هذا العرض، وطالبت بتطبيق نص اتفاقية تطوان، وحينئذ، عرض المخزن على الحكومة الاسبانية أقامة مركز للصيد يرأس كبداية الواقع في اتجاه الجزر الجعفرية التي اغتصبتها اسبانيا أيضا سنة 1848. 
ومرة أخرى رفضت الحكومة الاسبانية العرض الجديد متشبثة  بتطبيق معاهدة تطوان، وهكذا عينت لجنة مغربية اسبانية للتحقيق من المكان الذي تطالب به اسبانيا، وأبحرت اللجنة من الصويرة سنة 1877 تم بدأت تحرياتها فيما بين أكادير ورأس أخفنير دون أن تعثر على المركز القديم الذي كان به حصن ورد الحديث عنه سابقا. وكانت السلطة المغربية تؤكد أن الحصن يوجد فيها وراء رأس أخفنير جنوبا بينما تؤكد السلطات الاسبانية أنه يقع  أبعد شمالا.
وفي سنة 1878 أوفدت لجنة ثانية على ظهر باخرة انطلقت من الصويرة. وبحث الوفد الاسباني بدقة حتى عثر حصن قديم بإيفني فقرر أن هذا هو المركز البحري القديم الذي كان يستعمله الاسبان قديما، وانتهزوا فرصة وجودهم في عين المكان، وانتزعوا منك اعتراف من أحد رؤساء القبائل المحلية بأن المكان المذكور هو الذي استعمله الاسبان سابقا ! واستصدروا من هذا الشخص تصريحا بالتنازل لهم عن جزء من المنطقة ليستغلوها ميناء تجاريا، وكل هذا على مرأى ومسمع من ممثلي السلطة المركزية الذين لم يقبلوا بطبيعة الحال هذه الطريقة في التعامل بين دولتين.
وفي سنة 1297 / 1879 طالبت الاسبان القاطنون في كناريا بتطبيق الاتفاقية بشأن سانتا كروز وأحدثوا شغبا من أجل ذلك أشارت إليه الوثيقة المغربية الآتية:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله أدام لله وحده العز والنصر والتمكين والتأييد والفتح المبين لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين، ابن سيدنا ومولانا المؤمنين.
بعد تقبيل حاشية البساط الشريف، وأداء ما يجب لمولانا من( التعظيم؟) والتشريف، ينهي  لكريم على سيدنا أيده الله ونصره أن باشادور الصينيون كتب له وزير(؟) يخبره بأن جزر كلانيا المقابلة لوادي نون: كثر فيها الهرج واللغط على الدولة بسبب ( ! ؟ ) عن مكينسي النجليزي النازل هناك: ويطلبون وفاء الشرط الثامن والدولة لم تدر ما تجيبهم لأنها تحب المحافظة على محبة المغرب بجميع ما يمكنها. وأن أراد سيدنا أيده الله قطع الشرط فيوجه أعزه الله من يتكلم معهم في شأن ذلك ليجيدوا ما لا يجيبون به.
وذكر الباشا دور المذكور أنه تكلم مع خديم سيدنا الحاج عبد الكريم بريشة. ليبلغ كلامه في هذه القضية، وأنه لم يرد له جواب: فيطلب التعجيل نما يظهر لسيادة مولانا أعزه الله ليعرفوا ما يجيبون به ؟ للرعية ولا هل الجزر المشار إليها، طالبا من مولانا رضاه والسلام.
في 9 رمضان المعظم عام
1297 خديم سيدنا أعزه الله محمد بركاش
 لطف الله به
وتؤكد هذه الوثيقة:
1- أن الانجليز حاولوا بكل الوسائل الدبلوماسية أن يؤجلوا ما أمكن تمكين الاسبان من مركز ساحلي في الجنوب حيث كان« مكينسي» بتتبع تحركاتهم بهذا الصدد.
2- رغبة السلطان ومساعديه في عدم الالتزام بشرط كان قبوله تحت الضغط والإكراه، سيما والأمر يتعلق بتنازل ترابي مهما تدنت قيمته.
وفد توصل محمد بركاش بجواب السلطان يخبره فيه أنه سيعين ممثلا عنه لمفاوضة السفير الاسباني بطنجة. ثم يستشيره في تعيين بريشة.
وقد حبك بركاش تعيين بريشة على أن يفاوض وزارة الخارجية الاسبانية رأسا. إذا تعذر الاتفاق بينه وبين السفير الاسباني. وفيما يلي نص مراسلة بركاش إلى القصر الملكي بهذا الشأن:
الحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه
أدام الله العز والنصر والتمكين، والظفر والتأييد. والفتح المبين لسيدنا ومولانا أمير المؤمنين. ابن سيدنا أمير المؤمنين.
بعد تقبيل حاشية البساط الشريف، وأداء ما يجب من الإجلال والتشريف ينهي لكريم علم سيدنا أعزه الله أنه وصلنا كتابه الشريف أسماه الله، جوابا عما كتبنا لسيادته أدام الله علاه، في شأن الهرج الواقع بجزر كلانية بسبب مكينسي النجليزي وفي شأن الشرط الثامن مع الصينيون.
وذكر مولانا أيده الله، أنه في الاثر، يرد علينا من يتكلم في قطعه مع الباشدور،  وأمرني مولانا أيده الله أن نشير هل يوجه رجل آخر غير بريشة، لكونه حديث عهد بالورود من هنالك، أو يوجه هو ولو كذلك.
فيعلم مولانا أدام الله علاه أنه ظهر لي أن توجيه بريشة أفضل لكونه له معرفة بأناس بمدريد من جانب المخزن. وقد استشرت مع الباشدور في شأنه، فأشار بأن توجيهه أفضل. بحيث إذا لم يقع اتفاق بينه وبين الباشدور في ذلك. فيتوجه بنفسه لمدريد، ليقطع ذلك هناك. وهم في ضيق كبير مع الرعية لكثرة الكلام فيهم في الكوازيط ( الجرائد)
وأطلعنا علم سيدنا أعزه الله بما ظهر لنا وما ظهر للباشدور، ونظر سيدنا أوسع. طالبا من مولانا رضاه. والسلام.
وفي 26 شوال الأبرك عام 1297
خديم سيدنا أعزه الله
محمد بركاش. لطف الله به
أما مكينسي المشار إليه في هذه الوثيقة فهو شخص انجليزي كان يعمل لصالح الطرف البريطاني ويتظاهر بالنصح للحكومة المغربية. وكان يهم الحكومة البريطانية أن لا تحصل اسبانيا في الجنوب على أية امتيازات تقرها الحكومة المغربية على الأقل.
ومنذ هذا التاريخ تكونت وفود عديدة وجرت مساع متوصلة بشأن التعرف على منطقة سانتا كروز دي مار بيكينيا. وهكذا ففي سنة 1301 / 1883 تكون وفدان مشتركان عن اسبانيا والمغرب لا تعرف على المكان، وكان الوفد المغربي برئاسة مولاي أحمد البلغيثي. والوفد الاسباني بإشراف دون بيدرو دي الكسيليو، ولكن الباخرة التي طافت بسواحل السوس لم تتمكن من الرسو بمرسى«أكويدير الرجيلة» الواقع ببلاد تكنة، والذي أكد الخبراء .
المغاربة فيما بعد أنه هو المكان الذي اتخذه الاسبان فيما قبل مركزا للصيد.
ويبدو أن السلطان الحسن الأول كان حريصا على أن لا يتمكن بأية حال من الحصول على مركز في منطقة إستراتيجية قد يدعو أنه هو موضع بحثهم ولذلك كانت أوامره صارمة  للوفد المغربي حيث يقول كاتبه الخاص على لسانه:
«... واما ما طلبوه من أنهم إذا عينوا محلا غير أكويدير الرجيلة تحوزوه لهم فيأمركم مولانا أعزه الله أن لا تساعدوهم عليه إلا كان أعلى من أكويدير المذكور لناحية الطرفايا حسبما أجيبنوهم به. وإما إذا كان أدنى منه لناحية أصاكا فلا».
والحقيقة أن اسبانيا  لم تعد تقبل أن تكون لها منطقة صغيرة ولا شبه جرداء كهذا الموقع الذي أنبت المغاربة أنه هو الموضع الذي نصت معاهدة 1860 على التنازل عنه. ومن أجل ذلك كانت تذره بالحاج الصيادين الاسبان وأرباب بواخر الصيد بالخالدات لتقوم بعمل عسكري حقيقي في منطقة الجنوب الغربي بما فيها الصحراء. وهذه رسالة كتبت باسم السلطان إلى وزيره محمد بن العربي بن المختار؛ وهي تثبت مدى تتبع المغرب بدقة، لما كان يجري من تحركات معادية للسيدة المغربية:
« الحمد لله وحد وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه سيدنا، الفقيه الأجل الأمجد، وزير مولانا الأرضي سيدي محمد العربي بن العربي المختار، حفظك الله وسلام الله عليك ورحمة الله، عن خير مولانا دامت سعادته أيده الله ونصره
وبعد، فأنهي لسيادتك، أن يوم الخميس ورد مركب حربي اصبانيولي فيه كبير جزائر كنريه، أخبرنا بعض الصبانيوليين هنا أنه كان في قادس يتكلم مع وزير الأمور الخارجية عندهم، أما مشافهة أو في سلك التيلغراف عن هذه القضية وأمضى معه ما يكون فيها، كذا قبل.....
وهؤلاء سكان الكنرية مجون في إتمام هذا  الأمر ولو بالحرب حسبما يظهر لنا من أحولهم، بل قبل لنا أنهم أراحو دولتهم» من هذه القضية والتزموا القيام بها بأنفسهم وقوتهم، رد الله كيدهم في نحرهم، ووجب اعلام سيادتك بهذا ولو كان من فضول الكلام. وعلى الخدمة الشريفة والسلام.
في 11 رجب الفرد عام 1300
أحمد بن عبد الله الصويري لطف الله به»
واحمد الصويري هذا كان كبير المهندسين وقائد المدفعية (الطبجية)
ولما كانت اسبانيا قد يئست من احتلال أكادير التي ادعت في بعض الفترات أنها المقصودة بسانتاكروز دي مار بيكينيا) فقد تحولت إلى المطالبة بايفني عوضها لأن ألمانيا أبدت معارضتها أيضا للوجود الإسباني في أكادير. غير أنها لم تحظ في النهاية بشيء من مولاي الحسن. وما كاد السلطان مولاي عبد الحفيظ يستقر بعاصمة ملكه حتى كانت الأحوال قد بلغت من التردي مبلغا خطيرا بالشمال والجنوب فقد احتلت القوات الإسبانية العرائش والقصر الكبير، وظلت في الوقت ذاته تطالب «دبلوماسيا» بايفني، فرفض السلطان بشدة موقف إسبانيا وأعلن استنكاره أمام الدول الأوربية التي تملصت من الأمر باعتبار انه يهم الجانب المغربي والإسباني لا غير. وجاء في رسالة باسم السلطان مولاي عبد الحفيظ إلى نائبه محمد الجباص، بطنجة:
«... لا أحد من الناس مطلقا تسمح همته بالسكوت عن الكلام في حقوقه وتركها لحيز الضياع والإهمال، أو تساعده قواعد الإنسانية على تحمل الاعتداءات التي يحسبها فاعلها حقوقا»
وكل هذه الإجراءات الدبلوماسية كانت تجري في الوقت الذي يمارس فيها الإسبان الصيد فعلا بسانتا كروز دي ما بيكينيا من زمن  بعيد ولكنهم كانوا يبحثون في الواقع عن مركز أكثر أمنا على ما كانوا يظنون، فإن سكان الصحراء الغربية والسواحل السوسية لم يسلموا قط شبرا من تراب بلادهم على الرغم من بعض الخيانات الفردية التي لم تكن تجدي نفعا أمام المواجهة الوطنية الصارمة والموقف الحكومي الصلب.
وقد عرض السلطان الحسن الأول على الحكومة الإسبانية ابتداء من سنة 1831 أن تؤدي حكومته تعويضات لإسبانيا لتنسحب نهائيا من ميناء سانتاكروز ( دي مار بيكينيا)، وتجدد هذا العرض عدة مرات مع تأكيد الملك المغربي حق بلاده في السيادة على ترابها المغتصب(1).
وقد تلقى الحسن الأول عرضا من بريطانيا سنة 1871 بفتح ميناء جديد بأكادير(2) ثم تجدد نفس العرض في سنوات 1874، 1876،1878،1879 .
وفي سنة 1881 قبل المغرب افتتاح هذا الميناء الذي عرف المخزن كيف ستغله تجاريا وعسكريا.
وكان على مولاي الحسن أن يقبل عرضا جديدا لفتح ميناء أبعد جنوبا على شاطئ الأطلس حتى يؤكد سيادته على الاجزاء النائية من البلاد والتي هي موضع أطماع بعض الدول الأجنبية. وكان هذا العرض مرة أخرى من بريطانيا. وقد رأى مولاي الحسن أن يستغل هذا التنافس خصوصا بين بريطانيا وفرنسا لضمان سيادته على الأجزاء المذكورة، حيث تتعذر لضمان سيادته على الأجزاء المذكورة، حيث تتعذر المواصلات ولا يجد السكان وسيلة ملائمة للتبادل التجاري في عين المكان. وكان الميناء الجديد هو (أساكا) على وادي أقشاكا الفاصل بين منطقتي سوس ولون. ولكن الواقع أن كد ميناءي أكادير  وأساكا كان عليهما أن يؤديا قبل كل شيء مهمات عسكرية من شأنها مراقبة تحركات السفن الأجنبية والعناصر الداخلية التي يمكن أن تخضع لتهديد أو إغراء الأجانب. ولحسن الحظ لم يكن هناك حاجة في الواقع لحملات داخلية لأن الزعماء الشعبيين تسارعوا إلى إعلان ولائهم للسلطان تلقائيا، سنة 1882 بل أكدوا رغبتهم في صد كل هجوم خارجي محتمل.
ثم كانت الحركة الثانية سنة 1886 والتي سار فيها السلطان الحسن الأول على رأس جيش يبلغ أربعين ألف مقاتل(3) .
ولقد سارت هذه القوة نحو تزنيت دون أن يكون هناك أي اعتراض لها، وكان لها أثر معنوي لا في إقرار هيبة السلطان في سوس وما وراء سوس فحسب، بل حيال الدول الأوربية التي يراقب ممثلوها في الصويرة كل شاذة وفلذة في تطورات السياسة المغربية أيضا.  وهكذا أحداث السلطان مراكز حراسة عسكرية في كل من تزنيت وأساكا  وكوليمين وقصبة باعمران، ووضع بذلك حدا  لإجماع الدول الأوربية لا مد طويل، ذلك لأن اسبانيا كانت تدعي أن مركز الصيد الذي كانت تريد استعادته يقع بقرب أكادير. ومن ثم بدأت مطالبها تتخذ صورة الجشع إلى تملك أكادير التي طالبت بها رسميا سنة 1877. وبعد أن استنفذ السلطان الحسن الأول جهوده الدبلوماسية معلنا منذ سنة 1880 أنه يؤكد سيادته على الأراضي الجنوبية الغربية  لجأ إلى الاستعداد للطوارئ كما مر.
 أما ما حصل في منطقة الصحراء الغربية في هذه الفترة وبعدها إلى إقرار الحماية الاسبانية تقريبا فقد تمسكت بسيادة  السلطان المغربي وأعلنت ولاءها على لسان زعمائها لا سيما ماء العينين وابنه أحمد الهيبة الذي جاهد الفرنسيين  والاسبان معا حتى وفاته عام 1910 ، بينما لم يتمكن الاسبان من احتلال إيفني إلا سنة 1934 بعد نضال مستميت أبداه سكان المنطقة الذين يعد صمودهم هذا مثالا للبسالة والوطنية، والذي يتفق تماما مع الموقف  الرسمي والوطني للدولة.

1 – 345 – 344 ،3 Miège, le Maroc et l’Europe ,
2 – نفس المصدر، ص 346
3 – نفس المصدر، ص 353 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here