islamaumaroc

الدولة العلوية وعنايتها بالحديث الشريف

  دعوة الحق

174 العدد

الدولة المغربية دولة إسلامية تقوم على أساس ديني منذ قامت وتأسست على يد مؤسسها المولى ادريس بن عبد الله حيث فتح المغرب باسم الإسلام وأقام دولته على الإسلام وقد استمر الأمر كذلك حيث ظلت الدولة المغربية قائمة على الكتاب والسنة على توالي الدول والعصور.
ولذلك نجد الدولة العلوية قامت على أساس الدين وحكمت المغرب باسم الإسلام استمرارا لما كان عليه الحال منذ إدريس الفاتح إلى المولى الشريف الذي اشتهر بين الناس بالفضيلة والدين والجهاد في سبيل رب العالمين قبل أن يعلن تأسيس دولته ورفع رايته.
ولم يكد يستقر الأمر للدولة العلوية ويستتب أمنها ونظامها حتى سارعت إلى إرساء قواعد الحكم ونظام الملك على أساس الكتاب والسنة باعتبارهما الأصلين العظيمين الخالدين من أصول الإسلام.

لقد قام نظام الدولة على عهد العلويين على أساس العقيدة الإسلامية الصحيحة وعلى مذهب أهل السنة البعيدة عن الأهواء والفرق والأحزاب حيث سارت أمور الدولة وشؤونها على أساس الكتاب الكريم وهدى السنة النبوية الشريفة وظهر ذلك واضحا في أنظمتها وتشريعاتها وسياستها وجميع خططها.
ولم تقتصر عناية الدولة العلوية على تأسيس الدولة وتسيير شؤون المملكة على هدى الإسلام وتعاليمه بل تعدى ذلك إلى عناية الملوك العلويين وشدة اهتمامهم بنشر السنة وإحياء ما اندثر منها وبرز هذا الاهتمام والنشاط في إحياء عادة تنظيم الدروس التفسيرية والحديثية حيث كانت تعقد المجالس والحلقات سواء بالقصر الملكي وبرئاسة الملك أو في مختلف المساجد الكبرى والجامعات الشهيرة كالقرويين وابن يوسف أو في الزوايا الكبيرة ومختلف الأضرحة خاصة في شهور رجب وشعبان ورمضان.
ولقد كان يحضر هذه المجالس العلماء والأعيان وكبار رجال الدولة فتسرد الأحاديث بصوت رخيم جميل حسن وتفتح المناقشات في حديث من الأحاديث المسرودة ليدلي كل عالم برأيه وغالبا ما كان الملك يتدخل ليدلي برأيه في الدروس الحيدثية التي كانت تعقد في حضرته.
كما ظهر هذا الاهتمام والنشاط في نشر كتب السنة وطبعها والعمل على إذاعتها بين الناس وفي إصدار مراسيم وظهائر تدعو المواطنين إلى التمسك بالسنة وتعاليمها ونبذ البدع والخرافات الخارجة عن الدين.
ففي عهد المولى الرشيد بلغ الاهتمام بالسنة وكتبها ومدارسها مداه حيث أسست المدارس لتعليم الكتاب والسنة وانتشرت الخزائن في أنحاء البلاد وعمت المجالس الحديثية الأرجاء، حيث كان يحضر المولى الرشيد بنفسه ويجمع لها العلماء ويشاركهم المناقشة والمناظرة.
 أما المولى اسماعيل العظيم فقد كان أكثر شغفا بالحديث والمحدثين الذين كان يستقدمهم من أطراف المغرب وغيره وكان يكرمهم ويبالغ في إكرامهم إثر كل مجلس حتى أنه كان يصب الماء على أيدي العلماء ويقوم بتوزيع الجوائز عليهم في احتفالات كان يقيمها لهم بالقصر الملكي تكريما وتعظيما.
وقد كانت لديه نسخة ممتازة من صحيح البخاري كتب عليها اسم العبيد الذين اتخذ منهم جيشا وبطانة وقد عقد معهم العهد والميثاق على هذه النسخة وأقسم معهم قسما تاريخيا تضمن تعلقه بالسنة والعمل بها واتخاذها أساسا لحكمه ونظامه وهذا نص القسم مع عبيد البخاري كما سماهم بنفسه:
«أنا وأنتم عبيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرعه المجموع في هذا الكتاب فكل ما أمر به نفعله وكل ما نهلا عنه نتركه وعليه نقاتل» فعاهدوه على ذلك وأمرهم بالاحتفاظ بهذه النسخة وأن يحملوها عند ركوبهم ويقدموها أمام حروبهم ومن تم سموا عبيد البخاري وسرى عليهم لقب البواخر إلى الآن.
أما سيدي محمد بن عبد الله فقد كان عالما محدثا حافظا حيث أقبل بشغف كبير على الحديث وأهله فنظم مجالس الحديث وعين لها أوقاتا مخصوصة واستجلب من الشرق مساند الأئمة الثلاثة واشتغل هو نفسه بدراسة الحديث والتأليف فيه فقد ألف الفتوحات الكبرى والصغرى وكتاب الجامع الصحيح الأسانيد المستخرج من ستة مسانيد كما كلف ثلاثة من العلماء بشرح مشارق الأنوار للقاضي عياض وهم الشيوخ العلماء التاودي بن سودة وعبد القادر بوخريص وادريس العراقي.
وقد بلغ الشيخ التاودي بن سودة في عهده ما لم يبلغه أي محدث غيره من النفوذ والشفوف لديه وهو صاحب كتاب زاد الساري لمطالع البخاري وكتاب شرح صحيح البخاري.
وكذلك استمرت العناية والاهتمام بالحديث والمحدثين على عهد السلطان سليمان حيث نبغ في عهده ثلة كبيرة من العلماء نذكر منهم الشيخ الطيب بن كيران والشيخ أبو الفيض حمدون بن الحاج صاحب كتاب نفحة المسك الداري لقاري صحيح البخاري وكتاب رياض الورد والشيخ عبد القادر بنشقرون والشيخ محمد بنيس.
ومن مظاهر عناية هذا الملك العظيم بكتب السنة أنه سمع بوجود أصل أبي علي الصدفي بطرابلس الغرب عند بعض الناس وذلك بواسطة المحدث الحافظ أبو عبد الله الناصري الذي خوفه من مغبة ضياع هذا الأصل العظيم فاهتم للأمر اهتماما بالغا وكتب في شأنه غير ما مرة ووجه إلى من هو بيده ألف مثقال يشتريه منه.
وفي عهد سيدي محمد بن عبد الرحمان استمرت العناية بالحديث وأهله وكان السلطان يصطحب معه في أسفاره ورحلاته نسخة ابن سعادة ولا تكاد تفارقه.
وعندما فقد من خزانة القرويين الجزء الأول منه اهتم للأمر وكلف من يبحث عن الجزء الضائع ولما لم يحصل على أثر أمر باستنساخ جزء آخر بدله وكلف خطاطا ماهرا بذلك وأصدر ظهيرا شريفا يقول فيه:
«لما كان الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري المنتسخ بخط الحافظ المحدث أبي عمران موسى بن سعادة محبسا بخزانة القرويين ـ عمره الله ـ وضاع من الخمس الأول وبحث عنه أشد البحث فلم يجد أمرنا بانتساخ آخر بدله من نسخة معروفة بفاس بالشيخة من الأصل المذكور وهو هذا المكتوب عليه وألحقناه بباقي أجزاء الأصل المذكور فمن بدل أو غير فالله حسيبه وولي الانتقام منه والسلام في عشرى جمادى الأول عام 1228.
وكذلك استمر الأمر على عهد السلطان الحسن الأول حيث زادت العناية بالحديث والمحدثين واستمرت عادة المجالس الحديثية وظل السلطان يحضرها بنفسه ويستدعي لها العلماء من كل حذب وصوب حتى أنه لما بنى قصره بالرباط كانت أول حفلة أقامها لتدشينه هي مجلس قراءة صحيح البخاري بمحضر العلماء والوزراء ورجال الدولة وقد كان عمل المولى الحسن استقر على ستة وثلاثين درسا خلال الأشهر الثلاثة من كل عام وهي رجب وشعبان ورمضان وذلك طوال مدة ملكه وكانت هذه المجالس الحديثية قائمة مستمرة يقيمها حاضرا ومسافرا وفي ذلك يقول ابن زيدان في الإتحاف:
«وعلى هذا كان العمل جاريا من لدن الدولة الرشيدية إلى أواسط الدولة اليوسفية، وكان من العادة تقديم الطعام للعلماء إثر انتهاء الدرس وفي الختام تلقى القصائد تمجيدا أو تعظيما للمناسبة وفي عهد المولى الحسن أجزلت لهم العطايا والهدايا وزيدت لهم في المبرات».

وفي عهد المولى عبد الحفيظ زادت العناية بالحديث وأهله لكون هذا السلطان كان عالما شغوفا بكتب الحديث وبعلوم السنة واستمر يعقد المجالس والمناظرات ويشارك فيها بنفسه وقد ظهر في عهده محدثون كبار كالشيخ احمد بن الخياط الزكاري والشيخ عبد الكبير الكتاني صاحب كتاب حواش على البخاري والعلامة البطاوري الرباطي وجدنا الشيخ أبو الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني وعمنا الحافظ محمد بن جعفر الكتاني. ومن شدة عنايته بالحديث ونشره في الآفاق أنشأ قراءة صحيح البخاري بالضريح الإدريسي شوق كل يوم وعين لذلك العلماء أمثال القاضي عبد السلام الهواري ومولاي جعفر الكتاني وغيرهما.
وعندما تأسست مطبعة فاس أصدر أمره بتقديم طبع كتب الحديث فطبعت حواش الشيخ التاودي بن سودة وابن زكرى على البخاري والنظم المتناثر لسيدي محمد بن جعفر الكتاني وغير ذلك من كتب الحديث.
وفي عهد محمد الخامس ظلت العناية بالحديث قائمة مسترسلة كما استمرت المجالس الحديثية إلا أنها اقتصرت على شهر رمضان عند صلاة الظهر وكان يرأس هذه المجالس السلطان ويستدعي لها كبار العلماء والمحدثين أمثال الشيخ المدني بن الحسني صاحب كتاب مفتاح الصحيحين وكتاب مقدمة الرعيل لجحفل محمد بن اسماعيل والعلامة محمد الحجوي والعلامة السائح وغيرهم.
وفي عهد الحسن الثاني العظيم ازدهرت السنة وعلومها وزادت العناية بالحديث ولم تبق المجالس الحديثية مقتصرة على شهر رمضان بل تعدتها إلى بقية الشهور حيث أصبح الملك يعقد مجلسا حديثيا شهريا وفي مختلف بلاد المملكة وقد أضفى على هذه المجالس مهابة وجلالة حيث استقدم لها العلماء من مختلف أقطار العالم الإسلامي وهو أول ملوك الدولة العلوية الذي اختص بدرس حديثي مستقل عن العلماء يلقيه بنفسه شأنه في ذلك شأن العلماء.
وقد أكدت هذه الدروس عظمة هذا الملك ومراميه البعيدة كما زاد في أهمية هذه المجالس وروعتها نقلها بمختلف وسائل الإعلام لتكون الفائدة أعم والأثر أشمل.
ومن رعاية الحسن الثاني للحديث وأهله تأسيسه لدار الحديث الحسنية لتكون معهدا عاليا لتدريس السنة وعلومها ولتخريج أفواج من العلماء يحيون سنة الله ويعملون على نشرها وخدمتها وقد كتب الله لي شرف الانتساب إليها والتخرج في أول أفواجها.
وقد أثمرت هذه الدار الكريمة بعدما أصبحت إحدى معالم بلادنا وانتشر ذكرها في شتى بلاد الإسلام حيث تخرج من ربوعها أزيد من مائة وخمسين عالما متخصصا في القرآن وعلومه والسنة وعلومها كما ملأ خريجوها مختلف كلياتنا وجامعاتنا يبثون فيها المعرفة ويفقهون الأجيال الصاعدة بلغتهم ودينهم وتراثهم الأصيل إلا أن هذه الدار في مسيس الحاجة إلى مزيد الرعاية والعناية وتدعيم جهازها الإداري والتعليمي بأطر ممتازة ورعاية خاصة.
وفي هذا العهد الحسني ازدادت العناية والاهتمام بنشر التراث وإحياء كتب السنة حيث قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بطبع كتب التفسير والحديث وتحقيقها ونشرها ومازال النشاط متواليا ومن هذه الكتب القيمة المنشورة المحققة كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض وكتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر وكتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد لعياض والصوارم والأسنة في الذب عن السنة للشيخ المرحوم محمد بن أبي مدين الشنجيطي وكتاب أربعون حديثا في اصطناع المعروف لابن محمد عبد القوي المنذري ومعجم المحدثين والمفسرين والقراء بالمغرب الأقصى للأستاذ عبد العزيز بن عبد الله إلى غير ذلك مما نشر وحقق برعاية الوزارة المذكورة.
ومن مميزات هذا العهد الحسني أن جلالة الملك أخذ يركز في جميع خطبه وندواته وتوجيهاته إلى الأمة على الكتاب والسنة ويتخذهما نبراسا وموجها وأساسا في جميع الأوامر والأعمال التي يصدر عنها، وناهيك بمعجزة القرآن وحدث العصر المسيرة الخضراء فقد اقتبسها من حادث الحديبية ويكفيها فخرا أن شعارها وسلاحها ورمزها كان كتاب الله دستورنا الخالد.
وإني لأرجو الله أن يطيل عمر جلالته ويفسح له في وقته ويزيد مدده وينجح عمله حتى يتابع الدروس الحديثية الشهري التي سنها في مختلف مدن المملكة وذلك لما فيه من الخير العميم والفائدة المرجوة للأجيال الشابة المتعطشة إلى معرفة دينها وتراثها وأصالتها إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here