islamaumaroc

آفاق المغرب الجديد الاختيار المغربي الحديث بين المعجزة والتحدي

  دعوة الحق

174 العدد

تؤكد كل النتائج والدلائل التي يسجلها الملاحظون والمراقبون على اختلاف ميولهم ان كل الخطوات التي نخطوها وجميع المراحل التي نقطعها أو نطويها تثبت ان اختيار المغرب الجديد يتميز بالأسلوب العلمي المحدد الأهداف، والمرامي، والأبعاد.. التي استهدفها في خطواته الأولى التي انطلق منها..
ولا يعني هذا الأسلوب والتحدي أن الأسلوب العلمي كان ينعدم من قبل، ولكن بزوغ العهد الجديد قد اقترن بوضع تخطيط مدقق للخطوات المرسومة التي قطعها المغرب منذ سنة 1956 كظاهرة بارزة في تاريخه الحديث.
وإذا كان هذا الأسلوب أو التحديد قد ارتكز مكرسا كل جهوده وأهدافه ومراميه منذ البداية طبعا لوضع نقط توازن بين مختلف الاتجاهات، وبين أسلوب العمل الذي اختاره هذا العهد مسبقا لضمان الاستقرار، وتكافؤ الفرص، وخلق المواطن المغربي الجديد الحر.. الشاعر بالحرية في أوضح صورها، العامل من أجل حماية هذه الحرية وهذا الأسلوب. فإن هذه الأسس هي الضمان الأساسي للاستمرار من جهة، وحماية الوحدة المغربية من جهة ثانية.
ولقد اقترن ظهور أسلوب التفكير العلمي الجديد في المغرب بظهور:
أولا: تحديد علمي لكل الخطوات التي أصبح المغرب يخطوها في مختلف المجالات التي تنتظره وهو يعدو راكضا نحو اللحاق بأمجاده.. نحو آفاق المستقبل الذي تبدو أمامه، بل للوقوف في صف الدول التي اكتمل نموها للسير إلى الأمام.. ولهذا الجانب نتائج ملموسة.
ثانيا: ثم عندما أخذ المغرب يبلور أعماله العادية في التخطيطات العلمية والتصميمات التي تضمن نجاح الخطوات التي يتطلبها مستقبل المغرب بتحقيق رغباته في تجاوز مراحل النمو والقضاء على التخلف نهائيا.
 وقد بلورت هذه التصميمات والتخطيطات مدى صلاحية الاتجاه الجديد وقدرته على تحقيق الرغبات الشعبية في كثير من المجالات..
ونفس هذا التفكير الواضح هو الذي يبرز الأسلوب العلمي الذي يميز مغرب ما بعد 1962 في المجالات التالية:
1) بلورة التفكير العلمي.
2) حماية التفكير المغربي وخلق أسلوب للتفكير المعاصر، واستهدف هذا العمل، خلق آفاق جديدة وواضحة.
وإذا ما حاولنا أن نستخلص النتائج الأولى من هذه الخطوات، فإننا نقف أمام تجربة واضحة تعمل من أجل تركيز الحرية من جهة، وتجديد التفكير المغربي على أسس ومقومات ليلائم فكر أمة القرآن، ويصور واقعها وحقيقتها في عالم تتضارب فيه حياتها، وواقع الظروف التي تعيشها في عالم اليوم الذي أصبح البون فيه شاسعا بين تفكير الأمة الإسلامية، وواقع التطور الفكري والعلمي العالمي.. مما يصارع شعوبنا بضراوة لجعلها مادة سائغة للاتجاهات والمذاهب المنحرفة التي تستهدف تحويل الاتجاه الإنساني وتقسيم ما يسمى بالعالم الثالث إلى أسلوب استعماري جديد يرتكز على الاستغلال والاستعمار واقتسامه بلغة القوة والسلاح نتيجة صراع خطير.. مبيت.

آفاق الفكر المغربي المقبل
وإذا كانت هذه النتائج قد وجدت انعكاسات مهمة داخل البلاد وخارجها وحركت آفاق الشباب العلمية، ودفعتهم إلى التفكير في ماضيهم وفي واقعهم على ضوء المقاييس الجديدة فإن هذا يوضح آفاق الفكر المغربي المقبل، ولو أن الصراع يخفي هذه المعالم في بعض الأحيان..
هذا هو الاختيار الواضح المعالم والآفاق الذي يدعونا للعمل الذي نعمل على ضوئه خصوصا عندما أصبح أسلوب العمل يرتكز على توحيد الصفوف، واتحاد الجهود انطلاقا من حبل المتين، الذي يصل قلب كل مسلم بقلب كل المسلمين في العالم بأسره، سواء على النطاق الوطني أو الجهوي أو القومي حيث تذوب المؤثرات الخارجية والمطامح التي غالبا ما يبعثها الاستعمار الجديد، والشعارات التي قدمها لنا في صور مختلفة عن طريق مدرسته وأسواقه الفنية والأدبية والسياسية التي كان القصد منها تفكيك الوحدة والأسرة
وإنني أومن وكما أكدت هذه التجربة الصامتة في عدد من الخطوات سواء على الصعيد الوطني أو العالمي في عدد من المجالات التي خاضها المغرب في وضوح وفي جلاء أن هذه الاختيارات تشير إلى أن المغرب الجديد قد قطع في هذا الاختيار خطوات يثني الجهد بالجهد، لبعث الطاقة الخلاقة لتستمر على هذا المنوال طابعنا قائد محنك، وشعب يقظ، وعمل متواصل وإرادة خارقة، وإيمان صادق ورغبة أكيدة في البناء.. والوصول إلى تركيز الأصالة والوضوح..
والواقع أن هذه النتائج ليست نتائج عادية أو سهلة، ولكنها ملامح ترتكز على بعث أسلوب مغربي أصيل يرتكز على دعامات أصيلة يستمدها من نضاليته وثقافته وسياسته. هذه الدعامات المغربية الصرفة التي تنبعث اليوم من صميم المغرب الذي ينطلق في خط أصيل وموصل ومستمر لبناء مغرب جديد.. المغرب الذي بشرت به ثورة الملك والشعب، والمغرب الذي عاهد على بنائه أمة وقائد بشرت بهما هذه الثورة المباركة..

الصورة الواضحة على مختلف المستويات
وإذا كان علي أن أتناول ولو صورة واحدة للتعريف بنتائج هذا الاختيار فإنني سأختار تجربة (مسيرة فتح)(1) التي تعتبر نتائج تجربة عشرين سنة، وعنوان الانتقال من حقبة إلى أخرى..
وإذا ما حاولت أن أرجع أولا إلى الوراء، وثانيا أن أحاول من خلال التجربة المغربية أن أجد عاملا يجمع بين الأحداث، وثالثا أن أصل إلى نتيجة ملموسة واضحة المعالم فإن هذه المسيرة في اختيارها ونتائجها ومعطياتها هي النتائج الأولى في اختيارها ونتائجها المغربي، الذي يعمل ليصبح بإطاره العام منهج هذا الاختيار.
ومن هنا، من هذا المنطلق فإننا نجد أن المغرب الجديد عندما أقدم على بلورة الاختيار الذي أطلق عليه (التجربة المغربية(2) كان العالم المتقدم بالذات ينظر إليها بكل تقدير، بل وتشجيع، فأطلق على تجربتنا (المعجزة المغربية)(3).
ولم تكن هذه التجربة الرائدة بل وهذه المعجزة التي استخرجت تقدير الكثيرين وتنويه العالم المحب للخير، التعاون من أجله وفي إطاره، ولكن كان تخطيط المغرب الجديد، يقطع مرحلة جديدة نحو الأفضل والأسعد الذي ينطق ابتداء من (مسيرة الله أكبر) نحو تخطي (مغرب المعجزة) إلى (مغرب التحدي) للوصول بالتجربة إلى مرحلة الانتقال الطبيعي.
والنتيجة التي لا تقبل الجدل أن هذه التجربة اختيار.. انطلق من تخطيط علمي صرف شاركت فيه الأمة بكل فيناتها.. وحاول أن يغطي كل المتطلبات والأبعاد الذي يحلم بها، وحطم أكبر عقبات العالم المتخلف وهي الطبقات التي بعثها الاستعمار، أو تولدت عن الإقطاعيات التي كان يرتكز على إبقائها.. وارتكز على بعث جمهور للأمة الذي يعتبر بالدرجة الأولى هو صانع التاريخ الحقيقي للمجتمع الإسلامي، وهو صاحب التحول الاجتماعي الذي ارتكز عليه الفتح الإسلامي منذ البداية، وفي مختلف مراحله، ولذلك فإن التجربة التي تحولت في نظر العالم إلى معجزة شهادة لقواعد الاختيار وأصالته، وإطار واضح للذين يريدون المناقشة والتحقيق في الأبعاد والنتائج.
ومن هنا فإن أي منصف لا يستطيع كما لا يقدر أي ملاحظ أن ينكر مخطط (مسيرة الله أكبر)، وأن الأمة التي حققت هذا المخطط إنما هي جماهير أمة أصالة، وليست جماهير شعارات ومناسبات، أعطت قدرة للاختيار ونتائجه، وأوضحت ذلك لأصحاب الشعارات .................. أو الموازية للغير.
وهكذا فإن التحول واقع، وإن التطور يرتكز على أسس الاختيار الواضح، وهما معا نابعان من الشروط المادية لوجود المجتمع نفسه (كما يقول هؤلاء) من غير تمرد على الأصالة، ومن غير أهداف أساسها وعمقها الفلسفة الاستعمارية وتسلطها وحقيقتها الشعبية المباشرة في أهدافها وأبعادها بصور تختلف وبنوع من الروافد الغير الشجاعة في المواجهة، وهو أيضا ما يصوره شعار (المغرب الجديد) أو (مغرب التحدي)(4)
على أن التجربة المغربية الجديدة لم تقف عند حد التجربة ولكنها وهي تلتقي مع التحدي في معطيات ونتائج مسيرة فتح فهي تؤكد في وضوح أصالة الاختيار المغربي..
انتهيت سابقا إلى محاولة الإحاطة بالمقدمات الأساسية للمغرب الجديد التي أعلن عن ميلاده بانطلاق مسيرة فتح في نوفمبر من سنة 1975 لاسترجاع الصحراء المغربة.
ولذلك فعندما نحاول أن نلقي الضوء على جذور صورة هي (المسيرة الخضراء) من خلال الأسلوب المغربي ذودا وحفاظا على وحدة البلاد واستقلالها وعزتها تحت راية القيم المثلى، فإن ذلك ينتهي إلى أن فلسفة هذه الصورة لم تختلف في الهدف عن فلسفة الرحلات الملكية المغربية منذ قيام الدولة المغربية التي تكاملت أسسها وقيمها بالفتح الإسلامي. وتوطدت أركانها بالرسالة المحمدية، ورسخت أهدافها بفضل الثقافة الإسلامية العربية، ومن ثم فمهما تنوعت أسباب هذه الرحلات والتنقلات وتأكدت صلاحيتها، وتركزت أهدافها القريبة والبعيدة سواء بالنسبة لنفسية الشعب المغربي، أو بالنسبة لما ينتج عن هذه الرحلات من أعمال تنجز في عين المكان، أو ما تحققه من الآمال والأماني الخاصة والعامة.. فذلك ما جعلها غالبا ما تعمل عملها في الحين فتحرك عواطف الأمة. وتنطق الصامت والجامد فتحدث الحركة، ويبدأ العمل، و تسير القافلة، ويتجدد السير.

الرحلات موضوع علمي صرف
وفي تاريخ المغرب القريب والبعيد، رحلات خالدة(5) سجلت أعمال أنجزت في حينها(6) وانتصارات تحققت لغايتها، وأهداف استهدفها الفاتحون لنصرة الحقيقة، وإقامة الوحدة في سبيل بناء صرح السلام وتعميم الرخاء، وغرس جذور جديدة للمحبة والوئام والتوحيد..
وإذا كانت حركات الأفراد العادية، وبعض المظاهر الطبيعية الصامتة تترك من الأثر في النفوس ما يكرب، فلاشك أن حركات روادنا غالبا وأعمالهم دائما ما تكون خالدة لأنها تسعد دائما، وتحقق الآمال والأماني خصوصا بالنسبة لملوكنا الذين عرفنا منهم من اختار أن يكون عرشه فوق فرسه، إيمانا منه بأن ذلك سيجعل ربوع مملكته مشدودة الأركان متماسكة الأطراف(7)
وإذا كان للمغاربة ولوع خاص بالرحلات(8) فلقد أفردوا لها من الكتب والنشرات ما لا نستطيع له عدا في هذا العرض كما سجل الأدباء والكتاب هذه الرحلات في صور مختلفة جمعت بين الروعة الأدبية، والتعبير الصادق عن الأهداف التي استهدفتها دائما، ويمكن أن نحدد رحلاتنا في الصور التالية:
أولا: رحلات الفتح.
ثانيا: ورحلات التعهد والتفقد.
ثالثا: رحلات من أجل الدفاع عن حوزة البلاد وحماية النظام.
وقد أضاف لهذه الرحلات ملك المغرب المقدس محمد الخامس رحلتين جديدتين في تاريخ المغرب، صاحبه فيهما ولي العهد جلالة الحسن الثاني، وشهد معه المشاهد كلها، وحقق معه النصر لوصيته ولرغبات أمته في الانطلاق نحو مستقبل واضح المعالم و(في إحدى يديه قبس من نور الهداية الإسلامية، وفي الأخرى مشعل العدل والإخاء والحرية لربط أواصر الأسرة الإنسانية)
والرحلات الجديد هي:
رابعا: رحلة الكفاح والعودة من المنفى.
خامسا: رحلة استقلال الأقاليم الشمالية وتوحيدها.
سادسا: رحلة الوحدة وهي الرحلة التي تسلم فيها تغمده الله برحمته إقليم طرفاية.
سابعا: رحلة الوحدة التي ابتدأت برحلة الحسن الثاني إلى إيفني التي تعتبر حلقة جديدة في حياته.
ولما كان جلالة محمد الخامس هو رائد (انبعاث المغرب)(9) فإن تخطيطه لانبعاث أمته يرتكز على أسس هي الأسس التي ينطلق منها الاختيار الحسني، سواء بالنسبة للسياسة الداخلية أو الخارجية، إلا أن نفس هذا الاختيار هو الذي حذا بمحمد الخامس إلى أن يبدأ أول رحلة له عبر أقاليم المملكة الغربية سنة 1931
وذلك بالفعل ما يشير إليه التعليق المنشور يومئذ(10) والذي أثار ضجة غير بسببها رئيس تحرير جريدة (السعادة) من أجل نشره للتعليق الذي جاء فيه:
«من الأمور المقررة في برنامج أعمال جلالة السلطان المعظم أطال الله بهجته وحرس مهجته أن يتجول سنويا بين ربوع إيالته لتفقد شؤون مملكته، والاطلاع على مجرياتها. والوقوف على عين حقيقتها ليكون جنابه السامي دائما على خبرة تامة من مهام الملك، وأحوال البلاد وما أنجز فيها من مشاريع اقتصادية وزراعية وصناعية وغيرها من أعمال هامة، ومصالح عامة تدعو إلى العناية بها وتفقدها من حين إلى حين تشجيعا لها على مواصلة السير في طريق التقدم نحو الغاية المنشودة التي يصبو إليها الكل بتعطش واشتياق..»(11).
وفعلا فلقد أثرت الرحلات الملكية(12) على عهد محمد الخامس تأثيرا مباشرا داخليا وخارجيا كان في الحقيقة هو الطريق الأساسي الذي تركزت عليه الحركة الوطنية وعلى مخططاتها كانت تحقق هذه الحركة أهدافها الثورية في بث الوعي، وإذكاء الشعور الوطني ضد الاستعمار والتحركات الانهزامية والرجعية والإقطاعية الموازية للمستعمر حتى تحقق النصر.

المسيرة خلاصة الاختيار المغربي المتسلسل
وهكذا فإذا كان ضروريا أن أصل إلى العوامل المؤثرة لاختيار أسلوب المسيرة الخضراء فإننا نجدها تستمد جذورها من فلسفة الاختيار المغربي عبر تاريخه الطويل حيث نستخلص ما يلي:
1) ان تجربة الاختيار بين معجزتها وتحديها مما مهد للمسيرة ونتائجها الواضحة، السليمة في نظريتها، العلمية في منهجها.
2) إن فلسفة اختيار الرحلات الملكية التي كانت طوال هذا التاريخ المتسلسل حلقات من المسيرات التي ظلت طوال هذا التاريخ أسلوبا سليما يرتكز على الحفاظ على الوحدة الترابية والوطنية، ويحقق نتائجه سواء بالنسبة للداخل أو الخارج، فهزم البعض، وانهارت الأطماع، فبلغ الهدف وتحقق، وتغير التاريخ بالنسبة لعدد من الطامعين والمتطلعين.
ويشاء القدر إلا أن تجتمع أغلب هذه العوامل على عهد جلالة الحسن الثاني، وذلك ما جعلني أنتهي إلى نتائج هذه العوامل، وهي التي جعلت التجربة تقف بين المعجزة والتحدي كما أوضحت..
ولذلك فإذا ما أخذنا رحلات هذه الحقبة (1961/1976) فإننا نجدها تنقسم إلى نوعين:
أولا: رحلات عبر جهات البلاد للإنجاز والتخطيط، وترتكز في أبعادها على التعرف على أحوال سكان مختلف أقاليم المملكة، ومن أجل الوقوف على مشاكلهم، ومن أجل الاستماع إليهم من أجل الإنصات إلى دقات قلوبهم العامرة بالأمل.. أو بالشكوى، بالراحة أو بالتعب، بالسعادة أو بالشقاء.
ثانيا: رحلات الوحدة وهي رحلات يمكن أن نحددها فيما يلي:
1) ـ رحلات سنة 1389هـ ـ 1970م إلى كل من:
ـ تلمسان بالجزائر(13)
ـ نواذيبوا بموريطانيا(14)
2) رحلات سنة 1395هـ. ـ 1975م

في أكتوبر.
ـ تفجير الصخور الأولى لبناء (سد المسيرة) بإقليم سطات.
في 16 أكتوبر:
ـ الإعلان عن (المسيرة الخضراء)(15) تحت راية القرآن الكريم التي تحقق هدفها في عين المكان، وبالتالي على الصعيد السياسي حقق (المغرب لنفسه مجدا. ووضع على رأسه تاجا، وخلق أسطورة..) كما قال قائد المسيرة، في حين أعلن السيد محمد البجاوي رئيس (جبهة المغرب العربي للتحرير) أن هذه الفكرة التي خرج بها صاحب الجلالة الحسن الثاني أثبتت عبقريته، وذكاءه وفراسته، وإنني قليلا ما استعمال هاته الأوصاف، ولكن استعملتها اليوم بدون أي تحفظ، لأنها تعبر عما شعرت به(16).
وهذا التحديد الواضح الذي شغل كثيرا من المفكرين وأطلق أقلام العديد من الكتاب والصحفيين والمعلقين إلى الحديث عن (مسيرة النور) باعتبارها (تجربة فريدة من الناحية السياسية، ومن الناحية الاجتماعية والإنسانية، أي تثير التفكير في كل مشاكل مجتمعاتنا العربية، مشاكل الأنظمة والشعوب، مشاكل الثورية والرجعية، مشاكل الدين والاشتراكية والانفتاح والاستعمار والقومية.. فكانت المسيرة في ذاتها تجربة.. أيقظت في حركتها التاريخ الإسلامي القديم، وأيقظت كذلك قضايا كثيرة كانت نائمة في المنطقة)(17).
ولا يتوقف معلق مجلة روز اليوسف القاهرية عند هذا الحد، بل يؤكد مرة أخرى بأن هذه التجربة كلها من الناحية السياسية ومن الناحية الاجتماعية والإنسانية تبقى ظاهرة هامة عربية تحتاج إلى أكثر من دراسة وأكثر من تحليل(18).
وهكذا فإذا كانت (المسيرة الخضراء) قد جددت اسم المغرب، وقدمته للعالم أجمع في صورة تجمع بين الأصالة والتجديد، وبين الواقع والإرادة فإن الذي نعتز به هو إرادتنا ووحدتنا، لأننا أكدنا على مدى التاريخ أنها وحده، لا تتبدل ولا تتغير، وتلك هي مخاويف. الذين رأوا في تأييد مسيرتنا الإسلامية موقفا ضد تجار الاشتراكية ومفهوم التقدم(19) وهم في نفس الوقت يدركون كم تكلف مثل هذه المسيرة من التقدير والاستقرار والانسجام لتكون (مسيرة مضمون حسابها حتى من الوقيد والشمع).
وذلك ما دفع أحد الصحفيين المصريين لأن يتحدث عن (مشاهد من الفتوحات الإسلامية بدون سلاح(20) وهو يكتب عن مواكبة المسيرة في عين المكان بينما أعلن الأمين العام للمؤتمر الإسلامي أنه يتمنى «أن تكون الأمة المغربية وقائدها.. قدرة للتاريخ، وفاتحة عهد العزة والكرامة والحق».
وبعد، فإن عشرين سنة لتقديم المغرب الجديد للعالم، ومثلها من التخطيط والتجربة لتركيز الديمقراطية الحقة، الديمقراطية التي تعني الإمساك عن كل نوع من أنواع التهريج والاقتصار على العمل المجدي الوثيق الصلات بحقيقة الأشياء(21) كطابع للعهد الحسني بالخصوص، أكدت حسن الاختيار. ومع ذلك فإن المعركة القائمة تحت شعار هذا العهد يمكن أن نقول جازمين بأنها ذات شقين
في السياسة الداخلية: تحقيق التوازن، وتركيز المكتسبات الوطنية في مختلف جهات المملكة، ومطاردة المخلفات الاستعمارية نحو خلق المغرب الجديد بأسلوب يعتبر معجزة العصر.
في السياسة الخارجية: الكفاح من أجل تحقيق الوحدة الترابية، وخلق الأواصر الإنسانية وذلك ما تحقق بالفعل ولا يوجد في الشقين معا، موضع آخر يمكن أن ينطلق منه اتجاه معاكس، أو فلسفة تسمح بوضع اتجاه أو صيغة أخرى غير هذا السلوك..
وتلك هي الإيجابية التي أصبحت بكل وضوح وموضوعية طابع هذا العهد، وهو الطابع المميز للسياسة الحكيمة التي ينهجها المغرب لتحقيق قد أحسن قوامه العمل المجدي الوثيق الصلات بحقائق الأشياء والأهداف.. وبكل هدوء وسكينة في أوضح صورة.


(1) أو المسيرة الخضراء.
(2)  التجربة المغربية (كتاب صدر عن دار مكتبة الحياة اللبنانية، محمد عنان سنة 1968 يقع في حوالي مائتي صفحة.
(3)  كتاب للأستاذ احمد عسة صدر سنة 1975 يقع في: 744 صفحة.
(4) (التحدي) مذكرات صاحب الجلالة الحسن الثاني، صدرت بالفرنسية في مارس سنة1976 وهو في 284 صفحة.
(5)  رحلات محمد الخامس رضي الله عنه وهي كثيرة، للداخل والخارج، أهمها: (رحلة الجنوب) و(رحلة طنجة) و(رحلة فرنسا) سنة 1951، ورحلة المنفى سنة 1953.
  أنظر مثلا:
(6)أ ـ مجلة (رسالة المغرب) س: 6 ـ ع: 3 نونبر 1947 ص 202.
ب ـ قول القائد موسى بن نصير (نفح الطيب ـ ج: 1 ـ ص: 123.
ج ـ مجلة (رسالة المغرب) ـ ص: ـ I ـ ع: II ـ غشت 1943 ـ ص: 12.
(7)  كما اشتهر ذلك عن جلالة الحسن الأول 1290م. 1311هـ.
(8)  أنظر (رحلة الهواري) صفحات: 292/297.
(9)  الاسم الذي أطلق على مجموعة الخطب الملكية الرسمية التي تصدر كل سنة باسم (انبعاث أمة) صدر منها لحد الآن عشرون جزءا.
(10) سنة 1931 أي بعد ثلاث سنوات من تنصيبه ملكا للمغرب.
(11)  جريدة (السعادة) (ع: 3694 ـ ص: I ـ 9 جوان 1931).
(12) 
(13)  أصدر مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الوهاب بن منصور كتابا بعنوان: (مع جلالة الحسن الثاني في فاس وتازة ووجدة وتلمسان) ـ المطبعة الملكية سنة 1970، في275 صفحة.
(14)  (مع جلالة الحسن الثاني في نواذيبو) ـ المطبعة الملكية سنة 1970، 185 صفحة.
(15)  أنظر مجلة (الفنون) المغربية ـ العدد الخاص بالمسيرة الخضراء (نونبر 76).
(16)  أنظر جريدة (المغرب العربي) (ع: 134 ـ 9 ـ 12 ـ 75) ص: 1 و2.
(17)  مجلة (روز اليوسف) القاهرية (عدد: 2476 ـ 24 ـ 11 75) ـ ص: 10 و11).
(18)  نفس المصدر.
(19)  نفس المصدر.
(20)  نفس المصدر.
(21) خطاب صاحب الجلالة سنة 1966.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here