islamaumaroc

عيد العرش في عهد الكفاح الوطني يوم 18 نونبر 1948 في فاس

  دعوة الحق

174 العدد

من حين لآخر تستبد بعض الذكريات بالتفكير وتفرض نفسها على الذاكرة، وتتحرك صورها ورسومها وكأنها تريد نقل الإنسان بكامل وعيه وتفكيره لأن يعيش أحداثا قد تكون مرت عليها عشرات السنين...
وفي هذه الأيام أراني تلح علي الذكرى بأن أعود إلى اليوم الثامن عشر من شهر نومبر لسنوات 1948 و1949، 1950 و1951...
كنت خلال هذه السنوات طالبا بمدنة فاس، وبالطبع كان الوضع إذاك في المنطقة (السلطانية) يختلف عن الوضع في المنطقة (الخليفية) ولست أدري كيف أعبر عن سروري وأنا أعيش يوم 18 نومبر 1948 في مدينة فاس، وإنما الذي كنت أحسه وأجده هو أنني إنسان آخر يعيش أحلاما سعيدة، وطموحا وطنيا ينبعث من الأعماق... كنت أحلم باستقلال بلادي، وبنزوح ظلم الاستعمار عن قومي، وأحلم باليوم الذي تصبح فيه مسؤولية بلادي في يد إخوتي من أبناء وطني... وكنت أطمح بتصوراتي أني أعيش في مغرب مستقل لا أتعرض فيه لإهانة شرطة الحدود المصطنعة وموظفي الجمرك داخل بلادي.
كنت أجتاز ثلاثة حدود: ما بين تطوان وطنجة، ثم ما بين طنحة وأصيلا، وأخيرا ما بين القصر الكبير وعرباوة.
كانت هذه الحدود قاسية بالنسبة إلي، كم مرة أهنت فيها، وكم مرة نزع مني بعض الزاد الذي كنت أدخره لمقاومة فصل الشتاء في فاس.
كم مرة شاهدت مناظر أليمة يظل ألمها يحز في نفسي إلى ما شاء الله...
في عربات القطار بين طنجة وفاس كان البوليس الفرنسي والإسباني المسلح يستعرض عضلاته على المواطنين والمواطنات المسافرين في القطار.
كم مرة شاهدت امرأة أو طفلا أو شيخا يتلقون لكمات الأيدي وركلات الأرجل لا لشيء إلا لأنهم يحملون معهم أمتارا من قماش، أو قطعا من صابون أو بضعة آواق من الشاي!!
وفي إحدى المرات شاهدت أحد الجمركيين الفرنسيين يجر امرأة بدوية وسط عربات القطار، وهي تستغيث ولا مغيث! وعندما أوصلها جرا إلى باب العربة قذف بها على الرصيف!! فصاحت المسكينة صيحة أليمة، واجتمع الناس فإذا بها قد كسرت ساقها، ومع ذلك لم ينبس أحد بكلمة بل تحرك القطار وانصرف الناس، وانتشر الذعر، والناس ينظرون ولا يتكلمون...!!
كنت أثناء تنقلاتي بين طنجة وفاس أتجرع مرارة الاستعمار وأشاهد من ضروب غطرسة جنوده  وأعوانه ما يجعل النوم يفارق أجفاني لعدة أيام...
 وفي يوم 18 نوفمبر من كل عام كنت أستعرض هذا الشريط الأسود بين عيني وأرى أن هذا اليوم دون سائر الأيام يبعث في نفسي آمالا جديدة وطموحا قويا، وفي هذا اليوم بالذات، أشعر أن يوم الخلاص قد حان، ولذلك كنت أعيش هذا اليوم بكل إحساساتي ومشاعري، وانطلق متنقلا بين أزقة فاس وهي قد زينت بالرايات والأضواء والزرابي والأرائك... والناس قد تفننوا في عرض صور ملك البلاد وأسرة ملك البلاد فنونا شتى...
صور ذات أشكال وألوان تؤكد للرائي إن لهذا الشعب ملكا هو آمل الخلاص، وسر الإنقاذ... وأن لهذا الشعب عرشا هو رمز سيادته ووحدته وطموحه وآماله...
أمر بشوارع فاس وأتصفح الوجوه وأرى الناس قد أخذتهم سنة الفرح واستبدت بهم الذكرى وأحالتهم إلى هيامى بالحرية والوطنية والاستقلال.. وترى الناس وهم حول الموائد، أو حول صواني الشاي المزخرفة بالنقوش البديعة يراحبون ويتبسمون... وكأن عزيزا لديهم أقبل من ............... أو كأنهم في حفلة زفاف ينتظرون قدوم العروش...
الناس منذ الصباح الباكر وهم في انتظار خطاب العرش، مترقبين متحفزين وكلهم وعي وانتباه... وتراهم يتطلعون إلى ساعاتهم ويتأكدون منها وكأنهم يخشون أن يكون قد أصابها إعياء وإبطاء عن الحركة...
وعندما تصدح موسيقى النشيد الوطني إعلانا لبداية الخطاب الملكي ترى الناس وقد ركزوا أعينهم في المذياع واشرأبت أعناقهم نحوه وغشيتهم موجة من الصمت وتحولوا إلى آذان صاغية وقلوب واعية..
ويسمع الخطاب الكريم في كل مكان، والمغرب من أقصاه إلى أقصاه يقيم حفلة عرس لعروس تسمى «الحرية».
وفي المساء تنطلق ألسن الخطباء هنا وهناك، وتقام الحفلات الخطابية في كل مكان..
في هذا الجو أراني أتنقل من حفل إلى حفل حيث تقام الحفلات بالمدارس والدور والساحات والحدائق...
وإني أتمنى لو كان لي أجنحة أطير بها حتى أضيع أية فرصة وحتى أنتشي بسماع أكبر عدد ممكن من الخطباء والمتكلمين بالمناسبة.
لقد كان برنامج الحفلات طويلا ويستمر إلى الهزيع الأخير من الليل...
في هذا الجو من الحماس الشعبي المنبع بالروح الوطنية والاخوة الإسلامية... في هذا الجو كان يتبدد ذلك اليأس الذي كان يرين على قلبي وينشرح فؤادي وامتلئ طموحا وتفاؤلا بالمستقبل.
وكانت لحظات سماع الخطاب الملكي تحدث في نفسي حماسا من نوع خاص وتفاؤلا من نوع جديد.. وكلما استمعت إلى مجموعة من فقراته كلما ازداد يقيني بأن وقت الخلاص قد قرب، كنت أشعر بصدق البهجة وعمق التعبير وغزارة الإيمان...
كل مقطع من الخطاب كان ينقش في فؤادي إيمانا عميقا بوجوب الوحدة والتماسك والتضحية من أجل الحرية.
كانت فقرات الخطاب الملكي بالنسبة إلي بلسما لجراح قلبي، وكانت قبل هذا وبعده درسا بليغا في الوطنية الحقة، وكان ذلك الدرس يحيلني إلى إنسان آخر كله أمل واستعداد وتحفز...
وأتساءل مع نفسي ما سر هذا العيد؟ وألاحظ أنه يملأ القلوب والأفئدة بشحنات من الإيمان العميق بحب هذه البلاد.
وأتأكد في النهاية أنه يوم يرمز للأمجاد الوطنية، ويرمز للتحرر وللاستهانة بالصعاب...
إنه يوم الآمال الجسام... يوم الاستشعار: بالوحدة، بالأخوة، بالحب، بالوطنية، بالأمجاد الحضارية والتاريخية...
إنه يوم يحرك كل هذه المشاعر ويفتق كل معنى سام وخلق أصيل في المواطن المغربي.
إن هذا اليوم كان بحق هو المدرسة الأولى التي تعلمت فيها أجيالنا معاني الوطنية الخالصة، ومبادئ التضحية والاستماتة من أجل الصالح العام.
كان عيد العرش جامعة بكل أطوار طموحها، فيها تجد سائر المستويات ما يغذي إيمانها ويقوي طموحها تجد سائر المستويات ما يغذي إيمانها ويقوي طموحها...
هو مدرسة يندرج فيها أبناء الوطن، فيأخذ كل نصيبه من مبادئ الإخلاص والتضحية...
في يوم عيد العرش كان يشع كل مواطن بدفء أخوة المواطنة، تلك الأخوة التي كانت تتكسر عندها آمال المستعمر ومخططاته... وبرامجه وتصميماته...
في كل عام من مثل هذا اليوم يرى الاستعمار أنه يبتعد رويداً رويداً عن تحقيق أهدافه وأطماعه، ويرى أن كل مكائده التي دبرها خلال سنة أو سنوات قد تلاشت خلال يوم واحد، وتجن جنونه، ويحاول الحيلولة بين الشعب ومنبع معينه، فيسجن ويعذب ويقتل ويشرد... لكن كل ذلك كان لا يزيد الشعب إلا تعلقا بمدرسته الجامعة. ويظل يوم عيد العرش هو يوم عيد العرش... يوم تعرض فيه المنجزات وتزف فيه البشائر، وتبعث فيه الآمال وتجدد فيه العزائم... ويظل هو يوم التحدي الأكبر، ويوم الإصرار على مواصلة السير بمسيرة الشعب.
كانت أعياد العرش بالنسبة إلي تتطور كما أتطور بدوري في مراحل دراستي...
ويشاء الله أن تقترن بشائر أعياد الاستقلال بعيد العرش وبعودة صاحب العرش وأشبال صاحب العرش ويزف بشرى الحصول على الحرية فيا لها من بشائر تتداخل وتتماوج لتزيح عن النفس ذلك الكابوس الأسود الذي كان يرين عليها.
إن ذكرى عيد العرش المغربي هي مراجعة سجل حافل بالأمجاد الوطنية، والبطولات والتضحيات والتحديات...
هي قراءة كتاب (ملك وشعب) رسمت حروفه بمعاني المجد والشهامة والنبل... وتسجل كل جملة من جمله العزة والنخوة والكرامة... وكل فقرة من فقراته هي ملحمة وطنية رائعة، وكل صفحة من صفحاته صورة صادقة تناسقت فيها ألوان الإخلاص والبذل والتفاني والوفاء...
وفي يوم عيد العرش تحطمت تلك الحدود المخيفة التي كانت مبعث الآلام والأحزان... حطمت تلك الحواجز وأمست أثرا بعد عين، وهبت نسائم الحرية وحلت بهجة الاستقلال، واختفت ـ إلى غير رجعة ـ مظاهر غطرسة وجبروت الأجنبي وويلات احتلاله...
وهكذا كلما أقبل عيد العرش إلا وألحت علي الذكرى وتأكدت بأن يوم الخلاص كان بزوغه يوم عيد العرش المغربي، وما ذلك إلا لأن العرش المغربي هو الأرضية الصلبة التي بنيت عليها حضارة هذا البلد وأمجاده.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here