islamaumaroc

نظام البيعة في المغرب

  دعوة الحق

174 العدد

تطور المغرب عبر تجربته الحضارية بين الأنظمة السياسية، في اختيار أداة الحكم الصالح في البلاد، وقد عرف منذ بداية تاريخه نظام الحكم الجماعي المرتكز على الفرد الصالح للقيادة، ورغم ان الرومانيين لبثوا في المغرب زهاء أربعة قرون فقد ظل المغرب واعيا للعمل السياسي، يقظا في اختيار الحكام على أساس نظام المشيخة والجماعة... واستطاع المغربي أن يصل لحكم روما بدريته السياسية والإدارية في عهد الأمير الإمبراطور (سبتينوس سفروس) الذي تسلق إلى كرسي الإمبراطورية الرومانية... وكانت حركات المدرسة النموذجية لتكوين السياسيين والحاكمين للبلاد معتمدة تجربة (ماسينسا) و(يوبا) وأخيرا (يوغرطا) الذي كان نموذجا للحاكم المثقف والراعي لشخصية المغرب الافريقي. وجاء الإسلام ليؤكد هذه التجربة السياسية المغربية، حيث وجد المغاربة في دعوته السياسية نموذجا صادقا للحكم العادل، لهذا فقد تمسكوا بالإسلام عقيدة وسلوكا، ووجدوا في المذهب المالكي ما يساعدهم على انتخاب الخليفة بطريقة البيعة الديمقراطية. ولما أصبحت الخلافة في يد الأمويين، وشعر المغاربة بتبعيتهم لمركز الخلافة دون سيادة واستقلال في بلادهم، انتسب بعضهم للحركة الخارجية وأعلنوا في عهد (ميسرة المدغري) رفضهم لتبعية الخلافة الأموية، ولكنهم لم يلبثوا أن وجدوا في الأدارسة ضالتهم، حيث توحدت البلاد مستقلة ذات سيادة، فقد جاء الأدارسة بصفتهم معتدلين سياسيا، غير شيعة ولا خوارج، وأعلنوا التزاماتهم السياسية السنية والتزم المولى ادريس الأول بالعمل لوحدة المغرب، والواقع أن هذا الالتزام خضع للشروط التي ينص عليها التشريع الإسلامي، وهو كذلك وفق التجربة المغربية وطبيعتها الديمقراطية وأصالتها.. وقد اجتهد العلماء المسلمون المغاربة في الملاءمة بين النظم الإسلامية والأصالة المغربية، ولهذا يلاحظ اختلاف بين الأنظمة سواء في الحكم أو القضاء أو الحسبة بين بلاد المغرب والبلاد الشرقية، وقد تحدث ابن خلدون والمقري، وابن الخطيب، وابن الازرق عن النظم المغربية، كما أن مؤلفي كتب الحسبة والقضاء ومؤلفي النوازل والأحكام والفتاوى.. شرحوا النظم المغربية بما يكفي للمتخصص في هذا الموضوع، والواقع أن النظم المغربية تعتمد أساسا على الشريعة الإسلامية وعلى المذهب المالكي بصفة خاصة، وبالرجوع إلى الأصول الأولى لهذه التشريعات تدرك مدى الاتفاق بين الإسلام وما اعتاد عليه المغاربة. فالأنظمة السياسية في الإسلام ترتبط بمبادئه التشريعية، وبالقواعد التنظيمية وبالأخلاق والقيم. وتستحيل كلها إلى عبادة. والدولة نفسها تعتمد على أسس روحية أخلاقية، ولذلك فهي لا تسيطر بالعنف والقسوة والقوة، وإنما لها صلات روحية وارتباطات أخلاقية تلزمها بالسلوك المستقيم ومراقبة الضمير ... فالقيم الروحية تسيطر على التكوين السياسي، وترى أن السلطة هي للدستور القرآني الذي يراقبه الجميع في السر والعلانية. ولذلك فالدولة والشعب يخضعان لأحكام الشريعة التي تعتمد على أسس واضحة وهي القرآن والسنة. وكلاهما بيد الأمة كلها، وعلى الاجتهاد الرسمي الذي يقرره كبار العلماء، ويضمن ذلك المبادئ السياسية التي هي المساواة في الحقوق والواجبات وكفالة الحريات العامة الفكرية والاعتقادية والاقتصادية والسياسية، والتعبير والثقافة واعتماد التشريع الإسلامي، والالتزام له والدفاع عنه وعن المواطن والدولة والوطن كما تعتمد على حرية الاقتصاد والاتحاد والعمل وتنظيم الانتخابات لتدعيم الشورى لإعطاء الحكم للمستحقين، والراغبين فيه وضمان العدالة الاجتماعية، وإعطاء الإمكانيات والفرص للجميع والقضاء على الفوارق الاجتماعية، وتنظيم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية حتى لا تتداخل لتحقيق المساواة التامة بين المواطنين.
وقد اعتمد المغرب على تجربته السياسية التي أظهرت نضجه عبر التاريخ، فكان نظام البيعة أساس الانطلاقة السياسية... كما اعتمد الحكم في المغرب على أصوله الحضارية، وطبيعة البيئة المغربية وما تأثر به من الثقافات والحضارات التي لم تجد الشخصية المغربية فيها ما يفقدها عنصرها الذاتي وتطبيقا لطبيعة الشخصية المغربية التي تمزج الحضارات والثقافات، وتعبر منها إلى أوربا أو إلى افريقيا، فإن الشخصية المغربية جعلن من الحكم نقطة ارتكاز ومحور حركتها التاريخية، وهذا لم يمنعها من الاستفادة من الحضارة الفنيقية والرومانية من جهة واعتماد الحضارة الإسلامية من جهة أخرى سواء بالنسبة للتاريخ القديم أو للقرون الوسطى.. فالحكم يعتمد الأسس الأخلاقية والعدالة في جوهره، ويضطلع به المواطن العريق معتمدا على عصبيته القبلية، ومساعدة الأسرة ومن هنا كان تأثير المصريين القدماء الذين اعتمدوا على حكم الأسرة، (كما يرى جوليان) وكان تأثير البيئة واضحا أيضا في الركون إلى شخصية أصيلة، ولما جاء الإسلام واصطبغ المغرب بالروح الإسلامية أصبح الحكم يعتمد على (الولاء) بين الحاكم والمحكوم. وهو التزام على العمل المشترك لصالح الجميع بواسطة البيعة.. وكان اعتبار الولاء أساسا قويا للحكم في المغرب لمواجهة التحدي المغربي للتكتلات العدوانية المسيحية أو التكتلات الصليبية في عهد حروبها ضد الإسلام، أو التكتلات الاستعمارية في عهد التسلط الأوربي، أو في الايديولوحيات في عصر التكتلات المادية، وما يزال الإنسان المغربي يرى في مفهوم الحكم رمز عدالة اجتماعية تضع الحضارة المغربية في إطار السلفية الدينية والتطورات المعاصرة، وتجمع بين روح التراث وروح المعاصرة معا على أساس استمرار الوجود المغربي.
وإذا كان من المتوقع أن يزداد عمق الهوة بين المفهوم الحق والشعارات كلما زاد الانفصال عن ثقافة المغرب الأصلية، فإن على المفكرين المغاربة أن يجعلوا من قضية توعية الفكر، الحل الجدي وأن يعتمدوا أرضية الحضارة المغربية والواقع حتى لا تبتعد عن الجذور، وأن كان من الواضح أن المغرب الحق لم ينفصل عن الجذور الإسلامية وأن الجماهير المغربية ذات أصالة يصعب اجتياثها...
وقد تكون هذه الأصالة تعني الانسجام مع الطبيعة العامة، فالانسجام بين المجتمع والطبيعة وقدرة الإنسان على أن يعكس الحقيقة الاجتماعية ليتلاءم معها يؤدي حتما إلى المزامنة والاستمرار.. ولهذا فلابد أن يكون الحاكم في المغرب في مستوى الفهم والوعي والتطور لأن المغرب حلقة الوصل بين الحضارات الأوربية والآسيوية والافريقية، والحضارات لا تنقل وانما تهضم وتتجانس، ولهذا فقد استوعب المغرب الحضارة الشرقية والإسلامية وكان ذرعها ضد الغزو الأوربي.. وعندما انهزم المغرب وسلبت منه الصحراء لم تنقل الحضارة العربية الإسلامية إلى افريقيا فنجحت اوربا المسيحية واستعمرت افريقيا كلها.
فرسالة المغرب هي ان يوجه التاريخ، لأنه (أولا) على الصعيد الانتربولوجي شعب يمزج العناصر الافريقية والعربية والآسيوية، فهو شعب شديد الخصوبة الفكرية والوجدانية وشعب متلاقح وبلاده ثغر من ثغور الإسلام، ويعني ذلك أنه في مواجهة دائمة، ولذلك فهو (رباط) في استعداد دائم للجهاد، وهذا لم يمنعه من الاستقرار الحضاري الذي يبدو في معالم المدنيات كلها، فالمغرب يقف في المواجهة والتحدي. ويعيش الاستقرار والهدوء.. فرسالته ليست مجرد جمل الحضارات، ولكن يستوعبها ويهضمها وينقلها ويحميها ويخصبها.
لقد أسس الأدارسة أو حكومة مغربية ثم حقق الذاتية المغربية المرابطون، وحافظ الموحدون على هذه الذاتية وحقوق الامتداد الجغرافي، كما أكد المرينيون على الوحدة الاجتماعية والفكرية، ورابط المغرب بالأندلس بالدفاع عنها.. وجاء السعديون ليعيدوا العامل الاقتصادي بالإضافة إلى العامل الثقافي، فوصل المنصور الذهبي إلى تمبكتو، وجاء العلويون ليحققوا للوحدة المغربية، في إطارها الطبيعي وما يستلزم ذلك من صيانة هذه الوحدة داخلها وخارجها... ولم يتسرب الأوربيون لافريقيا إلا حين ضعف المغرب بعد ان أنهكه الاستعمار، وكان ضعف هذه الوحدة بسبب الوهن الاقتصادي والركود السياسي... فالوحدة العضوية أساس الاستمرار الحضاري... وستبقى نوعية العلاقة بين الوحدة العضوية الافريقية أساسا ترتكز عليه الثقافة ويبني عليه الاقتصاد، ولأجل ذلك يعتمد الحكم المغربي حين ينلطق من خلية الفرد ثم الأسرة ثم القبلية ثم البلاد جميعها، على الاتصال الروحي والثقافي، فلهذا أخذ من الشرق حكومة الأمة المساندة للفرد، ثم أخذ العصبية القبلية عن وحدة القبلية العربية كما اعتمد على الشخص الأصيل، ولم يمنعه ذلك أن يأخذ إطار الديمقراطية الغربية في الانتخابات والبرلمان وكل ما يحقق الثورة الأصيلة في الحكم، وهكذا نجد النموذج التاريخي بارزا من عهد (الاقليد) إلى عصر المرابطين والموحدين الذين مزجوا بين الصوفية والايديولوجية السياسية، ثم السعديين الذين مزجوا بين الدفاع عن المغرب والحاجة الاقتصادية لإنقاذ الأندلس، وتمتين الصلات بافريقيا حماية لها من الاستعمار البرتغالي... ثم جاء العلويون لحفظ التوازن وتعبئة الشعب، وإعادة المغرب لوحدته بعد أن استنزفته صراعات (الإقطاعات) التي أعقبت عهد السعديين...
«الاشتراكية الإسلامية تنطلق من مبدأ «الحفاظ على كرامة الإنسان»: ففي القرآن نص صريح يقول: «ولقد كرمنا بني آدم»، ومنذ فجر الإسلام إلى يومنا هذا، لم يكن أحد من الخلفاء المسلمين ولا من تبعهم بحاجة لإصدار وثيقة يعترف بها بحقوق الإنسان، فكما قال رسول الله «المؤمنون سواسية كأسنان المشط...» إذن، انطلاقا من مبدأ الحفاظ على كرامة الإنسان، ومن مبدأ «ضمان الحقوق الإنسانية للجميع»، وهما مبدآن نجدهما في كل باب من أبواب كتاب الله والسنة النبوية، نستطيع أن نعترف ونعطي كل مسلم فرصا متكافئة وحظوظا متساوية، ثم نتركه يجتهد ويحتفظ بمبادراته... نحن لا نقسم المجتمع كما كانت تقسمه أوروبا إلى ثلاثة أقسام النبلاء ورجال الدين والرعية. فالإسلام ليس فيه طبقية ولا تتميز بين الناس، ولا تفضيل لأحد على آخر، ان مبدأ تساوي الفرص والحفاظ على كرامة الإنسان هما من صلب العقيدة الإسلامية».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here