islamaumaroc

خواطر عن الدعوة الإسلامية ومناهجها

  دعوة الحق

174 العدد

أكتب هذه المقالة تلبية لطلب كريم من «دعوة الحق»، وهل هناك خير من أن نختار الكتابة عن الدعوة الإسلامية في ذكرى مولد سيد المرسلين وأعظم الدعاة المرشدين محمد صلى الله عليه وسلم، الذكرى الملهمة التي تشع أنوارها هذه السنة في عيد جلوس ملك مسلم يحمل لواء الدعوة في قوله وعمله، ويؤمن بها إيمان المناضلين، ملك تتجلى فيه روح الأصالة نقية باهرة، ويأخذ من كل جديد لبه وجوهره؟ ذلكم هو الحسن الثاني وفقه الله، ملكا وقائدا ومرشدا، ومتعه بالعافية وطول العمر.
الدعوة، بمفهومها الإسلامي، ليست «تبشيرا» تمليه الرهبنة وتوجهه الكهانة، وهي ليست «دعاية» يفرضها الكبرياء وحب الغلبة والسيطرة، بل إنها توجيه بالعقل، وإقناع بالحجة، وإرشاد بالحسنى.
والدعوة ليست بالكلام المرصوف، ولا بالخطب الرنانة الجوفاء، بل هي منهج وسلوك، خلق وقدوة,
الدعوة ركن من أركان الحضارة الإسلامية لم تعدلها قط جيوش، ولم تغن عنها فتوح، انتشرت في أرجاء الأرض كما ينتشر ضوء الشمس، وكان القرآن رائدها، والسنة سندها، والقدوة الصالحة قوامها. انتشرت بالعلم والعمل معا، بالمثابرة والمصابرة، فكان ما كان من إشعاع الإسلام وتفوق حضارته، وتزايد معتنقيه واتساع رقعة أقطاره.
ألم يقل الله سبحانه وتعالى مخاطبا نبيه:
«ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله. وهو أعلم بالمهتدين» (النحل، 125).
فالحكمة هي المعيار الذي به يعرف الصواب في القول والعمل، فهي إذن الحق يدعمه العلم. وفي هذا يقول الراغب الاصفهاني «الحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل، فالحكمة من الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الاحكام، ومن الإنسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات «والحكمة التي يريد الله لنبيه أن يستعين بها في دعوته هي الحكمة المستمدة منه سبحانه المقصودة بقوله تعالى «يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا»، ويرى الإمام الغزالي «أن المختص بهذه الكرامة يتعين عليه إقامة الشكر، وليس شكره إلا بإفادة المستعدين، وإفاضة العلم على المسلمين، وهكذا تصبح الدعوة واجبا على كل من أكرمه الله بإتيانه الحكمة، فذلك منه شكر بالقلب والجوارح وحمد بالعمل.
ونعود إلى الآية الكريمة التي سبقت الإشارة إليها، فنرى الله تعالى يريد من نبيه أن يشفع الحكمة بالموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن، أي بأسلوب رفيق مهذب يعتمد على المنطق ويفحم بالحجة. والقرآن الكريم مليء بأمثلة من هذا الأسلوب. وإننا لو تأملنا هذه الآيات البينات «يا أيها الإنسان ما غربك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك (الانفطار 6 – 8) لوجدناها دليلا رائعا على أسلوب الجدل المنطقي الرفيق، يخاطب الله به عباده في نسق من ألفاظ بسيطة جميلة، وعبارات منظومة مستساغة، وجمل مترابطة متكاملة، ومنطق يجعل من الإنسان حجة قائمة به عليه. ويزيد هذه الآيات روعة انها ـ باعتبار مقاصدها الوعظية والتدبرية ـ تخاطب الإنسان وهو في الدنيا، إلا أنها في نفس الوقت تنظر إليه من خلال يوم البعث والحساب، وتذكره في حاله بمآله: «إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت علمت نفس ما قدمت وأخرت» (الانفطار، 1 – 5)، فهي إذن آيات جليلات تدعو الإنسان في الدنيا، من خلال الآخرة، إلى تدبر أمر نفسه والتفكر في حكمة صنع الله فيه، خلقه فأتاه العقل ومهد له بذلك سبيل العالم بنفسه وبما يحيط به. والإنسان كما قال عنه الله تعالى: «خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين» (النحل، 4) يميل إلى الجدل والخصومة، ولا ضرر في ذلك إذا كان مصحوبا بالتأمل والتدبر والطموح إلى المعرفة التي تؤدي إلى الإيمان بالله وبوحدانيته، ولذلك قام أسلوب القرآن والسنة على الجدل بالحجة، والإقناع بالبينة، وتوجيه العقل والبصيرة وجهة التدبر والتأمل والاستنتاج. وقد يصل بعض الناس إلى فهم حقيقة الوجود فيقوى إيمانهم ويصح عملهم ويتفتح إدراكهم، إلا أن أناسا آخرين قد يأخذهم الغرور بأنفسهم، جهلا، مع أنهم يظنون أنهم عالمون: «لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون» (غافر، 57) فالإنسان ذرة في السموات والأرض، وهو ذرة فاعلة موجبة متى أدرك الحق وانفتحت أمامه أبواب العلم. إذ بالعلم وحده يمكن أن ينطبق عليه القول الصوفي المشهور: «وفيك انطوى العالم الأكبر».
جاء في حديث شريف: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله ما لا ينفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علما فهو يعمل به ويدعو الخلق إليه».
إن صاحب المال لا يحسد على ماله، بل لإنفاقه في سبيل الله، وسبيل الله لا نهاية له، هو نشر دعوة القرآن في كل زمان ومكان، هو نفع الناس بتعميم التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية، هو رفع الظلم، وإحقاق الحق، ونشر العدل والمساواة بين الناس، هو هدم الأصنام كيفما كانت وأينما كانت، هو احترام الإنسان الذي كرمه الله بالعقل والمشاعر، احترامه بعدم التطاول على حريته وشرفه وعرضه، احترامه بتشجيعه على إظهار قوى الخير والإبداع الكامنة في نفسه.
وصاحب العلم لا يحسد على علمه، بل على نشره لهذا العلم ودعوة الخلق إليه دون تمييز. فتأمل لفظ الحديث: «فهو يعمل به ويدعو الخلف إليه، فالعلم إذن هنا اكتساب وتفاعل، أخذ وعطاء، وهو العلم الذي ينفع الناس، ويوجههم إلى الخير والصلاح، ويقرب بعضهم إلى بعض، ويثبت قلوبهم على الإيمان بوحدانية الله ومطلق تصرفه في ملكه، شواء كان هذا العلم دينيا أو دنيويا، عقليا أو نقليا، رياضيا أو طبيعيا أو نفسيا. فغاية العلم واحدة: أن يتحرر الإنسان روحا وجسدا وأن يتمكن من نفسه الإيمان بربه، «والإنسان الحر ـ كما يقول محمد إقبال ـ يسخر هذا العالم، إلا أنه يقيد نفسه بالشريعة».
إن العلم الذي يقر الملحد على إلحاده، ولا يرد الضال عن ضلاله لا يمكن أن يسمى علما مهما كانت نظرياته ومعادلاته وبراهينه ومسلماته.
يخطئ من يظن أن الدعوة، بالمعنى الذي حدده الإسلام لها، هي مجرد وظيفة وعظية مقصورة على خطباء الجمعة في المساجد، أو أنها تنحصر في التبشير والإنذار، والوعد والوعيد. إننا نعلم أن خطب الوعظ والإرشاد لم تتوقف في مسجد بأية بقعة من بقاع العالم الإسلامي منذ أن كانت هذه المساجد، ومع ذلك فإن المسلمين أصابتهم نكسات، وضعفت شوكة أقطارهم، وتغلبت عليهم الأمم بجهلهم وانحطاطهم ومشاحناتهم وتنكبهم عن طريق الله.
وإذا كان الإسلام ـ دينا وحضارة ـ قد عاش واستمر مقاوما تقلبات الزمن، فالفضل في ذلك يرجع، أولا إلى قوته الذاتية النابعة من الكتاب والسنة، وثانيا، إلى الصرح العلمي المتين الذي أقامه علماء السلف الصالح ومجددو الدعوة والفكرة الإسلاميين.
الدعوة الإسلامية واجبة على كل قادر عليها، لأنه لا كهانة في الإسلام ولا رهبنة: فكل مسلم مسؤول ومكلف متى توفرت فيه شروط التكليف والمسؤولية: ومنها الرشد، وصحة العقل والبدن، والعلم. وتكون الدعوة بالتبليغ الشفوي والكتابي كما تكون بالقدوة الصالحة.
يقول الإمام الغزالي من رسالة بعث بها إلى الوزير ضياء الملك: «ان مدينة كركان منذ زمان كانت خالبة من عالم يحسن الاقتداء به حتى عاد اليوم إلى موطنه ناسح المسلمين. إبراهيم السباك وأحيا هذه الناحية بعلمه وورعه وشاعت فائدته في التدريس والتذكير وانتعش أهل السنة بالحياة من جديد». فأنت ترى كيف أكد حجة الإسلام على حسن الاقتداء والعمل والورع، إذ العلم وحده لا يكفي، وربما كان فر كركان ـ عند قدوم إبراهيم السباك إليها علماء، لكن لم يكن يحسن الاقتداء بهم، فلم تنتعش المدينة ولم تتدفق الحياة في شرايينها من جديد حتى ورد عليها داعية توسل بالعلم والعمل لتجديد دعوة الدين، وجعل من نفسه قدوة للناس بالورع وجمال السيرة.
قال الله تعالى في كتابه العزيز: «والمؤمنون والمؤمنان بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر» (التوبة، 71) والمعنى أن بينهم نسبة ومشاركة ومناصرة في الدين والاعتقاد فهم لا تجمعهم الألفة والمودة فحسب بل واجب مشترك هو الدفاع عن القيم الخلقية التي أمر بها الله، يسند بعضهم بعضا في ذلك فيأمرون بكل عمل مستقيم نافع (المعروف) وينهون عن كل انحراف وفساد (المنكر)، لا يستثني الله من النهوض بهذا الواجب مؤمنا أو مؤمنة، كل واحد منهم مرآة أخيه في العمل الصالح والإيمان القويم، والغيرة الإسلامية، فهم يتعاونون وتبرز قوتهم مجتمعين فتستقيم أحوال الأمة الإسلامية وتتمهد أمامها سبل العزة والاستقرار بالإيمان والعلم والعمل الصالح.
من خواطر الداعية المصلح جمال الدين الأفغاني قوله: «إذا أخذنا ما تجمع للخليفة الأول أبي بكر، وللخليفة الثاني عمر الفاروق ـ رضي الله عنهما ـ من الجيوش... وعلمنا أن مجموع الجيوش الإسلامية في العهدين لم يتجاوز الأربعين ألفا، وقسنا ما دخل من الممالك في حوزة المسلمين... تبين وتحقق لنا أن عمل الجهاد بالسيف لم يكن ليذكر في جانب الدعوة بالحكمة، والأخذ بالعدل المطلق، والمثال الحسن، والقدوة الصالحة، وما فتح من البلدان والأمصار صلحا أكثر بكثير مما فتح عنوة وحربا» هذه حقائق يثبتها التاريخ والواقع، لقد انتشرت دعوة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها بالإقناع والاقتناع، بالقدوة الصالحة والعلم، بفضل طائفة من الدعاة الأبرار الذين ينطبق عليهم هذا القول الكريم: «يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين» (آل عمران، 114).
العالم الإسلامي اليوم، قوة بشرية هائلة، ورقعة جغرافية شاسعة الأطراف، وأقطار العالم الإسلامي كلها تسير في طريق النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، إلا أن هذه الأقطار تواجه تحديات ملحة ومستمرة في شتى الميادين: في التعليم والثقافة، في الاقتصاد والاجتماع، في الحكم والسياسة، في الأخلاق والقوانين.
وأخطر هذه التحديات جميعا ما يحدث منها في ميدان الفكر والاعتقاد، إذ من هنا يتسرب الفساد إلى بقية الميادين الأخرى. وليس المهم هو أن نقف من هذه التحديات موقف الحذر والتخوف، بل أن نتسلح لمواجهتها وصدها.
إنها تحديات تصور الباطل حقا، والسفاهة رشدا، مستعينة في ذلك بأسلوب في الجدل والتغلغل تسنده الوسائل العلمية والمادية والتقنية التي يتيحها العصر. فهي تجعل في خدمتها علم النفس وعلم الاجتماع وفن الإعلام ووسائله السمعية البصرية. وينفق أصحابها في سبيل ذلك الأموال الكثيرة، يصدرون بها الكتب والمجلات، ويبعثون الرسل والمبشرين، ويصورون الأفلام ويسجلون الأشرطة، ويقيمون المؤتمرات والندوات، كل ذلك بقصد نشر أفكار تمجد المادة وحدها وتجعل منها مبدأ الحياة وغايتها، وتنشر عقائد يؤدي اعتناقها إلى الإلحاد. وتتخذ هذه الأفكار والعقائد أشكالا وصورا شتى، وتتباين أسماؤها ومقاصدها الظاهرة، إلا أن غايتها واحدة: القضاء على كل حضارة قوامها الإيمان بوحدانية الله وبقدرته المطلقة وبكون الإنسان مسخرا هذه الدنيا لعمارة الأرض وخلافة الله فيها بالبر والعدل والإحسان والتقوى استعدادا فيها بالبر والعدل والإحسان والتقوى استعدادا لدار البقاء التي لا تفنى.
ولمواجهة هذه التحديات يجب على الداعية المسلم الذي يتصدى لإرشاد الشبان وتعليمهم وإثارة سبل المستقبل والحياة أمامهم، أن يأخذ بالوسائل العلمية والتقنولوجية التي يتيحها العصر لإبطال الباطل بالحجة، وللوقوف في وجه الخصم بسلاحه، ولا يتصور في العقل أن يقف الداعية المسلم في وجه مروجي الأفكار والعقائد المادية الإلحادية، ولا سلاح معه إلا معرفته بالفقه والتفسير والحديث وعلوم اللغة والبلاغة على الأساليب القديمة، بل لابد له من أن يكون ذا ثقافة واسعة ومعارف متنوعة كفلسفة التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع مع الإلمام بلغة أو بعدة لغات أجنبية.
ولست أقصد بالداعية المسلم، الذي يتصدى للوعظ والإرشاد في المساجد فحسب، بل كل مسلم متعلم سواء كان معلما أو طبيبا أو مهندسا أو مؤرخا أو باحثا أو صحافيا أو موظفا..
لقد كان السلف الصالح من العلماء كلهم دعاة بلسانهم وقلمهم وعملهم، لا يستثني من ذلك المحدث والمفسر والمؤرخ والطبيب والفيلسوف والرحالة والأديب. اقرأ، مثلا أي كتاب لابن قتيبة الذي اشتهر بكونه أديبا، تجد أنه لا يخلو من الدعوة للإسلام والدفاع عن مبادئه وعقيدته. وقل مثل ذلك في رجال أمثال ابن سينا، وابن الهيثم، والغزالي، وابن رشد، وابن طفيل، وابن حزم، وابن تيمية، وابن خلدون، وعز الدين بن عبد السلام، وابن بطوطة، وابن جبير، والإدريسي، وأبي حيان التوحيدي، وابن عبد ربه. كلهم كانوا دعاة على اختلاف بينهم في الاتجاه الثقافي والتخصص العلمي والدعوة الإسلامية، لها قادة وجنود، فقادتها هم ملوك الدول الإسلامية ورؤساؤها وزعما، الرأي والفكر والعلم فيها، وجنودها هم جميع أفراد الأمة الإسلامية الذين أتيح لهم نصيب من الثقافة ويعملون في مختلف ميادين الحياة.
والدعوة الإسلامية ـ وهي رسالة دائمة مستمرة ـ مسؤولية جماعية وواجب فردي.
فالمسؤولية الجماعية تتولاها الحكومات والهيآت السياسية والثقافية والاجتماعية والمهنية المختلفة، تتلوها أولا وقبل كل شيء، في ميدان التربية والتعليم بجعلهما إسلاميين في توجيههما وغايتهما، عصريين في مناهجهما وطرق تلقينهما. ويستحسن أن نورد هنا كلمة للداعية المسلم الجليل أبي الحسن علي الحسني الندوى قالها في معرض التحدث عن الغزو الفكري الجارف الذي استهدف له المسلمون في أقطارهم في طور ضعفهم وتأخرهم، قال: «وحل هذه المشكلة.. ليس إلا أن يصاغ النظام التعليمي (في الأقطار الإسلامية) صوغا جديدا يلائم عقائد الأمة المسلمة ومقومات حياتها وأهدافها وحاجاتها. ويخرج من جميع مواده روح المادية والتمرد على الله والثورة على القيم الخلقية والروحية وتعبد الجسم والمادة، وينفخ فيه من روح التقوى والإنابة إلى الله، وتقدير الآخرة، والعطف على الإنسانية كلها».
نعم إن المادية الملحدة تمارس عملها الهدام أول ما تمارسه في المدارس والمعاهد والكليات عن طريق الكتاب المدسوسة، والبرامج الملغومة، وبواسطة مدرسين ذهبوا ضحية استلاب فكري أفقدهم الصواب وحسن التمييز.
وتواصل المادية الملحدة عملها عن طريق الأفلام والكتب والمجلات والندوات مستعينة بأحدث الوسائل العلمية والفنية لبث فسادها، فلابد إذن من أن تواجه الحكومات الإسلامية كل هذه الوسائل بوسائل من جنسها.
وإنني بهذه المناسبة أود أن أنوه بالجهود الحميدة التي تبذلها في هذا السبيل هيآت رشيدة مثل «رابطة العالم الإسلامي» التي نتمنى لها مزيدا من النجاح في أداء رسالتها. كما ينبغي الإشادة بالجهود الفردية التي يبذلها دعاة أجلة من قادة العالم الإسلامي وعلمائه ومثقفيه بما يؤلفونه من كتب ويلقونه من محاضرات ويشاركون فيه من ندوات ومؤتمرات فيواجهون التيارات الضالة المضلة بعلم وكفاية ودراية، وفيهم الفلاسفة والمؤرخون والأطباء والأدباء وعلماء النفس والاجتماع.
وقد قيض الله للإسلام، في هذا العصر، علماء من الغرب أتيح لهم أن يتفقهوا في علوم القرآن وأن يطلعوا على كثير من مناحي الثقافة الإسلامية الرائعة، فجندوا معارفهم وحملوا أقلامهم ورفعوا صوتهم في سبيل التعريف بالإسلام والدفاع عنه وإبراز القيم الإنسانية والروحية المثلى التي ينطوي عليها القرآن. ويكفي أن
نذكر من هؤلاء عالما فرنسيا جليلا صدر له منذ شهور قليلة كتاب قيم أشاد فيه بالإسلام وأكد، بما لا يترك مجالا للشك، إعجاز القرآن وموافقة كل ما جاء فيه من إشارات علمية للمعارف العصرية، هذا العالم هو الأستاذ الطبيب الجراح موريس بوكاي صاحب كتاب «التوراة والإنجيل والقرآن والعلم» الذي صدر بالفرنسية ولخصناه تلخيصا وافيا في تقديم سيصد في محلة «المناهل» التي تشرف عليها وزارة الدولة في الشؤون الثقافية.
وبعد، فإن هذا العصر عصر صراع وتهافت، ونحن لا يخامرنا شك في أن الإسلام ـ دينا وعقيدة وحضارة ـ هو الكفيل وحده بإنقاذ الإنسان مما تردى فيه من انحلال وانسياق مع المادية والإلحاد، وهو القادر وحده أن يقدم الأجوبة الكافية على ما تطرحه الحضارة العصرية من أسئلة عديدة. فلابد إذن أن ينهض من بين المسلمين دعاة نيرون يبصرونهم بحقيقة الرسالة الإسلامية على ضوء معارف العصر ووفقا لتنظيم وتخطيط محكمين. والمجتمع الإسلامي المعاصر لابد له من أن يأخذ بأسباب العلم والتقنولوجيا، على أن يسخرهما لخدمة مقاصد الإسلام ورسالته، إذ في ذلك خلاص البشرية مما يستبد بها من هم وقلق وخوف...
«غير خاف عليك شعبي العزيز أننا كبرنا في مدرسة وطنية مدرسة محمد الخامس رحمه الله الذي ألقى خطابه التاريخي سنة 1944 ذلك الخطاب الذي قال فيه مقالتين مهمتين: الأولى: أن الملك والشعب يرغبان في العيش في ظل ملكية دستورية، وفي نفس ذلك الخطاب قال رحمة الله عليه: (يجب علينا أن لا ننسى في الثورة التي نقوم بها للتحرير وللتعليم وفتح المدارس وإرسال البعثات إلى الخارج، يجد علينا أن لا ننسى سواد الأمة الذي يكونه الفلاحون).
وإذن فإن مدرسة محمد الخامس الوطنية كانت مبنية على ثلاثة أسس: الإطار العام ألا وهو الملكية الدستورية والرفع من مستوى شعبه، وذلك بتعميم الثقافة والتعليم وبعث البعثات إلى الخارج دون أن ينسى ذلك المشاكل الحقيقية والثروات الحقيقية للبلاد التي يكونها ثمانون في المئة من السكان ألا وهي مشاكل الفلاحة».

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here