islamaumaroc

ابن الونان والأدب في عهد السلطان السلفي محمد الثالث 1187هـ-1773م

  دعوة الحق

174 العدد

هو الفقيه الأديب أبو العباس احمد بن محمد ابن الونان الحميري النسب التواتي الأصل الفاسي الدار والمولد والمنشأ.
كان سلفه بفاس يدعون أولاد الونان لا يعرفون إلا بذلك، والمولى محمد بن عبد الله الممدوح بهذه القصيدة كنى والد الناظم بأبي الشمقمق(1) فعلقت به هذه الكنية وأصبحت علما عليه لا يدعى إلا بها إذ كان نديم السلطان ابن عبد الله(2)، وإذ تعذر على الشاعر الوصول إلى ممدوحه لمكان الحجابة المضروبة اتخذ شارة كراية وعلاكدية ونادى بالمفرد الرجزي المشطور: (يا سيدي سبط النبي  أبو الشمقشق ابى)
هناك عرفه وأمر بإحضاره وأنشده القصيدة فوقعت منه موقعا وأجزل صلته، ورفع منزلته.
كان شاعرا ماهرا، وفحلا هادرا، ذا وجد وإجادة، وقريحة وقادة، وكان عارفا بأيام العرب وأنسابها، والمغازى والسير والتواريخ آخذا لها عن أربابها. وقد أجاد والده تربيته وتعليمه إلى أن أصبح كما نرى.
أخذ عن جماعة من العلماء كالعلامة أبي عبد الله جسوس، وأبي حفص الفاسي، والشيخ أبي عبد الله محمد التاودي ابن سودة، والعلامة محمد بن الحسن بناني وغيرهم، وأخذ الشعر والأدب عن والده.
ومن شعره الدال على شفوفه وترفعه عن أخذ الزكوات قوله:
أما الزكاة فإن النفس تأنف أن
يلوث الكف من أوساخها قنص
كأن نسبة أموال البرية لي
دون النصاب من الأموال أو وقص
وأكره الدرهم الفضي أنظره
حتى كأن بياض الفضة البرص

ويقول عن نفسه في آخر القصيدة:
أحق من حلي بالأستاذ والشيـ
ـخ الفقيه العالم المحقق
وبالمحدث الشهير والأديـ
ـب والمجيد والبليغ المفلق
وأعلم الناس بدون مرية
سيان من في مغرب ومشرق
والشعر والتاريخ والأمثال والا
نساب والآثار سل تصدق
 والأرجوزة القافية هي أعظم آثاره، وعدد أبياتها 275 وتنقسم إلى ثمانية أغراض شعرية:
1/ النسيب
2/ التغزل بصفات محبوبته
3/ الحماسة والفخر
4/ مخاطبة الحسود
5/ الحكم والأمثال والوصايا.
6/ مدح وشعر
7/ مدح السلطان السلفي العالم.
8/ مدح الأرجوزة وتحدي الشعراء بأن يأتوا بمثلها.

وطبعت مجردة طبعة حجرية ضمن مجموعة من المتون العالمية عام 1315.
وإليكم أبياتا من أولها قال:
مهلا على رسلك حادى .........    ــــــ ولا تكلفها بما لم تطق
فطالما كلفتها وسقتها                 سوق فتى من حالها لم يشفق
ولم تزل ترمي بها يد النوى         بكل فج وفلاة سملق
وما ائتلت تذرع كل فدفد            أذرعها وكل قاع قرق
وكل أبطح وأجرع وجز            ع وصريمة وكل ابرق
مجاهل تحارفيهن القطا             لادمنة لارسم دارقد بقى
ليس بها غير السوافي والحوا      صب الحراجيج وكل زحلق   
والمرخ والعقار والعضاه والبـ     ـبشام والاثل ونبت الخريق
والرمث والخلة والسعدان والــ    ـثغرى وسنا وسمسق
وعشر ونشم واسحل                مع تمام وبها رمونق  
والسمع واليعقوب والقشة والسـ    ـيد السبنتي والقطا وجورق
والليل والنهار والرئال والـ         ـهيثم مع عكرمة وخرنق 
ولم تزل تقطع جلباب الدجى        بجلم الأيدي وسيف العنق
فما استراحت من عبور جعفر      ومن صعود بصعيد زلق
إلا وفي خضخاض دمع عينها      خاضت وغابت بسراب مطبق 
كأنما رقراقة بحر طما              والنوق امواج عليه ترتقي
وكل هودج على أقتابها             مثل سفين ماخر أو زورق 
مرت بها هوج الرياح فهي في     تفرق حينا وحينا تلتقي
وكم بسوط الحدو سقت سوقها     لسوق مكر سوق من لم يتق
حتى غدت خوصا عجافا ضمرا   أعناقها تشكو طويل العنق
مرثومة الأيدي شكت فرط الوجا  لكنها تشكو لغير مشفق
قد ذهبت منها المحاسن باد        
مان السرى وقلة الترفق

ولما احتوته من آداب رفيع، وأمثال وحكم لها قيمتها اللغوية والأدبية والاجتماعية تناولتها أقلام جمهرة من الشيوخ والأعلام في مقدمتها شيخ الجماعة الشاعر الكبير المرحوم محمد المكي البطاوري الرباطي(3) فكتب عنها شرحا مسهبا يقع في مجلدين بيد أنه وياللأسف وإلى حد الساعة لم يرح نسيم الطبع فيعم نفعه حيث يكون كديوان أدبي هام يرجع إليه الأدباء خاصة الجيل الصاعد سماه «اقتطاف زهرات الأفنان من دوحة قافية ابن الونان» وكتب عنها العلامة الأديب المؤرخ المرحوم أبو العباس احمد بن خالد الناصري صاحي: «كتاب الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى» بما أسماه: «زهرات الأفنان من حديقة ابن الونان»(4).
وممن كتبوا عنها أستاذنا المحقق الواعية أبو عبد الله محمد بن عبد السلام السائح وبشرحه الخطى درسنا عليه بعضها(5).
وكتب عليها كذلك الأستاذ المطلع الأخ السيد عبد الله كنون فكان ما كتبه عنها شرحا مختصرا أبان ما احتوته من ألفاظ قد تكون أحيانا وحشية(6).
ولمح لحياته الأديب المرحوم أبو العباس أحمد النميسي في كتيبه «تاريخ الشعر والشعراء بفاس»(7).
وطبعا تعرض هؤلاء الشراح ل............ من حياة الشاعر ابن الونان، كما عرض له أستاذنا أبو عبد الله السائح المذكور في كتابه «المنتخبات العبقرية لطلال المدارس الثانوية»(8) وأتى كذلك بنبذة منها في كتابه (سوق المهر إلى قافية ابن عمرو»(9).
وأشار لحياته الأديبان: محمد الطيب محمد النادي عبد النافع، وابراهيم عبد الرحيم يوسف» في كتابهما «تاريخ الأدب والنصوص الأدبية للسنة السادسة الثانوية» ناقلين عن كتاب «المنتخبات العبقرية المشار إليه آنفا غير أن الكاتبين نسبا (أثناء الترجمة أبياتا للشيخ محمد السائح وهي (أحق من حلى بالأستاذ والشيخ الفقيه العالم المحقق) إلى آخر الأبيات الأربعة وقد يكون هذا من عدم الاطلاع على مجموع القافية والبعد عن الاتصال بأبياتها بل زادا قائلين: ولا نحب أن نذهب مذهب هذا القائل كتعقيب عليه وهو في مأمن من قولها إن هي إلا للمترجم ابن الونان:
ومن لطيف النكت أن يقال:
«حسبتهم سهاما صائبات
فكانوها ولكن في فؤادي»
والموضوع هذا ثري فياض لمن تتبعه وإذا كان من مقول ابن الونان:
من كان يرجو من سواي ............
رجا من القرية رشح العرق
كان ذلك من حوافز العلامة الأديب الكبير محمد بن محمد بن التهامي بن عمرو الرباطي المتوفى بالحجاز سنة 1243 لمعارضتها بأخرى رائعة (ولا بدع وهي في مدح المصطفى صلوات الله عليه) يقول في مطلعها:
مسحت في الادلاج كل خفيق
يرآء سبسب يباب سملق
ومنها:
يا أكرم الخلق على الله ويا
شمس الضحى في مغرب ومشرق
وهي التي اعتنى بشرحها شيخنا العلامة السائح الملمح إليه سابقا، كما شرحها شيخنا المحدث الكبير محمد المدني بن الحسنى(10) بما أسماه: «الفتح القدسي على قافية الاوسي»(11).
ومن الغريب أن المعارض ابن عمرو شارك ابن الونان في نسبه ويلزم من ذلك المشاركة له في افتخاره بملوك اليمن ومالهم من الآثار، وبالأنصار وما كان لهم من المشاهد والمواقف مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. قال:
سل ابن خلدون علينا فلنا
بيمن مآثر لم تمحق
وسل سليمان الكلاعي كم لنا
من خبر بخيبر والخندق
وهذه مزاحمته في موجوده وجدوده، وفي محصوله وأصوله، وهذا من غريب الاتفاق. والميدان الأدبي في هذه الموضوعات فسيح لمن تقرأه (ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد).
ولا بدع أن ينطلق ابن الونان ومن نجا منحاه من الأدباء معارضة أو شرحا في عهد دولتنا العلوية المنيفة وهي الدولة التي أضحت منذ اعتلائها على العرش المغربي تساند كل قطاعاته ومرافقه تثقيفا وأدبا واقتصادا واجتماعيا لا تفتأ تواصل خطواتها ومسيراتها دون كلالة وملالة إن هو إلا السير قدما نحو بعث الأصالة والتجديد لأنماطها المختلفة، ولا عجب ونحن نرى ونبصر بين الفينة والفينة ما يطلع به علينا الحسن الثاني من آيات مدهشة ومبتكرات تضرب في الغرابة والندرة وما يعجز عن تسطيره القلم.
وبالتالي يترك ألسن القادة والمفكرين في الشرق والغرب مشدوهين مندهشين من وقفته الحاسمة حول ما يطرح بين يديه من مشاكل عالمية سياسيا واقتصاديا طالما انتظرت حلولا تطمئن لها الآراء والأفكار عن اقتناع واكتفاء إلى أن ينافسها الحسن في فجاءة بما أوتيه من طاقات وقدرات خلاقة ينكشف لها الغطاء ويحل الغامض فكأنه كان وإياه على ميعاد.
ولا نذهب بعيدا فهو ذا عيد عرشه المجيد وذكراه الخالدة الذي عودنا فيه أن يعتلي منصة العز والخطابة فيؤثر على شعبه الوفي المتعطش كلماته ما ينور الأفكار.
ذلك ما يجعله وعن صدق من أقطاب القرن دون منازع. فليهنأ الحسن البطل في ذكراه وما شاء الله محفوظا في ولي عهده سمو الأمير سيدي محمد وصنوه المولى رشيد وباقي الأسرة.


 (1) تشبيها بالشاعر الكوفي الماجن الذي نقرأ أخباره الظريفة في الأغاني، والعقد الفريد، والكامل وغيرها من كتب الأدب.
 (2) كان أبوه شديد الصمم سريع الفهم حتى كأنه كما قال الشاعر:
«تشير له بلحظك من بعيد  فيفهم طرفه عنك الإشاردة»
(3) توفي سنة 1355 هـ
(4) توفي سنة 1315هـ طبع طبعتين الأولى بمصر والثانية بدار الكتاب بالدار البيضاء على يد ولديه الأستاذين جعفر ومحمد.
(5) ويظهر أن الشرح لم يتم. توفي سنة 1367.
(6) طبع بمطبعة مصطفى محمد بمصر سنة 1354
(7) طبع سنة 1343 بمطبعة أندري وهو عبارة عن مسامرة ألقاها بنادي المسامرات من المدرسة الثانوية بفاس سنة 1343 ـ 1924.
(8) طبع في دار المطبعة الرسمية برباط الفتح سنة 1920.
(9) طبع بالمطبعة الاقتصادية بالرباط سنة 1357 – 1938.
(10) توفي سنة 1378 ـ 1959 قرظه له جماعة من العلماء. والكاتب خص الأستاذ المرحوم المدني ابن الحسنى بتأليف سيصدر قريبا بحول الله.
(11) فرغ من تأليفه سنة 1322.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here