islamaumaroc

ملامح من أدب عيد العرش

  دعوة الحق

174 العدد

انبثقت فكرة الاحتفال بعيد العرش عن المؤتمر الثالث لطلبة شمال افريقيا المسلمين الذي انعقد سنة 1933، حيث تقررت المطالبة بالاحتفال به، وتأسست على إثر ذلك في فاس والرباط ومراكش لجان للتخابر بهذا الشأن مع سلطة الحمابة. وكان أن احتفل الشعب فعلا بعيد العرش في هذه السنة، ولكن بشكل رمزي، إذ لم يكتس الاحتفال صبغة رسمية إلا في السنةالتالية (1934). وكان صعبا على حكومة الحماية أن تمنع مثل هذه الظاهر، ولكنها لاشك فوجئت بها وبما صاحبها من مد وطني كبير.
وإذا كان متعذرا علينا أن نحدد الظروف المباشرة التي أوحت بإقامة ذكرى العرش، فإننا نستطيع أن نتصور الإطار العام لتلك الظروف. ولعلنا لا ننسى أن المقاومة الشعبية المسلحة استمرت في مناطق كثيرة للتعبير عن الموقف من الحماية. وبمجرد أن هدأت هذه المقاومة بدأ العمل السياسي. وكان حادث الظهير البربري سنة 1930 بداية مرحلة جديدة ظهر معها وعي متطور أتاح الفرصة لالتحام العملين السياسي والثقافي. وهو الالتحام الذي انطلقت منه الحركة الوطنية. وعن هذا كله نتج إحساس قوي بالذات أدى إلى ضرورة الالتفاف حول العرش باعتباره رمز الكيان الوطني.
ويمكننا أن نستشف ملامح هذا الشعور في الخطبة التي ألقاها جلالة الحسن الثاني سنة 1945 ـ وهو يومئذ ولي العهد ـ في تهنئة والده المغفور له محمد الخامس بذكرى الجلوس على العرش. وكانت العادة أن يلقي في كل مرة خطبة يهيء فيها والده بالمناسبة. فقد جاءت في هذه الخطبة فقرة علل فيها للاحتفال حيث قال: «... نأتي هنا لنأخذ حظا وافرا من مظاهرتين عظيمتين: أولاهما حنو عاهل البلاد على أفراد أمته يبذل لهم النصائح ويرشدهم بنفسه قولا وعملا إلى أحسن السبل متمسكا في كل ذلك بحبل الله المتين مقويا تلك العروة الوثقى التي لا انفصام لها من الاخوة الصافية التي ينبغي أن تتصل بين المومنين والتواصي بالحق والصبر الذي أمرنا به رب العالمين. والثانية محبة أمة مسلمة مؤمنة تحيط بملكنا المفدى غحاطة النحل باليعسوب تطيعه في أوامره وتتسارع إلى مرضاته، تبذل له ما يجب من أكيد الولاء وتؤازره في ثابت الوفاء ليتم بفضل الله هيكل الوحدة الإسلامية والخضارة المغربية في رفاهية تكسو كل نواحي البلاد وسعادة تتمتع بها سائر طبقات العباد».
                                                   *
والحقيقة أن عيد العرش بهذا الاعتبار وبهذا البعد وبالحصانة التي كانت تحيط به، أصبح ـ بالنسبة لجميع المغاربة ـ الفرصة التي تتيح لهم التعبير عن مشاعرهم الوطنية، لاسيما وأن عهد الحماية كان لا يبيح مثل هذا التعبير.
واستمر هذا الروح حتى بعد الاستقلال، بل غدا التعبير منطلقا دون قيود بحكم جو الحرية الذي بدا يتنفس في المغاربة. وأصبحت المناسبة لا تقتضي تناول قضايا الحرية والاستقلال، ولكن غدت فرصة للتجاوب مع المنجزات وللتعبير عن التطلعات ولطرح مختلف القضايا الوطنية وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
ونحن حين ننظر في الأدب الذي صدر مرتبطا بالعرش منذ ظهر هذا الأدب إلى الآن، فإننا نستطيع تناوله من خلال ثلاثة أصناف:

أولا: الخطب السلطانية
وعندنا أنها مرت في عهد الحماية بمرحلتين:
الأولى: المطالبة بتحقيق بعض الإصلاحات، ولاسيما فيما يتصل بالمجالات الحيوية في الأمة، وخاصة التعليم الذي كان يكتسي صبغة الإلحاح والاستعجال. ويكفي للدلالة على روح هذه المرحلة أن نشير إلى الخطبة التي ألقاها جلالة المغفور له محمد الخامس في ذكرى الجلوس سنة 1943، والتي أدارها حول العلم وضرورة طلبه باعتباره فريضة على كل مسلم, فقد ورد في هذه الخطبة قوله بأن المغرب «... يفتقر قبل كل شيء إلى رجال العمل المنتج ولا يكون أولائك الرجال إلا العلم... لذلك جعلنا أساس النهوض بالبلاد والجد وراء مصلحة العباد الاعتناء بمعاهد العلم واثمارها حتى يدنو قطوفها، ولا وسيلة بدون العلم لسعادة بني الإنسان ولا ذخر كالعلم يجمل به الفرد والأمم مدى الحقب والأزمان. خطا المغرب بفضل الله خطوات حميدة في هذا السبيل فأصلح الموجود من معاهد العلم قدر الإمكان وأسست مدارس جديدة يتنور فيها الشبان، فأقبل شباب المغرب في جمع متزايد على حياض العلم وصار يبشر بما يملأ القلب سرورا ويثلج للمؤمنين صدورا. إلا أن ذلك لا يكمل إلا إذا حصلنا على إصلاح كل أفراد الأمة لنخرج مما كان يحيط بنا من الظلمات المدلهمة، فإن الأمة كالجسر لا يمكن إصلاح نصفها مع بقاء النصف الآخر ناقصا أو عليلا. فلا صلاح إلا بصلاح جميع أعضائها، لذلك تنبهنا لتربية بناتنا لرتق حالة عائلاتنا».
الثانية: المطالبة بالحرية والاستقلال، وقد تبلورت في خطاب سنة إحدى وخمسين واثنتين وخمسين، والعلاقات المغربية الفرنسية متأزمة بسبب المطلب المغرب الملح على ضرورة إنهاء عهد الحماية.
أما الخطاب الأول فتكفينا منه هذه السطور برهانا على ما بلغته الظروف من حدة توحي بالاختناق، ولكنها في نفس الآن توحي بالصمود والثبات والتصميم على الاستمرار. قال جلالة المغفور له: «... نشكره جلت قدرته لما يسر لنا من رعاية هذه الأمة المغربية وحفظ مصالحها الدينية والدنيوية... والسر كل السر في ذلك هو الثبات على المبدأ والمثابرة والصبر والمصابرة... فقد جرت سنة الله في خلقه بامتحان الأنبياء والصديقين وفتنة المخلصين والمصلحين ليبلوهم أيهم أحسن عملا. قال تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) وكفى بسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام برهانا ساطعا ونبراسا نيرا لامعا. أوذي صلى الله عليه وسلم فما وهنت عزيمته ولا ضعفت حجته ولا استكانت في الحق صرامته، التفت في أحرج المواقف إلى عمه حين عرض عليه المال والجاه ليتخلى عن تبليغ الدعوة فقال: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر أو أهلك دونه ما تركته)... وقد آلينا على أنفسنا منذ قيضنا الله لذلك أن نسعى غير وانين ولا متهاونين وندأب غير متخلفين ولا متقاعسين حتى نعيد لها مجدها التالد وعزها الخالد».
وأما الخطاب الثاني فقال فيه رحمة الله عليه موضحا ضرورة استرجاع السيادة: «فمنذ تولينا الأمور بنفسنا ونحن نذود عن تلك السيادة... لكن الحماية سلكت منذ تأسيسها سياسة.. لم تجار روح العصر وتطور الشعب المغربي. وقد ضربنا في ذلك مثلا لأحد رجالات فرنسا المسؤولين في محفل رسمي سنة 1944 بقولنا أن الحماية مثلها كمثل قميص جعل لطفل صغير فكبر الطفل ونما وترعرع وبقي القميص على حاله».
وقد أخذت الخطب الملكية غداة الاستقلال، وخاصة في عهد جلالة الحسن الثاني، تكتسي طابعا آخر يتفق ومرحلة البناء والتشييد. فهي تطرح المشاريع والمنجزات في جميع القطاعات، وترسم الأهداف وتخطط وسائل
تحقيقها، وتوضح المشكلات وتفتح الآفاق لمختلف القضايا الوطنية، وهي بعد هذا تعالج جميع اهتمامات المغرب العالم، وخاصة فيما يتصل بقضايا التحرير وتحقيق مصير الشعوب وتصفية الاستعمار.
ولاشك أن الخطب الحسنية، سواء ما قيل منها في مناسبة ذكرى عيد العرش أو غيرها من المناسبات، تعتبر بهذه الخصائص ميثاق عمل دائم، وهو ميثاق يتجدد في كل مرة، ويكتسي بذلك طابعا يجعل منه ـ وعلى التوالي ـ فصولا متلاحقة لإيديولوجية واضحة الملامح والمعالم، وعلى الرغم من أني في غير حاجة إلى التمثيل لهذه الخطب لأنها أبدا نابضة بالحياة والقوة في أذهان وقلوب المواطنين، فإني أود أن أورد في هذا المضمار فقرة من خطاب جلالته في عيد العرش سنة 1974، يكشف فيها حفظه الله عن سر التلاحم بين الملك والشعب خلال التاريخ إذ يقول: «وليس ببدع أن تتآزر ورغائب الشعب وتتعاون المشيآت المتماسكة المتعاهدة وتتلاقى على صعيد واحد ونهج لا تباعد فيه ولا خلاف. ذلك أن الشعور بالصالح العام والشعور بالواجب المفروض والمهام التي تولدت عن هذين الشعورين خلال القرون المتعاقبة حتى أصبحت لازمة من لوازم الحياة، هذا وغيره من مشاعر الثقة والصفاء المصاحبة لاتحاد الدوافع والمقاصد تآلف منه ذلك الأصل المشترك الذي خلق القربى وأحكام الروابط والصلات.. فلم يكن دأب الملوك الذين تعاقبوا على عرش هذه الدولة ولا كان همهم الإخلاد إلى الراحة والسكون إلى الدعة والاستنامة إلى الترف والاستمتاع، وإنما كان كدهم وهجيراهم أن يكافحوا ويناضلوا ويقاوموا ويجادلوا ويحرروا ويوحدوا ويؤسسوا وينشئوا دفاعا عن حوزة البلاد وصدا لأطماع الطامعين وردا لعدوان المعتدين وحفاظا على الكرامة وإبقاء للسيادة وابتغاء لأمنك ورقيك وإعلاء لشأنك ومدا لجاهك وتأمينا لكريم عيشك وتوفيرا لأسباب ابهاجك وإسعادك».
كذلك أود أن أورد فقرة من الخطاب الذي ألقاه جلالته في ذكرى ثورة الملك والشعب سنة 1975 والذي عبر فيه عن عزمه على تحرير الصحراء داعيا الشعب إلى التعبئة للمعركة، في نفس يذكر بقادة الجهاد ومواقف البطولة التي يشهد بها تاريخ المغرب في أزهى مراحله وأبهى أزمانه، وأسلوب يستم بالصدق والتلقائية وينم عن العزيمة والإصرار. قال نصره الله: «نحن في طريق المعارك الدبلوماسية وأملنا أن تنجح، ولكن ـ شعبي العزيز ـ إذا هي لم تنجح فلن يبقى لنا إلا أن نخوض غمار المعركة الأخيرة ألا وهي معركة التضحية والاستشهاد. لا أريد أن أطيل عليك في هذا المضمار شعبي العزيز ولكن أريد من الجميع... أن يعرف.. أن هدفنا هو نيل أرضنا إما بالوسائل السلمية وإما بغير الوسائل السلمية. وحينما يحين شعبي العزيز ويدق الوقت يجب على كل واحد فيما أن يهيئ حقيبته ويبرئ ذمته ويركب مطيته لكي يذهب إلى الساحة في ذلك الوقت سوف أخاطبك لا ببذلتي هذه ولكن بالبذلة العسكرية حتى أكون على رأس كل من أراد أن يجاهد ويستشهد في سبيل أرضه ووطنه».

ثانيا: الكلمات
وتعتبر في طليعتها الخطب التي أسلفنا عنها القول، وهي التي كان جلالة الحسن الثاني وهو ولي للعهد يهنئ بها والده، وكذاك صاحبة السمو الأميرة للا عائشة. وكانت هذه الخطب تأتي لتعبر على لسان الأمة جمعاء عن مدى التعلق بالعرش، وتأتي كذلك لتؤكد الأهداف وتوضح المطالب، سواء في مرحلة المناداة بالإصلاح أو مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال.
وقد برز في هذه الكلمات على عهد الحماية كتاب في طليعتهم الأساتذة الحاج محمد أبا حنيني ومحمد أبو بكر التطواني وعبد الرحمن الفاسي وعبد الله الجراري، أما بعد الاستقلال، وخاصة في عهد جلالة الحسن الثاني، فتكاد تكون كل الأقلام منطلقة للتعبير، إلى حد أن يصبح من الصعب علينا أن نحاول استقصاء أسماء الكتاب في هذا العرض المحدود، فهم أكثر من أن يستوعبهم، ولعله يكفي أن يرجع الدارس للأعداد الخاصة التي تصدرها مجلة (دعوة الحق) بالمناسبة لكي يتبين ملامح الكتابات المتنوعة التي توحي بها ذكرى عيد العرش.

ثالثا: القصائد
وغير خاف أن الشعراء كانوا ـ ومازالوا ـ يتبارون في الإنشاد. ويمكننا أن نذكر منهم في عهد الحماسة على سبيل المثال الشعراء محمد معمري الزواوي وعبد الرحمن الدكالي وعلال الفاسي ومحمد بن المهدي العلوي وعبد الملك البلغيثي وعبد الله كنون ومحمد الحلوي والحسن البونعماني ومحمد العثماني وعلي الصقلي والمدني الحمراوي.
أما في ظل الحسن الثاني أيده الله فيكاد الشعراء المعاصرون جميعا يتسابقون للتعبير عن المناسبة، على اختلاف أجيالهم وتباين انتماءاتهم السياسية والفكرية، مما يجعلنا نقصر في استعراضهم مهما ذكرنا من الأسماء، وكذلك نقصر في استعراض أسماء الشعراء العرب الوافدين الذين لاشك في أنهم يغنون بعرشياتهم مجال القول في المناسبة.
                                                  *
ولا يخامرني أدنى شك في أن الأدب المرتبط بهذه المناسبة أدب وطني(1) بكل ما يحمل هذا الوصف من مضامين وأبعاد. ويكفي أن أنظر مثلا في الكتابات العرشية منذ بداياتها حتى الآن، لأجد أنها حقا تعبر عن عواطف الكتاب نحو الجالس على العرش، ولكنها إلى جانب ذلك تتناول جوانب من تاريخ الدولة العلوية وتاريخ المغرب عامة، في محاولة جادة للكشف عن الصفحات المجيدة من هذا التاريخ. كما أنها تتناول المشاريع الوطنية وتناقش القضايا القومية، وغيرها مما يدخل في اهتمامات المغرب الداخلية والخارجية.
وإذا كان هذا الرأي ينسحب على النثر فهو كذلك ينسحب على الشعر الذي أرى إمكان النظر إليه من خلال مرحلتين:
الأولى قبل الاستقلال
وكانت العرشيات في هذه المرحلة تشيد بالملك ونضاله ومبادراته ودوره في إذكاء شعلة الوطنية وما يبذل من جهود لتحقيق مصير المغرب. وكانت كذلك تعبر وفي قوة عن الأفكار والمبادئ الوطنية، وتمجد الحمية وتشيد بأمجاد المغرب والعرش والشعب. ويكفيني هنا أن أمثل بأبيات من قصيدة للشاعر الأستاذ عبد الرحمن الدكالي يقول فيها مخاطبا جلالة المغفور له محمد الخامس:
في عيد عرشك نور الاستقلال
وعلى يديك تحقق الآمال
يسعى إليك الشعب وهو مهلل
ومكبر يا كاسر الأغلال
يسعى إليك وكله بك هاتف
عش للبلاد وعش للاستقلال
قد قلت إن الشعب يطلب حقه
قد قالها والله غير مال
حق لنا سنناله بدمائنا
إن لم ننله بحجة وجدال
فليستعد المعتدون لقمعنا
بسلاح الاسعتباد والإذلال
أما في المرحلة التالية أي بعد الاستقلال، وفي عهد الحسن الثاني، فقد ظل الشعر ينحو هذا النحو من التعبير، من حيث الإشادة بجلالة الملك ومبادراته وجهوده في الداخل والخارج، ومن حيث الإشادة كذلك بأمجاد المغرب والعرش والشعب، ولكنه أضاف إلى ذلك التعرض لمختلف المشاريع والمنجزات وطرح القضايا الوطنية والقومية، مما يجعلنا نقرأ هذه القصائد فنجدها تتحدث مثلا عن سياسة السدود والمليون هكتار واسترجاع الأراضي والمغربة وتحرير الصحراء، كما تتحدث عن قضية فلسطين وحرب الكرامة التي خاضها العرب ومشاركة الجيش الملكي بفعالية وتشريف في هذه الحرب. وسأكتفي بأن أطرح نموذجين:
أحدهما يشيد بجلالة الملك وهو للشاعر ادريس الجاي، وفيه يقول:
بك ما بغيرك يفخر الأحرار
وتشاد أمجاد ويعلو منار
كرم الزمان فكنت خير عطائه
وكذاك تحسن صنعها الأقدار
لما طلعت بمغرب الشمس امحى الليل القتام وأشرقت أنوار
وتألقت بك يا بهي سماؤنا
وتبسمت لشموسها الأقمار
فالأفق حال بالمنى مستبشر
وديارنا يزهو بها الديار
أكرم به ذاك الجبين مكللا
بالمكرمات يغار منها الغار
أعظم به نمى البذور فأينعت
فإذا الزهور براعم وثمار
يفديك يا حسن الفعال وصانع التاريخ شعب ذاكر شكار
ولعلنا نحس بشيء غير قليل من النبض والصدق يتدفق من هذه الأبيات، مما يجعلها وهي تشيد بجلالة الملك لا تقع في فتور المدح التقليدي.
أما النموذج الثاني في قصيدة الشاعر الحلوي «طلائع النصر» وكان قد أنشأها في الذكرى الثالثة عشرة، وكانت سنة عمل فيها المغرب بكل طاقاته وإمكاناته من أجل الوحدة حيث كان له موقف مشرف في حرب أكتوبر. يقول الشاعر في أول هذه القصيدة:
الله أكبر إن النصر يقترب
وجيش صهيون من سيناء ينسحب
قد زلزل البغي وانهارت قواعده
فالأرض من تحته أحشاؤها لهب
من بعد ما شمخت في أرضنا زمنا
قلاعه طأطأت هاماتها النوب
كأنها لم تكن يوما ولا رصدت
قنالنا تتحدانا وترتقب
من بعد عطرسة الباغي ونخوته
سكران يختال في كبر ويغتصب
قمنا نذكر صهيونا وقد نسيت
ان الذين غزوا أوطانهم عرب
لا يركعون لباغ جاء يرغمهم
وليس يرهبهم شيء إذا غضبوا
من بعدما أمنت صهيون ثورتنا
وآمنت أنما الدنيا لمن غلبوا
ثرنا فدارت عليهم شر دائرة
لم يشهدوا بعدها فيما به نكبوا
فوق القنال وفي الجولان ملحمة
لم ترو أهوالها الاحقاب والكتب
كم خيم الصمت في ساحتنا وشكت
سيوفنا وهي الاغماد تضطرب
وكم دعونا لهذا اليوم قادتنا
وكم أقمنا على الأطلال ننتحب
حتى استجابوا وهبوا من مرابضهم
فحققوا معجزات شأنها عجب
ولكن الشاعر لا ينسى المغرب وملكه في هذه الصورة حيث نراه يقول:
أكبرت في المغرب السباق عاهله
لقد تباهى به الإسلام والعرب
هاك شاد سدودا من أشلوسنا
بالموت تقذف لا بالماء ينسرب
وأظنني في غير حاجة إلى القول بأن السنتين المنصرمتين بما تميزتا به من تعبئة لتحرير الصحراء واسترجاعها بالفعل في مسيرة شعبية خضراء، قد فتحت للأدباء مجال التعبير عن هذه القضية في روح نضالي قوي كشفت عنه القصائد والكلمات التي أبدعتها القرائح الملتهبة.
ولم يكن الأدب المدرسي وحده في الساحة الوطنية، بل كان إلى جانبه الأدب الشعبي الذي كان أبدا موجودا فيها يثبت حضوره في مختلف المواقف والمناسبات، يعبر في تلقائية عن عواطف الشعب وأحاسيسه وتطلعاته واهتماماته، ويؤدي من خلال هذا التعبير دوره في تعبئة الجماهير وتوعيتها وتحميسها. ويمكننا أن نميز من أنواعه:
1 ـ الأهازيج والمرددات المتداولة بمختلف اللهجات وفي سائر المناطق.
2 ـ الأغاني الموضوعة كلماتها بالعامة.
3 ـ قصائد الملحون.
وأود هنا وبالنسبة لهذا الشعر أن أذكر من الشعراء الذين برزوا في عيد العرش على عهد المغفور له محمد الخامس الأشياخ العيساوي الفلوس والحاج محمد ابن عمر الملحوني ومولاي أحمد العلوي. أما الذين لمعوا في التجاوب مع ذكرى جلوس الحسن الثاني فكثيرون يكفينا أن نذكر منهم الأشياخ الحاج محمد العوفير واحمد سهوم. وعبد المالك اليوبي وعبد القادر الجراري واليعقوبي وعبد الحميد العلوي.
ولا أريد أن أختم هذا العرض السريع عن بعض ملامح أدب عيد العرش دون أن أشير إلى بعض الظواهر التي ارتبطت بهذا العيد:
الأولى ـ أن مباريات للكلمات والقصائد تنظم وتمنح فيها جوائز للفائزين.
الثانية ـ أن الناشئين في مجال الكتابة والشعر يغتنمون المناسبة وما يعتمل عنها في نفوسهم ليعبروا عما يحسون من عواطف ومشاعر، وغالبا ما تلقى هذه المحاولات في حفلات المدارس والحفلات الشعبية التي تقام في الشوارع والساحات العمومية.
الثالثة ، أن عيد العرش كان الفرصة الأولى التي جربت فيها الفتاة المغربية حظها في مجال الكتابة والشعر.
وبعد، فلعلي بهذا ـ وغيره كثير ـ لا أستطيع أن أتحدث عن مسيرة الأدب الحديث والمعاصر في المغرب، دون أن أسجل أن عيد العرش كان عاملا من عوامل النهوض بالحركة الأدبية، وأنه أظهر نوعا جديدا من الأدب الوطني، أهم ما يمتاز به صدق العاطفة وتأججها والتلقائية في التعبير والبعد عن الغلو والمبالغة.
وهو بذلك صورة من التاريخ النابض بالمشاعر والأحاسيس والمطامح والتطلعات، بل هو الصورة الحقيقية لتاريخ المرحلة.

1)سبق للكاتب أن تناول هذه القضية في عدة أبحاث منها:
ـ) النضال في الشعر العربي بالمغرب.
ـ) الشعر المغربي في مرحلة النهضة (مجلة المناهل العدد الخامس)
ـ) مقدمة ديوان الشاعر مفدي زكريا: (من وحي الأطلس).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here