islamaumaroc

نظرات سريعة حول الانعكاسات التاريخية والدولية لاسترجاع الصحراء

  دعوة الحق

174 العدد

ترتبط وقائع العالم وتتفاعل فيما بينها على وجه تحتمه طبيعة الحياة الحضارية الحديثة، المتميزة بتقلص المسافات وانهيار الحواجز، وشمولية نطاق التجاوب بين الأفكار والتشابك في المصالح، ومن ثم، فإن أي تطور يحدث على صعيد بلد من البلدان إلا وتنعكس عنه دلالات معينة على المستوى الدولي في نطاق جهوي أو قاري أو أعم منذلك، وربما كانت تلك الدلالات ذات قيمة نظرية فقط، تتعلق باعتبارات التاريخ دون أن تهم الحاضر المعاش إلا في حدود ضئيلة، إلا أنها قد تكون في أحوال أخرى على العكس، موصولة باهتمامات الحاضر، متأثرة به ومؤثرة عليه، سواء ذلك في النطاق المحلي الذي شهد منطلق الحدث المرتبطة به تلك الدلالات، أو في النطاق الدولي عامة.
ومثل هذا التفاوت في أهمية الوقائع التي تفرزها حركة الحياة هنا وهناك، محكوم طبعا بعدة عوامل، من بينها مستوى أهمية البلد بالذات، الذي كان محالا لنشوء الحدث، متمثل ذلك في حساسية موقعه أو نباهة سكانه، أو وفرة ممكناته، أو طلائعية دوره أو ما إلى مثل هذه المميزات مما يثري قيمة المكانة التي يتبوؤها قطر من الأقطار ويثرى بالتبعية ـ قيمة المؤثرات المحلية أو الخارجية للأحداث التي تصدر بواعثها عن هذا القطر، أو تقع لنتيجة للتفاعل بينه وبين تطورات العالم المختلفة.
والمغرب من بين مناطق العالم التي توفر لها قدر مهم من هذه المميزات (أهمية الموقع والممكنات، دينامية نشاط الإنسان وخصوبة قابلتياته) وذلك ما يلزم عنه أن يكون لتحركات هذا البلد في اتجاه استكمال شروط التحرر والنمو، انعكاسات لها اعتبارها في مساق الفكر التاريخي، من جانب، وفي مضمون التفاعلات الدولية والعالمية الراهنة من جانب آخر.
ويعرف في مضمار التمثيل على ما ذكر ـ ما كان من صلة ظرفية إن لم تكن سببية بين استقلال المغرب وشمول الاستقلال منطقة المغرب العربي ثم غرب افريقيا، وهو مظهر واضح التعبير عن سعة الأفق التاريخي والآني الذي تتم فيه التحركات والأحوال في حظيرة الحياة الدولية والعالمية المعاصرة.
وقل مثل هذا، عن احتلال المغرب حينما وقع احتلاله أوائل القرن الحاضر حيث ارتبطت عملية الاحتلال تلك، بأشد بوادر الصراع بين الدول الاستعمارية، وإذ بلغت التناقضات بين القوى المتصارعة في هذا المجال حدا، عجل بتفجير الحرب العالمية الأولى، ثم دخول العالم فترة ترقب وتأهب لخوض الحرب العالمية الثانية، التي أعقبها انهيار النظام الاستعماري، وتبلور الصور الجديدة التي عليها عالم اليوم.
إن احتلال المغرب ثم تحرره، حصلا كلاهما ـ كما نرى مما ذكر ـ في نطاق أفق تاريخي من قبيل تلك الآفاق التي يتحول فيها مسار العالم عبر وجهات جديدة، تفرضها حركية التاريخ، ومعادلات المنطق المحفوزة به هذه الحركية.
ومن غير مغالاة في القول، يمكن التأكيد بأن خط سير المغرب قد انطبع في كثير من معالمه ـ بمدلول هذه الحال، حالة التلازم بين التطورات التاريخية الخاصة به، وتطورات التاريخ في أبعاده الدولية والعالمية البارزة
وقد توالى هذا التلازم على مدى الدهر، فكان مما تبلور عنه من وقائع التاريخ الكبرى: بقاء وجود العرب في الغرب الأوروبي طوال قرون تحت تأثير التدخل المغربي لحماية الأندلس الإسلامية، كما كان منه في صورة أخرى، ما حصل من موقف الطلائع الأولى للتوسع الأوروبي عبر الشمال الافريقي وشمال الساحل الغربي للمحيط الأطلسي، بعد أن تم للمغرب تحديد حركة التسربات البرتغالية عبر شواطئه انطلاقا من القرن الهجري العاشر، وكان من ذلك في مثال ثالث، استمرار التكافؤ في السيادة خلال القرون الأخيرة بين الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، متمثلة في مغرب المولى إسماعيل والمولى محمد بن عبد الله، وبين الضفة الشمالية (الضفة الأوروبية) للمنطقة المتوسطية.
ومما كان من هذا التلازم في عصرنا: اضطلاع المغرب انطلاقا من بداية الستينات، بدور طلائعي في مسلسل التطورات التي أدت إلى تكريس فكرة التضامن والتكافل بين الأفارقة في صورة المنظمة الحالية للوحدة الإفريقية.
ثم كان من ذلك أيضا: احتضان المغرب سنة 1969 لأول جمع دولي إسلامي، انبثقت عنه مؤسسات عملية ومنتظمة لتأطير التضامن الإسلامي، وترسيخ فاعليته على نطاق عالمي.
إن هذه النماذج لتنتمي ـ كما نرى ـ لعصور متباعدة، إلا أنها تعكس جميعها مستوى متماثلا فيما تشير إليه من ملابسات مغربية في مجرى عديد من الوقائع والتطورات المهمة على صعيد التاريخ العالمي.
ومن منظور هذه الزاوية، يستشف المرء عددا من الدلالات المتصلة بموضوع استرجاع المغرب لصحرائه، بعضها موصول بالسياق التاريخي للملاحم التي خاضها الكيان المغربي حفاظا على حوزته السياسية ومرتكزاته الحضارية، وبعضها الآخر متصل بالانعكاسات الدولية لهذا الحدث، وما تتضمنه من آثار إيجابية على صعيد القضايا والمشكلات العالمية.
ولنتناول هذين القطاعين في الموضوع:

أولا: الحدث من حيث دلالاته التاريخية:
وضمن هذه الوجهة في النظر، يمكن استبانة الموضوع من مناظير أساسية وهي:
1 ـ من منظور تاريخ الصراع حول الساحل الأطلسي المغربي.
2 ـ من منظور حركة تصفية الاستعمار في عالمنا المعاصر.
3 ـ من منظور التكامل الافريقي والعوامل الأجنبية المضادة له.
ولنلمح في إلمامة جد سريعة ـ هذه المعطيات الثلاثة، على ضوء الحدث الذي أنجزه المغرب باسترجاعه صحرائه، مركزين في هذا السياق على التفتحات التاريخية التي صنعها بتحقيقه هذا الإنجاز.
1 ـ جانب العلاقة بين الحدث، وبين مسلسل الصراع حول الشاطئ الأطلسي:
على الرغم من أن احتلال القرى الأجنبية لصحرائنا المستردة، يرجع إلى بضعة عقود فقط، فإن عموم الشاطئ الأطلسي المغربي الذي تشكل هذه الصحراء امتداده الجنبوبي، قد استمر ـ على مدى تاريخي طويل، محط أنظار التوسعيين الأروبيين ومستهدفا رئيسيا من مستهدفاتهم في افريقيا، منذ مطالع القرن السادس عشر، وترجع أصول القصة كما يعرف تاريخيا ـ إلى العهود المتأخرة من ملحمة الدفاع المغربي عن الأندلس، حيث أخذ الايبريون ـ اسبانيين وبرتغاليين ـ يغيرون على السواحل المغربية للارتكاز فيها، مستفيدين من انقلاب موازين القوى في العدوة الأندلسية لصالحهم، وبالتالي، تراجع القوة الرئيسية، قوة المغرب، التي كانت تحصرهم في نطاق معين داخل البر الابيري، وقد بدأت الإغارات الابيرية على الساحل الأطلسي المغربي في وقت مبكر جدا حيث شهدت ـ سلا أثناء سنة 658 هجرية، أي خلال عهد السلطان المريني يعقوب بن عبد الحق ـ هجمة شرسة من قبل بعض البحارة الإيبريين، كانت من أولى المحاولات التي بذلت بهذا الصدد، وسجلت القرون التالية، سلسلة طويلة من غمرات الصراع بين الإيبريين والمغرب حول الساحل الأطلسي سعيا من أحد الطرفين لانتزاع نقط ارتكاز في الساحل، تتخذ منطلقات لمزيد من اكتساح أراضي الغير، ودفاعا من الطرف الآخر عن المواقع المعرضة للاكتساح.
وتضافر مختلف القرائن على تأكيد الاعتقاد بأن الحملات التي سنت على المغرب في هذا النطاق، كانت تخضع لاستراتيجية محددة الأغراض والمواقع، تستهدف من بين أساسي ما تستهدفه ـ النفوذ ـ عبر الساحل الأطلسي المغربي ـ إلى أقصى ما يمكن من امتدادات هذا الساحل نحو الجنوب، ومن المؤشرات التي كان من الممكن استبانة هذا الاتجاه منها:
أ ـ بروز الإرهاصات الأولى للغزو الإيبري للمغرب عبر الساحل الأطلسي، وليس خلال الشاطئ المتوسطي (أحداث «سلا» سنة 658 هجرية التي أشير إليها من قبل).
ب ـ تعدد التوسع الايبري خلال الساحل الأطلسي إلى نقط جد متقدمة باتجاه الجنوب حتى مشارفة الآفاق قبل الصحراوية (نزول الايبريين بناحية أكادير سنة 875).
ج ـ تقديم الغزو الإيبري ـ في حملته الكبرى خلال العهد الوطاسي ـ المناطق الساحلية الجنوبية التي احتلها، على بعض النقط المهمة في الشمال التي كانت هي كذلك مستهدفة في خطط هجومات (مثل: نزول البرتغال في حصن فونتي بناحية أكادير سنة 875 هجرية قبل نزولهم بالعرائش سنة 190 هجرية).
د ـ شدة تمسك الغزو الإيبري أكثر ما وسعه بالمناطق التي تمكن منها في الجنوب المغربي، كما يتجلى ذلك مثلا في تشبث البرتغال بمواقع احتلالهم في الجنوب طوال 72 سنة مع أنهم جلوا عن مناطق أخرى بالشمال في فترات أقصر، رغم أن مقاومتهم من طرف المغاربة، كانت شديدة سواء في الشمال أو في الجنوب.
لقد كان الجنوب المغربي، حسبما نستشفه من هذا ـ مقصدا قديما من مقاصد التحرك التوسعي الأوروبي منذ انطلاقة ذلك التحرك قبل خمسة قرون خلت، والجنوب طريق الصحراء بطبيعة الحال، وأقاصيه، هي صميم الصحراء بالذات، ثم هناك بعد ذلك الآفاق مفتوحة نحو افريقيا السوداء، الأرض البكر التي طالما حلم بها الأوروبيون قبل أن يتمكنوا من احتلالها.
وهذه واحدة من ملابسات الغزو الأوروبي للصحراء حينما تطلع إليها نفس هؤلاء الايبريون اعتبارا من أواخر القرن الماضي، أي بعد قرون من محاولاتهم الأولى أثناء القرن السادس عشر للتغلغل في الشاطئ الأطلسي المغربي، حتى امتداداته الجنوبية.
وفي ارتباط بهذه الملابسات، نستجلي معاني تاريخية قيمة من حدث تحرير الصحراء، واسترجاع الوطن بتحريرها وحدته وتكامل كيانه.
2 ـ جانب العلاقة بين الحدث، وحركة تصفية الاستعمار على الصعيد العالمي:
يعتبر المغرب من أخريات الدول التي تعرضت للاستعمار، ومن أولى الأقطار التي تحررت منه في مضمون موجة التحرر التي شملت أفريقيا وآسيا عقب الحرب العالمية الثاني، إلا أننا إذا وضعنا في الاعتبار التسلسلات الإيبرية القديمة إلى الشاطئ المغربي خلال القرن السادس عشر، فإننا نرى أن المغرب بهذا الاعتبار، كان من أقدم أهداف التوسع الأوروبي قبل أن يستفحل هذا التوسع في مجرى القرون الأخيرة.
إنها مرحلة ازدواجية في علاقة المغرب بالاستعمار، تتمثل في قدم هذه العلاقة من جانب، (اعتبارا لما عاناه المغرب انطلاقا من القرن السادس عشر) وحداثتها من جانب آخر، إذا حصرنا النظر في أمر الاحتلال الشامل للمغرب أوائل القرن الحاضر.
وكما هو ظاهر، فإن ظروف المغرب الموقعية والتاريخية، قد فرضت عليه علاقة نوعية بالاستعمار على هذا الوجه، تتشكل منها ظاهرة ذات طبيعة خاصة، ولعل من ارتباطات هذه الظاهرة، ما كان من تجزؤ المغرب ـ تحت النظام الاستعماري ـ مناطق وجيوبنا مختلفة، ثم ما كان ـ بعد ذلك ـ من تمرحل التوقيت الذي انتزع فيه استقلاله ووحدة كيانه.
لقد عاصر المغرب ـ نتيجة ظروف علاقته بالاستعمار مختلف أطوار الصراع ضد التوسعية الأوروبية منذ انطلاقتها الأولى، وشارك بفاعلية جد مؤثرة في توجيه استراتيجيات هذا الصراع، وتكييف نتائجه، وباسترجاع المغرب للصحراء، يكون قد أدى ـ فضلا عن الاعتبارات الوطنية للعملية ـ إسهاما قيما في سياق المرحلة الأخيرة للعمل على إنهاء النظام الاستعماري العالمي، وتصفية تركته.
وينم التاريخ الاستعماري لدولة الاحتلال التي انتزعت منها الصحراء، عن هذه الملابسة الخاصة التي تكتسيها العملية التي أنجزها المغرب، فالصحراء التي و قع تحريرها، ليست فقط فلذة كبد كيان قومي أرجعت لأصلها، بل إن هذا الاسترجاع، ليشكل مظهرا لتهاوي بقايا امبراطورية استعمارية عتيقة، ترجع جذورها الأولى إلى بداية الاستعمار الحديث نفسه، ويمثل النضال القومي الذي أفضى إلى استردادها ـ متوجا بحركة المسيرة الخضراء ـ صورة عن طول نفس الوطنية التي خاضت هذا النضال، وعبقرية الصمود الذي مكنها من موالاة الصرع، وتحمل مقتضياته طوال هذه الحقبة من بداية النظام الاستعماري إلى ساعتنا هذه، حيث يلفظ الاستعمار الحديث آخر أنفاسه.

الحدث من منظور التكامل الافريقي، والعوامل الأجنبية المضادة له:
ما برحت الصحراء تشكل ممرا أو معبرا لحركة الرجال وتبادل المصالح التجارية، والأطروحات الفكرية والحضارية والمنافع من كل نوع، بين المغرب وغرب افريقيا، إلا ان ما انتهى إليه التدخل الاستعماري في المنطقة هو تحويل التفتح هذا، فيما بين طرفي الصحراء إلى حالة انغلاق وعرقلة استمرار التواصل الحر والكثيف بينهما على هذه الصورة.
وتوحي المقولات التي روج لها المستعمر زعما بأن الصحراء كانت حالية من السكان قبل نزول المحتلين بها ـ يوحي ذلك بأن النوايا الاستعمارية كانت ذات طبيعة جذرية، بحيث تتجه إلى تخليد بقاء الوضع الاحتلالي بالصحراء إلى ما لا نهاية، ولو أن هذا حصل، فعلا، لكان قد أدى إذن، إلى تكريس حالة الانعزال بين المغرب وجنوب الصحراء، وخلق وضعية داخل الغرب الافريقي، مناقضة للمنطق التاريخي والجغرافي بالمنطقة ومعززة للأحوال الشاذة من هذا القبيل في مناطق أخرى من العالم.
وقد تم تحرير الصحراء، وبقدر ما تحرر المغرب ـ بهذا الإنجاز ـ من حالة تجزئة تسلطية، كان مفصولا بمقتضاها بعضه عن كله، فإن كافة القطاع الغربي الافريقي قد تحرر ـ في هذا المضمون ـ هو الآخر ـ من وطأة تدخل أجنبي، كان يلقي ظلالا كثيفة على عامة المنطقة، ظلالا تعترض السياق الطبيعي والتاريخي لتواصل طرفي المنطقة وتجاوبهما. وهذا ـ من منظور التاريخ ـ حدث كبير في موضوعه وملابساته، إذ أنه يعكس نهاية سعيدة لقصة الصراع بين قوى التوسع التي ما فتئت تتداخل كحاجز عازل للمغرب عن افريقيا، وبين طاقة الصمود المغربي التي لم تتوان طوال الدهر عن زحزحة هذا التدخل وزحزحته، إلى حين التوصل، لتصفيته واجتناب جذوره.
هذه جملة من الدلالات التاريخية المرئية من خلال الإنجاز الذي توصل إليه المغرب بتحريره صحراءه واستكماله وحدته الترابية، وهذه الدلالات ـ وإن كانت جذورها ـ كما يلحظ ـ تتعمق في خلفيات التاريخ بمسافة غير قصيرة، فإنها تلتقي مع ذلك بعدة اعتبارات في السياسة الدولية الراهنة، وتتشكل منها في هذا النطاق انعكاسات شتى على الصعيد الجهوي والافريقي والعربي، وهذا ما يقودنا إلى القطاع الثاني من الموضوع وهو:
2) الانعكاسات الدولية للحدث
ونتطرق إلى هذه الانعكاسات من خلال ثلاثة مواضيع هي:
أ ـ موضوع أنشطة التخريب الدولية
ب ـ موضوع الأطروحات الانفصالية، والتحركات الهدامة الواقعة في هذا النطاق.
ج ـ موضوع المناورات المستمرة لبلقنة افريقيا، وتفتيت بعض الكيانات فيها.
لقد فرض المساق العالمي في أطواره المعقدة الحالية، أن يصطدم نضال المغرب لتحرير صحرائه بجهتين مزدوجتين، تتمثل إحداهما في قوة الاحتلال، وتتشكل الثانية من مجموعة التيارات التخريبية الموحدة ـ رغم تباين مشاربها وحوافزها ـ حول العمل على عرقلة جمع الشمل المغربي وتأييد تجزئته.
وكان استرداد المغرب للصحراء ـ فضلا عن منطوياته الوطنية ـ ذا انعكاسات مهمة على صعيد الأمن الدولي، فيما يهم ضرورات هذا الأمن، من تحجيم أنشطة التخريب والانفصال والتفتيت، وتقليص المجال الذي تجري فيه هذه الأنشطة بأكثر ما يمكن.

أنشطة التخريب الدولية
هناك حقيقة يمكن أن تكون محط اتفاق الآن بين كافة الملاحظين، وهي أن استرجاع المغرب لصحرائه، قد وضع حدا لاحتمالات واسعة للتخريب الدولي في عموم قطاع شمال المغربي الافريقي، فضلا عما وضعه من حد للوجود الاستعماري التقليدي، الذي كان جاثما على الجنوب الصحراوي المغربي.
ومنطقة شمال الغرب الافريقي، كما يعلم ـ من بين المناطق المرموقة في تعيين المواقع الاستراتيجية في العالم، وتقييم النقط الحساسة ضمن خطوط الاتصالات العالمية، إلا أن المنطقة ـ رغم ما هي عليه من هذه الأهمية قد ظلت لأمد غير يسير، بمنأى عن متناول أنشطة التخريب الدولية، التي اتجهت إلى قطاعات أخرى في أفريقيا، أقل مناعة إزاء التسللات الخارجية، وأكثر ثغرات فكرية ونفسية وسياسية وتنظيمية، لتسريب التخريب المرتبط بأهداف هذه التسللات، وتوسيع عملياته.
ومافتئت حصانة منطقة شمال الغرب الافريقي مرتكزة على أرضية صلبة من التماسك الاجتماعي لسكانها، ومتانة جذور قيمهم التاريخية والحضارية، وقوة ارتباطهم بمثلهم، وأنماط حياتهم المتميزة، إلا أن وجود الوضع الدخيل الذي كان قائما في الصحراء ـ لم يكن من شأنه ـ لو استمر وقتا أطول ـ إلا أن يقلب موازين الاستقرار الدولي، المخيم آنئذ على الناحية، ويفتح منافذ شاسعة وغير محدودة، لتطلع قوى مختلفة وغير مراقبة، للتدخل في عين المكان، واتخاذه موطئ قدم لممارسة مناهج التخريب التي تستهدف السيادة المغربية أولا، ومنطقة شمال الغرب الافريقي عامة، مرتبطة في ذلك، بجهات مختلفة ومعقدة النوايا في المضمار الدولي والعالمي.
وواضح أن العناوين التي كان من الجائز أن تتخذها تيارات التخريب في المنطقة (عناوين اليمين أو اليسار أو ما إليهما) لم يكن من الضروري، أن تكو هي موطن الأهمية في تلك الاحتمالات التدخلية، وإنما مناط الأمر هو في تلك التدخلات نفسها، التي كانت ستنطوي بالضرورة ـ على خطورة متناهية، تقفز بالمنطقة جميعها، منطقة شمال الغرب الافريقي ومجاورتها، إلى هوة التعقيدات الصراعية، وما يرتبط بها من مواكب العنف والتخريب، مما تعاني منه عدة مناطق في العالم اليوم.

التحركات الانفصالية
اعتمدت الحركة العربية الإسلامية الحديثة في تأصيلاتها الفكرية على مبدأ التجمع والترصي، كمبدأ منطقي وحتمي أولا، ثم كأساس معتمد ثانيا في مواجهة خطة التفتيت والتعديد، التي تركز عليها تنظيرات في المذهب الاستعماري، من أهم ما تنبني عليه الخطوط الفكرية والعلمية لهذا المذهب.
وعلى الرغم من أنه مضى أمد له اعتبار على شمول الاستقلال للعالم العربي والإسلامي، فإن المواجهة في هذا الموقع بالأخص، موقع التصادم بين مبدأ التجمع ومبدأ التفتيت، ماتزال قائمة في أكثر من قطر عربي أو إسلامي، تغذيها ـ فضلا عن بعض الروافد التقليدية ـ روافد أخرى موصولة بقوى توسعية عالمية جديدة، وبجهات مختلفة الحوافز، فيما تنساق إليه من اصطناع الانفصالات الاعتباطية في المنطقة العربية الإسلامية.
لقد عرف عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية في وقت مبكر (في خلال الأربعينات بالذات) تحركات في هذا الاتجاه على حساب بعض الكيانات الإسلامية، بآسيا، إلا أن العقود التالية، شهدت استفحالا قويا لهذه التحركات، استوعبت ما بين الخليج والأطلسي، وكان المغرب آخر الأهداف في هذا المجال، حينما خلص على خوض المعركة الحاسمة في ملحمة استرجاعه لصحرائه
وهناك ملاحظة بارزة بهذا الشأن، وهي أن مختلف الحركات الانفصالية التي توالت في المحيط العربي، قد آلت إلى إخفاق، رغم كل ما يسندها من خلفيات دولية متسعة، ومرجع الأمر في هذا المجال إلى الحضانة الفطرية للفكر العربي ضد مثل هذه التحركات التي تصطدم دائما ـ كلما بدرت في قطر أو آخر ـ بصرح تاريخ اجتماعي عريق وبمفاهيم واقتناعات متجذرة في أعماق الوجدان العربي، بعيدا عن متناول التأثيرات السطحية الملقى بها من خارج البيئة العربية.
وقد كان نجاح المغرب في توحيد شمله بصحرائه، معلمة جد هامة في هذا السبيل، نحو مزيد من تجذر المناعة عند العرب ضد الانفصالات، وازدياد ترسخ العوامل المتضافرة على تعميق التلاحم والتكامل، داخل الكيانات العربية.

التوسع عن طريق التجزئة في افريقيا
مثلما تتوفر للعالم العربي منظمة إقليمية لتنسيق التضامن والتعاون بين وحداته، هي الجامعة العربية، تقوم في النطاق الافريقي منظمة الوحدة الافريقية، مرتكزة في الجوهر على نفس الأهداف والمبادئ.
ويعكس وجود المنظمتين، الاتجاه الأساسي في المحيط العربي، أو في المحيط الافريقي نحو الوحدة في شكلها التضامني أو التعاوني، وما يوجبه الحال ـ بحكم هذا ـ من تناسق في المصالح والأهداف بين الأطراف المتضامنة أو المتعاونة.
إلا أن ثمت بعض النزعات المحدودة جدا، التي تحاول أن تضع التضامن والتعاون الافريقي في غير غطاره الطبيعي، المحكوم بالاعتبارات المبدئية والموضوعية الافريقية، وتطرح بديلا عن هذا الخط الواقع خطا آخر يرتبط بمفاهيم «الشوفينية» و«الدوغماتية» المستمدة من مختلف المستوردات الفكرية.
إن مثل هذه النزعات ـ المعزولة في الواقع داخل النطاق الافريقي ـ قد لا تتحرج عن استعمال أي أسلوب يمكنها استعماله لاصطناع مجال ما، لأطروحاتها وممارساتها السياسية بما في ذلك الترويج للدعاوي التجزيئية والإقليمية على حساب وحدة الكيانات الموحدة بالفطرة، ومثل هذه الدعاوى، التي تتقصد ـ في العمق ـ الإخلال بالبنيات الاجتماعية والسياسية القائمة على منطق الطبيعة والتاريخ وواقع الحياة، إنما يؤول منطقها ـ في نهاية التحليل ـ إلى محاولة التمكن من إعادة تشكيل البنيات المجزاة، وفقا للمصالح الضيقة الخاصة بالجهات الدولية، التي تروج لمثل هذه التحركات داخل البيئة الافريقية.
ومنذ أن أخذت الأقطار الافريقية ترقى إلى الاستقلال، كان من أبرز المعضلات التي واجهتها هذه المعضلة بالذات، المتمثلة في سعي بعض الجهات الدولية إلى تكريس التجزئات الاستعمارية بالقرة، بل والسعي لاصطناع تجزئات أخرى، تضاعف من بعثرة الكيانات القومية الافريقية، وشرذمة مظاهر وحدتها.
وعبر «زايير» و«نيجيريا» وغيرهما كثير، كانت التجزئة هذه قد ذر قرنها لتغرق الأقطار المستهدفة لها في خضم اقتتالات داخلية، تطول مدتها أو تقصر، إلا أن الظاهرة الملحوظة، أنه سواء في «كاطانغا» أو فيما دعي بـ «..............» أو في حالات غيرهما، فإن مثل هذه التشنجات المصطنعة لخلخلة الكيانات الافريقية، كانت كثيرا ما تنتهي إلى لا شيء لكنها قد تترك ـ ضمن نطاق معين ـ شوائب في أفق العلاقات الافريقية، تكون القارة حقا في غنى عنها، وإن كانت تلك الشوائب سرعان ما تتلاشى بعد حين، لتفسح المجال للوضع الطبيعي العادي في الصلات الافريقية.
إن الكثير من المحاولات التجزيئية هذه، تعود ـ في جزء أساسي منها ـ إلى سياسة بعض القوى الدولية التي تتبنى في القارة نهجا معينا، قوامه السعي لإشباع تطلعاتها التوسعية عن طريق العمل على تقطيع أوصال أقطار أخرى، وضم ما يمكن ضمه من الأجزاء المفصولة عن الوطن الأصلي، أو بوضعه بالأقل ـ موضع التبعية السياسية أو الاقتصادية للدولة المتوسعة.
لقد خلف الاستعمار الأوروبي في افريقيا، تركة ثقيلة من المشاكل المتعلقة بالحدود بين عدد من أقطار القارة، على أنه لا يستعصي على الأفارقة التوصل إلى تصفية هذه المشاكل المتخلفة عن العهد الاستعماري، مثلما تمكنوا من تصفية ذلك العهد نفسه.
أما العمل على تجزئة أقطار افريقية، مستقلة، وفصل أجزاء منها لإعطائها شكل استقلال مرحلي، تمهيدا لإلحاقها بكيان آخر غير كيانها الأصلي، فهذه مسألة أخرى، تتجاوز كل ما خلفه النظام الاستعمار المباد من مشكلات ترابية.
وقد كان إخفاق سياسة التجزئة من هذا القبيل في «زايير» و«نيجيريا» عاملا حاسما في وقف المسلسل، الذي كان من شأنه أن يؤدي إلى احتمالات جدية في النيل من وحدة كيانات افريقية أخرى في منطقة خليج غينيا، وفي الجزء الأوسط من افريقيا.
وكذلك الحال في استرداد المغرب لصحرائه، فيما لهذا الإنجاز من انعكاسات حتمية على استقرار الكيانات بالغرب الافريقي، وبالتالي تعزيز أمن المنطقة وسلامتها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here