islamaumaroc

اهتمام العرش العلوي المغربي بشؤون القضاء ورجاله أو تاريخ القضاء المغربي في فترة الحماية -2-

  دعوة الحق

174 العدد

تحت هذا العنوان قدمت القسم الأول منه في السنة الفارطة بمناسبة الذكرى الخامسة عشرة لجلوس ملكنا الحبوب جلالة السلطان المعظم مولاي الحسن الثاني نصره الله وأيده، على أريكة عرش أسلافه الملوك الفخام طيب الله ثراه.
فاستعرضت في ذلك القسم الأول ما لهم رحمهم الله من عناية فائقة، بهذا القطاع الخاص الذي يعتبر الحجر الأساسي لبناء عدالة اجتماعية، وتأسيس حضارة عمرانية في طول البلاد وعرضها والتي بدونها لا يكون هناك استقرار بالوطن، وقد أبنت فيه بالتفصيل والبيان الأطوار التي تقلب فيها القضاء بديارنا المغربية، من أول يوم لتأسيس الدولة العلوية الشريفة إلى آخر عهد استقلال البلاد قبل عهد الحماية المبرمة بين سلطان المغرب المولى عبد الحفيظ رحمه الله بفاس في 11 ربيع الثاني عام 1330هـ. موافق 30 مارس 1912م.
لقد كان ذلك القسم الأول منحصرا في تلك الحقبة الذهبية من عهود القضاء الشرعي ببلادنا فعرف القضاء إذ ذاك استقلاله عن السلطة الحاكمة، وعرف رجاله المجد اللائق بهم كقضاء علماء نزهاء، لا يهابون أحدا إلا ضميرهم النقي، وإلا خوف الله العظيم الذي رفع من قدر المقسطين إلى أعلى عليين.
وأريد اليوم متابعة الحديث عن القسم الثاني  الذي يبتدئ من أول يوم من عهد فرض الحماية على المغرب، فأقول: إننا عندما نستعرض فصول تلك الحماية نجد أن عاهل المغرب المولى عبد الحفيظ صدر الأول ما يأتي: اتفقت حكومة الجمهورية(1) الفرنسية اهتمامه بما يتعلق بشؤون القضاء، فقد جاء في فصلها ـ مع جلالة السلطان، على إنشاء نظام جديد في المغرب، يسمح بالإصلاحات الإدارية والقضائية والتربوية والاقتصادية والمالية والعسكرية التي ترى الحكومة الفرنسية فائدة في إدخالها إلى المغرب.
ولقد أخذت فرنسا على نفسها والتزمت في عقد الحماية الذي أمضاه سفيرها رينو بفاس بأن أول ما تفعله هو الإصلاحات المتعلقة بالإدارة والقضاء فهل وفت فرنسا بما أبرمته وتعهدت به.....؟ يتبين الجواب عن هذا السؤال في الصفحات الآتية:
اننا نجد ان المولى عبد الحفيظ الذي أبرم معها عقد الحماية قد ألح عليها في تنفيذ بنود فصولها، وبالأخص الفصل الأول منها الذي هو موضوع حديثنا أنها لو طبقت حرفيا ذلك الفصل لكان القضاء في عهدها غير الذي تمشت عليه في سياستها القضائية لأنها تمشت ببطء لا يبشر بخير إذ أنها بدأت في التسويفات كدأب المستعمر حينما يفوز بالغنيمة، يحب أن لا يعطي منها ما يعجل بانتهاء مأموريته. وهكذا انصرفت الشهور الأولى من الاتفاق، ولم ترد أن تنفذ شيئا فلم يسع السلطان المولى عبد الحفيظ الذي عاش طول حياته وحياة آبائه وأجداده حرا يتصرف حسب مصلحة وطنه ومصلحة شعبه الذي أعطاه بيعته ليسير به إلى الأمام انه لم يسعه إلا أن يتنازل عن العرش بعدما رأى من انحراف رجال الحماية عما تعهدوا به، فترك الأمر لمن يخلفه.
فجاء أخوه المولى يوسف طيب الله ثراه وفي عهده وبعد إلحاح من جانبه أيضا في البدء بالإصلاح القضائي بالبلاد لم يسع فرنسا إلا أن ترضيه، فصدر الظهير الشريف المؤرخ في 31 أكتوبر 1912 الذي أنشئت بمقتضاه وزارة سميت بوزارة العدلية، وعقب ذلك صدر منشور من لدن الصدر الأعظم مؤرخ بفاتح نونبر من نفس السنة يحدد مؤقتا اختصاص القضاة.
وفي 13 شعبان 1332 موافق 7 يوليوز 1914 حل محله الظهير الشريف الذي ظل زهاء ثلاثين سنة النص الأساسي الذي تخضع له المحاكم الشرعية بالمغرب، كما نبه على ذلك الدكتور موسى عبود في كتابه التنظيم(2)القضائي بالمغرب.
فقسم هذا الظهير رجال القضاء إلى صنفين: قضاة المدن، وقضاة البادية وكانت الأحكام الصادرة عن الصنف الثاني تستأنف لدى قضاة الصنف الأول وأحكام هؤلاء تستأنف لدى وزير العدلية، بمشاركة جماعة من العلماء فكان وزير العدلية جامعا بين السلطتين القضائية والإدارية.
وبقى العمل جاريا على هذا المنهاج إلى أن حلت سنة 1921م. فأحدث مجلس الاستيناف الشرعي بشريف الأعتاب الذي تستأنف لديه جميع الأحكام الصادرة من كافة قضاة المغرب.
وكان هذا المجلس يتركب من رئيس ونائب رئيس وأربعة مستشارين قضاة، وأربعة نواب قضاة، ويضم أربع غرف تنعقد كل منها بحضور ثلاثة أعضاء وكان لكل غرفة كتاب وأعوان وظل العمل جاريا طبق ما بين إلى بزوغ فجر الاستقلال.
وكانت إدارة الحماية تراقب كلا من وزير العدلية ومجلس الاستيناف بواسطة مندوبين فرنسيين ينوبون عن مستشار الدولة الفرنسية في شأن التوجيه والتسيير كما كانت اختصاصات المحاكم الشرعية محصورة في الأحوال الشخصية والميراث والعقار الغير المحفظ، فلم يكن القاضي الشرعي صاحب الاختصار العام، كما كان شانه في عهد الاستقلال.
أما ما يرجع إلى أول محاولة لتنظيم المسطرة المتبعة لدى هاته المحاكم فذاك راجع إلى المنشور الوزيري من طرف أول وزير للعدلية الشيخ أبي شعيب الدكالي وهو مؤرخ في 29 رجب عام 1333 موافق فاتح جوان 1916 ويشتمل على تسعة عشر فصلا كانت تتمشى عليها جميع المحاكم الشرعية بجانب المساطير المقررة لدى فقهاء النوازل والأحكام المتداولة والمقررة عند كافة القضاة بالإيالة الشريفة.
وهناك بعض الظهائر تتعلق بأمور تنظيمية إما بضبط قسم العدول كالظهير الشريف المؤرخ في 24 ربيع الثاني عام 1357 موافق 23 يونيو 1938 المشتمل على ستة عشر فصلا. والظهير الشريف المتعلق بخطة وكيل الغيب المؤرخ في 27 شعبان عام 1342 موافق 2 أبريل 1924 المحتوي على فصول ثمانية والظهير الشريف المؤرخ في 18 صفر 1344 موافق 7 شتنبر 1925 المتعلق بالوكلاء الشرعيين المشتمل على ثمانية وعشرين فصلا. والظهير الشريف المؤرخ في 22 حجة 1341 موافق 6 غشت 1923 المتعلق بأبي المواريث المشتمل على تسعة فصول «انظر هاته الظهائر في «مجموعة صغيرة » مطبعة ماروك ماتان بالرباط 1952».
أما ما يرجع إلى تنظيم الدخول إلى خطة القضاء وترقية القضاة، فقد مر على صك الحماية 25 سنة وليس لهم تشريع ينظم ذلك إلى أن حلت سنة 1937م فعندها برز للعيان الظهير الشريف المؤرخ بفاتح رمضان عام 1355 موافق 5 نونبر 1937م. وهو يشتمل على أبواب أربعة كل منها يندرج تحته فصول الأول يتعلق بنظام انتخاب القضاة وكيفية ولوجهم للخطة، ويتعلق الباب الثاني منه بكيفية التخلي عن الوظيف مؤقتا والرجوع إلى الوظيف والإعفاء، أما بابه الثالث فإنه يتعلق بمراتب القضاة وتسميتهم إلى اثنتي عشرة طبقة في مطلعها طبقة المتمرنين وفي نهايتها الطبقة الاستثنائية، وطبقة الخارج عن الطبقات، ولم يكن أحد من القضاة ليصل إلى هاتين الطبقتين إلا من كان مقربا لدى رجال السلطة الحامية كما هو معروف ومشاهد ولا ينبئك إلا خبير، أما الباب الرابع فإنه ينظم العقوبات التي تلحق بالقضاء الذين لا يسبحون بحمد المندوبين والمراقبين والذين لا يسيرون على نهج هواهم، ولا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها، وأهل مكة أدرى بشعابها.
ولم تكن للقضاة محاكم مشيدة في طول البلاد وعرضها باستثناء بعض قضاة عواصم المغرب والتي لا تعدو أصابع اليد، على أن هاته المحاكم لم تشيد إلا في آخر عهد الحماية وبعد احتجاجات من لدن ممثلي الأحزاب الوطنية كما لم يكن لهم محل لسكنى القضاة المغاربة بالخصوص، أما القضاة الفرنسيون العاملون بالمغرب، فإنهم كانوا يتمتعون بما يتمتع به قضاة فرنسا الأم كما سيأتي التنبيه على ذلك، أما إدراجهم في سلك الوظيفة العمومية فإنهم ظلوا محرومين منها بل كانوا يتقاضون أجرتهم من مدخول الشهادات التي يؤديها المتعاقدان وكان قدرها ثلاثين بالمائة والباقي يتقاسمه العدلان إلى أن أصبحوا موظفين يتقاضون أجرتهم كما يتقاضاها حكام المخزن وذلك بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ في 15 محرم 1371 موافق 17 أكتوبر 1951. ولنتابع الكلام على بقية المحاكم وهي المحاكم المخزنية التي عرفتها البلاد طيلة عهد الحماية فأقول، أنه في 4 غشت 1918 صدر ظهيران يعتبران النص الأساسي بشأن المحاكم المخزنية أولهما يضبط محاكم الباشوات والقواد والثاني يقضي بإنشاء المحكمة العليا الشريفة بشريف الأعتاب.
وصدرت بعد ذلك نصوص تكميلية لهذين الظهيرين، يقول الأستاذ موسى عبود في كتاب التنظيم القضائي بالمغرب: لكن العيب الأساسي الذي اتصف به هذا القضاء هو قيامه على اختلاط السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية.
فالمحاكم المخزنية هي في الواقع عبارة عن مجلس يعقده الباشا أو القائد أو أحد خلفائهما للفصل في الدعاوى وإصدار الأحكام بمحضر المندوب المخزني بجانب الباشا والمراقب المدني بجانب القائد وكانا معا بيدهما كل شيء.
وهذا الاختلاط مخالف لمبدأ استقلال القضاء، لأن الباشوية والقيادة وخلافتهما إنما كانت وظائف سياسية، لا تراعي في إسنادها إلا المصلحة السياسية فضلا عن خضوع متوليها إلى توجيهات السلطة وائتمارهم بأوامرها، أضف إلى ذلك كله أن الأحكام الصادرة من الباشا أو القائد لم تكن مدعمة بقوانين مؤسسة من لدن سلطة تشريعية تعطيها الصبغة القانونية، وقد لمس ذلك وعبر عنه أحسن تعبير السيد محمود عزمي مندوب جريدة الأهرام في زيارته للمغرب إبان اشتداد الأزمة المغربية فقال «أمة بدون قانون» ولذلك كانت الهيئات الوطنية تطالب من جملة ما تطالب به مبدأ فصل السلطات، الأمر الذي حمل إدارة الحماية على إصلاح صوري.
فصدر ظهير شريف مؤرخ في 12 حجة عام 1363 موافق 28 نونبر 1944 يقضي بتأسيس محاكم أطلق عليها محاكم المفوضين، ابتدائية ونهائية في الدعاوى التي لا تزيد قيمتها على 10.000 فرنك وابتدائيا فقط مع حفظ الحق بالاستيناف في الدعاوى التي تتراوح قيمتها بين 10.000 و50.000 فرنك وكذا النظر في دعاوي الكراء مهما كانت قيمتها.

المحاكم الإقليمية:
في 15 صفر عام 1373 موافق 24 أكتوبر 1953 أنشئت المحاكم الإقليمية وكان صدور هذا الظهير يصلح لأن يضع نواة تنظيم حديث قائم على مبدأ فصل السلطات وإحداث الطعن على وجه النقض والإبرام وكان عددها سبعا، بالرباط، والدار البيضاء، ومكناس، وفاس، ووجدة، ومراكش، وأكادير.
فهذه أول خطوة خطتها فرنسا نحو الإصلاح القضائي الذي تعهدت به في أول يوم من حمايتها أي بعد مرور ما يزيد على أربعين سنة على بسط حمايتها بالمغرب، إنه عمل يتضاءل أمام ما أنجز في عهد الاستقلال كما سيأتي بيانه في القسم الثالث بحول الله،

المحاكم العربية:
لم تكن هاته المحاكم العبرية موجودة في العهد القديم لأن اليهود المغاربة كانوا خاضعين للشريعة الإسلامية والمدنية على العموم، لقول الله: «وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط» (42 سورة المائدة).
لكن الدولة المغربية تركت للجماعات اليهودية الحرية في فض ما يعرض لأفرادها من دعاوى تتعلق بالأحوال الشخصية والإرثية على يد أحبارها طبقا للشريعة الموسوية، نظرا لاتسام تلك الدعاوى بطابع ديني.
أما بعد الحماية بالمغرب فقد صدر ظهيران بتاريخ 12 مايه 1918 أحدثت بمقتضاهما محكمة عبرية أولية وعليا يشتمل اختصاصهما على جميع المسائل التي تدور حول قانون الأحوال الشخصية والإرثية للإسرائيليين المغاربة.
فالمحكمة الأولية تقام في المدن التي تعين بمقتضى قرار وزيري، أما العليا فمقرها في الرباط وهي تنظر على وجه الاستئناف في الأحكام التي تصدر عن المحاكم الأولية.

المحاكم العرفية:
أما إحداث المحاكم العرفية فإن فرنسا بمجرد ما بسطت حمايتها على تراب المغرب فكر رجالها في فصل القبائل البربرية عن سلطة سلطان المغرب، ويظهر هذا الاتجاه السيء في عملها المتمثل في الظهير الذي استصدرته بتاريخ 11 شتنبر 1914 فقد ورد فيه بالخصوص أن القبائل المسماة بقبائل العرف تبقى خاضعة لقوانينها وأعرافها الخاصة، تحت رعاية سلطات الحماية.
ثم عمدت بعد ذلك إلى وضع أسس تنظيم قضائي عرفي بواسطة تعليمات صدرت عن المقيم العام، وذلك بتاريخ 22 شتنبر 1915 بيد أن هاته التنظيمات كلها لم تكن قائمة على أي أساس تشريعي، وحينما رأت سلطات الحماية أن الوقت حان لإعطاء صلاحيات لهذا التنظيم، أدخلت على تلك التعليمات شكلا قانونيا فاستصدرت الظهير المسمى بالظهير البربري المؤرخ في 16 مايو 1930م. وحدب به نظام القضاء الجنائي لدى القواد والباشوات، شملت بمقتضياته المحاكم العرفي أيضا ابتدائية واستينافية، وعينت مراكزها.
كما أحدثت سلطة الحماية قسما خاصا بالمحكمة العليا وسمته بالقسم الجنائي العرفي، وتحكم هاته المحاكم العرفية بمقتضى الأعراف حتى في مسائل الأحوال الشخصية والميراث، والتي منها عدم توريث المرأة.
وبذلك تم لرجال الحماية ما أرادوه من أول حمايتهم من فصل الأغلبية الساحقة من العنصر المغربي عن حظيرة الشريعة الإسلامية مع أن سكان المغرب البرابرة تقدمت لهم حكومات حكمت المغرب وحافظت على شريعة الإسلام ووحدة ترابه، وناهيكم بالدول المرابطية والموحدية والمرينية.
وهذا العمل المبيت من أجل تنصير الأكثرية من سكان المغرب أثار ضجة كبرى داخل المغرب وخارجه، وكان عملها هذا ابتداء ظهور الحركة الوطنية بانتظام بالمغرب ودل على فشل سياسة رجال الحماية التي تتنافى مع بنودها التي تعهدت فرنسا بها في فصلها الأول كما بيناه في طالعة هذا البحث.
وإن أحسن ما وجه لهذه اللعبة التي أقدمت عليها فرنسا هو ما ساقه صاحب كتاب تاريخ المغرب في القرن العشرين روم لاندو حيث قال: وكائنا ما كان الهدف المعلن عنه رسميا بالنسبة إلى هذه الخطة الجديدة، فإن المغاربة رأوا فيها إحدى الخطوات لتطبيق السياسة المسماة «السياسة البربرية» لقد وصف الجنرال كاترو الأمر بها الكلام «يبدو أن لوسيان المقيم العام تجاوز النصح الذي قدمه له المستشار المقيم العام تجاوز النصح الذي قدمه له المستشار السياسي الذي كان قد درب في مدرسة اليوطي، وقبل بدلا من ذلك رأى مستشار قانوني كان قد أصبح مقتنعا بوجود المنافحة عن سياسة معينة، تؤيدها «الجبهة البربرية» وقد كان هدف السياسة وضع القبائل البربرية مقابل السلطان والمخزن وذلك في سبيل عزلها عن الحياة السياسية في دورانها في دائرة مغلقة، انظر تمام كلامه في الصفحات 176 إلى 183 فقد أشبع الكلام حول هاته النقطة الحساسة في انطلاق الأزمة المغربية.
ومنها ندرك تمام الإدراك ما قامت به فرنسا من إصلاح قضائي يحمي مصالحها أولا ويعمل ثانيا على تأييد مركز المبشرين على محو الدين الإسلامي بهذه الديار، ولكن «لا يحيق المكر السيء إلا بأهله»  سورة فاطر.

المحاكم الفرنسية:
إنه لما يستغرب منه أن نجد اهتمام فرنسا بإنشاء المحاكم الفرنسية يفوق اهتمامها بالمحاكم المغربية التي هي الأصل كما يتجلى ذلك مما يأتي، ففي 9 رمضان 1331 موافق 12 غشت 1913 صدر ظهير شريف أنشأ بمقتضاه محاكم تتعلق بشأن الترتيب العدلي للحماية الفرنسية بالمغرب صدر ظهير شريف يشتمل على فصول ثمانية ينص فصله الأول على تأسيس محاكم محلية ومحاكم ابتدائية ومجلس الاستيناف بالإيالة المغربية الداخلة تحت الحماية الفرنسية، يحكم بها حكام إما اختصاص هذه المحاكم كما بينه الأستاذ موسى عبود بقوله فهو النظر في الأحوال الآتية:
1) متى كان المتهم أو أحد المتهمين فرنسيا، أو من رعايا الدول الأجنبية الأخرى.
2) متى كان المجني عليه فرنسيا أو من رعايا الدول الأجنبية الأخرى أيا كانت جنسية المتهم.
3) متى ارتكبت الجريمة أثناء انعقاد جلسات هذه المحاكم، وفي مكان انعقادها أيا كانت جنسية الفاعل.
4) في بعض مسائل مختلفة تعيها مختلف الظهائر مثلا مخالفة قانون الصحافة وقمع الغش في المواد الغذائية والاعتداء على الملكية الصناعية والأدبية والفنية.
وزاد الأستاذ عبود موضحا قوله: انها تتمتع بنظام صحيح، وكان جهازها القضائي مؤلفا من قضاة مهنيين ينتسبون إلى السلك القضائي الفرنسي وكانت تتمتع فوق هذا كله باستقلال مهني تام، دون أية رقابة أو تدخل، وكانت أحكامها قابلة للطعن على وجه النقض لدى محكمة النقض بفرنسا وهو تدبير وإن كان يمس السيادة المغربية فمن الناحية العملية كان ضمانة لسلامة الأحكام وتوحيد الاجتهاد، يضاف إلى ذلك أنها كانت مزودة بمجموعة من القوانين العصرية التقدمية سواء منها القوانين الجوهرية والقوانين الشكلية.
من هذا العرض الوجيز عن تأسيس المحاكم الفرنسية بالمغرب ندرك تمام الإدراك ما لهاته المحاكم من أهمية لدى الحكومة الفرنسية، لأنها ترمي من وراء ذلك إلى جلب المستوطنين الأجانب إلى أرض المغرب حيث يعلمون حق العلم أن مصالحهم مضمونة بتوفر هاته المحاكم التي تصونها ولو لم يكن الأجنبي فرنسيا فيدخل في ذلك حتى رعايا الدولة الألمانية التي هي عدوة لفرنسا في الحربين العالميتين وبسبب ذلك استولوا على معظم الأراضي الجيدة بتراب المغرب وكان المعمرون كيفما كانت جنسيتهم يتحكمون في كل شيء حتى في شؤون الإقامة العامة بالمغرب فيبقون من المقيمين من نفذ خطتهم ويسعون في إبعاد من لم يسر على هواهم.
وهناك محكمة دولية بمدينة طنجة وتسمى بالمحكمة المختلطة وكانت تتألف من قضاة سبعة مهنيين ينتسبون إلى الأسلاك القضائية لمختلف الدول ومن عدة قضاة محلفين يختارون من بين رعايا الدول الموقعة على عقد الجزيرة، (أنظر بقية الكلام في نفس المصدر إن أردت التوسع حول هاته المحاكم).
وتتبع البيانات لا يهمنا في هذا البحث وإنما نسوق ذلك مساق من يؤرخ لهذه الفترة التي مرت ببلادنا، التي فقد القضاء فيها استقلاله ووحدته، ويكفينا أن نعرف كيف مزقته دولة الحماية تمزيقا ذريعا ووزعت محاكمنا على أشكال مختلفة فأحدثت لأول مرة ما سمته بمحاكم شرعية وأخرى مخزنية وثالثة فرنسية ورابعة بربرية عرفية وخامسة قنصلية وأخيرا محكمة دولية هذه هي الحال في منطقة الجنوب المشمولة بحماية فرنسا أما في المنطقة الشمالية فإنه يحسن بنا أن نجلب هنا ما تعرض إليه الأخ فضيلة القاضي السيد بوشعيب الإدريسي رئيس الغرفة الاستئنافية سابقا بالناضور في بحثه(3) القيم المعنون بـ: نظام القضاء بالشمال، حيث قال ولما بسط الإسبانيون نفوذهم على جميع منطقة الشمال عينوا في كل قبيلة وفي كل مدينة قاضيا وجعلوا رئيسا لهم بتطوان كان يدعى في أول الأمر بقاضي القضاة. ومهمته النظر فيما يستأنف لديه من الأحكام من نوابه الذين كانوا عينوا على رأس كل ناحية من النواحي الخمس ـ تطوان ـ العرائش ـ شفشاون ـ الحسيمة ـ الناضور.
إلى أن قال: أما تولية القضاة فكانت خاضعة لنفوذ المراقبين والقواد، ولم تكن في أول الأمر بالظهار الخليفية بل كان المراقبون إذا وقع اختيارهم على أحد عينوه، ولو لم يكن كفؤا بعد استشارة رمزية مع نائب قاضي القضاة في الناحية التي يعين فيها القاضي وتابع كلامه قائلا: وكانت الأحكام تصدر بمحضر قائد القبيلة والمراقب، هكذا كان الحال أيام قاضي القضاة بتطوان العلامة السيد محمد احمد الرهوني، ولما أبعد وجعل مكانه العلامة السيد الحاج محمد أفيلال وأصبح على رأس وزارة العدلية رئيسا للاستيناف أصدر أوامره بفصل محاكم القضاة عن إدارة المراقبة.
وكان اختصاص القضاة في أيامه راجعا إلى الأحوال الشخصية والقضايا المدنية، أما الأملاك والجرائم فقد أسندت إلى قضاة الدوائر.
وبقى النظام القضائي على هذه الكيفية إلى شهر أكتوبر سنة 1938 أي في أثناء قيام الحرب الأهلية الإسبانية فعندها أصدر الخليفة السلطاني ظهيرا عين فيه اختصاصات القضاة الابتدائيين وقضاة النواحي والمحكمة العليا للاستيناف، ووسع لهم في الاختصاصات بأن يحكموا في جميع القضايا الراجعة إلى الأحوال الشخصية والعقارية والتجارية وغير ذلك ما عدا الأملاك المحفظة.
وبعدما وضعت الحرب الأهلية الإسبانية أوزارها في أوائل سنة 1939م طالب سمو الخليفة السلطاني من الدولة الإسبانية إصلاحات، منها استقلال القضاء والأحباس فلبى طلبه كمكافأة على ما قدمه المغاربة المشمولون بالحماية الإسبانية أثناء الحرب.
فصدر ظهير خليفي مؤرخ بمتم يونيه 1939 يقضي باستقلال القضاء في المنطقة الشمالية، أنظر تفصيل ذلك في المصدر السالف الذكر.
وقد أشار الأستاذ موسى عبود في كتابه المتقدم إلى تنظيم القضاء بالشمال فقال: يتشابه التنظيم القضائي في الشمال أثناء الحماية إلى حد كبير مع التنظيم نفسه في المنطقة الجنوبية، لكنه يختلف عنه في بعض المسائل الرئيسية.
1) ان القضاء الشرعي كان يتمتع بالاستلال حيث لم تكن عليه أية مراقبة من طرف الدولة الحامية، لاسيما بعد سنة 1938م. اما قبلها فقد كان تحت مراقبة القواد المراقبين.
2) فرغما من وجود عنصر بربري في القسم الشمالي فإن الحكومة الإسبانية لم تنشئ فيه محاكم عرفية بل أقيمت محاكم شرعية في كافة تراب المنطقة المذكورة.
3) القضاء المخزني ظل حتى ءاخر عهد الحماية مختلطا بالسلطة الإدارية، ولم تقم محاولة لفصله عنها، وخلال سنتي 54 – 55 وقعت محاولة إصلاح هذا القضاء بتزويده بمجموعة من القوانين العصرية، ووضع مشروع لهذه القوانين ثم جاء الاستقلال وعلى أي حال لم يكن المشروع يتضمن إصلاحا على أساس مبدأ فصل السلطات.

أما المحاكم التي عرفتها المنطقة الشمالية فهي:
1) المحاكم الشرعية، 2) المحاكم العبرية، 3) المحاكم المخزنية، 4) المحاكم القنصلية، 5) المحاكم الإسبانية.
هذا ما أردت جلب في هذا القسم الثاني المتعلق بتاريخ تنظيم القضاء ببلادنا، في عهد محنته أيام الاستعمارين الفرنسي والإسباني التي تفككت فيه وحدته وأفقد فيها استقلاله.
أما القسم الثالث من بقية الحديث فهو موضوع حديثنا المقبل بحول الله وقوته، وسوف يظهر للقارئ الكريم عندما يطلع على القسم الثالث الفرق الشاسع بين ما بذلته حكومة الحماية قرابة نصف قرن من توليها لشؤون البلاد وبين ما وصل إليه القضاء المغربي في عهد الاستقلال وما بذله جلالة سيدي محمد الخامس رضوان الله عليه من مجهود جبار حتى بوأه المكان اللائق به في مصاف الدول الراقية وما يبذله وارث سره جلالة مولاي الحسن الثاني نصره الله وأيده وأقر عينه بصاحب السمو الأمير ولي عهده سيدي محمد وصنوه الأمير مولاي رشيد وسائر الأسرة الملكية إنه سميع مجيب والسلام.

 1) التنظيم القضائي للدكتور الأستاذ موسى عود.
 2) تاريخ المغرب في القرن العشرين لمؤلفه روم لاندو مطبعة دار الكتاب بالدار البيضاء.
  3) القضاء المغربي بين الأمس والحاضر للأستاذ ........... العراقي مطبعة النجاح بالدار البيضاء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here